رواية وسقطت الاقنعة الفصل الثاني 2 بقلم سهام صادق
الفصل الثاني
*********
أخذت تُطالعه بحنان وكأنه ابنها الذي أنجبته، واقتربت منه تُلامس بذلته السوداء المُنمقة بأناملها قائله بحب:
ربنا يسعدك يا ابني.
ليلتف أياد علي اثر صوتها وهو يُكمل ربط رابطة عنقه قائلا ببشاشة: تفتكري سليم هيقدر يتقبل سالي؟
فأبتسمت حسنيه بحنان: هي بس تفهم طبع سليم، وكل حاجة هتبقى كويسة، ده سليم حبيبي ما فيش زيه.
ليضحك أياد علي حديثها وهو يعلم أفعال طفله الذي تجاوز عامه السادس : يا داده بلاش كذب، مكنش لسه موقعك ولولا ستر ربنا كان حصلك كسر.
فلمعت عين تلك السيدة الحنونة بدفئ وهي تتحدث: علي قلبي زي العسل، و أنا راضية.
وتتسع ابتسامته وهو يُشاهد طفله يدخل حجرته ويحمل حذائه بيديه الصغيره مُرتدي بذلة صغيرة مُنمقة تشبه بذلة والده قائلا بطفوله : مش عارف ألبس الجذمة .
ليطالع أياد أبنه : فين المُربية بتاعتك؟
فجال الصغير بعينيه بين أبيه وحسنيه.. فنطقت حسنيه: مشيت، سليم ضربها بالقلم.
فزفر بعمق وهو يُعاتب طفله بنظراته الجامدة، حتي ترك الصغير الحجرة وهو يحمل حذائه ثانية.
لتخفض حسنيه وجهها أرضا،فيُعاتبها : دلعك ليه ياداده بيأذيه .. سليم بقي فاكر إن اللي بيعمله ده صح، أرجوكي يا داده بلاش دلعك اللي هيطلعه شخص أناني وفاشل.
وترك الحجرة وهو يتنهد بغضب، وأتجه ناحية حجرة صغيره ليجده جالسً علي فراشه بصمت فأقترب منه : فين جذمتك؟
فناوله سليم الحذاء بسعادة ظناً منه بأن والده لم يغضب ولن يُعاقبه... وأخذ يبتسم وهو يرى والده يُلبسه حذائه.
ورفع وجهه قائلا بملامح جامدة: فسحتك بكره محروم منها يا أستاذ سليم، ويلا قدامي عشان نلحق مشوارنا.
فتذمر سليم فكيف لوالده أن يحرمه من فسحته التي ينتظرها شهرياً ليُطالعه بجمود : يلا عشان منتأخرش.
ويسير سليم خلفه وهو يُتمتم بغضب: أنا مبحبش سالي ديه عشان وحشه.
ليلتف إليه بتحذير صائحا: سليم!
...................................................................
أغلق هاتفه بضيق، و قذفه علي مكتبه وهو يُتمتم بغضب: غبي، غبي!
ثم أخذه بتوتر ليجري اتصالاً، فأتاه صوت أحدهم يتحدث بتأفف: خير يا هاشم؟
هاشم بقلق: الراجل وقع من طوله قبل ما يوقع علي البضاعة و يعديها من الجمارك .. زين أنا في مصيبة لو البضاعة اتفتشت واكتشفوا انتهاء تاريخ الصلاحيه هروح في داهيه .. مُنتجات الألبان مُسرطنة.
ليهتف زين بغضب: هتفضل طول عمرك غبي، هي وصلت لكده ياهاشم .. وتابع حديثه بحزم: تستاهل لو أتقبض عليك.
و أغلق هاتفه بغضب .. ليسير نحو محاميه قائلا بهدوء: نكمل كلامنا بكره يا متر.
وبعد انصراف مُحاميه الخاص، وجد هاتفه يرن بأسم زوجته ليتأمل اسمها ببرود قاتل فرغم علاقتهم القويه الظاهره أمام اعين الناس ويحسدونهم عليها .. الا ان كل ذلك مُزيف
فهي تمعته وتبهرهه بجسدها وترضي غروره وهو يدفع المقابل من أسمه وأمواله
................................................................
نظرت إلي والدها بسعادة وهي تراه يأمر مُنظمين الحفل بتوقف الموسيقي للحظات.... ليتناول هو الميكروفون ويشكر ضيوفه لإستجابتهم دعوة حفله .. ثم نظر إلي ابنته وأياد معا : عندي خبر ليكم وصمت قليلا ليُطالع أعين ابنته و تابع حديثه:
أياد المنصوري طلب إيد سالي بنتي...
لتتعالا أصوات تصفيق الحضور فتابع: أنا مبسوط إني هناسب فرد من أفراد عيلة المنصوري، مبروك يا ولاد!
وأنهي حديثه سريعا، ليترك مدعويه يستمتعون بالحفل مُجدداً، وأقترب من أياد قائلا بسعادة: متعرفش أنا مبسوط قد إيه يا أياد، مش هتلاقي زي سالي بنتي زوجه وأم لسليم.
ونظر إلي الصغير المُمسك بيد والده، وإلي إبنته التي تُطالع ذلك الطفل بضيق ..
ليبتسم أياد مجاملة: وأنا أسعد يا عبدالرحيم باشا.
فمد عبدالرحيم يده اتجاه إبنته ووضعها في يد أياد : يلا روحوا أرقصوا ياولاد.
فجذبت سالي يده وأُزاحت يد سليم قائله بأبتسامه مصطنعه: حبيبي سليم ممكن أخد بابا منك شويه صغيرين بس.
فنظر أياد إلي طفله فوجده ثابت بمكانه لا يتحدث، وصار معها فقد جذبته رغما عنه ومازالت أعينه مسلطه علي صغيره لينحني عبدالرحيم قائلا وهو يربت علي وجنتي سليم: خليك ولد شاطر ياحبيبي
وإبتعد ليُكمل الترحيب بضيوفه، ويفتخر بذلك النسب الذي أضاف الي سمعته سمعه وسوف ينقذه من أفلاسه..
فوقف الصغير بمفرده لا يُدرك أي شيء من هذا العالم المُزيف .. وطالع والده بأسي وهو يحتضن سالي وأخذ يغمض عيناه بغضب وهو يُفكر في أمر ما وسريعا ما وجده.
فحبى كالرضيع نحو احدي الطاولات وجلس تحتها يتلاعب بأقدام النساء ويخلع لهن أحذيتهن.. ومن طاولة لأخري أنقلبت الحفل إلي صرخات النساء وأصبح الهرج يعلو المكان ليقف أياد مذهولا بعد أن أنهي رقصته مع سالي والتي أنهتها بقبلة علي شفتيه، وركض نحو الطاولات باحثا عن طفله الذي من المؤكد هو من فعلها بحجمه الصغير وقد ساعده قرب الطاولات من بعضها ... فوقفت سالي مذهولة مما حدث باحثه بعينيها عن أياد.
فكانت فرصة سليم سانحة بأن يسحب ذيل فستانها ليلفه حولها ضاحكا .. حتي سقطت سالي أرضا وأياد يقف كالتائه لا يعلم أيظل بمكانه أم يركض نحوها.
لكنه سريعا أدرك ما يجب فعله، فصغيره يركض بعيدا ضاحكا وكأن شئ لم يحدث!
...............................................................
نظرت الي والدها بألم وهي لا تُصدق بأن الحياه يُمكن أن تأخذه منها كما أخذت اخيها في غفلة... فوضعت بيدها المُرتعشه علي فمها لتكتم صوت نحيبها حتي فتح والدها أعينه قائلا بتعب : متعيطيش يا حنين يابنتي، إوعي تعيطي عايزك تبقي ديما قويه .. يابنتي سامعه ... وعاد يُغمض عيناه من شدة تعبه فتمتم بخفوت: لما تدفنوني وتاخدوا عزايا .. إسألي أمك عن الجواب اللي سيبتهولها، إوعي تنسي يا حنين .. وخلي بالك من أمك ومن نفسك يا بنتي.
ومدَ يده يُعانق يدها لأخر مره وهو يُتمتم: أنا رايح لأخوكي، أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أنا محمد رسول الله.
فأرتعشت يدها لثواني وهي لا تُصدق وكأنها في كابوس، وأبتسمت بخفوت قائله: بابا إصحي أنت بتضحك عليا .. وعايز تعمل نفسك ميت عشان أحضنك وأبوسك وأقولك أصحي وانحنت بجسدها لتلتقط يده: يلا بقي نخرج من المستشفي الوحشه ديه اللي بيحسسونا فيها بفقرنا...
وصاحت بصوت عالي بعدما رأت إحدى الممرضات تنظر لجهاز القلب بإشفاق والذي أعلن بصافرته عن إنتهاء رحلة ذلك الأب.
حنين: أخيرا حد جيه يشوفنا، يلا نادي الدكتور خليه يشوف بابا عشان نخرج أنا وهو من هنا.
فطالعتها الممرضة بإشفاق قائله: باباكي حالته كانت صعبه يا أنسه، و ماكنش فيه أمل إنه يعيش كان مُجرد وقت.
لتصرخ وهي تُطالع تلك الممرضة بأحتقار: إنتي كدابة! وأخذت تلتف حولها كالمجنونة وهي تُدرك حقاً وفاة والدها، ومن ثم صرخت بوجع: يـــــــــــــاربــــــــــ!
................................................................
أردف بقدميه داخل منزله بإنهاك شديد بعد يوم حافل من المخاطر بسبب تلك الصفقه التي كانت ستؤدي بحياته للهلاك... ليسمع صوت ضحكات تعلو، فوقعت عيناه علي أهل زوجته وهم يلتفون حول طاولة الطعام والخادمة تخدمهم، ليسير ناحيتهم ببرود تام: منورين والله يا جماعه
ليهتف والد زوجته: ده نورك يا هاشم يابني، تعالا تعالا كُل معانا
وحدقت به حماته قائله : بس أنا زعلانه منك يا جوز بنتي ثم همست بعتاب: فين هدية عيد الأم بتاعتي.
فحاول أن يبتسم هاشم مجاملة قبل أن ينفجر بهم: إن شاء الله يا حماتي، أومال فين هبه؟
لتجيبه حماته قائلة بعدما عادت تلتهم طبق الأسماك الموضوع أمامها: راحت تغير للبنات.
وكاد أن يستأذن منهم ليتجه نحو غرفته، فوجد والد زوجته يُحادثه وهو يطالع أبنته الصغري: قولي لجوز أختك علي مصاريف جامعتك الخاصة ياريم، أنا عارف إيه اللي خلاني أطوعك إنتي و أمك.
فأخفضت الفتاه رأسها أرضا فيما طالعها هاشم: متقلقيش يا ريم بكره المصاريف هتدفع.
وغادر من أمامهم قبل ان يصُب غضبه عليهم لطلباتهم التي لا تنتهي.. وأتجها الي غرفته ليهرب من تلك العائلة التي لا تنطق الا بكلمات الاخذ والطلب ، وأردف داخل حجرته يبحث عن زوجته فيجدها تُبدل ملابسها المُبتلة وأخذ يقترب منها برغبة وهو يلتهم جسدها وضمها إليه: وحشتيني
فحدقت بوجهه بصدمه وكأنه ليس هاشم زوجها، ورفعت بوجهها نحوه ليتأمل هو عينيها السوداء قائلا بهيام: بحبك!
لتُلجم الصدمة ملامح وجهها أكثر، وأحتضنته بحب: وأنا كمان بحبك أوي يا هاشم.
وتذكرت والديها وطلبهما من أجل أخيها فقالت دون وعي: حسام عاوز عربية جديدة يا حبيبي!
ليبتعد عنها بغضب، فندمت علي حماقتها ولكن بعدما فات الأوان.. وأقتربت منه قائله بتوسل: والله ما قصدي يا هاشم أصل.....
فأزاح بيدها التي حاولت أن تُمسك بذراعيه، وألتقط ثيابه سريعا من دولاب ملابسه .. ليدخل المرحاض قائلا ببرود: روحي شوفي البنات ياهبه.
وأغلق خلفه الباب بقوه وهو يُتمتم بغضب، فطالعت ذلك الفراغ الذي تركه خلفه بألم : أنا إيه اللي عملته ده!
...................................................................
صرخ بطفله، حتي وجد نفسه يهوي علي أقرب مقعد .. ليتنهد بتعب: إمشي اطلع علي أوضتك.
فركض سليم للأعلى بخوف، ولكنه سريعا ما عاد لوالده بعتاب طفولي: أنا بحبك يا بابا، بس سالي ديه لاء...
وعاد يصعد درجات الُسلم ثانية، لتُطالعه تلك السيدة التي اعتنت به في صغره وأيضا تعتني بأبنه ليُحادثها أخيرا: سليم لازم يُدخل مدرسة داخلية يا داده!
........................................................................
وقفت تستمع الي تهكمات أصدقائها بالجامعة، حتي ركضت بعيداً عنهم .. لتسمح لدموعها بأن تزيل بعض من أوجاع قلبها... وتذكرت حديث "منه" أبنة اخو الحج ناجي الذي تعمل لديه كخادمة، فتسمع صوت أقدام قريبة منها
وألتفت بظهرها بعدما مسحت دموعها سريعا.
لتتأملها صديقتها بإشفاق قائلة بحزن: مقولتليش ليه يا ليلى؟
فتسقط دموعها ثانية دون شعورمنها، لتقترب منها صديقتها التي تُدعي حنان : مش إحنا إخوات يا ليلي؟
فهزت ليلي رأسها بألم : مكنش ينفع أقولك يا حنان، سامحيني أديكي عرفتي وكل الكلية عرفت خلاص .. و أخفضت أعينها لتتأمل ملابسها الرثة : عرفتي أنا ليه ماكنتش بلبس غير الطقم ده .. ومش بهتم بنفسي زي البنات!
..................................................................
لمعت عيناه بقوة وهو يتأمل ذلك التمثال الذهبي الصغير، فأرتسمت علي شفتيه ابتسامة نصر وهو يتخيل كيف قد قاده ذكاءه إلي تلك المقبرة التي تضمها أتربة الجبال.
ولكن سريعا ما تلاشت تلك البسمة من علي شفتيه وهو يتذكر بأنه مازال تابعا تحت سطوة ذلك الرجل المجهول الذي يقودهم دوماً.
ليرن هاتفه، ويجيب علي المُتصل بأبتسامه واسعة: البنت وفقت يا مسعد؟
فيأتيه صوت المُتصل مؤكدا: كل حاجة تمام يا حاتم بيه، بس البنت تعبتني جامد معاها وعاملة نفسها شريفة وطاهرة.
ليتهكم وجه حاتم وهو يتأفف: يبقي خلاص تشوف مين هيطلع أخوها من السجن ويدفعله الدين بتاعه...
وأنتهي الحديث بينهم، وأرتسمت ابتسامة واسعة علي شفتي حاتم وهو يتذكر كيف قاده حظه لتلك الفتاة، فهي ليست سوي بفتاه فقيره، قد أبلغها بعض الناس عنه ..بأنه رجل رحيم يفعل الخير وأنه سيدفع لأخيها ذلك المبلغ الذي اختلسه من مصنعه... ليتذكر هو المبلغ الذي لا يتعدى الخمسة ألاف جُنيهاً وهو يُتمتم: الليلة ليلتك يا حلوة!
...................................................................
أخذ يتأملها برغبه وهو يُلامس وجهها بكفوف أيديه الخشنة، فرفعت عينيها اليه بسعاده : حلوه اووي الهديه يازين
وتمايلت بين ذراعيه بدلال ، لتقبله بقبله هادئه علي شفتيه
فلمعت عين زين ببرود فقد أعتاد علي تلك الطريقه منها... يعطيها الهدايا القيمه لترضي رغباته .. ورغم أنه يعلم بأنها لا تتصنع حبها له وأنها تفعل كل شئ حباً الا ان زواجهم كان بدايه صفقه ليس اكثر (رغبه مقابلها المال)
وهتفت بصدق: بتحسسني ديما إني أكتر ست محظوظة في الدنيا ديه عشان اتجوزتك.
ويسمع صوت تنهيداتها وهي تتمايل برأسها علي صدره القوي، وتابعت حديثها: كنت بنت بضفاير و أنت كنت لسه ما كملتش العشرين... بتشتغل في المطعم بتاع بابا.
ليتهكم وجه زين عندما ذكرت أسم والدها لينطق أخيرا: بلاش نفتكر الماضي يا رحمه.
فشعرت سريعا بما يحرق صدره، فذكرى والدها تُسبب له كل ما يحمله من ألم قد تناساه ... وأبتعدت عنه بحب: بحبك أوي يا زين، ونفسي تحبني زي مابحبك.
وعندما وصل حديثهما لذلك الطريق، تنهد قائلا:
رحمه أنا قبل ماأتجوزك.. قولتلك ان الحب مش في قاموس حياتي ، فبلاش تتمني حاجه مش هتحصل
ولامس وجهها بهدوء وهو يُكمل : متجرحيش نفسك بأيدك يارحمه .. فهماني
وحركت رأسها اليه بتفهم .. وهي تشرد بذاكرتها في ذلك اليوم الذي تعارفت فيه عليه ورغم انه لم يعرفها لانها تغيرت تماماً فهو عرفها وهي طفله في الثالثه عشر من عمرها ولكن يوم أن عاد واصبح رجلا يهابه الجميع كانت هي أمرأه مكتمله الانوثه لا ينقصها شئ وهذا هو ما أعجبه بها في احد عروض الأزياء التي كان مدعو اليها من قبل أحد معارفه
*********
أخذت تُطالعه بحنان وكأنه ابنها الذي أنجبته، واقتربت منه تُلامس بذلته السوداء المُنمقة بأناملها قائله بحب:
ربنا يسعدك يا ابني.
ليلتف أياد علي اثر صوتها وهو يُكمل ربط رابطة عنقه قائلا ببشاشة: تفتكري سليم هيقدر يتقبل سالي؟
فأبتسمت حسنيه بحنان: هي بس تفهم طبع سليم، وكل حاجة هتبقى كويسة، ده سليم حبيبي ما فيش زيه.
ليضحك أياد علي حديثها وهو يعلم أفعال طفله الذي تجاوز عامه السادس : يا داده بلاش كذب، مكنش لسه موقعك ولولا ستر ربنا كان حصلك كسر.
فلمعت عين تلك السيدة الحنونة بدفئ وهي تتحدث: علي قلبي زي العسل، و أنا راضية.
وتتسع ابتسامته وهو يُشاهد طفله يدخل حجرته ويحمل حذائه بيديه الصغيره مُرتدي بذلة صغيرة مُنمقة تشبه بذلة والده قائلا بطفوله : مش عارف ألبس الجذمة .
ليطالع أياد أبنه : فين المُربية بتاعتك؟
فجال الصغير بعينيه بين أبيه وحسنيه.. فنطقت حسنيه: مشيت، سليم ضربها بالقلم.
فزفر بعمق وهو يُعاتب طفله بنظراته الجامدة، حتي ترك الصغير الحجرة وهو يحمل حذائه ثانية.
لتخفض حسنيه وجهها أرضا،فيُعاتبها : دلعك ليه ياداده بيأذيه .. سليم بقي فاكر إن اللي بيعمله ده صح، أرجوكي يا داده بلاش دلعك اللي هيطلعه شخص أناني وفاشل.
وترك الحجرة وهو يتنهد بغضب، وأتجه ناحية حجرة صغيره ليجده جالسً علي فراشه بصمت فأقترب منه : فين جذمتك؟
فناوله سليم الحذاء بسعادة ظناً منه بأن والده لم يغضب ولن يُعاقبه... وأخذ يبتسم وهو يرى والده يُلبسه حذائه.
ورفع وجهه قائلا بملامح جامدة: فسحتك بكره محروم منها يا أستاذ سليم، ويلا قدامي عشان نلحق مشوارنا.
فتذمر سليم فكيف لوالده أن يحرمه من فسحته التي ينتظرها شهرياً ليُطالعه بجمود : يلا عشان منتأخرش.
ويسير سليم خلفه وهو يُتمتم بغضب: أنا مبحبش سالي ديه عشان وحشه.
ليلتف إليه بتحذير صائحا: سليم!
...................................................................
أغلق هاتفه بضيق، و قذفه علي مكتبه وهو يُتمتم بغضب: غبي، غبي!
ثم أخذه بتوتر ليجري اتصالاً، فأتاه صوت أحدهم يتحدث بتأفف: خير يا هاشم؟
هاشم بقلق: الراجل وقع من طوله قبل ما يوقع علي البضاعة و يعديها من الجمارك .. زين أنا في مصيبة لو البضاعة اتفتشت واكتشفوا انتهاء تاريخ الصلاحيه هروح في داهيه .. مُنتجات الألبان مُسرطنة.
ليهتف زين بغضب: هتفضل طول عمرك غبي، هي وصلت لكده ياهاشم .. وتابع حديثه بحزم: تستاهل لو أتقبض عليك.
و أغلق هاتفه بغضب .. ليسير نحو محاميه قائلا بهدوء: نكمل كلامنا بكره يا متر.
وبعد انصراف مُحاميه الخاص، وجد هاتفه يرن بأسم زوجته ليتأمل اسمها ببرود قاتل فرغم علاقتهم القويه الظاهره أمام اعين الناس ويحسدونهم عليها .. الا ان كل ذلك مُزيف
فهي تمعته وتبهرهه بجسدها وترضي غروره وهو يدفع المقابل من أسمه وأمواله
................................................................
نظرت إلي والدها بسعادة وهي تراه يأمر مُنظمين الحفل بتوقف الموسيقي للحظات.... ليتناول هو الميكروفون ويشكر ضيوفه لإستجابتهم دعوة حفله .. ثم نظر إلي ابنته وأياد معا : عندي خبر ليكم وصمت قليلا ليُطالع أعين ابنته و تابع حديثه:
أياد المنصوري طلب إيد سالي بنتي...
لتتعالا أصوات تصفيق الحضور فتابع: أنا مبسوط إني هناسب فرد من أفراد عيلة المنصوري، مبروك يا ولاد!
وأنهي حديثه سريعا، ليترك مدعويه يستمتعون بالحفل مُجدداً، وأقترب من أياد قائلا بسعادة: متعرفش أنا مبسوط قد إيه يا أياد، مش هتلاقي زي سالي بنتي زوجه وأم لسليم.
ونظر إلي الصغير المُمسك بيد والده، وإلي إبنته التي تُطالع ذلك الطفل بضيق ..
ليبتسم أياد مجاملة: وأنا أسعد يا عبدالرحيم باشا.
فمد عبدالرحيم يده اتجاه إبنته ووضعها في يد أياد : يلا روحوا أرقصوا ياولاد.
فجذبت سالي يده وأُزاحت يد سليم قائله بأبتسامه مصطنعه: حبيبي سليم ممكن أخد بابا منك شويه صغيرين بس.
فنظر أياد إلي طفله فوجده ثابت بمكانه لا يتحدث، وصار معها فقد جذبته رغما عنه ومازالت أعينه مسلطه علي صغيره لينحني عبدالرحيم قائلا وهو يربت علي وجنتي سليم: خليك ولد شاطر ياحبيبي
وإبتعد ليُكمل الترحيب بضيوفه، ويفتخر بذلك النسب الذي أضاف الي سمعته سمعه وسوف ينقذه من أفلاسه..
فوقف الصغير بمفرده لا يُدرك أي شيء من هذا العالم المُزيف .. وطالع والده بأسي وهو يحتضن سالي وأخذ يغمض عيناه بغضب وهو يُفكر في أمر ما وسريعا ما وجده.
فحبى كالرضيع نحو احدي الطاولات وجلس تحتها يتلاعب بأقدام النساء ويخلع لهن أحذيتهن.. ومن طاولة لأخري أنقلبت الحفل إلي صرخات النساء وأصبح الهرج يعلو المكان ليقف أياد مذهولا بعد أن أنهي رقصته مع سالي والتي أنهتها بقبلة علي شفتيه، وركض نحو الطاولات باحثا عن طفله الذي من المؤكد هو من فعلها بحجمه الصغير وقد ساعده قرب الطاولات من بعضها ... فوقفت سالي مذهولة مما حدث باحثه بعينيها عن أياد.
فكانت فرصة سليم سانحة بأن يسحب ذيل فستانها ليلفه حولها ضاحكا .. حتي سقطت سالي أرضا وأياد يقف كالتائه لا يعلم أيظل بمكانه أم يركض نحوها.
لكنه سريعا أدرك ما يجب فعله، فصغيره يركض بعيدا ضاحكا وكأن شئ لم يحدث!
...............................................................
نظرت الي والدها بألم وهي لا تُصدق بأن الحياه يُمكن أن تأخذه منها كما أخذت اخيها في غفلة... فوضعت بيدها المُرتعشه علي فمها لتكتم صوت نحيبها حتي فتح والدها أعينه قائلا بتعب : متعيطيش يا حنين يابنتي، إوعي تعيطي عايزك تبقي ديما قويه .. يابنتي سامعه ... وعاد يُغمض عيناه من شدة تعبه فتمتم بخفوت: لما تدفنوني وتاخدوا عزايا .. إسألي أمك عن الجواب اللي سيبتهولها، إوعي تنسي يا حنين .. وخلي بالك من أمك ومن نفسك يا بنتي.
ومدَ يده يُعانق يدها لأخر مره وهو يُتمتم: أنا رايح لأخوكي، أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أنا محمد رسول الله.
فأرتعشت يدها لثواني وهي لا تُصدق وكأنها في كابوس، وأبتسمت بخفوت قائله: بابا إصحي أنت بتضحك عليا .. وعايز تعمل نفسك ميت عشان أحضنك وأبوسك وأقولك أصحي وانحنت بجسدها لتلتقط يده: يلا بقي نخرج من المستشفي الوحشه ديه اللي بيحسسونا فيها بفقرنا...
وصاحت بصوت عالي بعدما رأت إحدى الممرضات تنظر لجهاز القلب بإشفاق والذي أعلن بصافرته عن إنتهاء رحلة ذلك الأب.
حنين: أخيرا حد جيه يشوفنا، يلا نادي الدكتور خليه يشوف بابا عشان نخرج أنا وهو من هنا.
فطالعتها الممرضة بإشفاق قائله: باباكي حالته كانت صعبه يا أنسه، و ماكنش فيه أمل إنه يعيش كان مُجرد وقت.
لتصرخ وهي تُطالع تلك الممرضة بأحتقار: إنتي كدابة! وأخذت تلتف حولها كالمجنونة وهي تُدرك حقاً وفاة والدها، ومن ثم صرخت بوجع: يـــــــــــــاربــــــــــ!
................................................................
أردف بقدميه داخل منزله بإنهاك شديد بعد يوم حافل من المخاطر بسبب تلك الصفقه التي كانت ستؤدي بحياته للهلاك... ليسمع صوت ضحكات تعلو، فوقعت عيناه علي أهل زوجته وهم يلتفون حول طاولة الطعام والخادمة تخدمهم، ليسير ناحيتهم ببرود تام: منورين والله يا جماعه
ليهتف والد زوجته: ده نورك يا هاشم يابني، تعالا تعالا كُل معانا
وحدقت به حماته قائله : بس أنا زعلانه منك يا جوز بنتي ثم همست بعتاب: فين هدية عيد الأم بتاعتي.
فحاول أن يبتسم هاشم مجاملة قبل أن ينفجر بهم: إن شاء الله يا حماتي، أومال فين هبه؟
لتجيبه حماته قائلة بعدما عادت تلتهم طبق الأسماك الموضوع أمامها: راحت تغير للبنات.
وكاد أن يستأذن منهم ليتجه نحو غرفته، فوجد والد زوجته يُحادثه وهو يطالع أبنته الصغري: قولي لجوز أختك علي مصاريف جامعتك الخاصة ياريم، أنا عارف إيه اللي خلاني أطوعك إنتي و أمك.
فأخفضت الفتاه رأسها أرضا فيما طالعها هاشم: متقلقيش يا ريم بكره المصاريف هتدفع.
وغادر من أمامهم قبل ان يصُب غضبه عليهم لطلباتهم التي لا تنتهي.. وأتجها الي غرفته ليهرب من تلك العائلة التي لا تنطق الا بكلمات الاخذ والطلب ، وأردف داخل حجرته يبحث عن زوجته فيجدها تُبدل ملابسها المُبتلة وأخذ يقترب منها برغبة وهو يلتهم جسدها وضمها إليه: وحشتيني
فحدقت بوجهه بصدمه وكأنه ليس هاشم زوجها، ورفعت بوجهها نحوه ليتأمل هو عينيها السوداء قائلا بهيام: بحبك!
لتُلجم الصدمة ملامح وجهها أكثر، وأحتضنته بحب: وأنا كمان بحبك أوي يا هاشم.
وتذكرت والديها وطلبهما من أجل أخيها فقالت دون وعي: حسام عاوز عربية جديدة يا حبيبي!
ليبتعد عنها بغضب، فندمت علي حماقتها ولكن بعدما فات الأوان.. وأقتربت منه قائله بتوسل: والله ما قصدي يا هاشم أصل.....
فأزاح بيدها التي حاولت أن تُمسك بذراعيه، وألتقط ثيابه سريعا من دولاب ملابسه .. ليدخل المرحاض قائلا ببرود: روحي شوفي البنات ياهبه.
وأغلق خلفه الباب بقوه وهو يُتمتم بغضب، فطالعت ذلك الفراغ الذي تركه خلفه بألم : أنا إيه اللي عملته ده!
...................................................................
صرخ بطفله، حتي وجد نفسه يهوي علي أقرب مقعد .. ليتنهد بتعب: إمشي اطلع علي أوضتك.
فركض سليم للأعلى بخوف، ولكنه سريعا ما عاد لوالده بعتاب طفولي: أنا بحبك يا بابا، بس سالي ديه لاء...
وعاد يصعد درجات الُسلم ثانية، لتُطالعه تلك السيدة التي اعتنت به في صغره وأيضا تعتني بأبنه ليُحادثها أخيرا: سليم لازم يُدخل مدرسة داخلية يا داده!
........................................................................
وقفت تستمع الي تهكمات أصدقائها بالجامعة، حتي ركضت بعيداً عنهم .. لتسمح لدموعها بأن تزيل بعض من أوجاع قلبها... وتذكرت حديث "منه" أبنة اخو الحج ناجي الذي تعمل لديه كخادمة، فتسمع صوت أقدام قريبة منها
وألتفت بظهرها بعدما مسحت دموعها سريعا.
لتتأملها صديقتها بإشفاق قائلة بحزن: مقولتليش ليه يا ليلى؟
فتسقط دموعها ثانية دون شعورمنها، لتقترب منها صديقتها التي تُدعي حنان : مش إحنا إخوات يا ليلي؟
فهزت ليلي رأسها بألم : مكنش ينفع أقولك يا حنان، سامحيني أديكي عرفتي وكل الكلية عرفت خلاص .. و أخفضت أعينها لتتأمل ملابسها الرثة : عرفتي أنا ليه ماكنتش بلبس غير الطقم ده .. ومش بهتم بنفسي زي البنات!
..................................................................
لمعت عيناه بقوة وهو يتأمل ذلك التمثال الذهبي الصغير، فأرتسمت علي شفتيه ابتسامة نصر وهو يتخيل كيف قد قاده ذكاءه إلي تلك المقبرة التي تضمها أتربة الجبال.
ولكن سريعا ما تلاشت تلك البسمة من علي شفتيه وهو يتذكر بأنه مازال تابعا تحت سطوة ذلك الرجل المجهول الذي يقودهم دوماً.
ليرن هاتفه، ويجيب علي المُتصل بأبتسامه واسعة: البنت وفقت يا مسعد؟
فيأتيه صوت المُتصل مؤكدا: كل حاجة تمام يا حاتم بيه، بس البنت تعبتني جامد معاها وعاملة نفسها شريفة وطاهرة.
ليتهكم وجه حاتم وهو يتأفف: يبقي خلاص تشوف مين هيطلع أخوها من السجن ويدفعله الدين بتاعه...
وأنتهي الحديث بينهم، وأرتسمت ابتسامة واسعة علي شفتي حاتم وهو يتذكر كيف قاده حظه لتلك الفتاة، فهي ليست سوي بفتاه فقيره، قد أبلغها بعض الناس عنه ..بأنه رجل رحيم يفعل الخير وأنه سيدفع لأخيها ذلك المبلغ الذي اختلسه من مصنعه... ليتذكر هو المبلغ الذي لا يتعدى الخمسة ألاف جُنيهاً وهو يُتمتم: الليلة ليلتك يا حلوة!
...................................................................
أخذ يتأملها برغبه وهو يُلامس وجهها بكفوف أيديه الخشنة، فرفعت عينيها اليه بسعاده : حلوه اووي الهديه يازين
وتمايلت بين ذراعيه بدلال ، لتقبله بقبله هادئه علي شفتيه
فلمعت عين زين ببرود فقد أعتاد علي تلك الطريقه منها... يعطيها الهدايا القيمه لترضي رغباته .. ورغم أنه يعلم بأنها لا تتصنع حبها له وأنها تفعل كل شئ حباً الا ان زواجهم كان بدايه صفقه ليس اكثر (رغبه مقابلها المال)
وهتفت بصدق: بتحسسني ديما إني أكتر ست محظوظة في الدنيا ديه عشان اتجوزتك.
ويسمع صوت تنهيداتها وهي تتمايل برأسها علي صدره القوي، وتابعت حديثها: كنت بنت بضفاير و أنت كنت لسه ما كملتش العشرين... بتشتغل في المطعم بتاع بابا.
ليتهكم وجه زين عندما ذكرت أسم والدها لينطق أخيرا: بلاش نفتكر الماضي يا رحمه.
فشعرت سريعا بما يحرق صدره، فذكرى والدها تُسبب له كل ما يحمله من ألم قد تناساه ... وأبتعدت عنه بحب: بحبك أوي يا زين، ونفسي تحبني زي مابحبك.
وعندما وصل حديثهما لذلك الطريق، تنهد قائلا:
رحمه أنا قبل ماأتجوزك.. قولتلك ان الحب مش في قاموس حياتي ، فبلاش تتمني حاجه مش هتحصل
ولامس وجهها بهدوء وهو يُكمل : متجرحيش نفسك بأيدك يارحمه .. فهماني
وحركت رأسها اليه بتفهم .. وهي تشرد بذاكرتها في ذلك اليوم الذي تعارفت فيه عليه ورغم انه لم يعرفها لانها تغيرت تماماً فهو عرفها وهي طفله في الثالثه عشر من عمرها ولكن يوم أن عاد واصبح رجلا يهابه الجميع كانت هي أمرأه مكتمله الانوثه لا ينقصها شئ وهذا هو ما أعجبه بها في احد عروض الأزياء التي كان مدعو اليها من قبل أحد معارفه
