اخر الروايات

رواية وسقطت الاقنعة الفصل الثالث 3 بقلم سهام صادق

رواية وسقطت الاقنعة الفصل الثالث 3 بقلم سهام صادق 

الــفــصــل الثــالــث
**************

أخذت تكتم صوت بكائها بقهر وهي تستمع إلي حديثهما وهما يخططان كيف يذيقوها معني الذل...
وتعالت صوت ضحكاتهم إلي أذنيها وهي تسمع زوجة سيدها تُخبر أختها بأن تجعلها تكره الجامعة وتتركها، فكيف لبائسة خادمة مثلها تتساوي معهم.
وخرجت زينب من غرفتها تتبعها خطوات أختها منه، ووقفوا يُشاهدونها بأبتسامة تسقط كالسهام علي القلب.
وأقتربت منها زينب بشماتة: اللي يفكر يقف قدامي لازم أفعصه، وأزاحت تلك المسكينة من طريقها بقسوة.
فأمسكت ليلي ذراعها بتوسل: طب أنا عملتلك إيه يا ست زينب، هو الفقير يقدر يقف قدام حد.
ليتهكم وجه زينب قائلة بتأفف: يا دي الشعارات الشريفة اللي عايشه بيها، بت إنتي هتمثلي عليا.
وتركتها زينب بملل وهي تغلي بداخلها من مشاعر زوجها نحو تلك الفتاه المُعدمه والتي لا يفهمها ولا يشعر بها أحداً غيرها.
فوقفت ليلى تُطالعها وهي لا تعلم لما تكرهها... فكل من في هذا البيت يحبونها ويشفقون عليها حتي الحج ناجي صاحب البيت لتضع "منه" بيدها علي أحد كتفيها قائلة بتهكم: أحسنلك سيبي الشغل هنا يا بنت الخدامة!
فنزلت الكلمة علي قلبها ناراً، و تمتمت بأسى: يا ريت كان ينفع.
وظل يمر شريط تعذيب أخيها لها من أجل جلب المال، وبؤس والدتها المريضة وعلاجها.
فتنهدت ليلي بأسي وأمسكت بمقشتها كي تُكمل كنس باقي الارضيات وهي لا تعلم متى ستنتهي من كل هذا الشقاء، وسريعا ما تذكرت الأية القرأنية التي دوما تواسي بها قلبها.
(فاصبر صبرا جميلا، إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا)
...................................................................
جلس يتناول فطوره بصمت، ومن حين لأخر يُتابع بعينيه طفله الذي لم يمس طبقه بعدما أخبره بأنه سيتركه في مدرسة داخلية من أجل تأديبه.
ليتخيل سليم بأن والده سيتركه من أجل خطيبته التي ستحتل بعد شهران مكانة والدته... وسوف تنجب لأباه أطفالا أخرين يحبهم وينساه... ليترك معلقته بأعين تلمع بها دموع يُتمه ونهض من مقعده مُنكسا برأسه تاركاً حجرة الطعام الواسعه التي لا تضُم أحدا سوي هو و والده وذلك الخادم الذي يقف منتظراً أي أمر أخر من سيده.
فترك أياد معلقته وهو يشعر بالذنب من قراره الذي أخبره به منذُ ساعات، والذي تقبله طفله بصمت ونظرة لا يفهمها أحداً سواه... فهذا مافعله به أيضاً جده عندما توفي والديه وتركوه تحت وصية جده رحمه الله الذي كان مُنشغلا عنه بجمع الأموال. لتعصف به ذكريات طفولته التي لم ينساها يوما!

..................................................................
لا شيء يوحي بأنكسارك أكثر من عينيك، تلك هي حقيقة الحزن مهما أحتل مكانه كبيره في قلوبنا لا يفضحه سوي عينينا.
ظلت تتأمل تلك الرسالة التي أوصاها والدها بأن تقرأها، وبعد ثلاثة أيام العزاء التي قضتهم لا تري شئ حولها سوي صبر وتحمل والدتها ... لكل تلك المصائب التي حلت بهم و لسانها يبتهل بأسم خالقها.
فأخذت تُقرأ بعينيها كل كلمه قد سُطرت بذلك الجواب .. الذي يخبرها فيه والدها بالأموال التي أقترضها من أحد الاشخاص من أجل عملية أخيها، وأن تدعو له دوما بأن يغفر الله له ذنبه الذي كان سيفعله ولولا حكمة خالقه في موت أبنه وأنه ذاق مرارة الوجع لكان الشيطان أوقعه في ذنب لا يُغتفر.
فدمعت عيناها وهي لا تعلم كيف لها أن ترد تلك الأموال وترحم والدها من ذنب هذا المال العالق في رقبته.
ويسقط بصرها علي اسم أحدهما وتظل تردده بخفوت "هاشم رياض"
وتسمع نداء والدتها الحنون: حنين ، حنين
فتمسح دموعها سريعا ومن ثم اتجهت إلي والدتها المسكينة التي عندما وجدتها تخفض برأسها أرضا علمت بأن مصيبة أخري قد حُلت عليهم.
سعاد بأسي : صاحب البيت عايزنا نخلي الشقه عشان يجوز إبنه فيها، ومدينا مُهله شهر.
وتهوي هي بجسدها الضئيل بجانب والدتها في صمت لتربت علي احد أيد والدتها بعد أن تمالكت نفسها.
وتحتضنها والدتها بعدما سمحت لنفسها أخيراً أن تبكي وهي تُتمتم: البلاء صعب أوي يا بنتي، مبقاش حيلتنا حاجه وتحويشت عمرنا صرفناها علي مرض أخوكي.
وتبقي كلمات والدتها مُعلقه بأذنيها وهي لا تعلم أهذا بلاء أم اختبار.
...................................................................
أخذ يتأمل ارتعاش أيد تلك الفتاه وهي تُسطر بحروف أسمها علي ذلك العقد العرفي الذي ستبيع به شرفها، وتشتري حُرية أخاها.
ليقترب منها حاتم بأبتسامة خبيثة وهو يسحب منها القلم والورقه: وكده أخوكي هيطلع ياحلوه.
وسحبها من ذراعيها نحو إحدى الغُرف دون أن يترك لها فرصة بأن تقول شيئاً، فوجدته يمسك بأحد الحبال قائلا: اقلعي هدومك ونامي علي السرير....
لتفزع الفتاه خوفاً من كلامه، فيما ضحك هو بقوة : إسمعي كلامي بدل ما انتي عارفه أنا ممكن أعمل إيه.
فنظرت إليه هي برجاء وانحنت بجسدها سريعا تتوسله: أرجوك يا حاتم بيه سيبني أروح لحالي، أنا ممكن أعيش خدامة تحت رجليك طول عمري بس الله يخليك بلاش.
فيضحك حاتم بنصر وهو يستمع لتوسلاتها، فمنذ أن علم بعجزه كرجلا أصبح نصره بأن يري دموع النساء تحت قدميه... ليرفعها نحوه بغموض: يلا، بدل ما أخوكي يعفن في السجن واتهمه بحاجات تانيه... اسمعي الكلام يا حلوه.
وبعدما استخدم قوته جعلها تفعل ما يريد، و أخذ يفترس جسدها العاري برغبة عاجزة ويُحكم من ربط قدميها ...ليلتهم كل إنش من جسدها بعينيه.
ثم اقترب منها ليزيل دموعها: بتعيطي يا حلوة، انتي لسه شوفتي حاجه.
لترتجف الفتاه من نظراته وتراه يشعل ولاعته الذهبية ويُقرب نيرانها من قدميها وهو يُطالع جسدها.. وتُدرك أخيراً أنها لم تقع سوي بين يدي شخص مريض!
......................................................................
نظر إلي عقود بيع تلك الأرض والمصنع الصغير الذي بقربها وأصبح يملكهم اليوم، فأبتسم بتشفي وهو يُدرك بأنه حقق نصراً أخر على أصحاب القلوب التي لا تعرف الرحمه يوماً.. ليتذكر اسم صاحب هذه الأرض وهو يتمني لو كان مازال حياً ليُريه بأن ذلك الصبي صاحب أربعة عشر عاما الذي كان يحرقه ويضربه كل يوم إذا أخطأ في شيء عندما يأمره بتصليح السيارات.
لينتبه لصوت أحدهما يشكره: أنا سعيد جدا إني عرفت حضرتك يا زين بيه، متعرفش قد إيه كنت محتاج الفلوس وماكنش عندي غير الأرض ديه والمصنع الصغير أني أبيعهم، ولولا الحاجة مكنتش بعتهم أبدا، الحاج تعب أوي عشان يشتريهم زمان ووصاني مفرطش فيهم ابداً.. بس أعمل أيه الظروف بتحكم.
فأخذ يُحرك زين شفتيه بأبتسامة بسيطة ومد يده ليُصافح الرجل :
الحج كان عنده حق إنه ميفرطش فيهم، بس زي ما قولت الحاجة للفلوس بتحكم.
فهز الرجل رأسه بتفهم، وحمل حقيبة الأموال بعدما ألقي نظره أخيرة علي أرض والده التي قد تركها له والمصنع الذي كان يوما ورشه صغيره.
وذهب ناحية سيارته ليُغادر، فيما ظل زين واقف بجانب سيارته السوداء الفارهه ومازالت نظارته السوداء تُغطي عينيه.. و سار إلى سيارته وهو يتأمل المكان حوله متمتما: الولد الصغير كبر يا حج رأفت واشترى بفلوسه أملاكك عشان تعرف بس إن الفلوس مش بتدوم لحد
ليفتح سائقه باب سيارته بعدما أشار له، وتبقي صفعات الماضي هي من تُحرك قلوبنا عندما يموت كل شيء داخلنا.
...................................................................
وقف هاشم للحظات يتطلع الي أعين تلك الفتاه التي جذبته فور دخولها حجرة مكتبه و أخذ يهمس داخله: مش معقول ديه بنت الراجل اللي اسمه حمدي.
فتخفض حنين وجهها عندما وجدته يُحملق بها بنظراته
ليتمالك هاشم نفسه: أفندم يا أنسه، يا ريت تقولي جاية ليه عشان مش فاضي.
فرفعت وجهها قليلا وهو لا تعرف بما ستُجيبه... حتي أخيراً تحدثت: أنا جاية أطلب من حضرتك تديني مُهلة أسدد فيها دين والدي.
ليُطالعها هاشم بصمت وهو يُدرك بأن هذا الرجل لو كان حي الي الان لكان تخلص منه، فكيف يخبر أحداً بما كان سيفعله، فأخذ يُتمتم بغضب وهو يتذكر كيف كان الامر سينكشف عندما سقط أرضا قبل أن يوقع أوراق بضاعة الألبان المُسرطنة ولولا تدخل زين لكان قد ضاع وخسر كل شيء.
وينطق أخيرا: فلوس إيه اللي ليا عند والدك؟
لتحملق به حنين: الفلوس اللي ساعدت بها بابا عشان يعمل عملية أخويا،وهو وعدك إنه هيرجعها ليك.
طالعها هاشم دون فهم وبعد أن تابعت بحديثها لتشكره عما فعله، أدرك أخيرا أن الرجل لم يخبر ابنته بشيء سوى بأموال قد أخذها كسلفه منه فقط.
وتظهر ابتسامة واسعة علي وجه هاشم وهو يقترب نحوها: مدام مُصرة تردي فلوس والدك اللي تقريبا نسيتها، وعايزاني أديكي فرصه .. يبقي نمضي عقد بالمبلغ ولا إيه رأيك يا أنسه!
فطالعته حنين بصمت وهي لا تعلم كيف تتصرف، ونظر إليها قائلا بهدوء: ده مجرد ضمان لحقي مش أكتر، ولو مش عايزه تدفعي الفلوس فأنا ياستي مسامح.
وترتسم ابتسامة صافية علي شفتيها وهي تظن بأن مازال في نفوس بعض الناس خيراً كما تُحدثها دوما والدتها، فرفعت بوجهها وهي لا تُدرك بأنها قد وقعت في فخ الأفاعي: أنا مــوافــقــة يا هاشم بيه!


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close