اخر الروايات

رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الثالث 3 بقلم وسام الأشقر

رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الثالث 3 بقلم وسام الأشقر



كان محمد يرتشف كوب الشاي الذي أعددته غزل له، ويتذكر كيف اعتذر شادي نيابة عن يوسف وبرر انه متوتر بسبب تعاقد جديد، لذلك لم يستطع أن يسيطر على أعصابه معه وأرشده الي مكتبه ليستلم عمله.
قاطع شروده شيء بجانب قدمه فاكتشف انها غزل التي تجلس علي الارض بجوار رجليه فهي تعشق هذه الجلسة حتي يمسح على رأسها كالقطط، وانتبه للصحن الذي أتت به من المطبخ، اه انها المعجنات التي ذكرها عامر.
فاقترب يلتهم منها قطعه ووجه نظره لها وقال:
– تخيلي عامر عرض عليا انك تعملي أكلات زي دي للقهوة بتاعته.
انتبهت لما قاله وانفرجت شفتاها، تعجبت في بداية الأمر وبعدها ظهرت ابتسامه شقت شفتيها كأن طابت لها الفكرة وأسرعت لتكتب:
– وليه لا؟ انت عارف أن ماما صفا من ساعه ما جينا هنا وهي كانت بتعمل اكل زي ده وتبيعه والنَّاس كانت بتحب أكلها، بس لولا رجليها وتعبها كانت فضلت للان بتشتغل.
هز محمد رأسه بالرفض:
– لا ياغزل انتِ مش هتشتغلي طول منا اقدر أتكفل بيكِ، هو انا اشتكيت ولا انتِ محتاجه حاجة؟
هزت رأسها سريعًا وأشارت بيدها بلا، وكتبت:
– بس انا زهقانة أوي ومش بعمل حاجة غير الغداء واقرا كتب.. بالله عليك توافق.
محمد:
– خلاص موافق بس بشرط ما ترهقيش نفسك ولو حسيتي انكً تعبتي قوليلي، وأنا هتصل بعامر وأقوله اننا موافقين.
صفقت غزل بيديها وقفزت تحتضن محمد فربت على ظهرها بحنان يدعو لها في سره بصلاح الحال.
****
– قولتلك ما تتصلش بيا تاني انت مابتفهمش ولا إيه؟
الشخص:
– اسمعيني بس يا ملك، والله بحبك أديني فرصة واحدة نتقابل فيها ومش هتندمي صدقيني.
ملك:
– شكلك مش بتفهم، لو اتصلت بيا تاني هقول ليوسف وانت عارف يوسف ممكن يتصرف إزاي.
اغلقت الخط في وجهه
الشخص نظر للهاتف بتعجب وقال:
– ماشي يابنت الشافعي هتروحي مني فين؟
– عرفت حاجة؟ أو وصلت لأي معلومة جديدة؟
قالها ناجي وهو يضع الهاتف على أذنه، فقال عيسى:
– لا يا ناجي لسه موصلناش لحاجة، كل اللي قدرنا نوصله إن مافيش حد بإسم غزل ناجي الشافعي موجود هناك في السجلات، يعني معنى كده يا إما خرجت من البلد أو.. أو ماتت.
– لا مامتتش أنا قلبي حاسس إنها عايشه، بس مع مين مش عارف.
عيسى:
– طيب ما تحاول تدور على أي حد من عيله المرحومة صفوه.
ناجي:
– بحاول ياعيسى زيّ ما يكون بدور علي إبره في كوم قش.
عيسي:
– إن شاء الله توصلهم.
ناجي:
– يارب امين.
_________________
ارتدت غزل ملابسها المكونة من سروال من جينز يظهر قوامها وقميص نسائي قصير اصفر يظهرها طفلة اكثر من انثي، وتركت شعرها ليغطي جانبي وجهها كما اعتادت لتخفي أسفله سماعة أذنها اليسرى، ولكنها الآن تحت الصيانة فتستطع استبدال ذلك بقراءة الشفاه مؤقتًا.. فالناس تعتقد صمها التام إلا انها تستطع السمع بأذنها اليسرى بنسبه بسيطة جدًا.. نظرت لنفسها نظرة اخيره بالمرأة ثم ارتدت حذائها الرياضي الأبيض وحقيبتها الصغيرة الجانبية.
في المقهى.
يجلس عامر بمكانه المعتاد ليباشر عمله وفجأة دخل عليه سيد يصرخ بطريقة أفزعت عامر وجعلت كوب القهوة الذي كان يرتشف منه يسقط على قميصه القطني.
سيد:
-الحق يا أستاذ عامر!.. الحق.
– في ايه يلا حد يصرخ بالشكل ده ما تنطق فيه ايه؟
قالها عامر بصراخ بوجهه فقال سيد:
– وهو يلهث ويشير للخارج الأنسة غزل ف…
هب عامر من مكانه مفزوعًا وانقبض قلبه وقال:
– مالها انطق انت هتنقطني؟!
سيد وهو يلهث:
– الأنسة غزل حد بيتعرضلها بره.
لم يكمل سيد حديث ولم يشعر إلا بيد عامر تمسكه من خلف قميصه كالمجرمين ويجري به خارج المقهى ليدله على مكان وجودها.
في نفس اللحظة كانت تقف غزل مرتعبة وكلما حاولت السير هذا السمج يسد الطريق عليها بجسده حتى لا تمر، في محاوله منه الحديث معها.
– طيب ردي عليا؟ انت اسمك ايه؟ طيب بلاش اسمك ساكنه فين طيب؟
قالها الشخص بترجي وعيون تملأها إعجاب
– انا مش اقصد اعاكس أنا عا…
قطع حديثه لكمة قوية بوجهه ويد قوية تسحبها من ذراعها خلفه، لحظه لم تستوعب ما حدث ولكنها اكتشف انها خلف عامر يحميها خلف ظهره لم تستفهم ما يقوله لهذا السمج لكن طريقه وقفته وانعقاد حاجبيه وصراخه واستعداده للهجوم مدافعًا عن شيء يخصه أنبأها انها ستكون سبب لمشكلة قادمة.
– دا انت امك داعية عليك النهاردة.. عايز منها إيه؟
قالها عامر بشراسه، فقال الشخص وهو يمسح انفه من الدماء:
– انت مين انت؟ وزاي تمد إيدك عليا انت متعرفش انا مين؟
– مين يا حيلتها؟ اللي يتعدى على اللي يخص المنطقة ما يلومش إلا نفسه.
وتحرك ليسدد له لكمةً أخرى إلا أن يد صغيرة متشبثة بذراعه أوقفته، يد مرتعشة تحاول منعه مما هو مقدم عليه.. إلتف عامر وضربات قلبه تقفز من صدره من هذه اللمسة، ليصطدم بعيون رمادية برموشها البنيه العائمة في بحر من الدموع تترجاه أن يتوقف، ابتلع عامر ريقه بصعوبة لا يعلم هل يُسعد للمستها أم يحزن لحزنها فقال:
– عملك حاجه؟ جه جنبك أو حاول يلمسك؟
قالها عامر ببطء لتفهمه، فهزت رأسها بالنفي على أسألته فزفر بقوة ونظر للشخص ووجده يقترب ويقول:
– احب اعتذر، أنا فعلًا غلطان ان حاولت أوقفها، انا بس كنت عايز اعرف ساكنة فين وهي مش عايزه ترد عليا يمكن طريقتي غلط فأحب اصلح غلطي.
ومد يده يصافح عامر الواقف كالتمثال يقول:
– انا شادي عبد الحميد بشتغل في شركه الشافعي للاستيراد والتصدير.
فاعتدل عامر في وقفته ووضع يده في جيبه وهو ينظر من علو ليد شادي الممدودة بازدراء:
– احم انا كنت جاي لصديق هنا، هقابله والأنسة احم اه.. كنت عايز اعرف مكان بيتها.
– ليه؟
قالها عامر دون أن يتحرك من وقفته التمثالية فقال شادي:
– أنا الحقيقة كنت حابب أتعرف علي الأنسة و…
– الأنسة مخطوبة.
قالها عامر وهو يقبض علي يده بقوة داخل جيبه
شادي بصدمة:
– مخطوبة! انا اسف جدًا على سوء التفاهم ده، بجد اصل ما شوفتش دبله في اديها انا بعتذر مرة تانية.
وهب لينصرف لكن أوقفه سؤال عامر:
– جاي لمين هنا؟
– جاي للأستاذ محمد الشريف وقالي انتظره في قهوة عامر.
ظهرت الصدمة جلية على وجه عامر من هذا المأزق، من المؤكد انه سيقص على محمد ما حدث. فأراد أثناه عن ذلك فقال:
– الأستاذ محمد يبقي اخو الانسة وأشار بطرف عينيه لها بمغزي فهمه شادي.
قال عامر:
– عمومًا حصل خير، ولا كإن حثل حاجة دلوقت، مالوش لازمة تخسر صاحبك وتاخد ضربة تانية في وشك.
فوضع شادي سريعًا يده مكان لكمة عامر وقال بتوتر:
– طبعًا مالوش لازمة نعمل موضوع ده كان سوء تفاهم مش كده؟
هز عامر راسه بثقة وبقى ثابتًا إلى أن اختفى شادي من أمامه، فالتف ليرى هذه المرتعبة خلفه
وجدها فارغة الفم تنظر له بتعجب مما قاله، لقد فهمت كلام شادي لأنها كانت بوجهته
فأسرعت تخرج دفتره تسأله:
– انت قولتله اني مخطوبة ليه؟ وهو عايز يعرف بيتي ليه؟
رفع عينه للسماء من هذه الغبية ألم تفهم أنه اعجب بها، هل هي غبيه دائمًا هكذا؟
آفاق على سؤالها:
– هو صاحب محمد بجد؟
هز عامر رأسه بنعم وهو يسرح بملامحها التي لن تتوفر له الفرصة مرة ثانية لهذا الاقتراب، ففاق من شروده بها وسألها:
– انتِ كنتِ رايحه فين؟
كتبت:
– كنت هشتري طلبات الوجبات اللي انت حددتها لمحمد عشان اعملها للقهوة..
ابتسم عامر ابتسامه جانبية وتذكر عندما ملأته الفرحة حين اخبره بموافقتها على طلبه..
– طيب تعالي هوصلك واشتري الحاجه معاكي.
قالها عامر بسعادة، فهزت رأسها بالرفض فأصر أن يوصلها ويتسوق معها فوافقت بإحراج
________________
في مطبخ الخالة صفا تقف غزل به تعد ما طلبه منها عامر، فقد طلب منها أربع أصناف وطلب أن يكون كل صنف في صحن منفصل وتغلّفه تغليفًا شفافًا وانه سوف يتعامل مع الطلبات بالمقهى، فتذكرت عندما أصر على دفع ثمن المشتريات واعطائها مبلغًا مقابل ما ستعده من الأكلات، وبعد إلحاح منه وافقت بإحراج منه، قطع شرودها الإضاءة الحمراء فقد خصص محمد لها اضاءه بكل مكان حتي تنتبه لمن بالباب، توجهت للباب فوجدته محمد
محمد:
– السلام عليكم.
أشارت غزل بيدها له ردًا على سلامه.
محمد:
– اتفضلي ياستي السماعة أهي.
قالها وهو يمد يديه إليها بها، فأخذتها منه بسعادة.. اخيرًا ستستمع إلى بعض الأصوات حتي لو كانت ضعيفة.. ولكنها تحمد الله انها تستطع سماع القليل.
فأسرعت لتقبل وجنته بخجل لتشكره، فربت على رأسها فهي اخته التي لم تلدها أمه.
– هي جميلة الجميلات بتعمل ايه؟
قالها محمد وهو يقرص وجنتيها بيديه.
ضحكت غزل بصوت ضعيف وأشارت إلى المطبخ ففهم أنها تعد الطعام، فأشارت له بالدخول وعرضت عليه شرب كوب من الشاي..
محمد:
– والله ياغزل لسه شارب عند عامر، بس لو لازم اعمليلي قهوتك الحلوة.
فأسرعت لتعدها وبعد دقائق كانت تحملها وتضعها جانبه، ووجدته مشغول بقراءة بعض الأوراق والحسابات وهو عاقد حاجبه ويظهر عليه الإرهاق فكتبت له:
– ايه الورق ده هو ده ورق شغل؟
رد مخمد بابتسامه يتخللها الإرهاق:
– اه في حاجات عايزه تتراجع ولازم تخلص قبل بكرة.
كتبت:
– ربنا يوفقك بس اشرب القهوة.
محمد:
– حاضر هشربها.
وشرد عندما اتصل به شادي يطلب منه ان يقابله ليراجع العقود التي سيتم إمضائها غدًا، ولكن حتى الآن تقابلهم مشكلة ترجمة العقد المكتوب بالفرنسية.
يستند بجسده العاري على السرير وبيده اليمنى السيجارة يدخنها بشراسة فينظر لنانسي التي تنام عارية بجواره على بطنها وهو يفكر كيف سيحل مشكلة غدًا مع الوفد الفرنسي؟
قطع تفكيره نانسي التي تداعب صدره بأصابعها وتقول:
– ايه يا روحي سرحان إيه؟
ظل ينظر أمامه وهو يزفر الدخان من فمه ولم يجبها.
اصرت أن تلفت انتباهه إليها فاقتربت منه وقبلت صدره وقالت:
– هو انت ما اتبسطش النهاردة معايا؟
نظر إليها يوسف نظرة طويلة فامسك شعرها من مؤخرة رأسها وقربها له لتلامس شفتاه خاصتها ويقول:
– انتِ الوحيدة اللي تقدر تبسطني.
فالتهم شفتاها بقبلة حارقة ليغوص معها في بحرها العميق.
__________________
في شركة الشافعي.
– إتصرفي يا سوزان، يوسف مش هيسكت.. ابعتي لأي شركة تانية من اللي متعاقدين معاها يبعتوا حد من طرفهم.
قالها شادي بتوتر
– يا بشمهندس شركة الراعي اللي داخلة شغل معانا بالفعل اتفقت معاها انها تبعتلنا المترجم اللي عندهم، بس للأسف المترجم في المستشفى رجله اتكسرت النهاردة الصبح.
قالتها سوزان بخوف مما سيحدث فقال شادي:
– يادي الليلة اللي مش فايته!
قالت سوزان وهي ترفع سماعه التليفون:
– والأستاذ محمد فين هو كمان اتأخر ليه، ده معاه الورق؟
– انا اتصلت بيه اكتر من مره مش بيرد، هحاول مره تانية.
– حاولي تاني وتالت، احنا هنتفجر النهاردة.
قالها شادي وهو يشد خصلات شعره بيده… ولم يكمل إلا ووجد محمد يدخل المكتب:
– السلام عليكم.
– انت فين من بدري مش بترد علي تليفونك ليه؟!
قالها شادي بصوتٍ غاضب.
– معلش مش سامعه انا بعتذر.
قالها محمد بتعجب ثم اضاف: – هو فيه حاجة؟
– إحنا معرضين نخسر أكبر صفقة لو ملحقناش نراجع على العقود قبل التوقيع، ولو اتأخرنا هيشوفوا حد غيرنا.. صحيح فين الورق؟
قالها شادي وهو ينظر ليد محمد الفارغة فنظر له فوجد محمد ينظر له بصدمة ويضرب بيده علي جبينه:
– اوف نسيت الورق!
شادي:
– هو يوم باين من اوله.. يوسف والحمد لله هنتنفخ على ايده.
_______________
بمنزل الخالة صفا.
كانت تقوم بترتيب المنزل كالعادة اليومية لها ولكنها لاحظت بعض الأوراق التي تخص محمد على الطاولة، فمدت يدها لترتبها وتحتفظ بها ولكن ما لفت نظرها في هذه الأوراق جعلها ترفع حاجبها باندهاش.
– حاضر يامحمد حاضر بطل صريخ حالًا اهو.
قالها عامر وهو يصعد درجات السلم سريعًا حتى وصل لمكان سكن غزل، أخذ نفسًا ودق الجرس وانتظر.. فجأة فتحت له غزل وهي تنظر له باندهاش تتساءل عن سبب حضور عامر:
– محمد كلمني وقال في ورق مهم نسيه وطلب مني ابعتهوله الشركة لأنه مش هينفع يسيب الشركة دلوقت.
انتظر ردها لدرجة انه هيئ له انها لم تفهم حركة شفتاه، فكاد أن يعيد مرة أخرى إلا أنها قاطعته عندما تحركت للداخل وأحضرت روزماتها وكتبت له أن ينتظرها بالأسفل وأغلقت الباب دون ان تنتظر رده.
انعقد حاجب عامر من تصرفها الغريب ورفع كتفه وقال:
– مجنونة! طلعت كمان مجنونه! بس هتجنني معاها.
_________________
أسفل البيت كان ينتظر عامر مستندًا على سيارته، هب يقف معتدلًا عندما لمحها تخرج من البيت ترتدي بنطالها الجينز وقميص قطني فوقه وتركت سعرها البني الناعم يخفي جانبي وجهها قال لها باندهاش:
– انتِ رايحه فين؟
كتبت بثقة:
– لمحمد طبعًا.
أجابها عامر وهو متعجب من قرارها:
– مالوش لزوم انا كنت هروح بسرعه وجاي متعبتيش نفسك.
هزت رأسها بالرفض فقال باستسلام:
– طيب امري لله اتفضلي.
واسرع يفتح لها باب السيارة المجاور له وانطلقا إلى وجهتهما.
__________________
في السيارة كانت غزل شاردة في يديه القابضة فوق تارة القيادة التي تظهر مدي تصلب جسده، احست من هيكله كأنه يحارب شيء يكاد لا يستطع السيطرة عليه كانت تحاول قراءة أفكاره وتسألت “لماذا دائمًا تشعر بشعور خاص اتجاه عامر لا تستطع تفسيره، فعندما تراه تشعر بالأمان والاحتواء رغم قلة كلماته التي يوجهها لها إلا انها ترى بعينيه شيء يصعب تفسيره فهو دائم الارتباك والتوتر عند رؤيتها، كيف لشاب بسنه وحجمه وشخصيته المعروفة الصارمة أن يرتبك هكذا، فهل هذا طبعًا به ام شيء خاص يخصها به؟”
أفاقت من شرودها على يد عامر التي امتدت اتجاهها فانتفضت تلتصق ظهرها بالباب إلا أنها وجدته يسحب بيده اليمنى حزام أمانها ليثبته لها، لحظه، اثنان بقت على حالها حتي تستوعب ما فعله فنظر متعجبًا من رد فعلها فهو دائمًا حريص على التعامل معاها في إطار محدد، ولم يتجاوز معها من قبل في أي فعل أو قول، وقال وهو يوزع نظره بينها وبين الطريق:
– انا اسف بس أنا حاولت أنبهك للحزام اكتر من مرة بس كنتِ سرحانه.
ساد الصمت، بينما وقعت عينيه على بنطالها الجينز الذي يظهر ساقيها بدقه مثيره فأشاح بوجهه عنها ليستغفر ربه، لماذا لا ترتدي شيئا يخفي ساقيها أو… جحظت عيناه وقال في نفسه:
– ما هذا يا الله؟! هذه الفتاة ستصيبه بسكتة قلبية، كيف لم ينتبه لهذا القميص الذي يظهر بياض ذراعيها كيف تخرج بهذا الشكل؟ وكيف لم ينتبه من قبل؟ ايستطيع توبيخها على ملابسها؟ هل له الحق في ذلك؟ كم شخص الان رآها؟ وكم سيراها؟ لم يشعر بنفسه إلا وهو يضرب طارة القيادة بقبضته بغضب.
في نفس الوقت كانت غزل تراقبه بجانب عينيها تشعر بسخونة في جسدها، راقبت ملامحه التي انعقدت ثم شقت ابتسامة شفتاه. ماذا انها انعقدت ثانية، ثم أشاح وجهه عنها.. هل هو مجنون أم غير طبيعي هل يصاب بما يسمى الانفصام يسير بشخصيتين متناقضتين؟ انتفضت عندما سمعت ضربة لطارة القيادة، لاحظ انتقاضها وقال معتذرًا:
– انا اسف سرحت شويه.
هزت رأسها بسرعة بالموافقة وظلت تضم يديها في حجرها بتوتر ثم لاحظت توقفه فجأة وهو يخلع حزام أمانه ثم التفت لها يمد يده اتجاها:
– وصلنا هاتي الأوراق ابعتها لمحمد.
نظرت ليده ثم هزت رأسها بالرفض، عقد حاجبيه وقال:
– لا ليه! ما تتعبيش نفسك أنا هروح بسرعه وأرجع.
كيف يبلغها انه يحترق اذا نظر إليها شخص غيره وخصوصًا بهذه الملابس، سيجن بالتأكيد لكن هو ليس له عليها بسلطان، فانتبه لخروجها من السيارة وقت شروده.. فخرج واقترب منها يقول:
– مصممة؟
ردت غزال بهزة من رأسها بالإيجاب فقال:
– طيب تعالي.
صارت بجواره كالطفلة التائه الغريبة فانتظرت حتى استفسر من الاستعلامات عن مكان محمد وتوجها للمصعد..
أمام المصعد.
في انتظار المصعد وضع عامر يده على جيبه ليبحث عن هاتفه فاكتشف تركه بالسيارة فقال:
– غزل معلش أنا هروح بسرعة اجيب التليفون عشان اكلم محمد وأبلغه أن احنا وصلنا وراجع بسرعة.
هزت رأسها بالموافقة، وهي تنتظره داهمتها رائحة ازكمتها، أشعرتها بعدم الراحة، يبدو أن هناك من يكثر في استخدام عطره بطريقة تثير الغثيان.
فتح باب المصعد، دخلته وقررت أن تسبق عامر للطابق الذي يعمل به محمد، لم تنتبه للعيون التي تتفحصها من رأسها مرورًا بجسدها لأرجلها.
فدخل بعدها هذا الشخص
انكمشت بجانب الحائط تحاول عدم النظر إليه، يكفيها رائحة عطره القوي الذي أصاب معدتها بألم ونظرت لقدمها ليختفي وجهها اكثر بين شعرها فهي حريصة دائمًا على إطلاق شعرها هكذا لتخفي سماعه أذنها خلفه
أما على الجانب الآخر استند بظهره في أخر المصعد وظل يراقبها ويراقب حركاتها وطريقة وقوفها المنكمشة وعلى شفتيه ابتسامة جانبية خبيثة.
لحظه، لحظتان، ثلاثة في انتظار الطابق التي طلبته فهو لم يطلب طابقه اكتفى بطلبها هي، فتح المصعد وخرجت مسرعة لا تعرف وجهتها، كان الهواء نفذ من حولها.. تحاول التنفس لتهدئ من اختناقها الذي شعرت به.
أما هو فتوجه سريعًا إلى مكتبه مرورًا دون توقف بسكرتيرته الخاصة يقول بطريقة صارمة دون أن ينظر لها:
“صباح الخير يا سوزان.. في وحده هتيجي تسأل على الأستاذ محمد بتاع الحسابات دلوقت، تدخليها بس بلغيني قبل ما تدخل ومتبلغيش حد.
سوزان:
– أمرك يافندم.
دخل مكتبه وارتخى على مقعده خلف المكتب وهو يشرد عندما لمحها عند دخوله الشركة يحدثها شخص ما وتبتسم له لينصرف سريعًا.
وقال في نفسه ” شكلك مش سهل ابدًا، وماله أدينا بنتسلى”
– ايوه يامحمد أنا في الشركة وغزل صممت انها تيجي معايا، بس مش عارف راحت فين.. قولتلها استني قدام الاسانسير واختفت.
– يعني ايه الكلام ده؟ اختفت فين! استنى انا جايلك.
قالها محمد بتوتر.
________________
دخلت غزل غرفة سوزان وظلت لبعض الوقت صامته، فعندما انتبهت لها سوزان قالت:
– ايوه يافندم محتاجة حاجة؟
كيف ستجيبها غزل الآن؟ ظلت تفرك بيدها للحظة ثم فتحت حقيبتها لتخرج روزماتها الورقية لتكتب ما تريد.
تعجبت سوزان من تصرفها ورفعت حاجبها للأعلى فعندما علمت بطلبها
طلبت منها سوزان الانتظار للحظة.
_________________
دخلت سوزان وعلى وجهها علامات التعجب وقالت وهي تشير خلفها بتعجب:
– اللي حضرتك قولت عليها بره.
قال يوسف باستنكار:
– مالك بتقوليها كده؟
ردت سوزان وهي تهز رأسها:
– مش عارفة.. أقصد لا مافيش.
قال يوسف:
– طيب دخليها، وما تدخليش حد دلوقت.. حتي لو شادي.
– طيب حضرتك الاجتماع مع الوفد الفرنسي كمان نص ساعة.
قالتها سوزان بتوتر
رد يوسف بصرامة:
– ايوه عارف وبرضه ما تدخليش حد.
_______________
وقف محمد وعامر وعلى وجههما علامات الارتباك:
– طيب وبعدين احنا دورنا في كل حته ملهاش اثر؟
قالها محمد وهو يشد خصلات شعره، فقال عامر:
– طيب اتصل تاني بيها أو أبعت رساله.
– الشبكة هنا زفت وتليفونها مغلق.
قالها محمد بعصبيه
عامر:
– معلش في السؤال هي هتعرف ازاي انك بتتصل؟
محمد بعصبيه:
– عامـــر! ده وقت سؤالك؟
شعر عامر الإحراج من رد فعل محمد إلا ان سمعه بعد وقت من الصمت وهو يقول:
– فايبريشن (خاصية الاهتزاز)
انتبه عامر له وعقد حاجبيه فاكمل محمد:
– بتعمل التليفون خاصية اهتزاز عشان مش هتقدر تسمعه.
هز عامر راسه بتفهم لقد فهم الآن.
_________________
في نفس الوقت دخلت غزل للمكتب وهي تتلفت يمينًا ويسارًا في منتصف الحجرة معتقدة انها في مكتب محمد اخيها، فهي تريد ابلاغه بشيء مهم يخص العقود التي تركها على الطاولة، بدأت تداهمها نفس الرائحة التي ازكمتها من قبل فهزت رأسها بأنها تهذي ورجعت خطوة للخلف لتلتف حول نفسها فتصطدم بصدر بشري، لتبتلع صرختها التي خرجت منها.. لقد شل الموقف حركاتها ليقول:
– مش تحاسبي كنتِ هتقعي.
حاولت التحرك إلا أن يديه التي يضعها خلف ظهرها لم تسمح لها بالتحرك والابتعاد، فبدأت بدفعه من صدره لتحاول الفكاك منه.. ليصدر منها أصوات غريبة عليه.. ليتركها بتسلية ويقول وهو يرفع يده عنها باستسلام:
-اهدي محصلش حاجة.
فابتعدت للخلف وهي مرتعبة من نظرته تريد الخروج من هذه الحجرة، فنظرت إلى الباب خلفه ففهم ما تفكر به فباغتته بتحركها بحركة كان يتوقعها فسبقها ليسد عليها الخروج من الباب.
بدأت تشعر بألم معدتها من عطره القوي، حتى شعر بتوترها فزاد الأمر تسلية، ليقول وهو يمد كف يده اليمنى:
– انا المهندس يوسف الشافعي.
نظرت إلى يديه دون ان تتحرك، فانتظر يوسف أن تبادله السلام إلا أنها تجاهلته، ما هذا تتجاهله للمرة الثانية؟ ألم يرتقي لمستوى الرجال التي تعرفهم! قطع تفكيره رفع يده ومبادلته المصافحة دون النطق باي كلمة منها ثم سحبت يدها بسرعة، قفال يوسف وهو يضع يده بجيبه يقول:
– مش هتعرفيني بنفسك؟
توترت غزل وبدأت تشعر بدوار يداهمها من عطره فأخذت تفتش بحقيبتها على الروزمانة الورقية تحت عينيه المراقبة لها، اعجبه سكونها وشعرها البني العسلي الذي يخفي جوانب وجهها كأنها تريد اخفاء نفسها من خلفه، ووجدها تخرج روزمانة ورقية تكتب بها:
– أنا بدور على الأستاذ محمد بيشتغل في الحسابات.
لتقدمها له وانتظرت رده، اشتعل غيظًا من تجاهلها لسؤاله وقال باستنكار:
– وانتِ مين بقى عشان نبلغ البيه بضيوفه؟
– شعرت غزل بدوار يداهما اكثر والرؤية بدأت تتلاشى فتحاملت لتكتب اسمها بصعوبة
– غزل.
ومدت يدها ليقرأ اسمها، لتنكب على وجهها وتسقط الروزنامة فيلحقها بذراعه قبل أن ترتطم بوجهها على الأرض ليسقط رأسها على صدره وذراعه تحيط بها يحاول ايقافها، حملها ليمددها علي أريكة جانبية بالمكتب وهو يحاول ان يستغل هذه الفرصة لمراقبة ملامح وجهها التي تخفيه خلف شعرها فمد يده ليزيح شعرها المبعثر عن وجهها ليري وجه دائري وبشرة بيضاء كالحليب واهداب كثيفة بنية ملامحها قريبة من الأتراك ولكن جسدها ضئيل رغم انحناءاته الأنثوية فهو يري انثي بجسد طفلة، حاول ضرب وجنتها بأصابعه بقوة ليفيقها من حالة الأغماء التي انتابتها فلم تستجب، استقام ليقترب منها حتى يرفع رأسها لأعلى قليلًا فلفت نظره طرف شيء احمر أعلى صدرها أسفل عظمة الترقوة فمد أصابعه ليستكشف ما هذا ليتضح له كلما رفع طرف قميصها اشتاع بقعة باللون الأحمر اكثر فاكثر ليجد بما يسمي بوحمة حمراء تشبه الفراولة صغيرة في حجم العنبة فابتسم بخبث وهو يكتشف سر من اسرارها.
_________________
– بالخارج أمام مكتب سوزان وقف محمد بتوتر هو وعامر يسأل سوزان:
– مافيش حد سأل عليا هنا يا سوزان، اجابته في اثناء دخول شادي عليهم وتعجب من وضعهما:
– اه في بنت من ربع ساعة جت سألت عليك وهي عند البشمهندس يوسف جوه.
– رد محمد بعصبية: نـــعم!
فندفع الثلاثة للداخل في لحظه واحدة، وعند رؤيتها ممددة وأعلاها يوسف.. صرخوا بصوت واحد:
– غــــزل.
رفع يوسف رأسه ليشاهد هجوم الثلاثة عليه ودفعه من جانبها فهو كان يحاول إفاقتها، وقف ذاهلاً مما يحدث وزاد تعجبه من شادي، اضمت شادي لقائمتها الذكورية؟ كيف تعرف عليها؟ رأي محمد يجلس أرضًا على ركبتيه ويضرب بتوتر على خدها بأصابعه يحاول إفاقتها وينادي عليها بصوت ملتاع متألم:
– غزل.. غزل ردي عليا ياحبيبتي.. غزل.. غزل.
قاطع كلامه صوت رجل أول مرة يراه، لا بل رآه معها أمام المصعد يقول بتوتر:
– مافيش برفان هنا؟ مش هينفع نستني كده شيلها يا محمد نوديها للمستشفى.
رد شادي:
– شيلها يا محمد وأنا عارف مستشفى قريبة هنا
رفع يوسف حاجبه باستنكار وقال في نفسه ” حتي انت ياشادي”.
– وجّه عامر نظره إلى يوسف فامسكه من مقدمة قميصه ليهزه بعنف:
– انت عملت فيها ايه؟ وربي لأقتلك.. انطق عملت ايه؟
يوسف: نزل إيدك يا حيوان انت.. انت اتجننت.
شادي اقترب ليفك النزاع:
– سيبه ياعامر؛ خلينا نشوفها الأول مالها، مش وقته اللي بتعمله.
– انتبه الأخير وعامر ويوسف لمحمد وهو يقول:
– غزل حبيبتي انتِ كويسة؟
بدأت ترفرف برموشها فتركوه.. ليشاهد من بعيد التفاف الثلاثة حولها.. ليحدث نفسه بضيق “ما هذا الاهتمام”
وجد محمد يسندها لتعتدل بجلستها وتستند برأسها على كتفه وهو يحيطها بذراعه وهو يتساءل
– حاسة بإيه؟ حد عملك حاجة؟
ووجه نظره ليوسف بتحدي
هزت رأسها بضعف بلا،
توجه يوسف ليرفع سماعه الهاتف ويقول:
– سوزان كوباية عصير وكوباية مايه بسرعة.
كانت تجلس ترتشف العصير بين محمد الذي يحيطها بذراعه وعامر الذي لم يتوقف عن هز ساقه وإلقائه بنظرات حادة فيبادلها يوسف ببرود وشادي الذي ينظر لها بإعجاب مخفي، والكل يحدثها وتنظر لهم عند حديثهم بشدة لشفاههم كعاداتها بفم منفرج.
ولكن ما اثار تعجبه انه لم يستمع إلى ردها على أي واحد منهم، تقوم بتحريك رأسها فقط وهم ليسوا معترضين.
وجدها تبحث عن شيء بتوتر ثم اخرجت هاتفها تكتب عليه فيقرأ محمد ويقول:
– دفترك ضاع.. مش مهم اجبلك غيرها.
استغرب يوسف من هذا الوضع وتسال في نفسه “في مابتتكلمش ليه؟”
ثم بحث بعينه بالغرفة ووجد ضالتها فانحنى والتقتها ثم تصفح بعض اوراقها فعقد حاجبه بتعجب مما رآه، هناك بعض الكلمات والجمل غير المترابطة تملأ هذه الروزنامة فصار يشك في أمر أم، ليمد يده بها إليها وتأخذها مسرعة. وتكتب بها شيء لمحمد.. أما يوسف بدأ يتأكد من شكوكه.. انها بكماء لا تتحدث، نظر لهم ذاهلاً مما اكتشفه ووصل إليه ومسح بيده على شعره بسبب صدمته، انها لم تتجاهله.. وإنما لم تستطع الرد عليه.

يتبع….



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close