recent
روايات مكتبة حواء

رواية عبث باسم الحب كاملة بقلم رحمة سيد

رواية عبث باسم الحب كاملة بقلم رحمة سيد



 عبث باسم الحب

الفصل الأول :-
في احدى الأحياء الشعبية التي يقطن بها أصحاب الطبقة المتوسطة في المجتمع، تحديدًا في احدى العمارات العالية وفي "شقة" تخص أسرة "عماد الحداد "، كان " مروان الطحان " يشغل نص الأريكة التي جلس عليها متكئًا بمنكبه العريض للخلف، يحدق في وجوه كلاً من " عماد" وزوجته اللذان كان التساؤل والترقب ينبض من نظراتهما، بينما هو ملامحه الرجولية الخشنة منحوتة في هدوء غريب، وعيناه السوداء تستوطنها نظرة ساكنة مغلفة بالهدوء التام.. هدوء يشبه الليل المُظلم مجهول الباطن، فقطع الصمت صوته الرجولي الأجش حين هتف:
- أستاذ عماد، من غير لف ودوران كتير، أنا جاي عشان أطلب إيد الأنسة رهف بنت حضرتك.
إلتقطت سوداوتاه تلك الدهشة المتوقعة التي عَلت وجيهما في اللحظة التالية، ثم قول " عماد " التالي الذي خرج متخبطًا بالإستنكار والمفاجأة للوهله الأولى:
-تطلب إيد رهف بنتي أنا؟
اومأ " مروان " مؤكدًا، ولم يتخل عن ذلك الهدوء الجامد في نبرته وهو يؤكد عليه مكررًا كلامه:
-أيوه رهف، وطبعًا حضرتك عارف إن والدي ووالدتي متوفيين وإني وحيد.
وعندما لم يقاطعه عماد بأي شيء تاركًا له المساحة الكافية ليفرغ كل ما بجبعته، أكمل:
-وعندي شقتي في **** لان زي ما حضرتك عارف أنا عزلت من المنطقة هنا من زمان، وبشتغل في المعرض بتاعي.
هز "عماد" رأسه وكأنه يقلب الكلام برأسه بحثًا عن رد مناسب، ثم تابع متسائلًا في شيء من الشك:
-أنت عارف اللي حصل مع رهف؟
وزادت المفاجأة تفجرًا حينما اومأ "مروان" مؤكدًا برأسه:
-أيوه عارف، ومايهمنيش، ولو حضرتك موافق أنا آآآ....
قاطعه بنبرة قاطعة معطيًا إياه ما سعى له منذ وقت طويل :
-أنا موافق.
لمعت الكلمة بعقل " مروان " للحظات، كان متوقع تلك الموافقة السريعة، ولكن.. هناك جزء من قلبه "مُظلم" يتناسى وجوده.. والذي اقتحمه النور بغتةً حينما سمع تلك الموافقة الأكيدة ليُشرق كل إنش داخله بتمهل..!
ولكنه نجح في تحجيم ذاك النور بسطوة من عقله الذي سارع بالتدخل مذكرًا إياه بكل شيء..!
ثم إنتشله "عماد" من صمته، قائلًا بصوت جامد :
-وهنكتب الكتاب في أقرب وقت يناسبك ويناسبنا.
لم تكن الصدمة من نصيب مروان وحده، بل كانت الجرعة الأكبر من نصيب "والدة رهف" التي شقت الصدمة قلبها لنصفين وملوحة التردد والريبة المكتومة تلسعه بضراوة..
فيما استجمع مروان شتات حروفه وأردف متسائلًا يلجأ لحظه:
-الأسبوع الجاي؟
دقيقة صمت واحدة استغرقها عماد، ثم اومأ برأسه موافقًا بنفس النبرة الأجشة الجامدة:
-معنديش مشكلة، ومش عايزين فرح، هتكتبوا الكتاب وتاخدها على شقتك بس.
عند تلك النقطة كان القرار محسوم في عقل مروان الذي رد في هدوء به شيء من الحزم:
-بعد إذن حضرتك أنا حابب نعمل فرح جدًا، وفرح كبير كمان، كلام الناس أخر حاجة تهمني، بس مش هيكون هنا، هيكون في قاعة جمب المنطقة اللي أحنا هنسكن فيها إن شاء الله.
توهج الأمل بعيني "ثناء" والدتها التي شعرت أن مروان لا ينوي أخذ ابنتها كسلعة باعوها هم دون مفاوضات حتى..!
ودام الصمت لدقائق والأفكار تتماوج بعقل عماد، ولمَ لا؟! حفل زفاف كبير وزوج محترم يعلمه معظم أهل الحارة، ثم تُغلق تلك الصفحة بشكل نهائي وتُخرس الألسنة.... او هكذا كان يظن!
ثم تابع أخيرًا قاطعًا ذلك الصمت:
-معنديش مشكلة.
فرسم مروان ابتسامة خافتة شبه رسمية وهو يتمتم:
-نقرا الفاتحة؟
أومأ عماد مؤكدًا برأسه يبادله نفس الابتسامة وهو يرفع يداه ليبدأ قراءة الفاتحة، ولكن ابتسامته هو لم تكن رسمية فقط... بل كانت محاولة فاشلة لرسم فرحة مقتولة في مهدها..!
تماثلهم فيما يفعلون " ثناء " في طاعة وصمت.
بينما في الداخل أمام غرفة رهف، كانت تقف "ابنة خالتها" تتابع بتخفي ما يحدث في فضول، حين خرجت " رهف " من غرفتها في هدوء تام حتى وقفت خلف "هدير" ابنة خالتها وراحت تسألها في ترقب:
-عرفتي مين الضيوف دول يا هدير ؟؟
تفاجأت هدير من خروجها في تلك اللحظة تحديدًا، فابتلعت ريقها وهي تومئ برأسها:
-ايوه عرفت.
فهزت رهف رأسها بمعنى " ثم ؟ " وحين استمر صمت هدير التي كانت تزم شفتاها وكأنها تجبرها على الصمت، زجرتها رهف في نفاذ صبر:
-ما تنطقي يابنتي هو انا هشد الكلام من بوقك ؟!
قررت هدير تفجير القنبلة مرة واحدة، وأجابتها:
-دا عريس وبيقروا فاتحتك برا دلوقتي.
للحظات لم تستوعب "رهف" ما سمعته، عريس.. الآن في تلك الفترة الحرجة جدًا من حياتها، بل والأهم وافق أبيها دون التفكير للحظة بأخذ رأيها ؟!..
صدح صوت داخلها متهكمًا بمرارة، وماذا كانت تتوقع بعدما حدث ؟!
هي أصبحت مجرد عبء ثقيل يودا التخلص منه في أقرب فرصة، بعد أن كانت حمل وديع يطوف حياتهما في سلام وهدوء..!
ولم يرتخي ذاك السوط من الضمير الذي أصر على جلد ذاتها وصوته يرتفع داخلها... يخبرها أنها هي مَن فعلت، هي مَن لطخت روحها وروحهم بسواد لن يزول سوى بالنار..!
انتبهت لهدير التي أمسكت يدها تدلكها في حنو وهي تسألها بصوت حمل في طياته قلق:
-رهف، مالك؟ انتي تمام؟
هزت رهف رأسها ولم تنطق بحرف، فأثارت الشفقة بقلب "هدير" التي حاولت التخفيف عنها فقالت:
-بس العريس حد أحنا عارفينه من زمان، وشكله واحد محترم وابن ناس، يمكن دا عوضك عن كل وحش يا رهف.
لم تنتبه رهف سوى لسؤال رن بعقلها ورنته شغلت عقلها عن أي تفكير آخر:
-هو مين يا هدير ؟ ونعرفه منين؟؟
فهزت هدير رأسها نافية في أسف:
-لا والله انا مش فاكرة أسمه، بس هو كان ساكن هنا في المنطقة زمان.
دون شعور تقدمت "رهف" في خطوات متهورة للأمام حتى تستطع رؤية هذا المجهول، في نفس اللحظة التي رفع فيها "مروان" رأسه بتلقائية لتظهر هي أمامه بجسدها الذي نحف مؤخرًا خلف الستار الذي لم يخفِ وجهها عنه، فتقابلت عينيها البُنية المستفسرة بعينيه السوداء المُعتمة إلا من تلك النزعة التملكية المتقدة فيها، وكأن عينيه تصك ملكيتها عليها بغتةً في لحظة وصال لم تطل كثيرًا حيث قطعتها رهف حين عادت خطوتين بسرعة للخلف، تضع يدها تلقائيًا على قلبها الذي كان يرتجف في خوف لحظي، خوف منه، ومن تواجده خصيصًا في هذا الوقت، خوف من تلك النظرة التي رأت فيها شيء أعمق من كونه مجرد عريس يتقدم لعروس مناسبة، شيء كالبئر مجهول القاع ولم تسعفها المفاجأة للغوص في ذاك البئر..!
فسألتها هدير في نبرة مرتابة متفحصة ملامحها البيضاء مخطوفة الروح:
-مالك يا رهف ؟؟ عرفتيه؟
فهزت رهف رأسها نافية، ومن ثم أجابت كاذبة:
-لأ، معرفهوش مش فاكراه.
ثم عادت بسرعة لغرفتها مغلقة الباب خلفها مسببة دهشة اخرى لهدير التي ازداد تعجبها من حالتها التي ازدادت توترًا بعد أن رأت هذا العريس..
فيما بدأت رهف تتنفس بصوت عالٍ وهي تنظر للاشيء، وذلك السؤال يطوف عقلها بحثًا عن اجابة ضائعة... ترى ما الذي جاء به ؟! ولمَ هي تحديدًا ؟.. تراه أتى ليكمل ما بدأه صديقه؟!!!...
وحين راودها ذلك الخاطر شعرت وكأن الرعب نفخ نفخته في اذنها مبعثرًا كل خلية فيها بهلع..!
بعد فترة ليست كبيرة، وقف مروان مستئذنًا للمغادرة يصافح عماد راسمًا نفس الابتسامة المُجاملة:
-بعد اذن حضرتك هستأذن.
فأومأ عماد برأسه موافقًا في هدوء:
-اذنك معاك يابني اتفضل.
وبالفعل غادر مروان، وما إن خرج من باب الشقة حتى سقط عنه قناع الرسمية، وبرزت في عقله فجأة كالفقاعة تلك اللحظة التي التقى فيها بُنيتاها الذهبيتان، ثم هروبها السريع من عيناه كغزال يهرب من صياده!
بينما في الداخل في نفس الوقت، استطاعت ثناء أخيرًا تلفظ ما يجول عقلها وقلبها الذي يئن في عاطفة أمومية بحتة:
-أنا حاسه إننا كدة بنرميهاله يا عماد.
فرمقها عماد بنظرة حادة ساخطة أسكتتها للحظة، ولكن لم تخبت عاطفتها فعاودت القول:
-دي بنتنا مهما حصل، مينفعش نرميها لأول واحد يجي كدة.
حينها هب عماد واقفًا يخبرها في نبرة جافة قاسية في ظاهرها ومتألمة في باطنها:
-بنتك خسرت وخسرتنا حق التمنع وإننا نفكر ونسأل ونتشرط.
ثم لوى شفتاه في ابتسامة باردة لا تمت للمرح بصلة:
-بس عمومًا متقلقيش، الراجل ابن حلال وأنا عارفه من أيام ما كان ساكن هنا.
فعقدت ثناء ما بين حاجبيها تنوي الاعتراض على النقطة الاخرى التي تشغل فكرها:
-وكمان هو آآ......
ولكن قاطعها عماد في نبرة حازمة حادة بعض الشيء:
-عارف هتقولي إيه، بس احمدي ربنا إنه هيتجوز بنتك برغم كل اللي حصل، ماتستنيش يجي حد أحسن منه لأن بنتك خلاص بقت معيوبة ومستحيل هيجيلها غيره الا واحد معيوب، دا لو جه!
ثم غادر متوجهًا نحو غرفته منهيًا هذا الحديث الثقيل جدًا والمُهلك لقلبه الذي شاب مؤخرًا من كثرة الهموم.
****
بعد فترة....
وصل مروان العمارة التي يقطن بها، متوجهًا نحو شقته، يُخرج مفاتيحه من جيب بنطاله، في نفس اللحظة التي كانت فيها الأخرى ترمي القمامة في السلة المتواجدة أمام شقتها والتي تقابل شقته في نفس الدور..
وما إن رأته حتى نادته مسرعة:
-مروان.
أغمض مروان عينيه عن اخر شخص يتمنى رؤيته في هذا الوقت، وبدأ هذا الغضب داخه يعاود الغليان مهددًا بالإنفجار في وجهها كالبركان، كاد يدخل شقته متجاهلًا رؤيتها، ولكنها اوقفته متابعة في نبرة مُلحة:
-مروان استنى لحظة لو سمحت.
فرفع إصبعه ثم زمجر في حدة محذرًا :
-إياكي توقفيني مرة تانية ولا تفكري تتكلمي معايا مهما حصل، مش عايز أشوف وشك ولا أسمعك ابدًا.
إنتفضت "غادة" في قلق وعادت خطوتان للخلف، تخشى لُقى مارد الغضب الذي صار يتلبسه مؤخرًا في وجودها..!
وبالفعل دخل شقته صافعًا الباب خلفه، كارهًا اللحظات التي يراها فيها، كارهًا تواجدها قربه.
رمى مفاتيحه على الأريكة ثم رمى بثقل جسده فوقها متنهدًا في إنهاك شديد...
والغضب لازال يحتل بين ضلوعه، غضب تجاه كل شيء... تجاه تلك المرأة التي حبست النسخة القديمة الطيبة اللطيفة منه في قوقعة سوداء لن تخرج منها، وخلقت من رحم هذا السواد نسخة اخرى لا ترى ولا تفكر سوى بنفسها... نفسها فقط!
نسخة جعلت كل ما يشغل تفكيره هذه الفترة أن يمتلك ما يود امتلاكه، أن يزأر في وجه الدنيا منتشلًا كل ما حُرم منه، مستعيدًا كرامته وروحه التي دُهست تحت أقدام المواقف والأشخاص!..
****
بعد مرور يومين...
عَلت الطرقات على باب منزل "عماد" الذي أشار لزوجته بالإستعداد فهم كانوا على مشارف استقبال "مروان" الذي طلب من عماد أن يأتي ليعرض على رهف بعض الأشكال لغرف النوم، دلف مروان راسمًا ابتسامة تلقائية مُجاملة وهي يُلقي التحية على حماه مصافحًا إياه:
-ازيك يا عمي
فقابله عماد بابتسامة خفيفة مُشابهه، وأجاب:
-الحمدلله بخير يا مروان، أتفضل.
توجها للداخل سويًا، فدلفت بعدها بدقائق "ثناء" تلقي التحية على مروان، وبعد جلوس مروان مع عماد لوقت ليس بطويل، دخلت "رهف" على استحياء دون أن تجد القدرة على رفع عينيها والنظر لمروان او حتى والدها، وجلست جوار والدها والذي هو جوار مروان نوعًا ما..
بدأ مروان يُطلعها على نماذج غرف النوم، بينما هي أخذت تتفحصهم دون اهتمام حقيقي، ارضاءًا لوالدها الجالس جوارهم يتابع ما يفعلاه في صمت، حتى اختارت بالفعل مع مروان النموذج المناسب لذوقه وذوقها..
ثم عَلت الطرقات على الباب مرة أخرى، ففتحت "ثناء" الباب ثم صدح صوت ثناء وهي تقول مرحبة:
-اتفضل يابو خالد اتفضل.
ثم صوت "فهمي" شقيقه، يسأل في نبرة هادئة مستفسرة:
-تسلمي يا ام رهف، هو عماد هنا ؟
فأومأت ثناء مؤكدة برأسها:
-ايوه هو جوه.
-طب معلش ناديه عشان عاوزه ضروري.
حينها اضطر "عماد" أن ينهض ليغادر الصالون ثم يتوجه حيث شقيقه..
وبمجرد خروجه من الصالون، طرق التوتر أبواب عقل "رهف" مرسلًا لها رجفة مرتعدة هزت كيانها وهي تشعر وكأن الغرفة فجأة ضاقت بهما، وحضوره القوي لم يترك لها المساحة الكافية بل فرض سيطرته حتى شعرت أن الهواء الذي تسحبه لرئتيها أصبح محملًا بعبق رائحته، وزاد ارتباكها حين صُوبت أنظاره نحوها في تساؤل خفي وكأنه يرى انتفاضاتها الداخلية..
ثم اخترق هالة التوتر التي أحاطت بها صوت رنين هاتفها الذي صدح معلنًا وصول اتصال من صديقتها، ففصلت هي الاتصال في نفس اللحظة، فلم يمنع مروان السؤال الذي إنطلق مغادرًا أسر شفتاه المزمومة:
-مين؟
خرج صوت رهف ناعم مبحوح بعد صمت طويل، ترد:
-حد مش مهم.
فارتفع حاجب مروان تلقائيًا وهو ينظر للهاتف، فلم تفكر هي ايضًا وهي ترفع يدها له بالهاتف أمام وجهه حتى يرى، متمتمة في صوت أجش كاد يكون حاد:
-اتفضل شوف بنفسك.
هز مروان رأسه نافيًا ببساطة وكأنه لم يتجهم وجهه منذ ثوانٍ وهو يسأل عن هوية المتصل:
-لا براحتك انتي حره.
إلتوت شفتا رهف في ابتسامة ساخرة مكتومة صامتة التعبير، أين هي الحرية في كل ما يحدث او سيحدث ؟!..
هي ليست حرة بأي شيء او أقل شيء حتى، هي مُكبلة بأصفاد ذهبية، تسير في الخطى التي يحددونها لها.
وعلى ذكر ما حُدد لها، رفعت رأسها ولم تستطع كبت السؤال الذي إنطلق من بين شفتاها كالسهم قاصدًا اجابة متخفية داخل مروان:
-أنت بتعمل كده لية ؟
كان قد وصل مقصدها خط إدراك وفهم مروان الذي أصر على ملاعبتها فسألها في نبرة حملت المكر:
-بعمل إيه ؟
حينها لم تستطع الرد وهي تطالعه بنظرة حملت في طياتها السخط والحسرة، الاجابة حُسرت في جوفها في مرارة، وهو كان يعلم جيدًا أنها لن تستطيع البوح بما حدث وفعلته ببساطة !!..
فأردفت من بين أسنانها :
-أنت عارف كويس أنا قصدي إيه.
نظرَ لها بملامح مُبهمة، لا ينضحَ بها ما يفكر ونبرته كانت هادئة غامضة ومُخيفة لها، تهمس ولا تفشي سره الداخلي:
-لما تبقي في بيتي هتعرفي بعمل كده لية.
نشب الخوف أظافره في قلبها خادشًا إياه بضراوة، ولكنها حاولت جاهدة ألا تُظهر ذلك، وكادت تقول:
-يعني آآ....
ولكن قاطعها رنين هاتفه الذي عَلى فجأة، ليُخرجه مروان من جيب الچاكيت وهو يردد ناهضًا متجهًا نحو الشرفة المغلقة أمامهم:
-ثواني.
لم تنطق رهف بحرف وهي تقبض على ملابسها بقوة في محاولة لتحجيم تيار الغضب الذي كان يتضخم داخلها..
مرت دقائق قليلة جدًا ولم تستطع رهف السيطرة على فضولها فنهضت على أطراف أصابعها تقف أمام الشرفة تسترق السمع في محاولة لمعرفة الشخص الذي يتحدث له مروان بهذا الغموض!
ثم تجمدت مكانها حين أتتها الاجابة كالصاعقة التي رنت بأذنيها لتصمها عن الدنيا وما فيها، حيث مروان يستطرد في هدوء وحزم:
- الجوازة هتتم وكل حاجة هتحصل زي منا عايز بالظبط.
وصمت للحظات، على ما يبدو يستمع للطرف الآخر..
ثم صدح صوته الأجش يخبره:
-لأ متقلقش، أنا مركز ومسيطر على كل حاجة.
شعرت رهف أن كل ذرة بها ترتخي في رعب وأقدامها كادت تصبح هلامًا لا تقوى على السيطرة عليها ثابتة..
وفي اللحظة التالية عاد والدها للغرفة، فكانت تقاوم كل عضلة مرتخية فيها لتتحرك مغادرة تلك الغرفة قبل أن تقع منهارة أمامهم جميعًا، بعد أن استأذنت والدها بصوت خرج بصعوبة.!
****
بعد مرور أربعة أيام... تحديدًا يوم حفل الزفاف..
وقفت "رهف" أمام المرآة تنظر لفستان زفافها الأبيض البسيط الذي لم تختاره كأي عروس وإنما اختاره لها مروان بدلًا عنها، لأنها أصلًا لم يسمح لها والدها بالخروج من المنزل ابدًا لأي سبب وطلب من مروان اختياره بدلًا عنها بعد أن أخبره بمقاسها، وكأنه يخبرها ببساطة أن الثقة بينهما إنهار قوامها تمامًا ولن تعود..!
لا شيء يحدث كما أرادت، فهي لم تكن لتتمنى أن يأتي هذا اليوم على هذه الشاكلة وبهذه الظروف، لم تود أن تكون عروس ماريونت تتحرك حسبما يريدونها أن تتحرك، ولكن... هي مَن فعلت هذا بنفسها...
اومأت برأسها مؤكدة وهي تنظر لنفسها في المرآة وكأنها تحذرها؛ لا يجب أن تلوم أي شخص سوى نفسها، نفسها الضعيفة فقط!
نفسها التي كانت تظن أنها تسير على أرض حافلة بالورود في طريق سعادتها، ولكن اكتشفت أنها لم تكن سوى أرض نهايتها حافة قاتلة، وهي مَن زينتها بورود لم يكن لها وجود سوى بعقلها الباطن..!
مسحت دموعها بطرف إصبعها مغمضة عينيها تتنهد بصوت مسموع، ستتحمل.. مهما كانت عاقبة ما فعلت ستتحملها، ستتحملها وستبتلع شوكة الخوف المؤلمة في حلقها..
طُرق الباب ثم فُتح ليدلف والدها في هدوء تام، فنظرت هي أرضًا تلقائيًا، لا تقوى على رفع عينيها في عينـا والدها فتطعنها نظرة الخذلان فيهما من جديد..!
وقف " عماد " أمامها ثم رفع رأسها لأعلى متمتمًا بنبرة قوية رغم الحشرجة الخفيفة التي لم يستطع قتلها بها :
-أرفعي راسك، النهارده لازم ترفعي راسك واوعي تنزليها ولا تسمحي لحد إنه ينزلها في الأرض، ومش عايز الابتسامة تفارق وشك طول الفرح.
رفعت رأسها بالفعل تنظر له بعينين دامعتين مذبوحتين تنزفان دمعًا دون أن تجد القدرة على إيقافهما، فاستطرد عماد بصوت أجش:
-أنتي غلطتي لما عملتي حاجة من ورايا، وغلطك كبير، لكن خلاص، يمكن دي فرصة تانية من ربنا ليكي.
ثم رفع ذراعاه يحيط كتفاها ضاغطًا عليهما برفق يوصيها في نبرة حازمة:
-حافظي على حياتك الجايه، واوعي تسمحي للشيطان إنه يخربها عليكي، أي حاجة هتحصل بعد كده في حياتك فـ دا يخصك انتي خلاص، مبقاش هيجي في وشي أنا !
اومأت رهف برأسها مؤكدة في طاعة، ثم انحنت ممسكة بكف يده تقبل ظاهره عدة قبلات في لهفة ثم هتفت تتمنى نيل رضاه:
-طب أنت مسامحني يا بابا ؟ سامحني بالله عليك.
لم يسحب عماد يده من بين يديها كما كان يفعل في الأيام السابقة غير سامحًا لها حتى بمحاولة نيل غفرانه، ولكنه أيضًا لم ينطق ما يُريح قلبها الملتاع، بل كان صامتًا تمامًا...
صحيح أنه بهذا الزواج، وبليلة الزفاف التي أصر مروان على إقامتها استعاد كرامته، ولكن تبقى تلك الغصة داخله تفسد ما يتشكل من سعادة او رضا !!..
تنهد بقوة ثم أمسك ذراعها واضعًا إياه على ذراعه ثم تحرك للخارج معها، ونزل بها لأسفل العمارة حيث ينتظر مروان والزفة التي ستأخذهم للقاعة في المنطقة الأخرى..
وما إن رآها مروان، حتى إرتجف قلبه في انتشاء لحظي غريب، انتشاء غذاه التملك الذي نُفث في دمائه وهو يرى اقتراب تحقيق ما يسعى له..
اقترب منها ببطء وعيناه مُثبتة عليها، حتى أصبح أمامها فطبع قبلة عميقة على جبينها في رقة والعيون تراقبهم، وقد تعمد فعلها أمام الجميع ليرد لها هيبتها وكرامتها التي كانت علكة على لسان الناس في الفترة الأخيرة.
****
بعد فترة ليست بكبيرة.... في حفل الزفاف..
طيلة حفل الزفاف وبالفعل لم تفارق الابتسامة وجه رهف امتثالاً لطلب والدها، ولكن قلبها... بل كيانها كله كان في حالة غريبة وكأنها في خضم عاصفة مشتتة المشاعر، يغلفها الجمود والمحاولة المستمرة في الطاعة ودفع الثمن، بينما في داخلها منحورة نحرًا بالخوف، من كل شيء... من مروان شخصيًا، من القادم، من فكرة أنه ربما يُكمل لعبة اخرى ستُدمي حياتها، ولكنها بكل أسف لم يعد لها حق في الرفض..!
بينما مروان كان طيلة الوقت يحيطها بذراعه العضلي القوي، يضمها نحوه... وكأنه يعلنها لنفسه وللدنيا... أنه نجح.. نجح في انتشال ما هو له! بغض النظر عن الأسباب والظروف، وحتى وإن كان هذا النجاح ليس إلا قمة القهر والفشل بالنسبة لـ رهف !! ....
وبعد انتهاء حفل الزفاف....
في منزل مروان الذي أصبح عش الزوجية لكلاهما، منذ أن دلفا معًا للمنزل ولم يتحدث أيًا منهما سوى بهمهمات مختصرة بسيطة إن لزم الأمر..
وبعد أن بدل كلاهما ملابسهما؛ كانت رهف تتحرك في توتر واضح هنا وهناك، تلملم فستانها واشياءها ثم صارت تعبث بأي شيء، وكأنها لا تود ترك ولو دقيقة واحدة لتكون فرصة لمروان لكسر حاجز الصمت بينهما، بينما مروان جالس يراقبها في صمت تام، حتى نفذ صبره فنهض مسرعًا ليمسك ذراعها بحركة مباغتة حين كادت تتعثر بسبب حركتها المتوترة السريعة...
فضغط على ذراعها مرددًا بنبرة حازمة خرجت حادة مُخيفة لرهف:
-اهدي!
انكمشت في وقفتها أمامه في استكانة تامة، فرفع هو ذقنها نحوه ناظرًا لعينها المهتزة تحملق في سوداوتيه الباردتين بجمود في قلق واضح، خاصةً حين تابع في خشونة حادة جعلت قلبها ينتفض مترقبًا :
-أسمعيني كويس اوي عشان اللي هقوله دا مش هكرره تاني وعشان كل حاجة تبقى على نور.....

google-playkhamsatmostaqltradent