recent
روايات مكتبة حواء

رواية كاره النساء كاملة بقلم سهير عدلي

الصفحة الرئيسية

رواية كاره النساء كاملة بقلم سهير عدلي



 وسع وسع للرواية الجديدة كاره النساء

رواية كاره النساء
الفصل الأول:-
وقفت أمام المرآه تضع زينتها واثقة من ذاتها، تدندن مع الأغنية التي تصدح من هاتفها، لتجد الباب يفتح مرة واحدة، وتدلف أمها بثوبها الأسود ذلك الذي يليق بالحداد، سيدة خمسينية نحيفة كحيلة العيون، أنفها دقيق سمراء البشرة تملك قدر من الوسامة، هتفت بضيق وهي تسألها بحركة من يدها:
-لسة يابنتي مخلصتيش ..أبوكي خارب الدنيا تحت ..يلا اخلصي اتأخرنا.
اردفت نريمان وهي تضع اللمسات الاخيرة من مساحيق التجميل على وجهها:
-خلاص ياماما أهو قربت اخلص الله.
وكأن وداد والدتها الآن فقط ، انتبهت لما ترتديه فضيقت عينيها بعدم رضا وصرخت فيها بصوت خفيض:
-أيه يا نانا ال انتي لابساه ده؟
زفرت نانا بضيق وقد رفعت عينيها الى السقف بضجر، تعلم مسبقا القصيدة التي ستلقيها والدتها عليها بشأن ملابسها القصيرة، ودرسها الدائم لها عن الحلال والحرام لتهمس بلا مبالاة وقد شرعت في تسوية شعرها:
-يووه ياماما بقى.
- يابنتي ده لبس تلبيسه في عزا ..جيبة قصيرة، وبلوزة من غير أكمام..أنتي اتجننتي، احنا رايحين بلد أرياف أمتى حتعقلي بقى.
لم تبالي ناريمان لثورة أمها بل انتهت من زينتها واخفت عيونها السوداء خلف نظارتها الشمسية، وتخللت شعرها باصابعها في حركة لتصفيفه ثم التفتت لوالدتها وهمست بلا مبالاة:
-أنا جاهزة.
قوست وداد فمها بعدم رضا تشيح بوجهها يمينا ويسار في قلة حيلة وقالت وهي تخرج من باب الحجرة:
-أنا تعبت منك بقى أما أشوف أبوكي بقى حيقول ايه؟
هزت نريمان كتفها بلا مبالاة ولحقت أمها بخطوات مدللة.
كان أبيها الحج خالد الذي مازال يحافظ على عادات بلدته وتمسكه باارتداء الجلباب (البلدي)، وذلك الوشاح الذي يلقيه على كتفيه، ذو شارب يقوي مظهره الصعيدي..واقف أمام السيارة في انتظارهم، وما إن رآهما خاصة ابنته ناريمان حتى تجهم وجه واشتعلت عيناه بغضب.
ماذا يفعل معها الآن؟
هل يصرخ فيها ويأمرها لكي تبدل ملابسها؟
هل يصفعها ويسبها ويؤمرها أن تعود لكي تبدل ملابسها؟
يعلم أنه لن يفعل، وساعده على ذلك ضيق الوقت فقد كان لابد لهم أن يتحركوا سريعا حتى يحضر دفنة أخيه، فما كان منه الا أنه زفر بضيق وعدم رضا ثم فتح باب السيارة الأمامي وجلس بجوار السائق..أما ناريمان فأخفت بالكاد ابتسامة ثقة.. تعلم مسبقا أن أبيها لن يتخذ رد فعل حيالها، ترجلت الى السيارة وقد أشاحت بوجهها تنظر للنافذة متحاشية نظرات أمها المتقدة، وقد شعرت أنها بعد قليل سوف تهم بصفعها.
وصلوا أخيرا وكان في استقبالهم مالك الذي ترك نفسه لعمه يحتضنه بود مفعم بأسف على رحيل أخيه الغالي، تغير وجه مالك عندما أبصر ناريمان أبنة عمه بمظهرها الفاضح هذا وأشتعلت عيناه الزيتونية، في غضب أسود كاد أن يحرقها سخطا، حتى انه تجاهلها ولم يسلم عليها وتخطاها وسلم على زوجة عمه .. فكظمت ناريمان غيظها بالكاد ولولا أنها في مناسبة عزاء لكانت صفعته بالكلام.
عادا الحج خالد وابن أخيه من المقابر بعد توديع أخيه الوداع الأخير قبل أن يواريه التراب..وفي (صوان) العزاء الذي نصب أمام البيت وقف مالك بجوار عمه يأخذ عزاء أبيه..أما نريمان ووالدتها دلفوا الى المنزل فكانوا في استقبالهم نساء العائلة، بزيهم الأسود الصعيدي، تلك العبايات السوداء التي يرتدنها النساء في مثل هذه المناسبة، يصرخون ويولولون على الفقيد، مما أثار انكماش جسد نريمان وتراجعت حينما احتضنوها بطريقة مبالغة، هي ووداد أمها ..وقد جلسوا في حجرة واسعة ، كانت مفروشة ببساط ريفي يسمي( كليم) وهو السجاد اليدوي يصنعه بعض الفلاحين كحرفة يدوية..وآرائك، تسمى (كنب) حوائط الحجرة كئيبة بلونها الرمادي، ادخل على قلب نريمان الضيق، تهز قدمها التي تضع واحدة على الأخرى بضجر وتوتر.
-ايه القرف ده؟ هو أنا اتجننت عشان آجي هنا في المكان المقرف ده..يععع وناس مقرفة هي كمان، استغفر الله العظيم يارب، امتى بقى نغور من هنا.
هكذا حدثت نفسها وهي تلوي فمها باشمئزاز، مما أثارات دهشة النساء اللاتي لاحظن غرورها وتكبرها، فأخذوا يتهامسون فيما بينهم، حتى ان وداد شعرت بالحرج من تصرف أبنتها الأرعن فهمست بجوار أذنها:
-ايه يابنتي ال عملاه ده نزلي رجلك ميصحش كده..ومال وشك باين عليه القرف.
فهمست ناريمان بضجر وقد فاضت بها حتى ان صوتها كاد يعلو:
-بقولك أيه ياماما سبيني في حالي..أنا مش طايقة نفسي اصلا وياريتني ما كنت جيت معاكم.
فزفرت وداد بقلة حيلة ودعت الله في سرها أن ينتهي هذا اليوم على خير.. خاصة بعد همس النسوة لبعضهم وقد عبرت وجوههم عن استيائهم من عنجهية ابنتها وتكبرها.
انتهى العزاء وانصراف المعزون، وفي حجرة الضيوف جلس مالك وعمه خالد وقد كساهما الأرهاق والتعب.. ينظر خالد لأبن أخيه الذي احتل الحزن ملامحه فربت على ظهره هامسا بموساة:
-شد حيك يامالك انت راجل وجدع وعارف أنك أجوى من أي محنة، ربنا يبارك فيك ياولدي وبعدين أنا موجود اها ابوك مماتش، اجرا له الفاتحة واترحم عليه.
ابتسم مالك له بامتنان ونفض عنه ثقل همه في زفرة حارة بعدها أردف:
-ربنا مايحرمني منيك ياعمي طبعا أنت عوضي عن أبويا الله يرحمه.
- وناوي تعمل أيه دلوكيت؟ بعد عملة أمك الله يسامحها.
ابتلع آلامه الرهيبة ثم همس بحيرة:
-مش عارف ياعمي.
وضع خالد يده على فخذه حتى ينتبه له ثم اردف:
-انضر ليا يا ولد اخويا زين..عمك كبر بقى عضمة كبيرة، وربنا مرزجنيش بولد يجف في ضهري، ويشيل عني الحمل، أنا دلوكيت محتاجلك، عايزك تبجى معايا في البيت والشغل..جلت إيه ولدي.
تلك النبرة التي تحدث بها عمه المليئة بالعجز والرجاء، جعله يشعر أنه بالفعل في حاجة اليه، هو ايضا في حاجة الى عمه بعد الذي حدث، شعوره بالوحدة، وأنه جذع جث من شجرة وحيدة ذلك يجعله في أمس الحاجة لوجوده بجانبه، يشعر أن أوتداده كلها مزقت، أصبح غريب في عالم جاحد.
قطع عمه صمته وهو يسأله بصوت يرجوه أن لا يرفض:
-ها يا ولدي جلت اييه؟
ابتسم مالك وهو يجيب:
-تحت أمرك ياعمي اعتبرني من دلوك ولدك.
اتسعت ابتسامة خالد الممتنة فربت على ظهره وقال:
-ربنا يبارك فيك ياولدي..انت من إهنيه ورايح ولدي ال مخلفتوش..وبعد تالت يوم العزا نشد رحالنا ونعاود على مصر.
زفرت نريمان في راحة فاخيرا سوف تعود لبيتها..لحجرتها التي اشتاقت لها، لحريتها المسلوبة وترك هذا البيت الموبوء بالحشرات المرذية..مثل الناموس، والبق، اللذان أرق منامها كانت اسوء ليالي قضتهت في حياتها، ارتدت ثوبها القصير، وتوارت عينيها خلف نظارتها..وهمست لأمها:
-يلا بقى ياماما أنا زهقت مش قادرة أستنى ثانية واحدة في المكان المقرف ده.
- الصبر يابنتي، أبوكي راح هو وابن عمك يمونوا بنزين وراجعين ..عشان نمشي كلنا سوا.
اتسعت عيناها عند الجملة الأخيرة فسألت امها بنبرة صادمة:
-نمشي كلنا سوا ازاي؟ هو..هو ابن عمي الجلف ده جاي معانا؟؛
فضلت وداد أن لا تعلم ابنتها بأمر اقامة ابن عمها الدائمة معهم كما اخبرها زوجها أمس..فليس لها روح للمجادلتها عندما تعود للبيت سترضخ حتما للأمر الواقع..فتداركت وداد نفسها قبل أن ينزلق لسانها وتخبرها فقالت لها:
-ايوة جاي معانا عشان يوصلنا، وسبيني بقى خليني أكمل لبسي.
-آه بحسب .. يباي عليه صعيدي خنيق دمه يلطش.
اتكأت على السيارة تتأفأف في قلة صبر تنقر بأصابعها على بابها وهي تنظر لبعيد ، وأخيرا لمحت ابيها وذلك الجلف كما تسميه يقتربان فزفرت في راحة وهي تهمس لنفسها:
-أخيرا وصلوا وحنروح بقى.
لكن أباها رمقها بغضب عندما لمحها بثيابها القصيرة فأحس بالحرج خاصة عندما التفت لابن اخيه فوجد ملامحه مستاءة من مظهر ابنته وعن غير عادته قبض على ذراع ابنته بقسوة قائلا وهو يكذ على أسنانه:
-أيه اللي انت لابساه ده ..مش كفاياك فضحتيني في البلد غوري غيري خلجاتك والا منتيش مروحة ألنهاردة.
على الرغم من مفاجأتها من ردة فعل أبيها التي لم تتعود منه هذه الفظاظة قط.. الا انها شعرت برجفة في قلبها، فاردفت بعناد غلب طبعها:
-ايه يابابا مهو ده لبسي العادي، و..وبعدين أنا مجبتش لبس تاني غير ده.
كاد ابيها أن يصرخ بها لكن قاطعه مالك وهو يقول بصوت ثابت، قوي، وعينان تملؤها التحدي:
-بعد أذنك ياعمي.
صمت خالد وانتظر ماذا سيفعل أبن أخيه فتبادل هو وزوجته نظرات الاستفهام..وجداه يدخل الى البيت جالبا (عباءة) سوداء ثم اعطاها لابنة عمه وهو يقول لها بجمود:
-أقبصي العباية دي واشلحيها.
كانت عيناه مليئة بانذار مخيف شعرت ان لم تتطاوعه سوف يلكمها أو يقتلها، شئ فيهما جعلها تخشاه..ومع ذلك أخفت كل ذلك وهي ترتدي وجه شجاعة مزيف وتقول بعناد:
-ايه أقبصي دي معناها أيه ..والعباية دي أشلحها ازاي بقى؟
-فأجابها ابيها وهو يخفي أبتسامة فقد تخيل مظهر أبنته في العباءة وتساءل كيف سيكون:
-اقبصي يابتي في لهجتنا معناتها أمسكي وأشلحي العباية يعني البسيها.
-اييييييييه أنا ألبس البتاعة دي؟؛
صرخت بها نريمان وعلامات الأشمئزاز على وجهها وكأنها تمسك في يدها شئ مقزز ..حتى أن أمها التفتت بوجهها بعيدا لتخفي ضحكة كادت أن تفلت منها على مظهر ابنتها، تصرف امها زاد من غيظها فألقت العباءة أرضا وفتحت باب السيارة لنجلس فيها وقالت بتصميم:
-أنا مش لابسة البتاعة دي ويلا بقى نمشي من هنا عشان زهقت.
لم يبالي مالك لغضبها أنما أوقفها قبل أن تترجل السيارة وهمس بجوار أذنها بصوت كأنه سياط الويل:
-شوفي يا بت عمي لو ماشلحتيش العباية دلوك هيجابلونا مطاريد الجبل ويبندكوكي بالنار ويبندجونا معاكي..لأنهم عدوهم لما يلاجوا حريم عريانة زي حلاتك اكده فاستري نفسيك أحسنلك.
ابتلعت نريمان ريقها بصعوبة وقد اتسعت حدقتيها بخوف، وقد صدقت ادعائه فجذبت منه العباءة بحركة عنيفة وانصرفت مضطرة حتى ترتديها، بعد انصرافها ضحكا ابيها وأمها وقال خالد وهو يضرب مالك على كتفه:
-يخرب مطنك يامالك خليتها صدجت وخافت.
-مكانش جدامي غير اكده ياعمي..
قالها مالك ثم صمت مترددا فحثه عمه على أن يبوح بمكنون صدره بعد ان همس له:
-سكت ليه ياولدي كنت عايز تجول ايه وبعدين اترددت.
- أنا..مستغرب بس ياعمي معاملتك الطرية دي ليها معرفش عنيك اكده.
فزفر خالد بأسف ثم همهم قائلا:
-هييييه يا ولدي بكرة تعرف كل حادة ساعتها يمكن تعذرني.
بعد جملته الأخيرة جاءت نريمان وهي متزمرة، على وجهها غضب الدنيا كلها.. متأففة من تلك العباءة التي ترتديها وكأنها أصبحت أرجوزا، لم يعقب أي فردا منهم على مشهدها، حتي يتقون عصبيتها، اكتفوا بابتسامة ولكن امها همست لها في أذنها
-والله شكلك حلو فيها.
فهمست نريمان لامها وهي تكذ على أسنانها:
-ماما من فضلك سبيني في حالي دلوقتي انا مش ناقصة تريقة وعلى أخري.
فنظرت بحقد لمالك الذي كان السبب في ان ترتدي تلك العباءة، والذي كان يتفحصها في المرآه، ظنته متشفيا فيها، لكنه كان يقول في نفسه:
-مالها العباية عفشة اكده، مش أحسن من جميص النوم ال كنتي شلحاه..أباااي عليكم نسوان عايزة الحرج.
أشاحت بوجهها نحو النافذة وهي تسبه وتلعن اللحظة التي قررت فيها، الذهاب معهما تلك الجنازة فتلتقي بذلك الجلف ابن عمها، ولكنها توعدته.
-حمدالله على سلامتك ياولدي نورت بيت عمك.
قالها خالد باابتسامة تتلألأ على شفتيه ونظرة ود تحتضنه.
فبادله مالك نظرته بنظرات حب وأمتنان هامسا:
-البيت منور بيكم ياعمي.
وبكلمات مفعمة بغيظ خرجت من بين أسنان نريمان لتعكر هذا الود:
- والله أنا حاسة أن النور انطفى مش عارفة ليه.
ثم أكملت وهي تنظر له بقرف:
-عن أذنكم أنا طالعة أوضتي.
قالتها وهي تخطوا خطوات ناقمة.. جعلت مالك يزفر بضيق شاعر أن ابنت عمه لا ترغب في وجوده.
فربتت زوجة عمه على ظهره قائلة وقد أحست بما يدور في نفسه فهمست بحنان:
-يلا يابني متاخدش عليها دي طايشة..روح اوضتك استريح شوية تلاجيك تعبت من السفر..روح ياخالد وريه أوضته عالبال ماحضرلكم العشا.
- حاضر.. يلا ياولدي.. بجولك ايه متزعلش ياولدي منيها لما تعرفها زين تعرف أنها طيبة بس هو لسانها متبري منيها.
قالها خالد وهو يربت على ظهره حتى يسترضيه ثم اصطحبه صوب حجرته.
__________________________________
😍😍😍😍😍😍😙😙😘😘😚😚😚
الى اللقاء في الحلقة القادمة
# سهير عدلي الشهيرة بسهير على

google-playkhamsatmostaqltradent