رواية بين الميكروفون والمحراب كامله وحصريه بقلم الكاتبة سارة ياسر سراب
تتشابك في هذه الرواية ثماني حكاياتٍ مختلفة، تجمعها الأقدار وتفرّقها الابتلاءات.
بين قلبٍ عرف طريق التديّن منذ البداية، وآخر أضاعه العالم ثم أعاده الله إليه بين فتاةٍ تخفي حديثها مع شابٍ خوفًا من أهلها، وأخرى تحمل في روحها ندوب اعت.داءٍ قديم لم تُشفَ منه بعد
ستجدون الضابط الصارم، والطبيب الذي يُخفي ضعفه خلف جنونه، والمهندس الغارق في صراعاته، والمحامي الذي يحارب الجميع بينما يعجز عن إنقاذ نفسه.
منهم اليتيم الذي حُرم دفء العائلة، ومنهم من يملك عائلةً تُحبه لكنها لا تفهمه، ومنهم من يعيش تحت قسوة أمٍّ لا تعرف الرحمة، أو زوجة أبٍ وأختٍ جعلتا البيت أشبه بساحة حربٍ يومية.
روايةٌ لا تروي قصة حبٍ واحدة، بل حكاياتٍ متداخلة عن الألم، والستر، والخطيئة، والتوبة، والخوف، والنجاة
حكاياتٌ تُشبه الواقع حدّ الوجع، وتحمل بين سطورها رسائل هادفة عن الدين، والعائلة، والاختيار، وكيف يمكن لقلبٍ واحد أن يضيع ثم يجد طريقه من جديد.
بين قلبٍ عرف طريق التديّن منذ البداية، وآخر أضاعه العالم ثم أعاده الله إليه بين فتاةٍ تخفي حديثها مع شابٍ خوفًا من أهلها، وأخرى تحمل في روحها ندوب اعت.داءٍ قديم لم تُشفَ منه بعد
ستجدون الضابط الصارم، والطبيب الذي يُخفي ضعفه خلف جنونه، والمهندس الغارق في صراعاته، والمحامي الذي يحارب الجميع بينما يعجز عن إنقاذ نفسه.
منهم اليتيم الذي حُرم دفء العائلة، ومنهم من يملك عائلةً تُحبه لكنها لا تفهمه، ومنهم من يعيش تحت قسوة أمٍّ لا تعرف الرحمة، أو زوجة أبٍ وأختٍ جعلتا البيت أشبه بساحة حربٍ يومية.
روايةٌ لا تروي قصة حبٍ واحدة، بل حكاياتٍ متداخلة عن الألم، والستر، والخطيئة، والتوبة، والخوف، والنجاة
حكاياتٌ تُشبه الواقع حدّ الوجع، وتحمل بين سطورها رسائل هادفة عن الدين، والعائلة، والاختيار، وكيف يمكن لقلبٍ واحد أن يضيع ثم يجد طريقه من جديد.
{تناقض ملحوظ}
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد.
**
في الساعة الرابعة فجرًا، كان الصمت يُخيِّم على العمارة بأكملها، كأنها غارقة في سباتٍ عميق .. إلا غرفة واحدة في الشقة الخامسة؛ غرفة تيا، الشعنونة، ملكة الرقص والفوضى.
كانت تقف في منتصف الغرفة، تتمايل بحماسٍ مفرط على نغمات أغنيةٍ صاخبة، وقد تحوَّل المكان حولها إلى ما يشبه مسرحًا كوميديًا حيًّا؛ الستارة تهتز مع كل حركة، والمروحة تدور بسرعةٍ غير معقولة، والقط الجالس في الزاوية يراقب المشهد بنظرةٍ تحمل استنكارًا صامتًا، وكأنه يقول: "يا بنتي، إيه القرف ده؟"
كانت تيا تمسك شبشبها كأنه سلاحٌ سري، تنظر إلي نفسها بحماس، ثم تهتف بصوتٍ عالٍ:
" يلا يا تيا ياجامده هو ده الر...قص !"
في الجهة الأخرى، كانت أختها الكبرى هدى قد استيقظت من نومها النادر، فتحت عينيها نصف فتحة، والتقطت شبشبها بعصبية، ثم صرخت:
"هوم تيكا تيكا هوم على دماغك يا تيا الكلب؟! عايزاااااااااه أنام ولا أروح اللجنة بكره أغني لهم هوم تيكا تيكا هوم روحي ذاكري يافاشله أو نامي ؟!"
لم تكد تنهي جملتها حتى انفجرت تيا ضاحكةً ضحكةً هستيرية، وقالت:
"عادي يا هدهد ، ابقي قولي ليهم اختي كانت بتتعلم الر..قص علي الهوم تيا هوم!"
ثم بدأت تنفذ حركاتٍ مجنونة؛ كتفٌ يمين، كتفٌ شمال، ودورانٌ كامل، بينما كانت هدى تحاول تحريك عينيها فقط لتفهم ما الذي يحدث، عاجزةً عن استيعاب هذا السيل من الفوضى، قبل أن تصرخ مذهولة:
"يا نهار أبيض! إيه ده؟ انتي بتعملي أيه يابت انتي عليكي عفريت يخربيتك؟"
أما القط، فقد قرر أن هذا المشهد يفوق قدرته على التحمُّل، خاصةً مع الصداع الذي سببه صوت تيا "الرائع"، فانطلق هاربًا وكأنه في سباق نجاة، بينما صاحت تيا بحماس:
"هوم تيكا تيكا هوم .. هوم تيكا تيكا هوم
.. شوفتي القط بيجري إزاي بيحاول يرقص !"
ردت هدى بسرعةٍ غاضبة:
"بيرقص؟ لا ده بيهرب من فنونك الغريبة!"
وفجأة، لمعت في ذهن تيا فكرةٌ "عبقرية"، فسحبت هدى من يدها وسط الرقص قائلة:
"تعالي يا أختي، هعلمك الر...قصة اللي كسبت بيها بطولة العالم في تفكيري !"
تراجعت هدى بصدمة، وهي تقول:
"الله يخربيتك ايه إلي بتقوليه ده فينك يا بابا انت وماما ربنا يرحمكوا معرفتوش تربوها ربنا رحمكم من إلي كنتم هتشوفه."
لكن تيا لم تتراجع، بل ردت بعنادٍ واضح وردح:
"لاء ياختي تقفي عوج وتتكلمي عدل انا متربيه أحلاها تربيه الدور والباقي علي الدكتوره عرتينا يا اختي بقو يقولوا الدكتوره جت الدكتوره راحت بنات اخر الزمن"
وفي هذه الأثناء، بدأ الجيران يفتحون نوافذهم باندهاش، يتساءلون عن مصدر هذا الضجيج الغريب:
"إيه الصوت ده؟ في أيه هنا؟"
فوقفت تيا بكل ثقة، وردت عليهم دون أدنى حرج:
"مفيش يا اختي انتي وهي كل واحد يقفل شباكه علي نفسه تاني ده انا بدرب على بطولة العالم للتيكا تيكا هوم ! لتدخلو تناموا لتيجو تدربوا معايا بدل ما انتم تخنانين كده ؟"
وهكذا استمر الجنون ..
الستارة تهتز، المروحة تدور، القط مختبئ داخل الخزانة، وتيا تمسك بيد أختها غصبًا عنها لتكمل معها الرقص والغناء، بينما تحوّلت العمارة بأكملها إلى مسرحٍ كوميدي لا يُنسى؛ هناك من يصرخ من الصداع، وهناك من فقد الأمل في النوم .. وليس ذلك فقط بل إن بعض أصدقاء تيا قد وصلوا بالفعل، مستعدين للانضمام إلى "التمرين".
وكان واضحًا للجميع ..
أن هذه الليلة لن تمر بسلام أبدًا.
**
أمّا على الجهةِ الأخرى، فكان يونس، ذلك الشابُّ المتديّن، يسير في الشارع بهدوءٍ وسكينة، متجهًا إلى المسجد ليُقيم ليلته بين يدي الله، ينتظر صلاة الفجر بقلبٍ خاشع.
وكان، طوال طريقه، يُحرّك شفتيه بذكرٍ لا ينقطع، يُسبّح في خشوعٍ قائلاً:
"سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم .. لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنتُ من الظالمين .. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد."
وبينما هو يسير، لمح طفلًا صغيرًا يقف على جانب الطريق، يبكي بحرقة، فاقترب منه بسرعة وقد امتلأ قلبه رحمةً، وانحنى قليلًا ليكون في مستواه، ثم قال بلطف:
"مالك يا حبيبي؟ ليه بتعيط كده؟"
مسح الطفل دموعه بيده الصغيرة، وقال بصوتٍ متقطع:
"أنا .... أنا تايه .... ومش لاقي ماما ...."
ابتسم يونس ابتسامةً هادئة، ووضع يده على رأسه بحنان:
"طيب يا حبيبي، متخافش .. ربنا معاك، وهو اللي بيحفظنا دايمًا. قال رسول الله ﷺ: احفظ الله يحفظك .. يعني لما نكون مع ربنا، هو عمره ما يسيبنا."
نظر إليه الطفل بعينين دامعتين، وكأنه بدأ يهدأ قليلًا، فأكمل يونس:
"تعالى نقول مع بعض: يا رب .. "
تردد الطفل قليلًا، ثم قال:
"يا رب .. "
ابتسم يونس وقال:
"قول: يا رب رجّعني لماما بالسلامة."
قال الطفل بصوتٍ خافت:
"يا رب رجّعني لماما بالسلامة .."
ربّت يونس على كتفه وقال:
"شاطر يا بطل .. متخافش، إن شاء الله هنلاقيها."
وبعد أن ساعده وسلّمه إلى أحد المارة الموثوقين ليبقى معه حتى يجد أهله، أكمل يونس طريقه، وقلبه ممتلئ بالدعاء.
وحين وصل إلى المسجد، خلع حذاءه بهدوء، ودخل بخشوع، ثم وقف بين يدي الله، يكبّر للصلاة، وبدأ قيام الليل.
قرأ ما تيسّر من القرآن بصوتٍ خاشع، يطيل في الركوع والسجود، وكأن قلبه يفرّ من ضجيج الدنيا إلى سكينة القرب من الله.
وفي سجوده، رفع دعاءه بصوتٍ خافتٍ تملؤه الرجاء:
"اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقّه وجلّه، أوله وآخره، علانيته وسرّه ..
اللهم أصلح قلبي، وثبّتني على طاعتك، واجعلني من عبادك الصالحين ..
اللهم ارزقني الإخلاص في القول والعمل، واهدني لما تحب وترضى .. "
ثم دعا للمسلمين، وقلبه ممتلئ بالرحمة:
"اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات ..
اللهم فرّج همّ المهمومين، ونفّس كرب المكروبين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين .. اللهم اجعل هذا الدين عزيزًا منصورًا .. وفي ختام دعائه، وقد امتلأ قلبه حزنًا ورحمةً لما يمرّ به المسلمون، رفع يديه بخشوعٍ أكبر، وقال:
"اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان .. اللهم انصر أهلنا في فلسطين، وثبّت أقدامهم، واربط على قلوبهم، واكتب لهم النصر القريب يا رب.
اللهم كن مع أهلنا في السودان، فرّج كربهم، واجمع شملهم، واحقن دماءهم، وأبدل خوفهم أمنًا وسلامًا.
اللهم احفظ أهلنا في إيران، واهدهم لما فيه الخير، واكتب لهم الأمن والاستقرار، واصرف عنهم الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم انصر كل مظلوم، وفكّ أسر كل أسير، وارحم كل شهيد، واشفِ كل جريح .. اللهم كن مع كل بلدٍ مُحتل، وكل أرضٍ تُنتهك حُرمتها، وكل شعبٍ يئنّ من الظلم .. اللهم عليك بالظالمين، فإنهم لا يُعجزونك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، واجعل تدبيرهم تدميرًا عليهم يا رب العالمين.
اللهم اجعل للمسلمين من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل همٍّ فرجًا، ومن كل بلاءٍ عافية .. إنك على كل شيءٍ قدير."
ثم مسح يديه على وجهه، وقلبه معلّقٌ برجاء الإجابة .. وقد ازدادت روحه يقينًا أن العدل آتٍ، ولو بعد حين."
وبين كل سجدةٍ وأخرى، كان يشعر أن قلبه يزداد نورًا وطمأنينة ..
**
مرّ الليل بين فتاةٍ ترقص بلا توقف، وشابٍّ يقف بين يدي ربّه خاشعًا .. حتى أشرقت شمسُ يومٍ جديد.
في صباحٍ متأخرٍ كعادتها، كانت تيا غارقةً في نومٍ عميق، شعرها مبعثر، وذراعها متدلٍّ من على السرير، كأنها خرجت لتوّها من معركةٍ مع الوسادة. فجأةً، دوّى صوت هاتفها بجانبها:
"رنننن! رنننن!"
تحرّكت بتململ، ثم سحبت الهاتف بعينٍ نصف مغلقة، وقالت بصوتٍ ناعس: "مين الكائن اللي عايز يموت بدري كده ..... ؟"
فتحت الخط، فجاءها صوت صديقتها بحماس:
"تياااا! انتي نايمة؟ المحاضرة بعد نص ساعة!"
انتفضت تيا فجأةً كأن كهرباء صعقتها: "إيه؟! نص ساعة إيه يا مفترية!!"
قفزت من السرير في لحظة، وبدأت تتحرك في الغرفة كإعصارٍ صغير، تتخبط في الكرسي مرة، وفي الدولاب مرة أخرى:
"يا نهار أبيض! أنا اتأخرت! يا رب الأرض تنشق وتبلعني!"
فتحت دولابها بسرعة، وسحبت ملابسها بعشوائية، ثم توقفت لحظة أمام المرآة.
كانت تيا فتاةً بسيطة في مظهرها؛ غير محجبة، لكنها محتشمة في ملابسها، تختار دائمًا ما يجمع بين الراحة والذوق، دون مبالغة .. ورغم جنونها وروحها المشاغبة، كان بداخلها احترامٌ واضح وحدود لا تتجاوزها.
لبست بسرعة، وهي تتمتم:
"تمام يا تيا .. النهارده هتبقى إنسانة محترمة .. من غير تيكا تيكا هوم .. (سكتت لحظة) لا بهزر طبعًا مقدرش!"
لم تمضِ ثوانٍ حتى أمسكت حقيبتها، وخرجت كالإعصار من الشقة، وهي تصرخ:
"أنا ماشية يا هدى! لو مت .. ابقي سامحيني!"
وصلت إلى الجامعة أخيرًا، وهي تلهث من الجري .. كانت تدرس في كلية الإعلام، قسم الإذاعة والتلفزيون، حيث تجد نفسها وسط الكاميرات والميكروفونات .. وربما الفوضى أيضًا.
بمجرد أن دخلت، لمحت صديقاتها يجلسن، فاقتربت منهن بسرعة.
قالت إحداهن ساخرة:
"بصي مين جات! النجمة العالمية!"
جلست تيا وهي تلتقط أنفاسها:
"أنا لو نجمة، يبقى أنتم الجمهور الكحيان!"
ضحكت الأخرى وقالت:
"انتي شكلك كنتي بتعملي مصيبة الصبح شكلك نعسانه!"
رفعت تيا حاجبها وقالت بثقة: "مصيبة؟! لا يا حبيبتي .. ده كان تدريب بسيط على بطولة العالم في التيكا تيكا هوم!"
انفجرن جميعًا في الضحك، بينما أضافت إحداهن:
"يا بنتي ركّزي في مستقبلك شوية!"
ردت تيا وهي تبتسم بمكر:
"ما أنا مركزة أهو .. بس بطريقتي!"
ثم غمزت لها واكملت السير متجهه إلي المحاضرات والمرار المكافح كما تقول
وهكذا ..
بدأ يومٌ جديد في حياة تيا، مليءٌ بالضحك، والفوضى، والمواقف التي لا تنتهي ..
**
عند يونس كان قد بدأ يومه مبكرًا كعادته.
جلس في مكتبه داخل شركةٍ هندسيةٍ هادئة، تحيط به المخططات والأوراق، وشاشة الحاسوب التي امتلأت بالتصميمات الدقيقة.
كان يعمل بتركيزٍ شديد، ملامحه هادئة، وعيناه ثابتتان على عمله، كأن العالم من حوله لا يعنيه.
حولَه، كان زملاؤه يتبادلون الحديث والضحكات الخفيفة، بينما يونس غارقٌ في عمله، لا يرفع رأسه إلا لضرورة.
وفجأة، اقتربت منه إحدى الفتيات بخطواتٍ واثقة، وقالت بابتسامة:
"هاي يا يونس!"
توقّف لحظة، رفع رأسه بهدوء، ثم ردّ بنبرةٍ ثابتة:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
تجمّدت ابتسامتها قليلًا، لكنها حاولت تدارك الموقف، وجلست على طرف مكتبه وقالت بنعومة:
"إيه يا عم الشيخ؟ مش تقول هاي وخلاص هو نفس الموال كل شويه؟"
أعاد نظره إلى الشاشة، وقال بهدوء دون أن ينظر إليها:
"اللي متعود عليه بقوله."
اقتربت أكثر، محاولةً كسر الحاجز: "طيب ما تيجي نروح نجيب قهوة سوا؟ شكل الشغل واخدك من الدنيا خالص."
أخذ نفسًا خفيفًا، ثم قال باحترامٍ واضح، دون قسوة:
"متشكر، عندي شغل لازم أخلصه."
شعرت بالرفض، فابتسمت ابتسامةً باهتة وقالت:
"براحتك يا باشمهندس .. واضح إنك مش فاضي لحد."
ثم ابتعدت، بينما عاد يونس إلى عمله كأن شيئًا لم يحدث.
بعد دقائق، التفت إليه أحد زملائه وقال مازحًا:
"يا عم ده إنت قلبك حجر! البنت كانت هتعمل لك قهوة مخصوص!"
ابتسم يونس ابتسامةً خفيفة، وقال: "أنا جاي أشتغل يا جماعة .. مش جاي أضيّع وقت واشيل سيئات علي الفاضي."
قال آخر:
"طب حتى اتكلم شوية هزى، الحياة مش شغل وبس!"
ردّ يونس وهو يُعدّل جلسته: "بالعكس .. كل حاجة ليها وقتها. الشغل شغل، والهزار ليه وقته برضه."
ضحك أحدهم وقال:
"طيب يا عم الشيخ، ريّحنا شوية بقى زهقنا من الشغل !"
هزّ يونس رأسه بابتسامةٍ هادئة:
"لما نخلص المشروع ده الأول .. وبعدها نبقى نهزر براحتنا."
ثم عاد إلى شاشته من جديد، غارقًا في عمله، بنفس الهدوء والتركيز ..
**
في الساعة الرابعة فجرًا، كان الصمت يُخيِّم على العمارة بأكملها، كأنها غارقة في سباتٍ عميق .. إلا غرفة واحدة في الشقة الخامسة؛ غرفة تيا، الشعنونة، ملكة الرقص والفوضى.
كانت تقف في منتصف الغرفة، تتمايل بحماسٍ مفرط على نغمات أغنيةٍ صاخبة، وقد تحوَّل المكان حولها إلى ما يشبه مسرحًا كوميديًا حيًّا؛ الستارة تهتز مع كل حركة، والمروحة تدور بسرعةٍ غير معقولة، والقط الجالس في الزاوية يراقب المشهد بنظرةٍ تحمل استنكارًا صامتًا، وكأنه يقول: "يا بنتي، إيه القرف ده؟"
كانت تيا تمسك شبشبها كأنه سلاحٌ سري، تنظر إلي نفسها بحماس، ثم تهتف بصوتٍ عالٍ:
" يلا يا تيا ياجامده هو ده الر...قص !"
في الجهة الأخرى، كانت أختها الكبرى هدى قد استيقظت من نومها النادر، فتحت عينيها نصف فتحة، والتقطت شبشبها بعصبية، ثم صرخت:
"هوم تيكا تيكا هوم على دماغك يا تيا الكلب؟! عايزاااااااااه أنام ولا أروح اللجنة بكره أغني لهم هوم تيكا تيكا هوم روحي ذاكري يافاشله أو نامي ؟!"
لم تكد تنهي جملتها حتى انفجرت تيا ضاحكةً ضحكةً هستيرية، وقالت:
"عادي يا هدهد ، ابقي قولي ليهم اختي كانت بتتعلم الر..قص علي الهوم تيا هوم!"
ثم بدأت تنفذ حركاتٍ مجنونة؛ كتفٌ يمين، كتفٌ شمال، ودورانٌ كامل، بينما كانت هدى تحاول تحريك عينيها فقط لتفهم ما الذي يحدث، عاجزةً عن استيعاب هذا السيل من الفوضى، قبل أن تصرخ مذهولة:
"يا نهار أبيض! إيه ده؟ انتي بتعملي أيه يابت انتي عليكي عفريت يخربيتك؟"
أما القط، فقد قرر أن هذا المشهد يفوق قدرته على التحمُّل، خاصةً مع الصداع الذي سببه صوت تيا "الرائع"، فانطلق هاربًا وكأنه في سباق نجاة، بينما صاحت تيا بحماس:
"هوم تيكا تيكا هوم .. هوم تيكا تيكا هوم
.. شوفتي القط بيجري إزاي بيحاول يرقص !"
ردت هدى بسرعةٍ غاضبة:
"بيرقص؟ لا ده بيهرب من فنونك الغريبة!"
وفجأة، لمعت في ذهن تيا فكرةٌ "عبقرية"، فسحبت هدى من يدها وسط الرقص قائلة:
"تعالي يا أختي، هعلمك الر...قصة اللي كسبت بيها بطولة العالم في تفكيري !"
تراجعت هدى بصدمة، وهي تقول:
"الله يخربيتك ايه إلي بتقوليه ده فينك يا بابا انت وماما ربنا يرحمكوا معرفتوش تربوها ربنا رحمكم من إلي كنتم هتشوفه."
لكن تيا لم تتراجع، بل ردت بعنادٍ واضح وردح:
"لاء ياختي تقفي عوج وتتكلمي عدل انا متربيه أحلاها تربيه الدور والباقي علي الدكتوره عرتينا يا اختي بقو يقولوا الدكتوره جت الدكتوره راحت بنات اخر الزمن"
وفي هذه الأثناء، بدأ الجيران يفتحون نوافذهم باندهاش، يتساءلون عن مصدر هذا الضجيج الغريب:
"إيه الصوت ده؟ في أيه هنا؟"
فوقفت تيا بكل ثقة، وردت عليهم دون أدنى حرج:
"مفيش يا اختي انتي وهي كل واحد يقفل شباكه علي نفسه تاني ده انا بدرب على بطولة العالم للتيكا تيكا هوم ! لتدخلو تناموا لتيجو تدربوا معايا بدل ما انتم تخنانين كده ؟"
وهكذا استمر الجنون ..
الستارة تهتز، المروحة تدور، القط مختبئ داخل الخزانة، وتيا تمسك بيد أختها غصبًا عنها لتكمل معها الرقص والغناء، بينما تحوّلت العمارة بأكملها إلى مسرحٍ كوميدي لا يُنسى؛ هناك من يصرخ من الصداع، وهناك من فقد الأمل في النوم .. وليس ذلك فقط بل إن بعض أصدقاء تيا قد وصلوا بالفعل، مستعدين للانضمام إلى "التمرين".
وكان واضحًا للجميع ..
أن هذه الليلة لن تمر بسلام أبدًا.
**
أمّا على الجهةِ الأخرى، فكان يونس، ذلك الشابُّ المتديّن، يسير في الشارع بهدوءٍ وسكينة، متجهًا إلى المسجد ليُقيم ليلته بين يدي الله، ينتظر صلاة الفجر بقلبٍ خاشع.
وكان، طوال طريقه، يُحرّك شفتيه بذكرٍ لا ينقطع، يُسبّح في خشوعٍ قائلاً:
"سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم .. لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنتُ من الظالمين .. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد."
وبينما هو يسير، لمح طفلًا صغيرًا يقف على جانب الطريق، يبكي بحرقة، فاقترب منه بسرعة وقد امتلأ قلبه رحمةً، وانحنى قليلًا ليكون في مستواه، ثم قال بلطف:
"مالك يا حبيبي؟ ليه بتعيط كده؟"
مسح الطفل دموعه بيده الصغيرة، وقال بصوتٍ متقطع:
"أنا .... أنا تايه .... ومش لاقي ماما ...."
ابتسم يونس ابتسامةً هادئة، ووضع يده على رأسه بحنان:
"طيب يا حبيبي، متخافش .. ربنا معاك، وهو اللي بيحفظنا دايمًا. قال رسول الله ﷺ: احفظ الله يحفظك .. يعني لما نكون مع ربنا، هو عمره ما يسيبنا."
نظر إليه الطفل بعينين دامعتين، وكأنه بدأ يهدأ قليلًا، فأكمل يونس:
"تعالى نقول مع بعض: يا رب .. "
تردد الطفل قليلًا، ثم قال:
"يا رب .. "
ابتسم يونس وقال:
"قول: يا رب رجّعني لماما بالسلامة."
قال الطفل بصوتٍ خافت:
"يا رب رجّعني لماما بالسلامة .."
ربّت يونس على كتفه وقال:
"شاطر يا بطل .. متخافش، إن شاء الله هنلاقيها."
وبعد أن ساعده وسلّمه إلى أحد المارة الموثوقين ليبقى معه حتى يجد أهله، أكمل يونس طريقه، وقلبه ممتلئ بالدعاء.
وحين وصل إلى المسجد، خلع حذاءه بهدوء، ودخل بخشوع، ثم وقف بين يدي الله، يكبّر للصلاة، وبدأ قيام الليل.
قرأ ما تيسّر من القرآن بصوتٍ خاشع، يطيل في الركوع والسجود، وكأن قلبه يفرّ من ضجيج الدنيا إلى سكينة القرب من الله.
وفي سجوده، رفع دعاءه بصوتٍ خافتٍ تملؤه الرجاء:
"اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقّه وجلّه، أوله وآخره، علانيته وسرّه ..
اللهم أصلح قلبي، وثبّتني على طاعتك، واجعلني من عبادك الصالحين ..
اللهم ارزقني الإخلاص في القول والعمل، واهدني لما تحب وترضى .. "
ثم دعا للمسلمين، وقلبه ممتلئ بالرحمة:
"اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات ..
اللهم فرّج همّ المهمومين، ونفّس كرب المكروبين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين .. اللهم اجعل هذا الدين عزيزًا منصورًا .. وفي ختام دعائه، وقد امتلأ قلبه حزنًا ورحمةً لما يمرّ به المسلمون، رفع يديه بخشوعٍ أكبر، وقال:
"اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان .. اللهم انصر أهلنا في فلسطين، وثبّت أقدامهم، واربط على قلوبهم، واكتب لهم النصر القريب يا رب.
اللهم كن مع أهلنا في السودان، فرّج كربهم، واجمع شملهم، واحقن دماءهم، وأبدل خوفهم أمنًا وسلامًا.
اللهم احفظ أهلنا في إيران، واهدهم لما فيه الخير، واكتب لهم الأمن والاستقرار، واصرف عنهم الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم انصر كل مظلوم، وفكّ أسر كل أسير، وارحم كل شهيد، واشفِ كل جريح .. اللهم كن مع كل بلدٍ مُحتل، وكل أرضٍ تُنتهك حُرمتها، وكل شعبٍ يئنّ من الظلم .. اللهم عليك بالظالمين، فإنهم لا يُعجزونك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، واجعل تدبيرهم تدميرًا عليهم يا رب العالمين.
اللهم اجعل للمسلمين من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل همٍّ فرجًا، ومن كل بلاءٍ عافية .. إنك على كل شيءٍ قدير."
ثم مسح يديه على وجهه، وقلبه معلّقٌ برجاء الإجابة .. وقد ازدادت روحه يقينًا أن العدل آتٍ، ولو بعد حين."
وبين كل سجدةٍ وأخرى، كان يشعر أن قلبه يزداد نورًا وطمأنينة ..
**
مرّ الليل بين فتاةٍ ترقص بلا توقف، وشابٍّ يقف بين يدي ربّه خاشعًا .. حتى أشرقت شمسُ يومٍ جديد.
في صباحٍ متأخرٍ كعادتها، كانت تيا غارقةً في نومٍ عميق، شعرها مبعثر، وذراعها متدلٍّ من على السرير، كأنها خرجت لتوّها من معركةٍ مع الوسادة. فجأةً، دوّى صوت هاتفها بجانبها:
"رنننن! رنننن!"
تحرّكت بتململ، ثم سحبت الهاتف بعينٍ نصف مغلقة، وقالت بصوتٍ ناعس: "مين الكائن اللي عايز يموت بدري كده ..... ؟"
فتحت الخط، فجاءها صوت صديقتها بحماس:
"تياااا! انتي نايمة؟ المحاضرة بعد نص ساعة!"
انتفضت تيا فجأةً كأن كهرباء صعقتها: "إيه؟! نص ساعة إيه يا مفترية!!"
قفزت من السرير في لحظة، وبدأت تتحرك في الغرفة كإعصارٍ صغير، تتخبط في الكرسي مرة، وفي الدولاب مرة أخرى:
"يا نهار أبيض! أنا اتأخرت! يا رب الأرض تنشق وتبلعني!"
فتحت دولابها بسرعة، وسحبت ملابسها بعشوائية، ثم توقفت لحظة أمام المرآة.
كانت تيا فتاةً بسيطة في مظهرها؛ غير محجبة، لكنها محتشمة في ملابسها، تختار دائمًا ما يجمع بين الراحة والذوق، دون مبالغة .. ورغم جنونها وروحها المشاغبة، كان بداخلها احترامٌ واضح وحدود لا تتجاوزها.
لبست بسرعة، وهي تتمتم:
"تمام يا تيا .. النهارده هتبقى إنسانة محترمة .. من غير تيكا تيكا هوم .. (سكتت لحظة) لا بهزر طبعًا مقدرش!"
لم تمضِ ثوانٍ حتى أمسكت حقيبتها، وخرجت كالإعصار من الشقة، وهي تصرخ:
"أنا ماشية يا هدى! لو مت .. ابقي سامحيني!"
وصلت إلى الجامعة أخيرًا، وهي تلهث من الجري .. كانت تدرس في كلية الإعلام، قسم الإذاعة والتلفزيون، حيث تجد نفسها وسط الكاميرات والميكروفونات .. وربما الفوضى أيضًا.
بمجرد أن دخلت، لمحت صديقاتها يجلسن، فاقتربت منهن بسرعة.
قالت إحداهن ساخرة:
"بصي مين جات! النجمة العالمية!"
جلست تيا وهي تلتقط أنفاسها:
"أنا لو نجمة، يبقى أنتم الجمهور الكحيان!"
ضحكت الأخرى وقالت:
"انتي شكلك كنتي بتعملي مصيبة الصبح شكلك نعسانه!"
رفعت تيا حاجبها وقالت بثقة: "مصيبة؟! لا يا حبيبتي .. ده كان تدريب بسيط على بطولة العالم في التيكا تيكا هوم!"
انفجرن جميعًا في الضحك، بينما أضافت إحداهن:
"يا بنتي ركّزي في مستقبلك شوية!"
ردت تيا وهي تبتسم بمكر:
"ما أنا مركزة أهو .. بس بطريقتي!"
ثم غمزت لها واكملت السير متجهه إلي المحاضرات والمرار المكافح كما تقول
وهكذا ..
بدأ يومٌ جديد في حياة تيا، مليءٌ بالضحك، والفوضى، والمواقف التي لا تنتهي ..
**
عند يونس كان قد بدأ يومه مبكرًا كعادته.
جلس في مكتبه داخل شركةٍ هندسيةٍ هادئة، تحيط به المخططات والأوراق، وشاشة الحاسوب التي امتلأت بالتصميمات الدقيقة.
كان يعمل بتركيزٍ شديد، ملامحه هادئة، وعيناه ثابتتان على عمله، كأن العالم من حوله لا يعنيه.
حولَه، كان زملاؤه يتبادلون الحديث والضحكات الخفيفة، بينما يونس غارقٌ في عمله، لا يرفع رأسه إلا لضرورة.
وفجأة، اقتربت منه إحدى الفتيات بخطواتٍ واثقة، وقالت بابتسامة:
"هاي يا يونس!"
توقّف لحظة، رفع رأسه بهدوء، ثم ردّ بنبرةٍ ثابتة:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
تجمّدت ابتسامتها قليلًا، لكنها حاولت تدارك الموقف، وجلست على طرف مكتبه وقالت بنعومة:
"إيه يا عم الشيخ؟ مش تقول هاي وخلاص هو نفس الموال كل شويه؟"
أعاد نظره إلى الشاشة، وقال بهدوء دون أن ينظر إليها:
"اللي متعود عليه بقوله."
اقتربت أكثر، محاولةً كسر الحاجز: "طيب ما تيجي نروح نجيب قهوة سوا؟ شكل الشغل واخدك من الدنيا خالص."
أخذ نفسًا خفيفًا، ثم قال باحترامٍ واضح، دون قسوة:
"متشكر، عندي شغل لازم أخلصه."
شعرت بالرفض، فابتسمت ابتسامةً باهتة وقالت:
"براحتك يا باشمهندس .. واضح إنك مش فاضي لحد."
ثم ابتعدت، بينما عاد يونس إلى عمله كأن شيئًا لم يحدث.
بعد دقائق، التفت إليه أحد زملائه وقال مازحًا:
"يا عم ده إنت قلبك حجر! البنت كانت هتعمل لك قهوة مخصوص!"
ابتسم يونس ابتسامةً خفيفة، وقال: "أنا جاي أشتغل يا جماعة .. مش جاي أضيّع وقت واشيل سيئات علي الفاضي."
قال آخر:
"طب حتى اتكلم شوية هزى، الحياة مش شغل وبس!"
ردّ يونس وهو يُعدّل جلسته: "بالعكس .. كل حاجة ليها وقتها. الشغل شغل، والهزار ليه وقته برضه."
ضحك أحدهم وقال:
"طيب يا عم الشيخ، ريّحنا شوية بقى زهقنا من الشغل !"
هزّ يونس رأسه بابتسامةٍ هادئة:
"لما نخلص المشروع ده الأول .. وبعدها نبقى نهزر براحتنا."
ثم عاد إلى شاشته من جديد، غارقًا في عمله، بنفس الهدوء والتركيز ..