رواية ذكراه الفصل التاسع 9 بقلم رولا هاني
9.ملاذه المهلك
"يا سبب تعذيبي
والاسم حبيبي"
-سنتين وأنا أحايل فيك.
*******
-يا أستاذ مينفعش كده.
قالتها تلك الفتاة بحزمٍ وهي تركض خلف ذلك الثور الهائج الذي ولج لمكتب مديرها دون استئذان، فنظرت وقتها للجالس على مكتبه قائلةً بتبريرٍ:
-حاولت أمنعه يا مستر "سلمان" صد..
قاطعها "سلمان" بإشارةٍ من يده؛ حتى تغادر، بينما كان عقله يحاول استيعاب هوية الشخص الذي يراه أمامه، يحاول استيعاب أن عواقب أفعاله الشنعاء سيتلقاها الآن؛ لذا انتظر حتى غادرت السكرتيرة غالقةً للباب، وهمس بتوترٍ أخفاه بصعوبةٍ:
-"يحيى".
كانت هيئته تشكل شيطانًا مهتاجًا، ثورانه سيهدم كل ما يراه، أنفاسه متهدجة بشدةٍ، عيناه حمراوان كالدماء، غضب جحيمي احتل قسماته بوضوحٍ، فكسر وقتها "سلمان" الصمت وقال ببرودٍ تحلى به بتعسرٍ:
-اقعد إنتَ هتفضل واقف ولا إيه.
خرج صوته الانفعالي وهو يضرب المكتب بكف يده:
-مالك ومال مراتي يا "سلمان"؟
تنفس بعمقٍ، ثم رد عليه باستفزازٍ:
-"سنا"؟
-متنطقش اسمها على لسانك.
نهض من على كرسيه، وانتقل للكرسي الموضوع قبالة المكتب، ثم أشار ناحية المتواجد قبالته قائلًا بنحنحةٍ:
-طب اقعد واهدى عشان نعرف نتكلم.
وهنا تخلى "يحيى" عن احترامه المعهود وهتف في جرأةٍ:
-أتكلم مع مين وأتفاهم مع مين، مبقاش إلا جوز الست اللي هتكلم وأتفاهم معاه؟
هب "سلمان" واقفًا كمن لدغه عقرب، واقترب منه ليهمس بنبرةٍ تشبه فحيح الأفعى، وليصل تبجحه إلى درجةٍ لا توصف:
-جوز الست ده هو اللي شاغل بال مراتك اللي معرفتش تملى عينها عمرك كله.
لم يشعر بحاله سوى وهو يلكم فكه بعنفٍ ضارٍ، بينما "سلمان" يقهقه باستخفافٍ واضعًا كفه على موضع الضربة هامسًا بتهكمٍ:
-مش قد كده في الضرب لا.
ثم استطرد في براءةٍ زائفةٍ:
.
-بس أنا حسيتك اتضايقت ليه كده يا "يحيى"؟
ثم أكمل في لؤمٍ وهو يضغط على نقطة ضعفه بكل قسوة:
-هو إنتَ مكنتش تعرف إن "سنا" مملاش عينها غير "سلمان" ولا إيه؟
ثم تابع بخبثٍ أكثر بعدما رأى تأثير كلماته يضرب في مقتلٍ كما أراد:
-مملتش عينها يا "يحيى" لدرجة إنها ترجعلي بعد السنين دي كلها وتطلب نرجع تاني.
جحظت مقلتاه بصدمةٍ، وتحجرت الدموع بهما، ثم نبس مكررًا ما قاله ذلك الأحمق بشفتين مرتجفتين:
-طلبت ترجعوا تاني!
أومأ له بصدقٍ ظاهريٍ، ثم قال في تعقلٍ مزيفٍ وهو يجلس مرة أخرى على كرسيه:
-أنا هتغاضى عن كل اللي عملته دلوقت عشان مقدر وعارف يعني إيه راجل يستوعب اللي قولتلك عليه ده.
ثم أكمل وهو لا يستطيع السيطرة على بسمته بشماتةٍ؛ بسبب رؤيته لتلك العبرات تشق طريقها على وجنتيه:
-اللي عنده معزة يلمها بقى يا عم "يحيى"، خليها تحل عن دماغي الله يخليك عشان أنا راجل متجوز ومش ناقص مشاكل مع مراتي.
لم يجد أي كلمات يسترد بها كرامته ورجولته، كل ما تفوه به ذلك الحقير كان على اقتناع تام به قبل أن يأتي إلى هنا، ولكنه لم يستطع التحكم في حاله ما إن أخبرته ابنته بما حدث، ولم يشعر بحاله سوى وهو هنا، لتقوده حفيظته التي أُثيرت إلى ما لم يكن في الحسبان. غلبه الآخر بكل تلك الحقائق التي ألقاها بوجهه دفعةً واحدةً. وما كان كالقشة التي قصمت ظهر البعير هو معرفته بطلبها للعودة له!... بعد كل ما عانته على يده طلبت العودة له مجددًا!
كفكف عبراته سريعًا، ولعن حاله بعدما شعر بها، ثم قال بتحذيرٍ وهو يحاول إيجاد أي كلمات مناسبة للحفاظ على مظهره:
-أبعد عن مراتي يا "سلمان" ده أول وآخر تحذير، وكلامك اللي قعدت ترصه ده ولا ليه أي قيمة عندي، مراتي بتحبني وأنا بحبها.
كتم ضحكاته بصعوبةٍ، وخاطبه بوقاحةٍ:
-دة بأمارة الدموع يا نوغة مش كده.
رمقه باحتقارٍ وهو يشعر بضعفٍ تملك حاله، وبذُلٍ جعله يكره نفسه، ويكره اليوم الذي خفق فيه قلبه لتلك المرأة؛ لذا قال بغلٍ وهو يكز على أسنانه بغلظةٍ:
-وس* يا "سلمان"، طول عمرك وس*.
وقبل أن يرد عليه ولجت "فتون" للغرفة بلا مقدمات، فتسمرت بمكانها، ولم تتحرك قيد أنملة. حاولت استيعاب من تراه أمامها، وهتفت بلا تصديق:
-"يحيى"!
تجاهلها بصورةٍ ملحوظةٍ، ثم عاد ينذره:
-حط اللي قولته في دماغك يا "سلمان"، وده أحسنلك صدقني.
ثم أكمل بمكرٍ يضغط مرة أخرى على نفس النقطة التي تفهم كونها جارحة له، ولكن بنبرة خفيضة لم تصل سوى له:
-أستأذن أنا بقى عشان الست جات يا... جوز الست.
ثم تحرك "يحيى" ليخرج من المكان بأكمله بخطاه السريعة، بينما "فتون" تتفحصه بصدمةٍ، حتى توارى عن أنظارها، فصاحت وقتها باستنكارٍ:
-هو اللي أنا كنت شايفاه ده "يحيى" ولا أنا بيتهيألي؟
أعاد رأسه للخلف وهو يطبق جفنيه متألمًا؛ بسبب ذلك الصداع المباغت الذي اعتراه، ثم رد عليها باستهزاءٍ:
-لا أمه، حتى لو تاخدي بالك فيهم دقن من بعض.
سارت ناحيته بخطى مندفعة، وصاحت في توبيخٍ:
-إنتَ بتهزر يا بني آدم إنتَ؟... أنطق قولي جوز الزفتة دي كان بيعمل إيه هنا؟
رد عليها باستهانةٍ مثيرًا لغيظها:
-كان جارنا يا "فتون" إنتِ ناسية ولا إيه، والراجل كتر خيره جاي يعمل بالجيرة.
ثم فتح أعينه مشيرًا بسبابته على الكدمة التي بدت على فكه بوضوحٍ:
-مش واخدة بالك ولا إيه؟
لم تكترث لما أشار، بل صاحت باستشاطةٍ وهي تحدجه بنظراتٍ حارقة، وقد بلغ سخطها في تلك اللحظة أوج ذروته:
-بقولك قولي الزفت ده كان بيعمل إيه هنا؟
-جاي يطمن على جاره اللي مشافوش بقاله سنين يا "فتون"، ما إنتِ عارفة أنا لا بتنسي، ولا بتشال من البال، ولا أتعوض.
ردت عليه تلقائيًا وهي تعطيه نظرة ازدراءٍ:
-ولا تنطاق.
رمقها بتسليةٍ أكثر وهو يراها تخرج من المكان وهي تضرب الأرض بغيظٍ، فاختفت وقتها ابتسامته، ليحل مكانها وجوم قاتم.
تعقد الأمر أكثر بمعرفة زوجها، وتوترت الأجواء من حوله، خصوصًا عندما جابه أكثر من جهة تشكل ضغطًا عليه لا يحتمل، حتى وإن كان كل ذلك عاقبة أفعاله؛ لذا -وعندما شعر بزوبعة الأفكار تلك تهاجمه- ركل المنضدة الصغيرة التي تموضعت أمامه بصورةٍ عنيفةٍ سببت وقوعها بكل ما كانت تحمله؛ فسببت دويًا مزعجًا لم يعره انتباهًا، فقط ظل يحاول إيجاد أي حلول مناسبة لتلك المعضلة الجديدة التي وقع بها.
***********
فتحت باب المكتب بلا استئذان، وولجت للداخل وعلى قسماتها تعابير العصبية؛ لذا تحدثت "فاتن" وقتها وهي منكسة الرأس على الأوراق بتركيزٍ، وكأنها كانت تتوقع هوية الشخص الذي دلف للداخل دون عناء النظر له:
-جايالي بمصيبة جديدة من مصايب جوزك، ما أنا خلاص مبقاش ورايا إلا سي "سلمان" بتاعك.
غلت الدماء بعروقها على ذكر اسمه، وصرخت في نزقٍ:
-هو في غيره المقر..
قاطعتها "فاتن" بإشارة من يدها وهي تبرق بعينيها بتحذيرٍ غير متساهل، لتخاطبها بلا تهاون:
-وطي صوتك الموظفين برا.
نفخت الهواء باغتياظٍ، ثم جلست أمامها لتتساءل:
-عارفة مين كان هنا؟
تركت الأوراق، واستفسرت بمللٍ وهي تعبث بخصلات شعرها الصهباء:
-مين؟
-"يحيى".
توقفت عن العبث، وأرخت كتفيها، لتهمس بعدها بعدم تصديق، وقد لاح بمقلتيها وميضٌ ولمعةٌ:
-"يحيى"!
لوت شفتيها بعدم رضا عن رد فعلها، ونطقت في امتعاضٍ:
-هو أنا بقولك عشان تفتكري الذي مضى، بقولك جوز الزفتة دي كان هنا النهارده مع "يحيى".
ازدردت ريقها بصعوبةٍ بالغةٍ، ثم قالت باهتمامٍ:
-ليه؟
-سألت "سلمان" فضل يلاوع... وشكلهم مسكوا في بعض دخلت لقيته مضروب.
تعالت قهقهات "فاتن"، وقالت كنوع من التأييد:
-طب والله طول عمري أقول على "يحيى" ده بيفهم.
-مش وقته هزار، تفتكري جه هنا ليه!
-يمكن وصله إنه قابل مراته زي ما وصلك.
-مش عارفة بقى، أنا قرفت من الحوار ده.
شبكت "فاتن" أصابعها، ثم قالت بشرودٍ وهي تهز رأسها:
-طب سيبيلي أنا الموضوع دة وأنا هفهملك كل حاجة.
*************
-فاضية إمتى النهاردة؟
قالها "يحيى" وهو ينعطف بسيارته إلى عدة جهات بلا وجهة محددة، فأتاه صوت "نجوان" من على الهاتف بعدما فتح مكبر الصوت:
-إنتَ تاني؟
صوّب ناظريه على الطريق وهو ينعطف أخيرًا لوجهة محددة، وقال بعدها بجمودٍ:
-قولتلك فاضية إمتى إنهاردة.
داهمها الضيق من أسلوبه، فصاحت بعدما تذكرت الأحداث الأخيرة:
-لا بقولك إيه إنتَ شكلك مفكرني غاوية تهزيق، بلاها يا خويا فلوسك اللي جاي من وراها قلة القيمة.
-هستناكي الساعة ١٢ زي المرة اللي فاتت.
-ده على أساس إني هاجي وكده؟
سحب نفسًا عميقًا، ثم لفظه على مهلٍ وهو يحادثها بوهنٍ ظهر فقط عندما استطاع عقله استيعاب هوية الشخص الذي يحاوره، فهو وبعد خروجه من شركة "سلمان" لم يشعر بذاته إلا وهو يتراكض عليها؛ ليتواصل معها مرة أخرى طالبًا لرؤيتها:
-محتاجك.
كانت كلمة وحيدة، ولكن أثرها عليها كان قويًا.
استمع لتنهيدتها الطويلة وهي تهمس بطاعةٍ:
-حاضر هجيلك إنهاردة.
اتجه بسيارته لشارع شقة "خاطر"، وهتف بتلهفٍ لم يدرِ سببه، وقد لاح شبح ابتسامة على ثغره:
-هستناكي.
أغلق الخط وهو يصف سيارته أمام المبنى المنشود، ثم طاف بنظره على العمارة وهو يشعر بحيرةٍ تخللها الألم والقهر أثرًا لما تعرض له منذ قليل من مواجهة شنعاء يا ليته لم يقدم عليها.
**************
خرج من المصعد وسار ناحية شقته، ولكن استوقفته "رجوى" التي استندت على باب الشقة بظهرها، فرحب بها باحترامٍ تمسك به بصعوبةٍ:
-منورة يا حماتي.
تشنجت عضلات وجهها ما إن رأته، وراحت تصيح في غضبٍ:
-هي حصلت يا "عزام" تحبسها وتاخد تليفونها منها، وفوق ده كله تاخد منها الولد.
ثم تابعت باهتياجٍ، وجسدها ينتفض من فرط الانفعال:
-فاكر نفسك مين؟
كبح شراسته تجاهها بتعسرٍ، فهو على اقتناعٍ تامٍ بأن كل التغيرات التي طرأت على زوجته كانت هي السبب فيها؛ لذا تحدث ببرودٍ وتعابير وجهه ثابتة:
-أنا ومراتي يا حماتي، واللي بينا محدش ليه إنه يتدخل فيه.
تصلبت ملامحها أكثر وأكثر من تماديه في الأمر، فصاحت بتهديدٍ بلا هوادة:
-هجبلك البوليس هنا وهبلغ عنك، افتح الباب وخرجلي البت بدل ما هوريك اللي عمرك ما كنت تتخيله.
عقب بنبرته الثلجية وهو يمعن النظر بها بتسليةٍ:
-وهتجيبي الحكومة تقوليلها إيه؟... خاطف ابنه ولا واخد تليفون مراته؟
ثم أردف بضحكته المتهكمة:
-ولو قولتيلهم حابس مراته، تفتكري "إنجي" هترضى على أبو ابنها يبات يوم واحد في القسم؟
قبضت كفيها بعنفٍ حتى ابيضت مفاصلها، ثم ردت عليه في تعقلٍ توصلت له في نهاية الأمر:
-طب افتح الباب وخليني أشوف بنتي.
-آسف، مراتي مش جاهزة تشوف حد دلوقت.
وفجأة خرج صوت "إنجي" من الداخل برجاءٍ:
-افتحلي يا "عزام" عشان خاطري، افتحلي وهاتلي ابني أبوس إيدك.
لم يكترث لها، وأكمل حديثه الذي بدأه منذ قليل وهو يشير للمصعد:
-تقدري تروحي يا حماتي وأنا وقت ما مراتي تبقى جاهزة تشوفك هبقى أبلغك.
ثم استطرد في استفهامٍ:
-تحبي أوصلك؟
-أنا مكنتش عايزة أوصل الأمور لكده، بس أخوها اللي يبقى يتفاهم معاك يا "عزام".
-ياريت، أنا من أولها وأنا مستني أتكلم مع راجل بس مش لاقي.
رمقته بضراوةٍ شديدةٍ ما إن ازدادت وقاحته إلى هذا الحد، وتحركت من مكانها بسرعةٍ قصوى لتهبط السلالم دون انتظار المصعد حتى لاستخدامه، بينما هو يخرج مفتاحه أخيرًا؛ ليضعه في مكانه بالباب قبل أن يديره.
ولج "عزام" إلى داخل الشقة بعدما فتح الباب، فوجد "إنجي" تطالعه في لهفةٍ تظن أمها معه، ولكن ظنونها خابت ما إن رأته يغلق الباب مجددًا، فراحت تردد بصدمةٍ:
-أمي فين؟
-مشيت.
قابله صراخها باحتجاجٍ وهي تضرب صدره بكلتا قبضتيها:
-ليه؟... أنا كنت محتاجاها تبقى جمبي.
ثم تابعت باحتدادٍ وهي تزيد من شدة ضرباتها، بينما هو يتلقى كلماتها بأنفاسٍ مرتعشةٍ:
-أنا بكرهك.
انعقد لسانه ولم يستطع الرد عليها، اغرورقت عيناه ليتبين وقتها أثر الكلمة عليه، وارتكزت نظراته عليها وهي تكمل من وسط نحيبها:
1
-ولو كملت معاك يا "عزام" هبقى كملت غصب عني، سامع يا "عزام"؟... غصب عني.
هز رأسه نافيًا بهستيرية، فجذبها بين أحضانه بقسوةٍ وهو يشدد ذراعه حولها صائحًا بجنونه الذي سيصل بها إلى الهاوية:
-أخرسي، إنتِ بتقولي الكلام ده من ورا قلبك.
خارت قواها ولم تستطع الثبات أكثر من ذلك، خاصةً بعد قلة طعامها الفترة الأخيرة، وحالتها النفسية المتدهورة، وما عانته بالأيام السابقة؛ لذا ترنح جسدها بين يديه، وثقلت رأسها بشدةٍ، فوقعت خلال لحظات بين يديه فاقدةً للوعي، بينما هو يصرخ بفزعٍ:
-"إنـجـي".
***************
-إنتَ متأكد إن الشات ده محدش يقدر يشك إنه متفبرك أبدًا؟
قالتها "سنا" باكتراثٍ موجهة حديثها لزميلها المبرمج بالشركة، والذي استعانت به في نواياها الحقيرة تجاه أحدهم، فوجدت رده بإيماءةٍ بسيطةٍ:
-متقلقيش كله مظبوط، بس متنسيش اللي قولتهولك... متجيبيش سيرتي لحد عشان الشغل ده لطته وحشة.
رمقها بطرف عينيه، ثم تابع بفضولٍ:
-بس إيه حكاية "خاطر" اللي خليتيني أدخله في العك ده؟
ردت عليه في تهكمٍ وهي تسحب هاتفها من بين يديه استعدادًا لمغادرة الشركة بأكملها:
-ده حد حبيبي كده.
قهقه الرجل بنبرةٍ عاليةٍ، ثم رد عليها في تأكيدٍ ساخرٍ:
-ما باين أوي.
تجاهلت قوله الأخير، ولمَ لا؟... فقد نالت مبتغاها في النهاية. أخذت تسير خارجة من المكان بأكمله وداخلها شعور النصر يزداد إتقادًا، نواياها الخبيثة، ودهاؤها جعلا نيلها مما تريد قريبًا، عن قريب سيتلاشى وجود ذلك الأحمق من حياتها هي وزوجها.
فجأة تسمرت بمكانها ما إن رأته أمامها، وتجمدت الدماء في عروقها لتهتف في احتدامٍ لم تستطع السيطرة عليه، فكل ما مرت به في الأيام السابقة كان هو السبب الرئيسي فيه:
-إيه اللي جابك هنا يا "سلمان"؟
***********
بالمساء.
فتح الباب وهو يتوقع هوية الطارق، ورسم على ثغره بسمةً بسيطةً قائلًا بترحيبٍ لم تعتده منه:
-أدخلي.
ولجت "نجوان" للداخل بعدما اجتاحها التحير تجاه ذلك المختل، ثم خلعت عباءتها كحركة معتادة منها، وألقتها على الأريكة التي هوت بجسدها عليها.
حدق "يحيى" مليًا بها، فرددت هي باستخفافٍ:
-ها المرادي هترميني من البلكونة ولا هتهزقني زي كل مرة؟
تعالت قهقهاته التي خرجت من وسط أوجاعه، ثم قال من بين ضحكاته:
-إنتِ كارثة.
ابتسمت تلقائيًا على ضحكه، وهتفت بعفويتها المعهودة:
-ضحكتك حلوة.
اختفت بسمته تدريجيًا، وطالعها بشرودٍ قبل أن يهمس بصدقٍ وهو يرتمي بجانبها:
-أول مرة حد يقولي كده.
رمقته بتمعنٍ، وقالت بمشاكسةٍ:
-دول عُمي بقى.
وعلى ذكر العمى تذكر حاله، واكفهرت ملامح وجهه وهو يهتف بقتامةٍ:
-ربنا ما يوريكي شر العمى.
ثم أردف في قهرٍ ونظراته مرتكزة بنقطةٍ واهيةٍ:
-تفضلي عمرك كله بتتأذي من حد ومع ذلك بردو بتحبيه... مرايا الحب عامية بعيد عنك.
تابعت انكماش تعابيره لذلك الآسى المهلك، فغيرت مجرى الحديث صائحةً ببشاشةٍ:
-ليك في الشاورما؟
نظر لها بعدم فهم، فصاحت تطمئنه:
-متقلقش هدفع أنا.
التقت نظراته - بلا قصد - بكنزتها مفتوحة الصدر، فأشاح بنظره سريعًا وهو يجيبها في توترٍ:
-م..مليش نفس أوي.
تعجب من حاله، فقد رآها من قبل بملابس عارية أكثر من ذلك، لِمَ حلَّت عليه الربكة تلك المرة؟... وما الذي تغير؟... بينما هي تصيح بإلحاحٍ وهي تقترب منه مائلةً عليه بتلقائيةٍ ليظهر عري جسدها أكثر وأكثر من خلال ملابسها:
-بلاش رخامة بقى، أنا جعانة وكده كده هطلب.
اختلس النظر لها عدة مرات، وفي النهاية استسلم لرغبته الدفينة في النظر مطولًا لها، ولهيئتها المهلكة. كانت - بالرغم من الكم الهائل من مستحضرات التجميل التي تضعها - كاملة الأنوثة، بجسدها ذي القوام الممشوق كما يفضل، وبغنجها اللطيف، وبخفة ظلها، كانت مزيجًا جديدًا عليه، وعرضًا صريحًا لتعويض حاله عن كل شيء انتقص في حياته ذات يوم بسبب زوجته؛ لذا - وللأسف - لم يشعر بحاله وهو يميل عليها مقتربًا منها، وأنفاسه متعالية يحاول منع حاله والتوقف، وكالمتوقع لم يستطع، فحالته الآن تشبه الثمالة النفسية؛ حالة رجل أُخبر منذ قليل أنه ليس بكافٍ، رجل انكسرت رجولته أمام مرأى عين ألد أعدائه؛ لذا التقط ثغرها بين شفتيه بلذةٍ لم يعهدها من قبل وهو يستسلم في النهاية لرغبته في الانغماس في أي شيء يوقف رأسه عن التفكير الجحيمي!
+
بقلم/رولا هاني.
..................................................