رواية ذكراه الفصل السادس 6 بقلم رولا هاني
6.لجوء يقلب الموازين
"كل المحبين في هنا إلا أنا
في الحب مالي نصيب"
-في نور محياك
************
-عشان خاطري يا "يحيى" بلاش تعك الدنيا.
قالها "خاطر" برجاءٍ، ثم استطرد بضيقٍ:
-"سلمان" بجح وإحنا لسه مش عارفين أبعاد الموضوع.
تفهم "يحيى" مغزاه جيدًا، وذلك ما جعله يشدد قبضته بقسوةٍ على المقود، وما جعل الأفكار تتصارع في رأسه أيضًا... لِمَ لا تكون هي من أعادت التواصل بحبيبها القديم كما رمى صديقه الآن؛ لذا توقف بسيارته وهمس بتساؤلٍ وهو يجز على أسنانه بعصبية شديدة:
-محتاج أروح شقتك يا "خاطر"، ممكن؟
أتاه الرد في صورة ناجزة من صديقه على الطرف الآخر:
-عيب يا "يحيى" ما إنتَ معاك نسخة من المفتاح... ده بيت أخوك يالا.
تنهد بعمقٍ، ثم هتف بتعابيرٍ جامدةٍ غريبةٍ:
-ومحتاج رقم "نجوان".
التزم "خاطر" الصمت لعدة لحظات، وكأنه لا يصدق ما التقطته أذناه الآن؛ لذا صاح وقتها في دهشةٍ وهو يضيق عينيه بتعجبٍ:
-"نجوان"!
-أخلص يا "خاطر" أنا مفييش خلق، هتجيب رقمها ولا لا؟
-هبعتهولك على الواتس حاضر... أنا بس مستغر...
قاطعه "يحيى" في ضجرٍ وهو يغلق الهاتف بلا مناقشة:
-هستنى المسدج منك.
ألقى الهاتف بجانبه، وأخذ يحل أولى أزرار قميصه بسرعةٍ خاطفةٍ، وكأن الهواء نفذ من حوله. تمركزت نظراته بنقطةٍ واهيةٍ، كان مُلقى على كاهله عبء لا يستطيع أحد استيعابه... لطالما خسر وخسر، خسر حبًا لم يكن له ذات يوم، وأسرة دافئة فشل في تكوينها، وراحة بال لم تزره طوال عمره.حاول التنفس بصعوبةٍ شديدةٍ، شحبت ملامحه، وهزل جسده من قلة ما يأكله، كم كانت حياته جحيمية بالقدر الذي يسلب من ملامحه الشبابية كل معاني الحياة!
وفجأة التفت حيث الهاتف الذي صدر منه صوت ذلك الإشعار؛ لذا التقطه وهو يكتب رقم الهاتف الذي وصله عليه، ثم ضغط عليه عدة ضغطات قبل أن يضعه على أذنه... ليأتيه خلال لحظات صوتها الذي تخلله غنج سخيف:
-الــو.
انكمشت تعابير وجهه باشمئزازٍ، ورفع عينيه بفتورٍ، ولكنه كظم مشاعره الغاضبة من كل شيء حوله وهتف بهدوءٍ:
-"نجوان"؟
-آه يا عينيا "نجوان" أؤمرني.
-أنا "يحيى".
همهمت بحيرةٍ، وثرثرت بلا توقف وهي تحاول تخمين هويته:
-"يحيى" بتاع الشيخ زايد...ولا بتاع مدينة نصر ... ولا تكونش "يحيى" بتاع ف...
قاطعها بصورةٍ فجةٍ؛ بسبب ما راوده من صداعٍ شنيعٍ أثرًا لنبرتها العالية:
-بس بس اسكتي إنتِ بالعة راديو... أنا "يحيى" صاحب "خاطر".
-منغير ما تقول قلة ذوقك عرفتني علطول.
عض على شفتيه بغيظٍ، ولم يفضل مجادلتها؛ لذا هتف بنبرةٍ حاول جعلها عادية:
-عايز أشوفك.
-أنا قولت صُحبتك على "خاطر" هتخليك قذر شبهه... ما علينا، هبص في مواعيدي وأقولك إن كان في ميعاد مناسب ولا لا و...
احتج مقاطعًا إياها، وهو يلوح بيده في الهواء بانفعالٍ:
-ميعاد مناسب مين هو أنا بحجز عند دكتور أسنان... أخلصي بروحمك.
-مضطرة أحترمك عشان بعز "خوختي"... النهارده بليل الساعة ١٢.
-اتفقنا، هستناكي في شقة "خاطر".
أغلق الهاتف في تبجحٍ، ثم أدار المقود وهو يغير وجهته لشقة صديقه المقرب، وكل ذلك والنيران متأججة في صدره بصورة تكاد تحرق كل ما كمن حوله.
**************
-أنا خلاص يا ماما خدت القرار وهسمع كلامك...أنا مبقتش قادرة أستحمل.
قالتها "إنجي" بعدما ارتمت على الفراش بعشوائيةٍ، فأتاها رد والدتها على الجانب الآخر بمنطقيةٍ:
-أنا قولتلك دة من بدري يا "إنجي"... وجودك مع إنسان زي دة طول حياتك هيخسرك مش هيكسبك.
صبت كل تركيزها على والدتها التي استرسلت من على الهاتف بتعقلٍ:
-الحب اللي بيقولك عليه قيمته قدام الاحترام ولا حاجة يا "إنجي"... مفيش حد يستاهل يعيش مع حد مش بيحترمه.
بهتت ملامحها، وهمست بتوجسٍ جلي على قسمات وجهها التي اعترتها كل مشاعر الخوف:
-خايفة يا ماما بردو...إنتِ مشوفتيش هددني إزاي إنهاردة.
أتمت جملتها وهي تعتدل في جلستها؛ لتنظر في انعكاس المرآة حيث تلك الكدمة الواضحة على صدغها - أثرًا لصفعته القاسية- بوضوحٍ يحذرها من أي تصرف متهور، فأتاها وقتها رد "رجوى" المهتاج:
-طب خليه يفكر يقربلك وشوفي أنا هعمل فيه إيه.
ثم أضافت في ثقةٍ وحزمٍ:
-متخافيش يا بت أنا في ضهرك.
أومأت في قلة حيلة، وهمست بوجلٍ لم تستطع تخبئته إطلاقًا:
-حاضر يا ماما.
***********
-معرفش يا "فاتن" شاكة في بنت ال*** دي إنها هي اللي بتلوف عليه.
قالتها "فتون" موجهةً حديثها لشقيقتها التي جلست قبالتها بعدما وضعت أكواب العصير أمامهما، فقد تفاجأت في الصباح بزيارتها المباغتة لبيت والدها.
عقدت "فاتن" ساعديها أمام صدرها، ثم تحدثت في برودٍ:
-جوزك اللي مش سالك يا "فتون" وإنتِ عارفة... متخليش كرهك لـ "سنا" اللي أساسه كده كده من زمان يخليكي متبقيش شايفة الحقيقة.
لم تمهل "فتون" نفسها الفرصة للتفكير في تحليل أختها، بل قادها مقتها لـ "سنا" للحكم عليها بلا نقاش بالرغم من فطنتها المعهودة:
-بردو الرك عليها هي... أدته فرصة يقف ويتكلم معاها ليه إلا لو الموضوع على هواها.
تنفست "فاتن" بعمقٍ، وصاحت بمللٍ وهي تطبق جفنيها بنفاد صبر، فهي ترى مشاكل شقيقتها مع زوجها المختل ذلك شيء سخيف يعطلها عن التفكير بعملها الشاق:
-ما تغوريه فداهيا بقى يا "فتون" واتطلقي منه... إحنا زهقنا من مشاكله اللي مبتخلصش دي.
ثم تابعت في صورةٍ وجيزةٍ، وهي تكور كفها بغلٍ؛ بسبب تذكرها لأخطائه الفادحة في العمل، والتي تتكدر بعدها في إصلاحها:
-دة بكفاية العك اللي بيعكه في الشغل.
ردت عليها في جنونٍ لتنفض تلك الفكرة من رأسها بإصرارٍ، وهي تهز رأسها برفضٍ قاطعٍ:
-وأسيبه في الآخر لست "سنا"... دة بعينها.
تأملت "فاتن" تلك الخيلاء والعنجهية التي تملكت نبرتها، فزفرت الهواء بقنوطٍ وأخذت تشرب عصيرها هاتفة على عجالةٍ؛ لتغير مجرى الحديث بقصدٍ بعدما لم تجد فائدة من نصائحها المتتابعة:
-طب أشربي العصير بتاعك، ونبقى نشوف بعدها هنعمل إيه بالظبط.
******************
-مش ناوي بقى تبطل الحركات الوس** بتاعتك دي؟
-مدام "سنا"!
قالها "خاطر" بتريثٍ ما إن استمع إلى صوتها من على الهاتف بعدما رد على ذلك الرقم غير المألوف، فأتاه ردها المُوبِّخ وكأنها تمتلك كامل الحقوق في ذلك:
-آه يا ملاك يا بريء مدام "سنا".
تمالك كامل أعصابه وتحدث بنبرة مغمورة بكل الاحترام، وقد قرر في لحظتها التغاضي عن سَبَّتها التي بدأت بها الحديث معه منذ قليل:
-اؤمريني يا مدام "سنا"، محتاجة إيه بالظبط؟
صاحت في هياجٍ وهي تشدد قبضتها على الهاتف، حتى كاد أن يتهشم بينها:
-بطل لف ودوران يا "خاطر"... حركاتك الواطية اللي لسة بتعملها زي زمان دي تبطلها... وإياك تتدخل تاني بيني وبين جوزي.
ثم استطردت بتحذيرٍ جادٍ، ونبرتها تتعالى لتهز أرجاء المكان:
-ولو اتسببت في مشاكل تاني بيني وبين جوزي يا "خاطر" هآذيك... إنتَ سامع ولا لا؟
حدثها بنبرته الثليجية التي تحلى بها؛ حتى لا ينفلت غضبه عليها، ويبقى في النهاية كامل الخطأ على عاتقه:
-طيب يا مدام "سنا" أنا هتغاضى عن أسلوبك وطريقتك عشان أنا بعز صاحبي...وشكرًا عامةً على الأسلوب المحترم.
ثباته في الحديث أثار استفزازها وحفيظتها؛ لذا لم تشعر بحالها وهي تصرخ بنزقٍ جَمٍ:
-تعز مين يالا...دة إنتَ حتة عيل معندكش مبدأ، ولا نسيت زمان كنت قريب ل "سلمان" قد إية، وبعدها قومت قالب عليه بين يوم وليلة عشان تمسك في جوزي أنا... ما تفوق لروحك بدل ما أفوقك.
وهنا استطاعت استنفاذ آخر ذرة صبر لديه؛ لذا قابلها تلك المرة بصراخه بتلك الكلمات التي استطاعت وبقوة أصابتها في مقتل:
-قلبت عليه عشان عيل مصلحجي، وسابك عشان الفلوس بعد ما عشمك في حبه سنين، وقربت لـ "يحيى" عشان فهمت في الآخر مين النضيف ومين الوس*... ودي حاجة صعب عليكي استيعابها أنا فاهم يا "سنا".
ثم أكمل بكلماتٍ ذات مغزى أكدت مقصده تلك المرة بصورةٍ ملحوظةٍ:
-صعب عليكي تفهمي مين النضيف...ومين الوس*.
وفي تلك اللحظة انغلق الهاتف بوجهها، فتلاحقت أنفاسها بصورةٍ هستيريةٍ وسوداويتيها تقتم بصورةٍ مرعبةٍ، وكأنها تتوعد لذلك المسكين بعواقبٍ وخيمةٍ على مساسه باستقرار حياتها...استقرار حياتها الواهي!
**************
بمنتصف الليل.
طرقاتٌ عاليةٌ تهاوت على باب الشقة، فهرول "يحيى" وقتها ضاربًا كفًا بكفٍ، وفتح الباب على عجالةٍ صائحًا بانزعاجٍ:
-بتخبطي زي البهايم ليه؟
رفعت حاجبها الأيسر بغيظٍ، ثم صاحت بحنقٍ:
-لا أنا سكتلك كتير بقى...أنا همشي.
سارت "نجوان" ناحية المصعد، وقبضت على مقبض بابه، وانتظرت نداءه المتلهف عليها، ولكن توقعها خاب، فشددت قبضتها على الباب أكثر وصاحت في تهديدٍ زائفٍ:
-أنا همشي مش هستحمل تاني تهزيق منك.
مد كفه للأمام هاتفًا ببساطةٍ:
-امشي.
تركت المقبض بقلة حيلة، ثم هتفت بعنجهيةٍ مصطنعةٍ وهي تمط شفتيها للأمام، وتقدمت بخطواتها ناحيته لتلج للداخل:
-إن مكنتش تمسك فيا بس.
أغلق باب الشقة ليتابعها وهي تخلع عباءتها بتسليةٍ، وفجأة وجدها تلتف له هاتفةً بجديةٍ وكأنها تتناقش في إحدى الاجتماعات الهامة الخاصة بالعمل:
-بتحب الأخضر ولا التركواز.
-ده إيه ده سعادتك؟
أظهرت الملابس من حقيبة يدها، فتفهم وقتها ما تشير إليه من ملابس مثيرة وخاصة بالنوم، فهتف وقتها رافضًا وهو يتنهد ببعضٍ من الضيق:
-لا خليكي زي ما إنتِ لوسمحت.
جحظت عيناها برعبٍ بغتة، وصاحت بصورةٍ دراميةٍ وهي تتراجع بخطواتها حيث الباب:
-يعني مش عايزني أغير أمال جايبني لية...هتقتلني ولا هتبيعني أعضاء!
عقد حاجبيه بذهولٍ، ثم هتف في تعجبٍ:
-يعني إنتِ خوفتي مني لما قولتلك متقلعيش لكن اقلعي دي كانت هتطمنك.
ثم استطرد في استهزاءٍ:
-وبعدين تقلعي إيه بألوان الربيع اللي إنتِ جاية بيها دي...اتنيلي اقعدي في مكان لغاية ما أجيب حاجة نشربها.
قلبت نظراتها بملامح وجهه، وشعرت لوهلة بعقلانية كلامه؛ لذا تقدمت ناحية الأريكة، وارتمت عليها بإنهاكٍ حقيقي، فاستشعر هو ذلك في قسماتها التي ظهر عليها التعابير الخارجة عن السخرية والتهكم اللذين تحلت بهما طوال الوقت؛ لذا قال برويةٍ:
-شكلك تعبان.
تنهدت بعمقٍ هاتفةً بتعبٍ:
-من الصبح في الشارع.
جلس بجانبها بعدما بلل شفتيه بلسانه، ثم قال بترددٍ:
-وإيه جابرك على العك ده؟
ألقت عليه نظرةً مطولةً مملوءةً بكل خيبةٍ يمكن أن يراها المرء ذات يومٍ، وبالرغم من ذلك تحولت تلك التعابير إلى النقيض خلال لحظاتٍ لتشاكسه قائلةً بمغزى فهمه سريعًا:
-أكيد مش هحكيلك.
ضحك وهو يتذكر كلماته المتبجحة معها، فقال وقتها آسفًا:
-كنت قليل الذوق معاكي وقتها متزعليش.
هزت رأسها نافيةً، وهي تربت على كتفه بتلقائيةٍ:
-ولا زعل ولا حاجة انا متعودة على كده.
نظر حيث بقي كفها، فسحبته سريعًا وهي تعتذر:
-آه نسيت إنتَ راجل متجوز وبتحب مراتك.
نهض في صمتٍ، وولج للمطبخ، فخاطبته هي من الخارج بنبرةٍ عاليةٍ ليسمعها:
-إنتَ جايبني ليه هنا صحيح؟
نهضت وفضولها يقودها، وخطت بقدميها للمطبخ لتراه وقتها يسحب كأسين بيدٍ واحدةٍ، والأخرى ممسكة بزجاجة خمر، فعقدت حاجبيها بتعجبٍ وهي تحدثه في ذهولٍ:
-مكنتش أعرف إنك بتشرب.
خرج ملتزمًا السكوت، فخرجت خلفه لتتابعه بترقبٍ وهو يضع ما في يده على تلك المنضدة التي تموضعت أمام الأريكة، وأخيرًا رد عليها في إيجازٍ:
-دي أول مرة أشرب.
جلست بجانبه بعدما رأته يجلس، فهتفت بتساؤلٍ وهي تهز رأسها مستفهمةً:
-جبتني هنا لية؟
نظر في مقلتيها مباشرةً، ثم همس بنبرة تملكها الألم التام:
-كنت محتاج حد معرفوش عشان أحكيله.
-تحكيله إيه؟
سكب من الزجاجة أول كأس له، ولم يحبذ إجبارها على الشرب معه... فقط تركها كما تشاء، ثم همس وهو يرتشف أولى الرشفات لتنكمش في لحظتها قسماته بسبب ذلك الطعم اللاذع الذي احتل فمه وجوفه:
-اشمعنى أنا دونًا عن كل الناس اللي حبت واتحبت أنا الوحيد اللي متحبش؟
ثم أكمل مبتسمًا في مرارةٍ، وهو ينهي كأسه:
-اشمعنى أنا اللي مليش نصيب في إني أتحب وأعيش مرتاح؟
راقبته بتأملٍ شديدٍ...لطالما كانت "نجوان" شخص لا يهتم لأمر الآخرين...فقط تعبأ بالأموال التي تجنيها من ذلك العمل المشين. لا تكترث لمن يتألم، أو لمن يعاني. ما كان يمر به "يحيى" الآن رأته لمئات المرات في تلك الليالي التي قضتها مع غيره، ولكن المختلف أن "يحيى" باح بما استوطن قلبه بلا ثمالة مثل غيره، فما زال الخمر بلا مفعول حتى الآن، وبالرغم من كل ذلك كان هناك شيء غير مفهوم بالمرة يجذبها ناحيته منذ المرة الأولى التي رأته فيها، شيء يشدها بقوةٍ تجاه ذلك الرجل الذي اكترث لها ولو للحظة ورأى إنهاكها وتعبها مرتين، مرة عندما سقطت فاقدة للوعي، والأخرى في ذلك اليوم. شيء لا تفهمه... ربما فضول، ربما ريبة، ربما تسلية. لا تعلم أي شيء... فقط أبصرت تلك الروح الكسيرة التي جلست أمامها، وحثته بتعابيرٍ هادئة على إكمال الصراخ بما جال في خاطره كله بلا استثناء، وكأن تلك بداية أخرى خطيرة لن تكون عاقبتها محمودة أبدًا.
1
بقلم/رولا هاني.