📁 آخر الروايات والقصص

رواية اولاد الباشا الفصل الرابع 4 بقلم شيماء منير

رواية اولاد الباشا الفصل الرابع 4 بقلم شيماء منير



الفصل الرابع
الجو في الأوضة كان ساكت خالص مفيش غير صوت الهوا الخفيف اللي بيدخل من الشباك. يمنى كانت قاعدة على طرف السرير، شاردة وعينيها باصة في الفراغ
​من غير ما تحس رفعت كف إيدها ببطء وقربته من وشها.. وغمضت عينيها وهي بتسحب نفس طويل.
ريحة برفانه كانت لسه لازقة في ايدها.. ريحة دافية ومميزة رافضة تروح. الضحكة هربت من بين شفايفها بضعف وهي بتفتكر شكلها وهي متشعبطة في هدومه، كأنها بتستخبى فيه من الدنيا كلها. افتكرت نظرته ليها في اللحظة دي.. ونظرة عيونه الزيتونية الجذابة اللي فيها سحر غريب يخطف القلب من مكانه في ثانية.
​وفجأة.. كأن ماية تلج اتدلقت عليها
صورة بنان ظهرت قدام عينيها. بنان.. صاحبتها الوحيدة واللي دايمًا عيونها بتلمع بفرحة طفولية وهي بتجيب سيرته وبتحكي عنها حبها ليه.
​الضحكة اتطفت من على وش يمنى فجأة، وحست بـ نغزة قوية في قلبها كأن حد بيخنقها. سحبت إيدها بسرعة من عند وشها ونزلتها جمبها، وكأنها اتلسعت من نار.
​قامت وقفت في وسط الأوضة، تروح وتيجي بخطوات سريعة ومتوترة، حاسة إن الأوضة بتصغر عليها ومفيش هوا كفاية تتنفسه. ضربات قلبها كانت سريعة وبتوجع، ممزوجة بإحساس خانق بالذنب والخيانة لصاحبة عمرها.
​وقفت قدام المراية، وبصت لوشها المخطوف وعيونها اللى مليانة لوم، وقالت لنفسها بصوت مهزوز ومليان عتاب
​أنتِ أكيد اتجننتي يا يمنى! أنتِ واعية لنفسك؟ بتفكري في مين؟ دا الشخص اللي صاحبتك بتحبه
​حطت راسها على إزاز المراية الساقع، بتحاول تهدي النار اللي قايدة جوه دماغها، وهي مش عارفة تعمل إيه في قلبها اللي دق في المكان الغلط، وضميرها اللي بيجلد فيها مع كل نفس بتاخده من ريحته اللي لسه في إيدها.
ـــــــــــــــــــ
أمسك فارس هاتفه ضغط على شاشته بعنف طفيف وكأنه يفرغ توتره في لوحة المفاتيح وهو يطلب رقمها وضع الهاتف على أذنه لينتظر رنينا لم يدم طويلا قبل أن يأتيه صوتها الدافئ الناعم كالحرير
بنان: أيوه يا أبيه
​تنهد فارس بضيق وغمض عينيه وهو يحاول كبح جماح مشاعره التي تفيض كلما نطقت بتلك الكلمة التي تبني سدا منيعا بينهما
فارس:بقولك إيه بطلي كلمة أبيه دي خالص ممكن تقولي فارس عادي صدقيني مش هزعل والله
​ساد صمت قصير على الطرف الآخر شعرت فيه بنان بنبضة غريبة في قلبها فترددت قبل أن تجيب بخجل
بنان:أوكي هحاول
​ابتسم فارس لا شعوريا وشعر ببعض الراحة تتسلل إليه فأراد أن يطيل معها الحديث بأي شكل
فارس:بتعملي إيه دلوقتي
بنان:مفيش بجهز حاجتي وبراجع شوية عشان عندي امتحان عملي بكره
فارس:طيب كويس هتعملي إيه بقى في العملي ده
بنان:لأ بلاش أحسن عشان متقرفش
فارس:ليه بس؟؟
بنان:عشان بنشرح ضفادع وفئران وحاجات كدا يعني
اتسعت عينا فارس بدهشة حقيقية ولم يتخيل للحظة أن تلك الفتاة الرقيقة التي تبكي من أقل شيء تتعامل مع هذه الكائنات
فارس:أنتِ أنتِ بتعملي كدا فعلاً
بنان: أيوه في الأول كنت بخاف جدا وبقرف بس خلاص اتعودت وبعدين هي كدا كدا بتبقى متخدرة ومش حاسة بحاجة
فارس :وده لازم يعني؟؟
بنان:آه طبعًا ما أنا في قسم بيولوجي
​خرجت كلماتها الأخيرة بعذوبة وبساطة شديدة هزت كيان فارس من الداخل شعر بنبضات قلبه تتسارع وأحس أن رقتها قادرة على إضعاف أقوى حصونه
فارس :هو في بيولوجي بالرقة دي كلها
​احمرّت وجنتا بنان خلف الهاتف وشعرت بحرارة تجتاح وجهها ابتلعت ريقها بتوتر وابتسمت بخجل شديد مفضلة الصمت لأن الكلمات هربت منها تمامًا شعر فارس بصمتها الخجول فقرر تغيير مجرى الحديث تدريجيًا ليخطط للخطوة التالية
فارس:هتخلصي كليتك بكره الساعة كام؟
بنان:ليه؟؟
عادي بسأل بس
بنان:الساعة تلاتة
فارس:تمام في أي حاجة ناقصاكي أجيبلك أي حاجة وأنا جاي؟
بنان:لا يا أبيه مفيش حاجة تسلملي
​هنا نفد صبر فارس الكلمة نزلت على قلبه كالجمر شعر بضيق شديد وصدره يعلو ويهبط فقرر ألا يمرر الأمر هذه المرة
فارس:هو أنتِ فعلاً شايفاني أبيه يا بنان؟؟
بنان:إزاي يعني مش فاهمة؟؟
فارس:يعني لو أنتِ شايفاني أخوكي الكبير فأنا الحقيقة مش شايفك أختي خالص ولا شايف نفسي أخوكي
​ساد صمت مطبق توقفت أنفاس بنان تمامًا وشعرت أن الغرفة تدور بها صدمتها الكلمات وجعلت نبضاتها تتسارع بشكل جنوني ولم تدري ماذا تفعل أو كيف تتنفس
فارس سكتي ليه؟؟
بنان بتوتر :مش مش فاهمة ومش عارفة أرد أقول إيه يا
​كادت تقوله أبيه لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة فشعر فارس بتوترها وخوفها ولم يرد أن يضغط عليها أكثر في هذا الوقت حتى لا تهرب منه
فارس :تمام هفهمك في وقت تاني ركزي في مذاكرتك دلوقتي ونتكلم بعدين
بنان:أوكي باي
باي
​أغلق فارس الهاتف وهو يتنفس الصعداء واضعًا يده على قلبه الذي لا يكاد يهدأ أما بنان فأمسكت هاتفها بيد ترتجف ونظرت لشاشته المظلمة وهي تشعر أن عالمها الهادئ قد تغيرت ملامحه تمامًا في ثوانٍ معدودة
ــــــــــــــــــــــ_ــــ
أشرقت شمس يوم جديد بضحكتها الداهية اللي بتنور شوارع القاهرة
كانت واقفة هي ومامتها قدام العمارة بتاعتهم والتوتر باين على ملامح بنان اللي عمالة تبص في ساعتها كل شوية
​بنان وهي بتنفخ بضيق: طفولي أنا كدا هتاخر يا مامي
سمية وهي بتبص لعربيتها المركونة بحيرة وزهق :أنا مش عارفة العربية إيه اللي حصل فيها فجأة كدا عمومًا هوقفلك تاكسي وخلاص ونخلص
بنان :وهي بتعدل شنطتها على كتفها وبتحاول تداري قلقها تمام
​وقفت سمية على الرصيف وبدأت تشاور بإيدها عشان توقف تاكسي لكن في اللحظة دي وقفت قدامهم عربية في منتهى الفخامة شكلها يخطف العين ويسرق الانتباه
اتفتح شباك العربية ببطء وظهر منه وش مالك بابتسامته الواثقة والمحبة
مالك بصوت رجولي دافي :صباح الفل يا عمتو
سمية ملامحها ارتاحت أول ما شافته وردت بابتسامة حنونة :صباح الخير يا حبيبي
مالك وهو بيبص عليهم هما الاثنين: واقفين كدا ليه في الشمس؟؟
سمية تنهدت بقلة حيلة: العربية عطلت فجأة وكنت بوقف تاكسي ل بنان عشان تروح الجامعة عشان متتأخرش على محاضراتها
مالك وهو بيشاور لبنان براسه تعالي اركبي وأنا أوصلك في طريقي
بنان بفرحة حركت خطواتها بسرعة ناحية الباب التاني وهي بتبص لمامتها أوكي باي يا مامي
سمية وهي بتوصيها بعيونها الحنينة باي يا قلبي أول ما توصلي طمنيني عليكي على طول
بنان وهي بتركب وبتقفل الباب :حاضر من عيوني
مالك بابتسامة هادية يطمن بيها عمتو: متقلقيش عليها خالص يا عمتو
سمية وهي بتطبطب على العربية: تسلم يا قلب عمتك يخليك ليا يا رب
​مالك شغل العربية واتحرك بسلاسة على الطريق السريع
بنان عيونها كانت بتلمع وهي بتتفرج على تفاصيل الصالون الداخلي الفخم للعربية وانبهرت بجمالها ونطقت بعفوية
بنان: جامدة أوي العربية دي يا مالك
مالك بابتسامة فخر وهو بيبص عليها بطرف عينه
مالك:إيه رأيك فيها بجد؟؟؟
بنان بحماس طفولي: تحفة على فكرة ذوقها يجنن
مالك سكت ثواني وكأنه بيحضر للسؤال اللي شاغل باله من أول ما ركبت ونطق بنبرة حاول يخليها عادية يمنى صاحبتك عاملة إيه دلوقتي؟؟؟
بنان ردت بتلقائية من غير ما تاخد بالها من اهتمامه زيادة كويسة خالص وهقابلها دلوقتي أول ما نوصل
مالك قلبه دق بسرعة وظهرت لمعة في عيونه ونطق بلهفة داراها بذكاء بجد هتشوفيها دلوقتي؟؟؟
بنان أيوه طبعًا ما احنا مع بعض في نفس الكلية ونفس القسم وبنقضي اليوم كله سوا
مالك وهو بيهز راسه ويداري ابتسامة واسعة بدأت تترسم على وشه اممم كويس خالص ربنا يوفقكم
​وصلوا قدام بوابات الجامعة وكانت الحركة زحمة والطلاب في كل مكان
هناك بعيد شوية كانت يمنى واقفة بتفرك إيديها ببعض بتوتر وعيونها بتدور في العربيات اللي بتعدي لحد ما لمحت عربية مالك بتقف
بنان نزلت من العربية بضحكة منورة وشها وكمان مالك نزل معاها بعد ما شاف يمنى واقفة مستنياهم
يمنى أول ما شافتهم مع بعض قلبها وجعها وافتكرت ريحته اللي لسه على إيدها وصراعها الداخلي بس حاولت تبتسم وبصت لهم بابتسامة متوترة مليانة قلق وخوف من مواجهة عيون مالك
بنان جريت على يمنى واحتضنتها بقوة كأنها بتستمد منها الأمان سوري بجد لو اتأخرت عليكي يا روحي
يمنى وهي بتطبطب عليها بحنان مهزوز لا عادي ولا يهمك يا بنان مفيش تأخير ولا حاجة
مالك قرب منهم وعيونه مركزة على ملامح يمنى اللي كانت بتهرب منه ونطق بنبرة رجولية دافية عاملة إيه يا يمنى؟
يمنى وهي بتبص للأرض وبتحاول تظهر طبيعية
يمنى: كويسة الحمد لله
​مالك وقف اتكلم معاهم شوية في مواضيع عامة وعيونه مش بتفارق يمنى خالص وبعدين استأذن ومشي وهو بيبص عليهم في المراية
يمنى بصت لأثر عربية مالك وهي ماشية وبعدين التفتت لبنان وحست بنبرة صوت صاحبتها اللي كانت مختلفة ونطقت بشك خفيف شكلك مبسوطة أوي النهارده يا بنان في إيه؟؟
بنان عيونها لمعت بسعادة غامرة وافتكرت مكالمتها مع فارس وكلامه اللي لخبط كيانها ونطقت بتنهيدة فرحة اممم حاسة إنه هيبقى يوم حلو أوي يا يمنى
يمنى حست بنغزة في قلبها وكأن في حاجة بتنكسر جواها بس أجبرت شفايفها تترسم بابتسامة باهتة وفتور تمام يا رب دايمًا
ومشوا هما الاثنين ودخلوا بوابة الجامعة وكل واحدة جواها عالم تاني من المشاعر المتلخبطة والصراع اللي لسه بيبدأ
ءــــــــــــــ
كان يمشى في ممرات الشركة بخطوات سريعة وواثقة كالعادة ماسك في إيده ملف حسابات مهم وكان قالب كمام قميصه الكحلي اللي كان لونه غامق لدرجة مبرزة بياض بشرته وملامحه الرجولية الحادة وكان متخلي عن البليزر بتاعه ولابس بنطلون من نفس اللون مخليه هيبته تخطف العين
فجأة قطع تركيزه صوت أخوه وهو بيتكلم بصياح عالي وصوت كله شقاوة ومرح وهو جاي عليه
مالك:إيه ده فارس باشا بنفسه هنا
​التفت فارس وبصله بابتسامة خفيفه هادية مفيهاش تكلف تليق بوقاره ونطق أهلاً بيك يا سيدي جاي بدري يعني على غير العادة
قرب مالك منه بخطوات سريعة وحط إيده في جيبه وهو بيضحك يعني لا كدا عاجب الباشا ولا كدا عاجب
فارس كمل مشي في اتجاه الأسانسير ومالك جمبه بيساير خطواته ونطق فارس بلهجة أخوية دافية لا يا سيدي تنور في أي وقت الشركة شركتك
​وصلوا قدام الأسانسير وضغط مالك على الزرار وأول ما الباب اتفتح دخلوا سوا والباب اتقفل عليهم في هدوء تام
مد فارس إيده وضغط على زرار الدور الثالث وعيونه متبعترة على الأرقام اللي بتنور
مالك حب يفتح كلام وبص لأخوه وهو بيقول أنا خارج من بدري على فكرة بس اتأخرت شوية عشان كنت بوصل بنان الجامعة
​فجأة ملامح فارس اتغيرت والضيق ظهر عليه واتكلم بضيق ليه يعني بتوصلها ليه؟؟
مالك استغرب جدًا من طريقة فارس ونبرته الهجومية اللي مش مبررة وبصله بدهشة عادي يعني يا عم في إيه قابلتها هي وعمتو واقفين عند العمارة وكانت متبهدلة وبتدور على تاكسي فقلت أخدها معايا في طريقي بالمرة
​الأساتسير رن وفتح الباب ونزلوا هما الاثنين سوا في الطرقة الطويلة المؤدية للمكاتب
مالك كمل كلامه بفضول وهو بيفتكر الموقف وضحك وروحنا هناك وقابلنا يمنى المزة صاحبتها
هنا وقف فارس في مكانه تمامًا وبص لمالك بنظرة تحذيرية مرعبة وعيون قوية تخليه يخاف ونطق بلهجة حاسمة متقبلش الهزار لم الدور يا مالك ومالكش دعوة بالبت دي خالص ومش عايزك تخرب الدنيا وتعملنا مشاكل
مالك رفع إيديه لفوق كأنه بيستسلم وبصله بقلة حيلة هو أنا جيت جمبها يا فارس أنا بحكيلك موقف عادي والله بس
فارس بصله بنظرة ذكية كأنه قاري كل أفكاره ونطق بنبرة هادية بس تخوف أنا فاهم دماغك دي كويس أوي وعارف بتفكر في إيه
​بعد الكلمتين دول كل واحد فيهم اتجه لمكتبه عشان يبدأ يومه
دخل مالك مكتبه وهو بيفكر في كلام فارس وفجأة وقف مصدوم لما لقي بنت تانية قاعدة مكان السكرتيرة راندا
مالك قطب حاجبيه وبص للبنت بضيق واستغراب وقال بنبرة جافه
مالك :أنتِ مين؟
البنت وقفت بسرعة بخوف وتوتر وكانت ملامحها هادية واسمها فاتن ونطقت بصوت مرعش أنا فاتن سكرتيرة حضرتك الجديدة يا فندم
مالك بضيق وعصبية بدأت تظهر في عيونه وراندا فين راحت فين؟
فاتن هزت راسها بجهل حقيقي: معرفش يا فندم والله فارس باشا هو اللي نقلها وجابني هنا مكانها من الصبح
​مالك عيونه احمرت من الغضب وبصلها بنظرة نارية وسابها وخرج من المكتب بخطوات سريعة تضرب الأرض متوجه لمكتب فارس
فتح الباب بغضب وقوة ومن غير ما يخبط كالعادة وخبط الباب وراه
فارس كان قاعد ورا مكتبه الفخم بيشتغل ومركز في الأوراق وأول ما الباب اتفتح بالطريقة دي فهم علطول مالك جاي ليه ومين اللي معصبه
فارس ساب القلم ورجع ضهره لورا ببرود تام وربع إيده وبصله بنظرة باردة مليانة ثقة واهتمام مستني يسمع ثورته
​مالك زعق بغضب وعيونه بتطلع شرار مش معنى إني جيت واتكلمت معاك بهدوء إنك تتدخل في خصوصياتي بالشكل ده وتتحكم في اختيارتي
فارس فضل باصص له بصمت تام وعيون مفيهاش أي تعبير وده اللي نرفز مالك أكتر
مالك كمل كلامه بعصبية وصوت عالي أنت زي ما جبت البت دي ومشت راندا تمشيها دلوقتي حالا وترجعلي راندا مكانها
فارس سحب علبة السجاير بتاعته وولع سيجارة بهدوء شديد ونفخ الدخان في الهوا وعيونه مراقبة ملامح مالك الغاضبة ونطق بكل برود وبعدين خلصت كلامك
​مالك اتنرفز من بروده ده وضرب إيده على المكتب فارس بلاش الطريقة دي معايا لو سمحت أنا مش عيل صغير قدامك عشان تمشي كلامك عليا
فارس ملامحه اتغيرت للجدية والحدة وعيونه بقت كأنها صقر وعلا صوته ونطق بقوة هزت أركان المكتب كويس أوي إنك عارف دا وعارف إنك مش عيل صغير ثم كمل وصوته بيعلى أكتر أنا مش هستنى لما ألاقي اللي اسمها راندا دي داخلة عليا هنا وبتقولي إنك عامل معها مصيبة تحط طين فوق دماغنا كلنا وتفضحنا
مالك بصله بغضب ومكابر وبرضه متعملش كدا من غير ما تاخد رأيي وتعرفني
​فارس نفخ دخان سيجارته وبصله بنظرة كلها لوم وعتاب بقالي أكتر من أسبوع قايلك اتصرف .. ومفيش جديد منك وسايب الأمور عايمة فكان لازم أتصرف أنا بقا لا أنا ولا أبوك هنسمحلك إنك تحطنا في موقف زبالة يهد اسم العيلة والشركة بسبب تهورك
مالك بصله بضيق شديد وعيون مكسورة من الحقيقة واللوم اللي في كلام أخوه الكبير ولف وشه وخرج من المكتب ورزع الباب وراه بقوة
أما فارس فتنهد بتعب شديد وحط السيجارة في الطفاية ومسح بإيده على شعره الكثيف لورا وهو بيحاول يتخلص من الصداع والمسؤولية التقيلة اللي شايلها فوق كتافه
ـــــــــــــــــ
آخر النهار
في شقة سمية
​كانت تجلس على أطراف مقعدها الطويل المريح بينما استلقى فارس بجسده المنهك واضعًا رأسه على قدميها كأنه يستجير بحنانها من العالم. كانت أصابع سمية تخلل خصلات شعره ببطء محاولةامتصاص ذلك الثقل البادي على ملامحه.
​تنهدت سمية بأسى وقالت ربنا يهديه.
​زفر فارس بضيق شديد واضعًا يده فوق جبهته وهو يقول
فارس:انا حاسس اني تعبت اوي ياعمتو، انا بحارب في مليون اتجاه.
​نظرت إليه بقلب أم حنون ومسدت على كتفه قائلة معلش ياحبيبي ربنا يعينك.
​لم يقمع فارس فيض الإحباط الذي بداخله، فتابع وعيناه تحلقان في سقف الغرفة
فارس: المشكله انه مش قادر يفهم فعلا اني خايف عليه انا ممكن اقسى عليه واخليه يشيل مسؤليه ميقدرش يبص حتى وراه بسبببها بس مش عايزه يندفن في الشغل زي وينسا نفسه وحياته.
​هزت سمية رأسها بتفهم وإدراك لطباع الطرف الآخر
وقالت بأسف
سميه: هو مش مدرك دا، هو مترفه دايما عشان كدا مش هيفهم اللي انت عايز توصله له.
​فتح فارس فمه ليكمل حديثه، لكن الكلمات تلاشت على شفتيه وتحولت ملامحه لذهول تام بمجرد أن اقتربت منهما بنان.
​أطلت بنان وهي ترتدي هوت شورت من الجينز، تعلوه بلوزة مكشوفة الأكتاف (كب) من نفس القماش، وقد رفعت شعرها بالكامل على شكل ذيل حصان، ملامحها كانت تنطق بالثقة واللامبالاة، والتفتت نحو والدتها قائلة ببساطة
بنان: مامي انا هنزل.
​في غضون ثانية واحدة، انتفض فارس من مرقده وكأن تيارًا كهربائيًا أصابه. وقف على قدميه، وعيناه تتسعان بذهول سرعان ما تحول إلى شرار يتطاير. دار حولها دورة كاملة وهو يتفحص الهيئة التي تنوي الخروج بها، وجسده يتشنج من فرط الغضب، ثم صرخ بها، هتنزلي فين؟
​شعرت سمية بالورطة، ونظرت إلى ابنتها بعتاب وتوتر واضح حاولت مداراته وهي تقول،
سميه: احنا مش قولنا هننزل بكاردچان عليه ياحبيبتي؟
​التفت إليها فارس وعيناه تشتعلان، والتفتت نبرته لتهكم حاد
فارس: نعم قولنا؟ يبقا كان ملبوس قبل كدا!
​حاولت سمية تدارك الموقف بسرعة قائلة
سميه:لا لا متلبس بس اتفقنا يعني.
​لم يعد فارس يرى أمامه، وصاح بنبرة حاسمة وعصبية، والله! يلا يابت ادخلي غيري البتاع دي.
​تربعت بنان في مكانها، وعقدت ذراعيها أمام صدرها بعناد وتحدٍ صريح، وقالت بضيق
بنان: مش مغيره حاجه وهخرج كدا، ايه يعني دا بلوزه وهوت شورت!
​سخر منها فارس بضحكة متهكمة غاضبة، وهو يشير بيده إلى ملابسها
فارس: شورت ااه! انا اعرف الشورت دا بيتلبس تحت البنطايل مش بيتخرج بيه كدا.
​تغيرت ألوان وجه بنان بين الحمرة والغيظ، وشعرت بالإهانة من تعليقه، لكنها أصرت على موقفها ونظرت إليه بضيق قائلة
بنان:لا هخرج بيه.
​هنا تدخلت سمية، ونغزت ابنتها في ذراعها بقوة محذرة، وقالت بصوت منخفض حازم
سميه: ادخلي بقا واسكتي دلوقت.
​لكن عناد المراهقة والكبرياء عميا
بنان:فقالت بتحدٍ وهي تنظر لفارس، مش داخله بقا يامامي وهنزل.
​ضاقت المسافة بين فارس وبنان في لحظة، واقترب منها بجسده القوي وعينين تشعان وعيدا
وقال بصوت منخفض مرعب، بقولك ايه ياحيلتها؟
​انكمشت بنان فجأة، وتبخر كل عنادها ليحل محله رعب حقيقي فالتصقت بظهر والدتها تحتمي بها.
​تابع فارس كلماته كأنها قذائف، وأشار بإصبعه نحو غرفتها بقسوة، قسما بالله ان ما دخلتي الدقيقه دي من وشي وخلعتي اللبس دا لاهوريك وش عمرك ما شوفتيه ومفيش خروج اصلا، الساعه سبعه ونص.. اددددخلي!
​لم تنتظر بنان حرفًا آخر، تحركت كالسهم نحو غرفتها، ودلفت إلى الداخل ثم رزعت الباب خلفها بقوة زلزلت أركان الشقة.
​التفت فارس لعمته وهو يتنفس بصعوبة من شدة الغيظ وقال بضيق:ينفع كدا؟
​تنهدت سمية وحاولت تهدئة الأجواء قائلة
سميه :على فكره هي اول مره تلبس كدا كان عاجبها اون لين وجبته.
​رد فارس بحدة قاطعة:مليش فيه، كفايه اني سيبها براحتها وبتلبس بناطيل وشعرها اللي ماشيه بيه دا عشان متضغطش عليها، بس وربنا ساعه واحده بس وتكون حاجة النقاب كلها هنا!
​شهقت سمية بتوتر: لا مش للدرجه دي يعني! واحده واحده في ايه؟
​ضرب فارس كفًا بكف وقال بضيق شديد، قال هوت شورت قاال!
ثم صمت لثوانٍ قبل أن تشتعل عيناه مجددًا بالشك، والتفت لعمته قائلاً بعصبية، وبعدين خارجه مع مين دلوقت هااا؟
​ردت سمية بنبرة خافتة: تقريبا صحابها في النادي هيتقابلوا.
​ضيق فارس عينيه وسألها، مين صحابها دوول؟
​هزت سمية كتفيها بقلة حيلة: مش عارفه.
​أطلق فارس زفيرًا حارًا ينم عن فيضان صبره، وضغط على فكه قائلاً:كمان!
​ربتت سمية على ذراعه محاولة امتصاص ثورته: اهدا بقا يافارس.
​نظر فارس باتجاه غرفة بنان، وكانت نظراته تحمل مزيجًا من التملك، الغيرة، والإصرار الحاسم، ثم التفت لعمته وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل قانونًا لا رجعة فيه، طيب اسمعني بقا، انا سايبها على مزاجها في كل حاجه، حتى حبها ليا يبقا بمزاجها، لكن عند اللبس لا، دا بقا على مزاجي...
ــــــــــــــــــــــــــ
بعد ساعتين، فارس وصل البيت وكان الجو هادي خالص،
مشي بخطوات تقيلة وراح ناحية اوضة اخوه، خبط على الباب في الأول بهدوء واستنى ثواني، بس مجلوش اي رد.
فتح الباب وبص جوه، وزي ما توقع بالظبط مكانش موجود، هز راسه بقلة حيلة وقفل الاوضه تاني وراح على اوضته هو.
رمى مفاتيحه وحاجته بزهق، ودخل الحمام اخد شاور دافي يفوق بيه جسمه المشدود من طول اليوم والتعب والضغط اللي هو فيه.
خرج من الحمام وهو لابس بوكسر بس، وشعره لسه مبلول وينقط مية على كتافه، قعد على طرف السرير وسحب الموبيل بتاعه من على الكومودينو.
رغم كل العصبية والشد اللي حصل في شقة عمتو، قلبه مكنش مطاوعه يسيب بنان تنام زعلانه منه، هو في الآخر ميستحملش نومتها وهي شايلة منه، فقرر يرن عليها
رن مرة.. واتنين.. وتلاتة، والموبايل يفضل يرن لحد ما يفصل ومفيش اي رد منها.
زفر بضيق ورمى الموبيل على السرير وهو مخنوق من عنادها وتطنيشها ليه، وحس ان دماغه هتنفجر ومحتاج حاجة تفوقه وتعدل مزاجه، فقرر يقوم يعمل فنجان قهوة مظبوط في المطبخ الصغير اللي عامله في ركن من اركان اوضته علّ وعسى يهدي تفكيره شوية
---------
في شقة سمية، وتحديدًا جوه أوضة بنان...
​كانت قاعدة على سريرها، ملامحها متشنجة وعينها بتطق شرار من كتر الغيظ والضيق وهي بتتكلم مع صاحبتها يمنى في الموبايل، وبتحكيلها اللي حصل بنبرة كلها عصبية.
​يمنى ردت عليها بهدوء وعقلانية وهي بتحاول تمتص غضبها، في الحقيقة بقا عنده حق، الصورة اللي انتي بعتيها أوفر اوي يابنان!
​بنان لوت بوزها بطفولية وغيظ، وصوتها علي وهي بتقول، وهو ماله أصلاً! هو كان ولي أمري؟
​يمنى حاولت تهديها وتفكرها بمكانته، مش بتقولي هو زي اخوكي الكبير؟ اكيد خايف عليكي.
​بنان نفخت بضيق حاد وقالت، مش عايزة أخوات!
وقبل ما تكمل جملتها، شافت شاشة الموبايل بتنور وتتهز في إيدها باسمه، فبصت للشاشة بزهق وكملت، أهو بيرن تاني.
​يمنى قالتلها بسرعة، طيب ردي عليه.
​بنان هزت راسها بعند وتحدي، لا، مش عايزة اكلمه.
​عند فارس في الأوضة...
​كان واقف في المطبخ الصغير، الضيق بياكل في صدره وعقله مش ملاحق على الأفكار. طفى السيجارة بغيظ وعنف في المطفأة اللي جنبه، وحس إن صمت بنان وتطنيشها ليه بيحرق دمّه زيادة.
​مسك الموبايل ورن على عمته وهو بيمسح على وشه بضيق.
​سمية ردت بهدوء، ألو.
​فارس سألها بنبرة مشدودة وخالية من أي مقدمات، هي جنبك؟
​سمية ردت بنفي، لا، في إيه؟
​فارس ضغط على سنانه وقال بضيق وهو بيحاول يسيطر على نبرة صوته، طيب شوفيها ويتنج مع مين!
​سمية تنهدت وقالتله بهدوء، اكيد مع حد من أصحابها يافارس.
​فارس سحب سيجارة تانية وولعها، ونفخ دخانها بغيظ وسخرية، اااه.. أصحابها اللي انتي أصلاً متعرفيهومش!
​سمية حست بقلقه وغضبه فقالت تحاول تنهي الكلام، طيب اهدى هشوف كدا واكلمك.
​سمية قفلت مع فارس، وقامت من مكانها وراحت على أوضة بنان. خبطت على الباب بخفة ودخلت، لقت بنان قاعدة ومادة بوزها وشدا الملاية عليها.
​سمية سألتها بحنان، إيه ياحبيبتي بتعملي إيه؟
​بنان حاولت تبان طبيعية وقالت، مفيش ياماما، بتكلم مع يمنى.
​سمية ارتاحت شوية وقالتلها، طيب ياحبيبتي سلميلي عليها.
​بنان وجهت كلامها للموبايل، مامي بتسلم عليكي.
​يمنى ردت عبر الهاتف بصوت مسموع، سلمي عليها كتير.
​سمية ابتسمت وقالت، طيب انا هروح اوضتي، تصبحي على خير ياحبيبتي.
​بعد ما سمية خرجت، كلمت فارس وطمنته إن بنان بتتكلم مع صاحبتها يمنى ومفيش حاجة تقلق.
​فارس أول ما سمع كلام عمته، حس براحة غريبة اتسربت لقلبه، هبط بجسمه على السرير وفرد ضهره وهو بيتنهد بعمق. الشد اللي في جسمه بدأ يهدأ تدريجيًا. مسك الموبايل، وفتح الشات بينه وبين بنان، وفضل يبص لصورتها ثواني.. الغضب كله اتمحى ومبقاش في قلبه غير حنان غريب تجاه "طفلته" العنيدة.
​كتبلها رسالة سريعة وبعتها على الواتساب:
(تصبحي على خير يا أجمل بونبوناية)
​في نفس اللحظة، بنان كانت بتفر في الموبايل بملل بعد ما قفلت مع يمنى. فتحت الواتساب وبدأت تتفرج على الاستوريز عشان تضيع وقت وتنسى ضيقتها.
​لكن فجأة، صوابعها وقفت وعينها اتسعت بصدمة وغيظ وهي بتشوف ستوري لـ "مالك"، كان ظاهر في فيديو وهو بيرقص ومهيص مع بنات في نايت كلاب، والجو حواليه كله صخب وضوضاء.
​حست بـ غليان جوة صدرها، ورمت الموبايل على السرير بغيظ وهي بتبرطم بكلمات مش مفهومة من كتر القهر والغيرة اللي شعللت قلبها.
​وفجأة، وسط غيظها، سمعت صوت رنة رسالة مميزة.. صوت رسالة الواتساب.
​مدت إيدها ببطء وسحبت الموبايل، شافت اسم "فارس" منور الشاشة، وفتحت الرسالة.
أول ما قرت جملته "تصبحي على خير يا أجمل بونبوناية"، شفايفها اترسمت عليها ابتسامة دافية غصب عنها، وقلبها دق بسرعة.. كلماته البسيطة دايماً بتعرف تخترق زعلها.
​لكن فجأة، افتكرت طريقته الناشفة معاها وزعيقه من ساعتين، وصورته وهو بيتحكم فيها.. ملامحها رجعت اتخشبت تاني، وحبت تعاقبه على قسوته. قفلت الموبايل بعناد، وحطته جنبها، وقررت تنام وهي بتتغطى باللحاف لحد راسها.
​على الناحية التانية...
فارس كان عينه على الشاشة، شاف العلامتين الزرق بوضوح، وعرف إنها قرت الرسالة ومردتش.
ابتسم بقلة حيلة وهو متفهم عند طفلته وزعلها، تنهد براحة لأنها على الأقل شافت كلماته وعرفت إنه مش زعلان منها. حط الموبايل على الكومودينو، وغمض عينه واستسلم للنوم وهو بيتمنى إن بكره يكون أهدأ وألطف عليهم هم الاتنين.
ـــــــــــــــ$$
تاني يوم في الجامعه
وسط زحمة الكلية وحركة الطلاب السريعة، كانت يمنى وبنان واقفين على جنب. الهواء دافي، بس الجو بين الصديقتين كان مشحون بتفاصيل تانية خالص.
​يمنى رفعت عيونها من على شاشة الموبايل، وبصت لـ بنان بنظرة فاحصة كلها شك، حاجبها اترفع وهي بتقول ببطء
يمنى:يعني... بعتلك الرسالة دي؟
​بنان اتنهدت تنهيدة طويلة، وهربت بعيونها من نظرة يمنى الذكية. لفت وشها الناحية التانية وهي بتلعب في صوابعها بتوتر واضح، وردت بصوت واطي بتحاول تخليه طبيعي
بنان :أيوه.. ومردتش علي.
​يمنى قربت خطوة منها، وكأنها بتحاول تقرأ اللي جواها. ملامحها هديت وظهرت عليها علامات قلق حقيقي وخوف على صاحبتها. عيونها لمعت بجدية وهي بتقول
يمنى:بنان.. بجد أنا مش عارفة، بس قلبي حاسس كده إنه مش أخوكي زي ما بتقولي وتضحكي على نفسك!
​بنان لفت ليها بسرعة،وحاولت ترسم على وشها ملامح القوة. رفعت راسها ووسعت عيونها عشان تبان واثقة من كلامها، بس رمش عينها اللي كان بيتحرك بسرعة فضح ارتباكها
بنان :لا.. هو أخويا بس بقا بيحب السيطرة شوية.. أنا عارفااه وحافظة طبعه كويس.
​يمنى لوت بوزها بقلة حيلة، وبصت للسما وهي بتهز راسها بضحكة خفيفة
يمنى: والله شكلك هبلة ومش فاهمة حاجة خالص!
​بنان حست إنها بتتحاصر، وعيونها بدأت تتحرك يمين وشمال بتدور على أي مخرج يهربها من سيرة "الأخ" ده. فجأة، عيونها لمعت بوجع تاني خالص وهي بتفتكر حاجة تانية ضايقتها. اتنحنحت وقالت وهي بتغير الموضوع بسرعة
بنان سيبك من الحوار ده دلوقتي.. المهم.. الأستاذ مالك امبارح كان ناشر فيديو ليه وهو مع بنات وبيرقص!
​أول ما الاسم اتنطق، ملامح يمنى اتقبضت فجأة. عيونها اللي كانت دافية من شوية، اتحولت لنظرة حادة وباردة. ضغطت على سنانها وضمت كفوفها على كتبها بضيق واضح وصوتها طلع مخنوق بالغيرة والرفض:
يمنى: اممم.. طبعاً وهو البيه وراه إيه غير إنه يصاحب بنات ويعيش حياته؟
​بنان كتافها هبطت لتحت، وبصت للأرض وعيونها اتملت بدموع حابساها بالعافية. نبرة صوتها اتكسرت وهي بتعترف بضعفها
بنان: أنا مضايقة أوي يا يمنى.. بجد متضايقة.
​يمنى لفت ليها تماماً، وصعبت عليها كسرة صاحبتها. عيونها اتملت بالحنان والرجاء، حطت إيدها على كتف بنان وضغطت عليها خفيف، وكأنها بتقدم لها جرعة فوقان
بنان: والله أنا عمري ما شفت كده قبل كده يا بنتي.. سيبك منه بقا يا بنان، ده واحد مش بيفكر فيكي أصلاً ولا على باله!
​الكلمة نزلت على بنان زي صدمة كهربا. عيونها اتسعت بذهول ممزوج بوجع حقيقي من صراحة يمنى القاسية. بصت في عيون يمنى نظرة طويلة.. عتاب، على حزن، على رغبة في إنها تصرخ وتقول لها "كفاية وجع".
​سكتت تماماً، ومبقتش قادرة تبص في عيون صاحبتها تاني. دارت وشها الناحية التانية وبصت للفراغ، والدموع محبوسة في عيونها بتلمع مع ضوء الشمس، وفضل السكوت هو سيد الموقف.
ـــــــــــــ
بعد يومين
الشارع الصبح بدري كان هادي، والمسافة بين البوابات والعربيات بتتحرك ببطء.
يمنى كانت واقفة على الرصيف قدام عمارتها، ضامة شنطتها وكتبها لـ صدرها كأنهم درع بيحميها. عيونها كانت بتتحرك بسرعة وقلق بين أول الشارع وآخره، بتدور بلهفة على أي تاكسي فاضي ينقذها من وقفتها.
في نفس الوقت، على بعد أمتار، كانت عربيته الفخمة بتهدي السرعة. مالك كان ساند راسه على الكرسي لورا، عيونه مقفولة بنعس وتعب باين على ملامحه. زفر بضيق ونفخ الهوا وهو بيفتكر مكاملة والده اللي صحته من عز نومه وأمرته ينزل الشركة فورا.
حُكم القوي قالها في سره وهو بيعدل قعدته بكسل.
لكن فجأة.. أول ما عينه لمحت طيف واقف قدام العمارة، عيونه اتفتحت على آخرها من تحت النظارة الشمسية السودا. ملامح النوم تبخرت في ثانية، وحل مكانها لمعة مكر وإعجاب مفاجئ. فرمل العربية براحة، وقال بصوت واطي ومنبهر:
مالك: إيه الصدفة الجامدة دي!
العربية الفخمة وقفت فجأة بالظبط قدام يمنى. من الصدمة، رجليها خانتها ورجعت خطوتين لورا بسرعة، وعيونها اتسعت بخوف وارتياب وهي بتبص للزجاج الفاميه اللي بدأ ينزل ببطء.
ظهر وش مالك. رفع إيده وبحركة بطيئة وفيها ثقة، قلع النظارة الشمسية، وظهرت عيونه وهو بيبص لها من فوق لتحت بنظرة كلها إعجاب ماليان جرأة، ورسم على وشه ابتسامة جذابة
مالك: صباح الياسمين..
يمنى حست بضربات قلبها زادت، التوتر ظهر فوراً على نبرة صوتها اللي اتهزت وحاولت تبص في أي حتة تانية غير عيونه اللي بتخترقها
مالك: صباح النور.
مالك ساند كوعه على الشباك، ومال براسه شوية ونظراته مركزة على ملامحها المرتبكة، وبنبرة صوت ناعمة وفيها معاكسة صريحة قال:
مالك: القمر رايح فين على الصبح؟
يمنى بلعت ريقها..وضغطت على كتبها أكتر، وعيونها لسه بتهرب منه
يمنى: أنا.. أنا رايحة الجامعة.
بدون أي مقدمات، مالك مد إيده وفتح باب العربية اللي جنب السواق، وبص لها بنظرة آمرة ومرحة في نفس الوقت:
مالك: طيب اتفضلي.. أوصلك في طريقي.
يمنى رجعت خطوة كمان لورا، وحركت راسها بالرفض بسرعة، وعيونها بدأت تلمع بالقلق:
يمنى: لا شكراً.. أنا مستنية تاكسي وزمانه جاي.
مالك ضيق عيونه بذكاء، وبصلها عتاب مصطنع، كأنه بيلعب بمشاعرها
مالك: لا طبعاً! ينفع تركبي مع حد غريب ومتركبيش معايا؟ إحنا برضه قرايب ومعارف.. ولا إيه؟
يمنى وقفت مكانها عاجزة عن الرد، نظراتها بقت حائرة ومترددة جداً بين الباب المفتوح وبين الشارع. همست بنبرة ضعيفة
يمنى: معلش.. مش هينفع خالص.
مالك هز راسه لورا ولوا بوزه بزعل طفولي مصطنع، بس عيونه كانت بتقول إنه مش هيستسلم
مالك:كده هبقا زعلان على فكرة.
يمنى هنا حست إن حيلتها انتهت. رفعت عيونها بتلقائية ورعب ناحية الدور التالت.. عيونها اتعلقت ببلكونة بيتهم وهي مرعوبة إن حد من أهلها يطلع فجأة ويشوف المنظر ده. النظرة دي فضحت كل خوفها.
ومن كتر رعبها إن حد يشوفها واقفة معاه في الشارع، حسمت أمرها بسرعة، وقربت من العربية وركبت وهي بتتحرك كأنها بتسرق حاجة، وقصاد ده حطت عيونها في الأرض أول ما قفلت الباب.
مالك لمس بطرف عينه نظرتها المرعوبة للبلكونة وفهم وفهم تفكيره بس فضل ساكت ومورهاش إنه كشف خوفها وداس بنزين وطلع بالعربية..
ونكمل الحلقه الجايه


الخامس من هنا
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات