رواية بين الميكروفون والمحراب الفصل السادس والعشرين 26 بقلم الكاتبة سارة ياسر سراب
الفصل السادس وعشرين (إيدك في ايدي لآخر العمر)
صلوا على نبي الرحمه
3
**
مرَّت الساعات داخل منزل يونس في أجواءٍ لم يعتدوها منذ زمن .
1
كان المطبخ يعجُّ بالحركة، تتنقل فيه خديجة بين الأواني بابتسامتها الهادئة، بينما أصرت على مجيء تيا وهدى ومشاركتهم لها في إعداد الطعام، فتحول المكان إلى جلسة مليئة بالضحكات والمشاكسات .
2
وخلال تلك الساعات، لم تكتفِ خديجة بالتعرف إلى تيا وحدها، بل اقتربت من هدى أيضًا، واكتشفت فيها خُلقًا رفيعًا وأدبًا يبعث على الطمأنينة، حتى أخذت تلمح بين الحين والآخر باسم خالد، فتارةً تسألها عن رأيها في المحامين وتغمز لها، وتارةً تمتدح أخلاقه وكأن الأمر جاء عفويًا منها، بينما كانت هدى تزداد خجلًا مع كل كلمة ولكن كلماتها جعلتها تفكر به أكثر، وسط ضحكات ليان التي لم تُفوِّت فرصة للسخرية من ارتباك صديقتها.
1
أما تيا، فكانت تراقب المشهد مبتسمة، وقد شعرت للمرة الأولى أنها لا تجلس وسط غرباء، بل بين أناسٍ استطاعوا في ساعات قليلة أن يمنحوها دفئًا يشبه دفء العائلة.
كان يونس عائدًا إلى المنزل بعد يومٍ طويل من متابعة تشطيب شقته، وما إن اقترب من مدخل العمارة حتى لمح حازم يقف أمامها، يعبث بهاتفه يبدو انه في انتظار أحد.
1
رفع حازم رأسه، وما إن رآه حتى ابتسم قائلا بسعاده:
_ أهو العريس بنفسه وصل فينك يا راجل انا قولت هتيجي بدري عشان تلحق تستفرط بالبت .
6
نظره له بحده ثم اقترب منه أكثر:
_ مبدأيا كنت الشقه بظبط كذا حاجه، كلمه تستفرد دي متتقالش ليا ولا على بنت وخصوصاً أن البنت دي احتمال تكون مراتي، وبعدين أنت واقف كده ليه؟
رد علي ببعض الخجل:
_ احم مستني رنا وأهلها هيجوا دلوقتي، ماما خلتني اعزمهم على الغدا هما كمان انا حاسس أنها هتجوزنا كلنا النهارده مش مجرد عشان تتكلم مع تيا زي ماهي قالت، وليان خدت اجازه وقاعد خفوق مع ماما والبنات .
1
ثم نظر له ببعض الضيق :
_ بسم الله ما شاء الله كلكم عارفين إني عايز اتكلم معاها شويه الله عليكِ يا ست الكل، وهي ليان مراحتش الشغل معاك النهارده ليه؟
1
تنهد حازم بمبالغة:
_ قالت هتاخد إجازة، ومقدرتش تنزل، بنت المحظوظة تلاقيها نايمه فوق وأنا اللي طالع عيني في الشغل.
1
ابتسم يونس وقال:
_ لو مكانتش دكتورة وبتفيد الناس، خصوصًا الأطفال، مكنتش وافقت تشتغل من الأساس، لكن إنت راجل اشتغل واجتهد، عايزين نجوزك بقى.
ضحك حازم وهو هازًا رأسه على عقل أخوه:
_ يا جدع بطل تبقى قفيل بقى.
1
توقف يونس، ثم نظر إليه باستغراب امتزج بابتسامة خفيفة:
_ قفيل؟! لا يا عم، أنا مش قفيل، أنا من الأول كنت رافض فكرة شغل ليان، لكن بعد ما سألت أكتر من شيخ فهمت إن شغل المرأة في نفسه مباح، طالما في حدود الشرع، ومفيش اختلاط أو حاجة فيها مخالفة، خصوصًا لو شغلها فيه نفع للناس زي الطب.
ثم أكمل وهو يشير بيده:
_ غير إن وجودك معاها مطمني، وعارف إنها رايحة شغلها وراجعة بيتها وتكون بخير .
ابتسم حازم وربت على كتفه:
_ متقلقش، دي ليان أختنا يعنى أي مصيبه هتتصرف أحسن مني .
1
ابتسم يونس ابتسامة رضا:
_ وأنا عارف ده عشان كده مطمن عليها.
ضحك حازم وقال:
_ بس ده ظلم يعني أنا اللي طالع عيني، وهي إجازة، وفي الآخر إنت اللي بتطمن عليها حته مهانش عليك تسئل عليا .
1
ضحك يونس:
_ وأنت الحمدلله واقف قدامي كويس أهو ونظره عينك سعيده ومرتاحه ربنا يعينك يا دكتور.
_ آمين ويعينني على الجوازة اللي ست الكل مستعجلة عليها دي.
ضحك يونس وهو يهز رأسه، ثم قال:
_ واضح إنها هي اللي مستعجلة أوي يلا بينا نستقبلهم ونشوف اليوم ده مخبيلنا إيه.
1
أومأ حازم موافقًا، وما إن خطوا بضع خطوات حتى توقفت سيارة أمام العمارة.
ترجل منها والد رنا أولًا، ثم والدتها، وخلفهما رنا، بينما خرج أحمد وهو يحمل بعض الأكياس في يده.
ابتسم حازم واتجه إليهم سريعًا:
_ السلام عليكم يا عمي نورتونا ونورتم المنطقه كلها .
1
صافحه والد رنا بحرارة:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا ابني، ربنا يديم المحبة، المنطقه منوره بأهلها ياحبيبي .
ثم التفت يونس بابتسامته الهادئة:
_ أهلاً وسهلاً بحضرتكم، البيت نور.
ابتسمت والدة رنا:
_ ده من ذوقك يا ابني.
التفت حازم إلى رنا، فاكتفى بابتسامةٍ هادئة وهزَّ رأسه لها من بعيد احترامًا لوجود والدها ووالدتها، ثم أشاح ببصره سريعًا.
أما رنا، فنظرت إليه بغيظٍ مصطنع، وقالت في نفسها وهي تكتم ابتسامتها:
"الله. ده حتى مقالش عاملة إيه، سلم بعينه وعزه رأس وخلاص بركاتك يا يونس، الشيخ مأدب الواد زيادة عن اللزوم بس يستاهل ."
4
أمّا أحمد، فما إن وقع بصره على يونس حتى ابتسم باحترام.
كان قد سمع عنه الكثير من رنا ووالدها، لكنه لم تتح له فرصة الجلوس معه من قبل، إذ كانت الثانوية العامة قد جعلته حبيس غرفته أغلب الوقت.
مد يده مصافحًا وقال بابتسامة:
_ حضرتك باشمهندس يونس صح؟ والله كان نفسي من زمان أقعد معاك وأتعرف عليك من كلامهم عنك كنت متشوق جدا، بس الثانوية مخلياني عايش بين الكتب وحائط الاوضه.
2
ابتسم يونس وصافحه بحرارة، ثم قال:
_ ربنا يوفقك ويعينك يا بطل وإن شاء الله ربنا يديك على قد تعبك، وترتاح العمر كله أهو خلصت وبإذن الله النتيجه تطلع وتدخل الكليه إلي نفسك فيها .
تنهد أحمد ابتسامةً خفيفة وقال:
_ الحمد لله، حاولت ألتزم بالخطة اللي حطيتها، يوم فيه ساعات مذاكرة، ويوم مراجعة، ربنا ييسر بقى واكون مهندس واحقق حلمي.
ابتسم يونس بإعجاب:
_ أهم حاجة كلمة "حاولت" طول ما بتجاهد نفسك وربنا شايف تعبك، متخافش، انت عملت اللي عليك سيب النتيجة على ربنا بقى، ولو حلمك خير ليك ربنا يقربه منك .
1
هز أحمد رأسه باحترام:
_ إن شاء الله.
قال يونس مشجعًا:
_ المهم خدها نصيحه إوعى تقارن نفسك بحد كل واحد له طريقه وظروفه، ركز في نفسك بس، وربنا هيكرمك بإذن الله.
ابتسم أحمد بثقة:
_ بإذن الله، ادعيلي بقى .
_ ربنا يفتح عليك، ويشرح صدرك، ويرزقك أعلى الدرجات، ويجعل تعبك كله في ميزان حسناتك.
1
أمَّن أحمد على الدعاء وهو يشعر براحةٍ تسللت إلى قلبه.
ابتسم حازم وهو ينظر إلى الجميع:
_ طيب يا جماعة هنفضل واقفين تحت؟ ولا نطلع قبل ما ست الكل تنزل تهزقنا وتقولنا سايبين الناس واقفين في الشارع وتطلعنا بنفسها .
2
ضحك الجميع، بينما قالت والدة رنا:
_ يلا بينا قبل ما الأكل يبرد.
بينما ضحك أحمد، ثم رفع يديه يحمل بها أكياس كثيره ونظر إلى حازم بخبثٍ قائلًا:
_ طب خد كام شنطه من إيدي حته عشان لما تتخانقوا اكون وسيط الصلح بتاعكم خد بإيدي عشان أخد بإيدك بعدين .
1
رفع حازم حاجبه، ثم وضع يده على كتف أحمد وقال بتمثيل:
_ لا يا أخويا، إنت مش هتكون الوسيط إنت هتكون مندوب العلاقات العامة، وساعي البريد توصل رسايلنا لما تعملي بلوك ووسيط الصلح لما تهب مننا، وشاهد علينا، ولو الأمور اتعقدت هنبعتك تتفاوض بينا ولو على الشيل أهو بدل ما الثانوية مكلساك، شد حيلك كده
1
انفجر أحمد ضاحكًا، بينما أكمل حازم وهو يشير إلى رنا:
_ وبعدين أنا مالي؟ أنا من ساعة ما جيت وأنا محترم نفسي، سلمت بعيني، وباصص في الأرض، وعامل فيها الشيخ الشعراوي، أعمل إيه تاني؟
1
ثم تنهد بمبالغة واضعًا يده على صدره:
_ ربنا يكون في عون الرجالة على الستات والله ترضيها بالكلام تزعل، متتكلمش تزعل، تبص تزعل، متبصش تزعل وإحنا في الآخر اللي بناخد على دماغنا منهم.
4
ضحك أحمد وحازم، بينما اشتعل وجه رنا خجلًا وغيظًا، حتى خُيِّل إليها أنها لو وجدت فرصةً الآن لقتلت حازم الآن لكن يونس قطع الأمر بابتسامته الهادئة، فتقدَّم نحو باب العمارة، وفتحه وهو يشير بيده قائلًا:
_ اتفضلوا يا جماعة البيت بيتكم.
دخل الجميع وسط أجواءٍ يغلب عليها الود والراحة، بينما كان في الأعلى بيتٌ امتلأ برائحة الطعام وينتظر أصحابه ضيوفًا أصبحوا أقرب إلى العائلة منهم إلى الضيوف.
**
وفي الوقت الذي كانت فيه بعض القلوب تستقبل بدايةً جديدة، كانت قلوبٌ أخرى لا تزال تقف عند نهايةٍ لم تستطع تجاوزها.
فليس كل من يبتسم قد نسي، وليس كل من يواصل السير قد شُفي.
هناك جراحٌ لا يداويها الزمن، بل يتعلم أصحابها كيف يخفونها خلف مسؤولياتهم، حتى يظن الجميع أنهم بخير.
1
وكان أمجد واحدًا من أولئك الذين أتقنوا إخفاء أوجاعهم، حتى جاء اليوم الذي قررت فيه والدته أن تفتح بابًا أغلقه منذ سنوات بابًا اسمه الزواج ..
بعد أن نامت روفان أخيرًا، عاد أمجد إلى عادته التي لم يستطع التخلص منها منذ سنوات، جلس في غرفته وحيدًا، يمسك هاتفه بين يديه، يتأمل صورة المرأة التي لم تكن مجرد زوجة، بل كانت وطنًا كاملًا سكن قلبه، ورفيقة دربه، ونصفه الآخر الذي رحل تاركًا خلفه فراغًا لم يملأه أحد.
1
وقفت والدته عند باب الغرفة تراقبه بصمت، وقد اعتادت أن تراه على تلك الحال كل ليلة.
كان المشهد يمزق قلبها في كل مرة؛ شابٌ لم يتجاوز عمره كثيرًا، لكنه يعيش كأن سنوات العمر أثقلت كتفيه، يحمل مسؤولية طفلة صغيرة، ويصر على أن يدفن قلبه مع زوجته.
اقتربت منه ببطء، ثم قالت بحنانٍ امتزج بالألم:
_ وبعدين معاك يا أمجد؟ لو بس تسمع كلامي وتريح قلبي، وتتجوز واحدة تصونك، وتبطل تعيش على الماضي.
1
تنهد بتعب، فقد كانت والدته، بين الحين والآخر، تعود لفتح ذلك الباب الذي أغلقه بيده منذ وفاة سُهى:
_ سُهى مش ماضي يا ماما .. سُهى الماضي والحاضر والمستقبل، عايزاني أتجوز بعدها إزاي؟ دي حب عمري، وكل حاجة ليا. أنا مش أناني عشان أتجوز وأجيب لبنتي مرات أب، والله أعلم ممكن تطلع كويسة ولا وحشة! مش هعمل زي ما الكل بيعمل وأنسى بنتي؛ من لحظة موت سُهى وأنا قلت مش هتجوز، ودي الخلاصة.
2
أطرقت والدته برأسها في صمت، كانت تعلم أن عناده لم يكن إلا وفاءً، وأن كل كلمة يقولها تخرج من قلبٍ لم يبرأ بعد. لكنها، كأي أم، كانت ترى ما هو أبعد من وجعه؛ كانت ترى رجلًا يستهلك عمره في الوحدة، وطفلةً تكبر وهي تفتقد حنان أم. لذلك لم تيأس من محاولة إقناعه، علّ الله يفتح لقلبه بابًا أغلقه الحزن:
_ فين الأنانية في إنك تتجوز؟ سُهى قبل ما تموت قالتلك اتجوز، أنا نفسي تعقل بجد .. مش يمكن اللي تتجوزها تطلع كويسة؟ ليه التوقع الوحش دايمًا؟!
أطلق زفرة طويلة، ثم ابتسم ابتسامةً باهتة امتزجت بالسخرية من واقعه:
_ سُهى، الله يرحمها، كانت عايزاني مزعلش عليها، وأكمل حياتي وأتجوز.
أهو عند نقطة 'أكمل حياتي' دي .. مستحيل يا أمي.
هي كانت حياتي، وبعدها روفان بقت كل حاجة ليا.
مش هجرب وأعتمد على كلمة 'يمكن تطلع كويسة' .
1
وقفت والدته، وقد أدركت أن الحديث لن يصل إلى نتيجة اليوم أيضًا، اقتربت منه، وربتت على كتفه بحنان، ثم قالت بصوتٍ خافت:
_ أنا مش مستعجلة يا ابني بس نفسي أموت وأنا مطمنة عليك وعلى روفان.
ما إن سمع كلماتها، حتى انتفض قلبه قبل أن يتحرك لسانه، ونظر إليها بلهفةٍ صادقة، وكأن مجرد تخيل غيابها يعيد إليه ذلك الفقد الذي لم يبرأ منه يومًا:
_ بعد الشر عنك يا أمي ربنا يطول في عمرك، ويديمك نعمة فوق راسنا، والله ما لينا غنى عنك.
ابتسمت والدته ابتسامةً هادئة، تحمل من الرضا بقدر ما تحمل من يقين المؤمن، ثم قالت:
_ وهو الموت شر يا ابني؟ ده حق على كل واحد فينا، ومحدش عارف عمره مكتوب لحد إمتى يلا هقوم أنام عشان أصحى للفجر وأنا فايقة.
1
ابتسم أمجد، رغم انقباض قلبه، ثم انحنى قليلًا يقبّل رأسها باحترامٍ ومحبة:
_ تصبحي على خير يا حبيبتي وربنا يتقبل منك، ويبارك في عمرك وطاعتك.
ربتت على خده بحنانٍ اعتادت أن تمنحه له منذ كان طفلًا، ثم قالت وهي تغادر الغرفة:
_ وإنت من أهل الخير يا ضنايا .. ربنا يحفظك، ويصلح حالك، ويقر عينك ببنتك.
تابعها بعينيه حتى اختفت خلف باب غرفتها، ثم عاد بنظره إلى صورة سُهى، وبينما كانت والدته تحاول أن تنقذ ما تبقى من قلب ابنها، بينما كان هو لا يزال يحرس ذكرياته بكل ما أوتي من وفاء.
ساد الصمت للحظات ثم رفع أمجد الهاتف قليلًا، ومرر أصابعه فوق صورتها ثم همس بصوتٍ اختلط فيه الشوق بالألم:
_ سامحيني مش قادر أنسى، ولا قادر أجيب حد مكانك.
1
وفي تلك اللحظة
انفتح باب الغرفة الصغير ببطء، وخرجت روفان وهي تفرك عينيها بنعاس:
_ بابي ..
انتفض أمجد فورًا، وأغلق الهاتف بسرعة، ثم حملها بين ذراعيه:
_ مال قلب بابي؟ صحيتي ليه؟ انتي كويسه؟
وضعت رأسها على صدره وهمست بنعاس:
_ كويسه يا بابي بس قلقت ملقتكش جنبي خوفت فصحيت ..
2
ابتسم رغم ألم قلبه، وقبّل رأسها:
_ وتخافي ليه ياعيوني وهو أنا أقدر أسيب قلبي لوحده؟
أغمضت الصغيرة عينيها من جديد وهي بين ذراعيه، بينما احتضنها بقوة، وكأنه يحتضن آخر ما تبقى له من سُهى.
ابنته لم تكن مجرد أمانة، بل كانت الوعد الذي قطعه على نفسه يوم رحلت زوجته؛ ألا يخذلها ما دام قلبه ينبض.
**
انتهت مائدة الغداء، لكن الدفء الذي جمعهم لم ينتهِ بانتهاء الطعام.
امتدت الجلسة في الصالة الواسعة، وتوزع الجميع في أماكنهم، يحمل كلٌّ منهم كوبًا من الشاي أو القهوة، بينما علت الضحكات بين حينٍ وآخر، حتى بدا المنزل وكأنه يحتفل بأهله قبل أن يحتفل بأي مناسبة.
كانت خديجة تراقب المشهد بعينٍ امتلأت بالرضا؛ فلطالما حلمت أن ترى بيتها عامرًا بالوجوه الطيبة، والأحاديث الصادقة، وأن يجتمع أبناؤها على مودةٍ لا تعكرها الأيام. أما هدى وتيا، فقد بدأ حاجز الخجل يتلاشى شيئًا فشيئًا، بعدما شعرتا أن هذا البيت لا يستقبل ضيوفًا، بل يضم أفرادًا إلى عائلته.
وفي الجانب الآخر، لم يترك حازم الفرصة تمر دون أن يطلق تعليقًا جديدًا، بينما كان أحمد يرد عليه ، وخالد يضحك، ورنا تحاول جاهدةً ألا تبتسم، في حين اكتفى يونس بالنظر إليهم في هدوء، يحمد الله في قلبه على تلك النعمة التي لا تُشترى نعمة الأُلفة.
وضع يونس كوبه برفق فوق الطاولة، ثم نظر إلى الحاضرين بابتسامته الهادئة التي اعتادوها:
_ طيب يا جماعة، استأذنكم محتاج أتكلم مع آنسة تيا كلمتين.
4
ما إن سمعت تيا اسمها، حتى ازداد خجلها، فخفضت بصرها تلقائيًا، ثم رفعت عينيها نحو هدى، ومنها إلى والد رنا ووالدتها، فقد كانوا بالنسبة إليها أهلًا وسندًا .
وما إن رأت منهم إيماءةً هادئة بالموافقة، حتى نهضت في حياء، بينما اتجه يونس نحو شرفة المنزل، ولحقت به بخطواتٍ مترددة.
وقف كلاهما في الشرفة، يفصل بينهما قدرٌ من المسافة، يحفظ الاحترام الذي تربى عليه كلٌّ منهما.
أما يونس، فلم يلتفت إليها مباشرة، بل جعل بصره يتنقل بين زرع الشرفة، والسماء التي بدأت تميل إلى لون الغروب، وكل شيءٍ حوله إلا هي، خشية أن تُحسب عليه سيئة ولم يقطع ذلك الصمت إلا صوته الهادئ:
_ والدتي قالت إنك وافقتِ على كتب الكتاب، وعشان أكون صريح مكنتش متخيل أبدًا إنك توافقي بالسرعة دي فحابب أعرف سبب موافقتك، لو ينفع أعرفه.
3
ظلت تنظر إليه لحظات، ثم أجابت بصوتٍ خفيض امتزج بالخجل:
_ أنا صليت صلاة الاستخارة، وحلمت حلم جميل ومريح عشان كده وافقت.
1
انعقد حاجبا يونس قليلًا في دهشةٍ لم يستطع إخفاءها، ثم سألها بهدوء:
_ من غير الحلم مكنتيش هتوافقي؟
_ ما هو ده رد الاستخارة.
1
ساد الصمت للحظات، لا لأن حديثها أغضبه، بل لأنه كان يبحث عن الطريقة الأنسب ليصحح لها مفهومًا يقع فيه كثيرٌ من الناس، دون أن يُشعرها أنها أخطأت. ثم ابتسم ابتسامةً هادئة، وقال بلطف:
_ بصي يا آنسه تيا أنا مبسوط إنك صليتي الاستخارة، لأن ده معناه إنك لجأتي لربنا قبل ما تاخدي قرار مهم، وده في حد ذاته شيء يفرح، لكن في حاجة صغيرة حابب أوضحها.
1
أنصتت إليه باهتمام، فأكمل:
_ ناس كتير فاكرة إن نتيجة الاستخارة لازم تكون حلم، وده مش صحيح، مفيش حديث صحيح عن النبي ﷺ بيقول إن اللي يصلي استخارة لازم يشوف رؤيا أو حلم.
3
توقفت قليلًا عن النظر إليه، وقد بدا عليها الاهتمام، فأردف:
_ الاستخارة معناها إنك تفوضي أمرك لربنا، وبعدها تمشي في الطريق، لو ربنا يسر الأمر، وشرح صدرك ليه، فدي علامة خير، ولو صرفه عنك، أو لقيتي الدنيا اتقفلت من كل ناحية، يبقى ربنا اختارلك غيره، أما الأحلام، فهي ممكن تكون رؤيا صادقة، وممكن تكون مجرد حديث نفس، ومينفعش نبني عليها قرار مصيري لوحدها.
2
ثم ابتسم ابتسامةً مطمئنة، وقال:
_ يعني لو الحلم ريح قلبك، الحمد لله . لكن اللي يطمنك أكتر إنك استخرتِ ربنا، وبعدها لقيتي الأمور ماشية، وأهلك موافقين، وأنا داخل البيت من بابه، وربنا يسر كل خطوة، دي كلها أسباب تخلي الإنسان يحمد ربنا، مش الحلم وحده.
رفعت تيا رأسها إليه وقد شعرت أن كلماته لم تكن تصحيحًا بقدر ما كانت طمأنينة، فأومأت برأسها في هدوء، وقد ازداد احترامها لذلك الرجل الذي لم يكتفِ بحفظ القرآن، بل كان حريصًا على أن يكون فهمه لدين الله صحيحًا كما حفظه.
ظل يونس صامتًا للحظات، ثم رفع بصره إليها لأول مرة منذ خروجهما إلى الشرفة. لم تكن نظرته تحمل جرأةً زائدة، بل كانت نظرة رجلٍ يعرف ما يريد، ويقصده بالحلال، دون التفافٍ أو تردد قال بصوتٍ هادئٍ امتزج بالجدية:
_ كتب الكتاب هيكون بمثابة خطوبة، لكن عشان ناخد راحتنا أكتر مع بعض، ومع تجمع الكل هنا ودلوقتي أنا بعرض عليكِ الجواز، ونكمل باقي عمرنا مع بعض، موافقة نكتب كتب كتابنا النهارده ودلوقتي؟
6
اتسعت عيناها في دهشة، وتراجعت خطوةً صغيرة لا شعوريًا.
لم تكن تخشى يونس، بل كانت تفاجأ بسرعة الأحداث، وكأن الأيام قررت أن تقفز فوق الزمن دفعةً واحدة.
قالت بصوتٍ اختلط فيه الخجل بالارتباك:
_ أنا موافقة بس دلوقتي؟! مش بسرعة كده، وأنا لسه أصل ....
1
توقفت الكلمات على طرف لسانها، واشتعل وجهها بحمرة الخجل، فعلم يونس ما أرادت قوله دون أن تُكمله، فابتسم ابتسامةً هادئة، وقال موضحًا:
_ الانتظار مش هيفيد طالما المبدأ واحد، وطالما إنتِ موافقة، ليه نستنى أكتر؟ خصوصًا إني عايز أتعرف عليكِ أكتر، وده حله كتب الكتاب.
أنا مش مستعجل على الفرح، ده بالنسبالي يعتبر مجرد خطوبة، لكن بالحلال.
3
ظلت تنظر إليه لثوانٍ طويلة، تبحث في كلماته عن أي أثرٍ للعجلة، فلم تجد سوى الطمأنينة.
كان حديثه بسيطًا، لكنه خرج من قلبٍ صادق، فلم تجد سببًا آخر للتردد.
أومأت برأسها في موافقةٍ هادئة، دون أن تنطق بحرف.
ابتسم يونس ابتسامةً صغيرة، ثم استأذنها وعاد إلى الداخل. وما إن دخل المجلس، حتى التفت إلى الجميع قائلًا بثبات:
_ لو تسمحوا أنا وتيا موافقين وهنكتب كتب الكتاب، وياريت تجهزوا نفسكم.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تنفجر الفرحة في أرجاء المنزل.
تعالت الزغاريد، وارتسمت الابتسامات على الوجوه، وتحولت الجلسة الهادئة إلى لحظاتٍ لا تُنسى.
أما تيا. فلم تكن تدرك كيف تسارعت الأحداث بتلك الصورة.
كل شيءٍ بدا وكأنه يحدث في لحظةٍ واحدة؛ اتصالات، وترتيبات، ثم حضور الإمام، واجتماع الجميع في المجلس.
وقف يونس في مكانه بهدوء، وأخرج من جيبه علبةً صغيرة، كان يخفي بداخلها خاتمين أعدهما من قبل، وكأنه كان يدعو الله أن يأتي هذا اليوم.
جلس الإمام، وتولى والد رنا وكالة تيا بعد موافقتها، بينما وقف خالد وحازم شاهدين على العقد، وقد ارتسمت على وجهيهما ابتسامةٌ عريضة، ممزوجة بدموع فرحٍ لم يحاولا إخفاءها.
تُليت آياتٌ من كتاب الله، ثم بدأت صيغة العقد، بينما كان قلب تيا يخفق بقوة، حتى شعرت أن الكلمات من حولها أصبحت بعيدة، لا تسمع منها إلا القليل.
لم تفق من شرودها إلا على صوت الإمام، وهو يبتسم قائلًا:
"بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير."
7
حينها فقط أدركت أنها أصبحت زوجةً لذلك الرجل الذي اختاره قلبها مطمئنًا، قبل أن يختاره عقلها، وأن بدايةً جديدة قد كُتبت لها تحت مظلة الحلال، راجيةً من الله أن تكون بداية عمرٍ يمتلئ بالمودة والرحمة.
_ ألف مبروك يا ولاد.
ما إن نطقت خديجة بتلك الكلمات حتى ارتفعت الزغاريد في أرجاء المنزل، واختلطت الضحكات بالدعوات الصادقة.
كانت لحظة انتظرها الجميع طويلًا وأخيرًا أصبح ذلك الشاب الذي عُرف بين الناس بحسن خلقه، وغضِّ بصره، وحبه لكتاب الله، زوجًا.
ويا لها من رابحة تلك التي كتب الله لها أن تكون رفيقة دربه، وأن تبدأ حياتها مع رجلٍ كان دينه خُلُقه قبل أن يكون كلامه.
وبعد سيلٍ من التهاني والمباركات، انسحب الجميع في هدوء، تاركين الزوجين يعيشان أولى لحظاتهما وحدهما.
ساد الصمت للحظات
كان صمتًا لا يعرف الحرج، بل يعرف الطمأنينة
اقترب يونس منها بخطوات هادئة، ثم مد يده إليها.
ترددت تيا قليلًا، قبل أن تضع يدها في يده بخجل.
2
ابتسم وهو ينظر إليها، ثم قال برقة:
_ مبروك يا زوجتي الكريمة .. من اللحظة دي، إيدك مش هتتشال من إيدي، هنمشي الطريق ده سوا .. وكل خطوة فيه هنبقى سند لبعض فيها.
5
ابتسمت وهي تنظر إلى الأرض وقالت بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
_ أنا محظوظة بيك يا يونس.
هز رأسه نافيًا وهو يبتسم:
_ لا متقوليش كده.
رفعت عينيها إليه باستغراب:
_ ليه؟
_ لأن المحظوظ الحقيقي هو اللي ربنا يرزقه بزوجة صالحة تعينه على طاعته وأنا بدعي من زمان إن ربنا يرزقني الزوجة دي، والحمد لله استجاب.
2
اغرورقت عيناها بالدموع:
_ بس أنا لسه مقصرة في حاجات كتير.
ابتسم ابتسامة دافئة:
_ وإحنا مين فينا كامل يا تيا؟ كلنا بنقصر وكلنا محتاجين رحمة ربنا.
ثم تابع وهو يربت برفق على يدها:
_ أنا مش اتجوزتك عشان لقيتك ملاك أنا اتجوزتك عشان لقيت فيكي قلب كل يوم بيحاول يقرب من ربنا أكتر من اليوم اللي قبله.
2
ابتسمت لأول مرة براحة حقيقية:
_ كنت خايفة أكون مش مناسبة ليك.
نظر إليها بثبات وقال:
_ لو كنتِ مش مناسبة مكنتش استخرت ربنا، ولا كنت وقفت قدام الكل وطلبتك بالحلال.
1
ثم أردف وهو يبتسم:
_ ومن النهارده أي هم تشيله، هشيله قبلك وأي فرحة تفرحك، هتبقى فرحتي.
ضحكت بخجل:
_ أنت دايمًا كلامك يطمن يا يونس.
ابتسم وقال:
_ لأن اللي بينا مش مبني على إعجاب بس اللي بينا بدأ باسم الله، وهنحافظ عليه بطاعة الله.
2
ثم أشار إلى دبلتهما وقال:
_ الدبلة دي مجرد علامة قدام الناس لكن اللي رابطنا بجد هو الميثاق اللي أخدناه قدام ربنا.
أطرقت رأسها في حياء:
_ أوعدك هحاول كل يوم أبقى أحسن من اللي قبله.
ابتسم يونس وقال بهدوء:
_ وأنا أوعدك إن عمري ما هطلب منك الكمال كل اللي هطلبه إننا كل ما نقع، نمسك إيد بعض ونقوم، وكل ما نبعد خطوة، نفكر بعض بربنا ونرجعله.
3
وما إن فرغ من كلماته، حتى اقترب منها بهدوء، وقبّل رأسها في رفقٍ واحترام، بينما ازداد خجلها؛ فقد أصبح من تلك اللحظة زوجها الذي أحلَّه الله لها.
1
وفي تلك اللحظة، شعرت تيا أن الخوف الذي كان يسكن قلبها منذ سنوات قد بدأ يذوب شيئًا فشيئًا.
ولأول مرة ..
لم تكن ترى نفسها فتاةً لا تستحقه.
بل رأت نفسها زوجةً اختارها الله لرجلٍ صالح، ليكونا معًا عونًا لبعضهما على الطريق إليه.
**
وفي الخارج وبينما كان الجميع منشغلًا وسعيداً، وجد حازم الفرصة التي كان ينتظرها منذ بداية اليوم.
اقترب من رنا خطوةً صغيرة، ثم انحنى قليلًا حتى لا يسمعه أحد، وهمس بخبثٍ لا يفارقه:
_ الخلبوص كتب كتب الكتاب عشان ياخد راحته، وأنا الغلبان حتى مش عارف أرمي السلام ينفع كده يا عسلية؟
4
اشتعل وجه رنا بحمرة الخجل، لكنها كانت تعرف أن الرد بالكلام لن يجدي مع ذلك المشاغب.
نظرت حولها سريعًا لتتأكد أن أحدًا لا ينتبه إليهما، ثم رفعت قدمها، وغرست كعب حذائها فوق قدمه بكل هدوء.
4
_ آاااه ..
2
صرخة حازم المفاجئة جعلت الجميع يلتفت نحوه، بينما اتسعت عينا رنا في تمثيلٍ بارع، وقالت بقلقٍ مصطنع:
_ في إيه؟! إنت كويس؟
جزَّ حازم على أسنانه، ونظر إليها في غيظٍ مكتوم، بينما كان الألم يعتصر قدمه.
"يا لهوي على الحربوقة" تمتم بها في داخله، ثم قال وهو يحاول التماسك:
_ آه .. كويس أوي .. أووووي ....
كادت رنا تضحك، لكنها تماسكت بصعوبة، ثم همست وهي تمر بجواره وكأن شيئًا لم يحدث:
_ المرة الجاية ابقى اتكلم باحترام يا دكتور عشان تقدر تمشى بعد كده.
راقبها وهي تبتعد، ثم هز رأسه مستسلمًا، وقال بصوتٍ خافت:
_ والله دي هتربيني وأنا كنت فاكر إني اللي هربيها الرحمه من عندك يارب .
3
**
متنسوش تصويت وكومنت جميل زي عيونكم
1
**