رواية ميراث الحنايا الفصل الثامن عشر 18 بقلم 𝓳𝓶𝓻𝓪
"إذا انتهت الليلة... مين بيبقى حي؟Part 18
"ما كل ميراثٍ ذهب...
بعض الميراث وجعٍ يسكن الحنايا،
وبعضه حبٍّ يكبر رغم القسوة."
بعد ٢٤ يوم...
بيت آل عبدالمحسن
الساعة ٧:٠٠ المغرب
كان المغرب تَوّه مأذّن، وصوت الأذان يتردد بين جدران البيت الكبير... البيت اللي من برّه هادي، لكن من جوّه كل زاوية فيه شايلة سر.
السماء برّه كانت بنفسجية، آخر خيوط الشمس تودّع اليوم، والهواء بارد شوي كأنّه يمهّد للي جاي...
في الصالة الكبيرة، اللمبات الصفراء منوّرة بنعومة، وطاولة القهوة مرتبة، وكأن أحد متعمّد يخلي كل شي يبدو طبيعي...
بس مو كل شي طبيعي.
فوق... في الدور الثاني...
كان في باب مقفّل، وورا الباب ذاك، قلب يدق أسرع من اللازم.
أربع وعشرين يوم عدّت...
وأشياء كثيرة تغيّرت.
مو الكل نفس ما كان.
ومو كل القلوب بعدها صافية.
واليوم...
واضح إن هالبيت بيشهد بداية شي جديد...
أو نهاية شي كان المفروض ما يبدأ أصلاً.
نزلت نجلاء من الدرج بهدووء.
و هي لابسه عبايتها و حاطه يدها تحت بطنها.
دخلت المطبخ.
و اشرت لشريفه بإن تجيب لها مويه.
و جلست على الكرسي بهدووء.
دخلت جوري. و هي تلبس شراباتها بإستعجال:
ماما تكفين يعني أنا زي المجنونه احسب اني تأخرت عليك و انتي هنا!
نجلاء: طب و أنا وش اسوي ابوك باقي ما جاء.
لا جاء نزلنا له.
جوري بحماس: ااااخ ماما مره متحمسه لأخوي الجديد!
نجلاء ضحكت بخفه عفويه: الله يخليك لي هو و انتي."
في مكانٍ آخر... وفي نفس التوقيت،
في جدة...
وقف تميم قدّام باب شقته،
واقف كذا... ساكت، يفتّش في جيوبه وهو يزفر بين كل حركة والثانية.
"وين حطيته..." تمتم لنفسه، وهو يطلع المفتاح أخيرًا.
وقف لحظة قبل يفتح...
تنهد بهدوء، وصوته طلع أخف من تعبه:
"الله يهديك يا بعد قلبي يا رزان...
ذي سوات عاقل؟
آه منك..."
فتح الباب...
ودخل.
الشقّة كانت هادية... هدوء غريب، مو مريح.
حط الأغراض اللي بيده على الطاولة بدون ترتيب،
ومشى بخطوات بطيئة للمطبخ... كأنه يحاول يهرب من أفكاره.
وقبل ما يوصل—
رن الجوال.
وقف مكانه...
غمض عيونه لحظة، كأنه يعرف مين.
مد يده لجيب ثوبه، وطلع الجوال...
طالع الاسم...
بنت غانم.
ضحك بسخرية خفيفة:
"آه من ذي النشبة..."
رفع الجوال على أذنه:
"ألو؟"
جاءه الصوت من الطرف الثاني... متوتر، متردد:
"اا... السلام عليكم..."
تميم زفر بضيق:
"وعليكم السلام... خير؟"
سكتت لحظة... ثم قالت:
"لا... بس بغيت أسألك... متى بتجي؟"
رفع عيونه للسقف، وابتسم بملل ممزوج بعصبية:
"يا ليل أم أم النشبة...
أختي إنتي وش تبين فيني؟
خلاص! ما أحب اللي يناشبني!"
جاءه صوتها هذه المرة حاد، فيه حقد مكبوت:
"ترى على زق! ماني ميته عليك!
أنا بس أسأل متى بتجي!
ولا الزق ذي رزان تتلزق فيك وما تكلمها؟
ترى حتى أنا زوجتك... وليا حق زي ما لها حق!"
سكت لحظة...
وبعدين—
ضحك.
ضحك طويل... ساخر، مستفز.
"هـههههههههه...
وربي ضحكتيني!
يعني دحين إنتي زوجتي... ولك حق علي؟"
انفعلت أكثر:
"وش اللي يضحك؟ أنا قلت شي يضحك؟!"
نبرة تميم تغيّرت فجأة...
صارت باردة... حادة... ما فيها مزح:
"اسمعي زين...
انسي إنك تقارنين نفسك برزان.
رزان بكفّة... وإنتي بكفّة ثانية... واضح؟"
سكون لحظة...
ثم ضحكت—بس ضحكة مختلفة، فيها شماتة:
"أوه... لهالدرجة؟
يعني لدرجة إنها قصّت شنبك؟"
تجمّد.
ملامحه تغيّرت فجأة...
انصدم.
"إييش؟!"
قرب الجوال أكثر، صوته ارتفع:
"أقولك لا تدخلين بأشياء ما تخصك!
ومن وين عرفتي؟ هاه؟!"
ضحكت بخبث:
"وصلني العلم... وبس.
يلا... مع السلامة."
"استني—"
لكن...
قفلت.
الصمت رجع فجأة...
أثقل من قبل.
تميم طالع بالجوال لحظة...
وعروقه بدأت تشد.
وبحركة وحدة—
رماه على الأرض بقوة.
"تباااً!"
لف بسرعة...
ودخل الغرفة بخطوات سريعة، عصبيته تمشي معه.
لكن اللي كان واضح...
مو بس عصبيته من المكالمة.
في شي ثاني...
أكبر.
في جنيف...
كانت الساعة تلامس العاشرة ليلًا، والبيت هادئ على غير عادته، هدوء ثقيل... كأنه يخبي سر.
الممر مظلم إلا من نور خافت يتسلل من أسفل باب غرفة لوجين.
وقف زايد قدام الباب... متصنّم، كأن الزمن تجمّد عنده.
صوتها وصل له... ناعم، متدلّع بزيادة... بشكل ما يشبهها أبد.
"نووو أنا ما أحب أحد يشتري لي هدايا... أنا أعشق اللي يعطيني الفلوس بيدي ويقول لي روحي سوي فيها اللي تبينه..."
انشدّ جسده... عيونه ضاقت... قلبه دق بطريقة غريبة.
وجاه صوت رجولي من الجوال، خشن وبارد:
"مدري... أغلب البنات اللي أشوفهم يحبون الورد والهدايا."
ضحكت لوجين بدلع زايد عن الحد:
"نووو مو منجدك تقارني فيهم! أنا غيررر... أنا لجووو لورا... ما أتقارن بأحد!"
وهنا...
انفجر الباب.
انفتح بقوة هزّت الجدار، وزايد دخل كأنه إعصار... وجهه متغيّر، عيونه فيها شرار يخوّف.
تقدم بخطوات سريعة، مسك شعرها بقوة، سحبها له بعنف...
الجوال طيّره على الجدار—انكسر، وتناثرت أجزاؤه.
صرخ بصوت رجّ البيت:
"مين تكلمين يا كلبههههه؟!"
لوجين شهقت، صوتها اختنق:
"لا لا زايد! أنت فهمت غلط! خلني أفهمك—"
لكن زايد ما كان يسمع.
كان يسمع صوت غيره... صوت الغضب... صوت الخوف عليها... صوت شي داخله ينهار.
أقفل الباب بعنف.
دفعها... طاحت على الأرض بقوة، صرخت... صوتها كسر الهدوء اللي قبل شوي.
رفعت يدها، مو تدافع...
انفجرت بالبكاء.
بكاء مو عادي... بكاء خوف، بكاء ندم، بكاء بنت انكشفت.
وهنا...
وقف.
كأن أحد ضغط زر داخل زايد.
سكت فجأة... أنفاسه ثقيلة... عيونه بدأت تهدى شوي.
قرب لها ببطء... جلس قدامها، صوته نزل، صار مكسور:
"ليه يا لوجين...؟ ليه يا بعد أخوك؟ ليه يا قلب أخوك؟
حنا قصرنا معك بشي؟ قلنا لك لا؟ حرمناك؟ هاه؟"
رفعت عيونها له... دموعها مغرّقة وجهها...
وبدون تفكير، حضنته.
حضن ضعيف... كأنها تستنجد فيه.
لكن—
دفها.
بقوة.
قام وهو يرجف من الغضب، أخذ اللابتوب، كسره تقريبًا وهو يشيله، وصاح:
"وين جوالك الثاني؟!"
رجعت خطوات وهي تبكي وترتجف:
"ه... هناك... بس تكفى زايد... لا تعلم بابا ولا فهد... تكفى استر علي..."
سكت لحظة...
ثم اقترب منها... انحنى، مسك شعرها ولفه بين أصابعه بقوة، صوته صار أخطر من قبل:
"أنا ما بعلم أحد...
لكن والله... ثم والله... يا بنت مسعف... أقسم بمن أحل القسم—
لو شفتك مرة ثانية تسوين اللي سويتيه... لا تلومين إلا نفسك، فاهمة؟"
هزّت راسها بسرعة وهي تبكي:
"فاهمة... والله فاهمة... بس تكفى لا تبين لبابا..."
ضحك بسخرية موجوعة:
"أجل ليه تسوين كذا؟ وأنتِ خايفة من أبوك؟ وتحبينه؟
ترى محد يسوي هالسوالف إلا الخبل... أو اللي ما يخاف الله...
أو اللي... مو متربين."
انكسرت أكثر... صوتها صار بالكاد يُسمع:
"طيب... إذا سألني بابا... وين جوالي وأغراضي... وش أقول؟"
لف عنها، توجه للباب... فتحه، وبنبرة باردة قال بدون ما يطالعها:
"قولي زايد سحبهم منك عشانك وصخه."
وقبل يطلع... وقف لحظة.
تنهد... وكأن فيه شي داخله ما رضي يطلعها بهالشكل.
"لا...
قولي: زايد سحبهم مني عشان أركز بدراستي...
لأنه أخوي... ويعرف مصلحتي أكثر مني..."
وطلع.
الباب انقفل...
وصوت شهقاتها هو الشي الوحيد اللي بقى.
— — —
في بيت آل عبدالمحسن...
الساعة ٨:١٠ مساءً.
البيت؟
فوضى... ضحك... صراخ... شنط بكل مكان.
واحدة تسحب شنطة، والثانية تصرخ "هذي حقتي!"، وثالثة تدور شاحنها وهي تصيح.
دخلت هدى... وقفت مصدومة عند الباب:
"يمههه وش صاير هنااا؟!"
لفت عليها مزون وهي تلهث:
"تخيلي! خلاص كل واحد بيروح بيته! الكل!"
هدى فتحت عيونها:
"وشش؟! وأنا آخر من يعلم؟! يمهههه!"
وركضت فوق الدرج تصارخ.
— — —
في الحوش...
هايف واقف عند السيارة، واضح عليه التعب،
وأبو تميم يحاول يدخل شنطة كبيرة.
جاء خلف من ورا، يبتسم بخبث:
"هاتها عنك يا عم، أنا أتصرف."
ابتسم له أبو تميم:
"الله يسعدك يا ولدي."
ودخل.
هايف لف عليه، عيونه تضيق:
"أنت متى بتبطل حركاتك يا وصخ؟"
قرب خلف منه، همس:
"اسمع... أنت رايح الشرقية معهم؟"
"إيه أكيد."
ابتسم بخبث أكثر:
"طيب... أبيك تضبطني مع جوري بنت ولد خالتك."
ثانية وحدة—
لكمة.
قوية.
خلف طاح على الأرض وهو يتأوه:
"آخخخ!"
هايف وهو يطق عليه:
"على زق بس! قم انقلع يا معفن!"
قام خلف مكشّر:
"هذا جزاء اللي يسوي فيك معروف؟!"
هايف قرب خطوة:
"تبيني أعطيك زيادة؟ ولا تمشي؟"
سكت لحظة... ثم لف يتمتم وهو يمشي:
"ما ينفع فيك خير..."
— — —
قفل هايف باب السيارة بقوة:
"في شنط زيادة ولا أقفل؟ تعبت!"
جاء علي من بعيد:
"لا خلاص، تعال فوق ننزل الباقي ونحطه بسيارة عمي أبو كساب."
هايف عقد حواجبه:
"أبو كساب مين؟"
ضحك علي:
"أوه واضح أنك ما تدري... إذا جاء ولد عمي ناصر، بيسمونه على اسم جدنا—أبو كساب."
هايف رفع حاجبه:
"سبحان الله... باقي ما انولد وسمّيتوه؟"
ربّت علي على كتفه:
"مالك دخل، نسميه الحين ولا بعد سنة، وش دخلك؟"
هايف لف عليه بتهديد:
"ترى أخلاقي فخشمي اليوم... لا تجيني."
علي مثّل الخوف:
"أوه لااا! الشرير! خافوا منه!"
ومشى يركض.
هايف لحقه:
"تعال هنا يا—!"
وصوت ضحكهم امتلى الحوش...
بين زعل، تعب، ومزح...
كانت العائلة تتفكك... لكن الروح بينهم؟
لسه... دافية.
في ساحة المربّع...
الهواء كان دافئ، والليل ساكن، بس البيت حوالينهم مليان حياة.
كان سلمان واقف، مسنود على الجدار، بيده علبة موية يشرب منها بهدوء، عيونه تراقب الحركة اللي ما تهدأ.
جاءه ناصر وهو يلهث، شعره مبعثر، وشنطة كبيرة بيده:
"يبه! السيارة امتلت... وماما تقول حطها في سيارة هايف، وأنا مالي خلق أوديها هناك! وين مشعل؟ بعطيها له."
سلمان ما رد مباشرة... أخذ الشنطة منه بهدوء، ولوّح بيده:
"رح خلاص."
وقف ناصر يطالعه، وهو يضيق عيونه بشك:
"لا يكون بتعطيها مشعل؟
وأنت تدري إن مشعل وهايف ما يدانون بعض برجال!"
رفع سلمان حاجبه، ونزل الموية من يده:
"لا يا شيخ؟ تحسبني غبي؟ أكيد لا.
أنا بروح أوديها... كذا كذا ودي أعدّي البقالة، أبي أغراض ناقصة لبيتي هناك."
تنهد ناصر، وكأنه ارتاح:
"درب السلامة... وأنا أخوك."
طبطب سلمان على كتفه وهو يمشي:
"الله يسلمك يا بعدي."
— — —
داخل المطبخ...
كان المكان دافئ... ريحة الفراولة والسكر، وصوت السوالف اللي ما تخلص.
هتان جالس فوق الرخام، يهز رجوله، وعينه على جوري اللي تقطع له فراولة وتناوله حبة حبة، وهو يفتح فمه كأنه طفل مدلل.
جوري وهي تكلم الجوال:
"تكفين يا رزان! الكل مستعجلين، مدري من وين طلعوا سالفة السفر! فجأة قالوا يلا، وكل واحد تفرقع من مكانه!"
من الطرف الثاني، ضحكة رزان وصلت دافية:
"تكفين تخيلت المنظر... أكيد أشكالكم تضحك!"
ضحكت جوري:
"تضحك؟ إحنا مسرحية!
بس معليه... لا جاء تميم ورجع من سفره، تجين معنا."
هنا...
سكتت رزان لحظة.
اللحظة كانت قصيرة... بس غريبة.
"مدري عنه... قال سفر شغل فترة ويرجع."
جوري عقدت حواجبها:
"غريب ذا ولد عمي... فجأة كذا؟"
رزان بلعت ريقها، وغيرت الموضوع بسرعة:
"طيب انتي وش أخبارك؟"
تنفست جوري بعمق، وكأنها تذكرت:
"تخيلي اليوم المغرب... كنت ابي اروح مع ماما المستشفى عشان الحمل—"
وقبل تكمل، قاطعها هتان وهو يوقف فجأة، صوته فيه قلق طفولي:
"جوري... أنتو ما عاد بتجونا؟"
التفتت له، وابتسمت، ولمست خده:
"حبيبي أنا؟ أكيد بنجيكم.
جدتي سارة وبابا ما يقدرون يعيشون بدون هتوووني."
ابتسم...
ابتسامة كبيرة، صادقة.
"طيب... ورزان؟"
جاء صوت رزان بسرعة، فيه مزح يخبي شي أعمق:
"أنا؟ أنا بكلم تميم... وأخليه يجيبني.
ليه؟ اشتقت لي؟"
قبل ما يرد...
انفتح باب المطبخ فجأة.
دخلت حصة وهي شايلة ميار، ووراها فيصل:
"بنت رزان يا حيوانه! متى بتجين؟! إحنا بنمشي الحين!"
جوري لفّت عليها بسرعة:
"ياخي حصه كلي زق وي ملقوفة!"
وفجأة—
ميار خطفت الجوال من يد جوري وركضت!
"مياااار! ارجعي!"
انفجروا ضحك...
حصة، وهتان، وحتى فيصل اللي حاول يمسكها وما قدر.
ضحك عفوي...
من النوع اللي يخلّي القلب يخف شوي من زحمة المشاعر.
— — —
في الممر...
كانت رغد واقفة، يدينها على خصرها، ووجهها معصب، قدام وهدان اللي دخل البيت بجزمته ووسّخ الأرض.
"أقول! مين يدخل كذا؟!"
وهدان يقلدها بصوت ساخر:
"نم نم نم! لا تدخل البيت كذا!
وش فيك؟ تحسبيني بزر؟"
رفعت حاجبها بسخرية:
"إيه بزر... ونص بعد. عمرك عشره ولا تسعه؟"
وقف مستقيم فجأة، كأنه انجرح كبرياؤه:
"لو سمحتي! عمري ١٨!"
ضحكت باستهزاء:
"شفلي الكذب! لو تكبر لين تصير شايب، برضو بزر بعيني."
سكت لحظة...
ثم فجأة ركض!
"رغدووو النكدية! رغدووو!"
"تعال هنا!"
ركض وهو يصرخ، وهي وراه،
وبنص الطريق... ضحكت.
رغم إنها معصبة...
بس ما قدرت تمسك نفسها.
— — —
جت الجدة ثريا...
خطواتها بطيئة، عكازها يضرب الأرض بهدوء.
أشرت لرغد:
"تعالي يا بنتي."
هدت رغد فورًا... مشت لها، قلبها يلين.
مدت الجدة يدها، حطت في يدها بناجر ذهب، ثم حضنتها، ودموعها تنزل بهدوء:
"من زمان ما شفت البيت مليان كذا و الحين هم رايحين... جعل أعماركم طويلة...
جعل يومي قبل يومكم يا نور عيوني..."
رغد حضنتها بقوة، دمعتها نزلت:
"لا تقولين كذا يا جدة...
أنتي النور... بدونك وبدون جدتي سارة... البيت ما يسوى شي..."
ابتسمت الجدة رغم دموعها... مسحت على شعرها،
ورغد قبلت يدها ورأسها:
"الله يطول بعمرك... ويديمنا لبعض..."
"آمين يا رب..."
— — —
في الدور الثاني...
هدى واقفة عند الباب، تصرخ:
"وينهااا البلوزة؟! الأرض انشقت وبلعتها؟!
أصلاً من يوم مات بابا—الله يرحمه—وحياتي كلها صايرة زق!"
دخلت الجدة سارة بسرعة، مسكتها، حضنتها:
"يمي اشبك؟ ليه كذا تصارخين؟
وش ذنب المسكينات؟"
هدى سكتت لحظة... حضن الجدة هدّاها شوي.
وقفت منيرة قدامهم، يدها على خصرها:
"عجيب! أنا يوم كنت بعمرها وأصارخ، تهبديني!
وهي؟ حضن ودلع؟!"
لفت هدى عليها بابتسامة خبيثة:
"تغارين مني؟"
ضحكت الجدة:
"لا والله... كلكم عندي وحدة..."
وفتحت حضنها.
ثانيتين—
وارتموا الاثنين فيها.
ضحك، دفا، حضن...
لحظة عائلية صادقة، بسيطة... بس مليانة حب.
وفجأة—
جاء صوت نور من بعيد:
"يا عمّه! السيارات جاهزة! البسوا عباياتكن!"
انفك الحضن...
والكل بدأ يتحرك.
البيت اللي كان مليان صخب...
كان على وشك يفضى.
لكن...
الضحك اللي انقال،
والحضن اللي صار،
والدموع اللي نزلت—
كانت كفيلة تخليهم يرجعون...
مهما بعدوا.
وبعد نص ساعة...
قدام باب بيت آل عبدالمحسن،
كان الجد هيثم واقف بعمادته... ثابت، شامخ، بس عيونه؟
تحكي ألف شعور في نفس اللحظة...
فرح إن عياله وأحفاده حوالينه...
وحزن إنهم بعد لحظات بيمشون.
يده متكئة على العصا، ونظره يمر على الوجوه واحد واحد... كأنه يحفظهم.
— — —
منيرة لسه تلبس نقابها وهي تمشي، وفجأة—
بوووورييي!
صرخت:
"خلاص صمّختنا يا حيوان!"
وضحكة مطلق جت من بعيد، وهو يلوّح من سيارته.
— — —
اللي ما كانوا رايحين وقفوا قريب من الباب...
رباح، رغد، هتان، فيصل، ميار، خلف، خليف، مزون، مضاوي، والجدة ثريا...
كلهم مجتمعين حول الجد هيثم، كأنهم السند اللي باقي له بعد ما يمشون الباقين.
— — —
رغد؟
كانت حالة خاصة.
معلقة في الجدة ثريا، تحضنها وتتميلع:
"يمههه لا تخلينهم يمشون... خلهم يقعدون!"
الجدة ثريا تضحك رغم دمعتها:
"يا بنتي وش أسوي لهم؟ أقيّدهم؟"
رغد سحبت يدها أكثر:
"إيه! قولي لهم لا يروحون!"
ضحكوا اللي حولهم...
حتى الجد هيثم ابتسم، ابتسامة خفيفة كسرت ملامح هيبته للحظة.
— — —
على الطرف...
الجدة سارة وقفت قدام الجد هيثم.
سكتوا لحظة...
لحظة طويلة، مليانة عمر كامل بينهم.
قالت بهدوء وهي تمسك يده:
"انتبه على نفسك..."
رد عليها بصوت هادي:
"وأنتي بعد... لا تتعبين نفسك."
دخلت الجدة ثريا عليهم، حطت يدها على كتف سارة:
"خلو عنكم الكلام ذا... بتشوفون بعض قريب."
بس صوتها...
كان فيه رجاء أكثر من تأكيد.
— — —
جاء سلمان...
وقف قدام الجد هيثم، مد يده، وسلم عليه باحترام.
الجد شد على يده، نظر له نظرة فيها ثقة:
"دير بالك على نفسك... وعلى أهلك."
هز سلمان راسه:
"تم يا طويل العمر."
سكتوا لحظة...
كأن بينهم كلام ما يحتاج ينقال.
— — —
الجدة ثريا رفعت صوتها شوي، وهي تطالع الكل:
"لا تبّطون علينا هالغيبة..."
سكتت، دمعتها لمعت بعينها:
"ارجعوا... خل نجتمع كذا مرة ثانية."
سكون خفيف لف المكان...
كأن الكل حس بثقل كلامها.
— — —
هتان شد يد رغد:
"بيرجعون صح؟"
رغد ابتسمت له، رغم الغصّة:
"إيه بيرجعون يماما."
— — —
السيارات بدأت تتحرك...
واحد يلوّح،
واحد يبكي،
واحد يضحك عشان يغطي حزنه.
والجد هيثم؟
واقف مكانه...
ما تحرك.
بس عيونه تتابعهم لين آخر سيارة اختفت.
ثم نزل نظره للأرض...
وشد على عمادته أكثر.
والبيت...
صار أهدى من قبل.
لكن...
قلبه؟
لسه مليان فيهم.
دخل الجد هيثم إلى داخل بيت آل عبدالمحسن...
خطواته كانت أبطأ من العادة، وكأن كل زاوية تناديه، توقفه، ترجّعه لشي قبل شوي كان حي.
وقف في وسط الصالة...
نفس المكان اللي كان قبل ساعة مليان ناس.
لف نظره بهدوء...
الكنب اللي كانوا متجمعين عليه،
الزوايا اللي كانت مليانة ضحك،
الأرض اللي كان وهدان يركض فوقها بدون ما يهتم.
تنهد...
وكأن صدره ضاق فجأة.
تذكّر أصواتهم...
سوالف الحريم، ضحكهم العالي،
نقاشات الرجال، المزح، حتى الهوشات الخفيفة،
صوت الأطفال وهم يركضون...
وصوت وهدان تحديدًا، وهو يصارخ من بعيد.
حتى...
ريحة الأكل اللي كانت تعبي المكان، كأنها لسه عالقة بالجدران.
كل شيء اختفى...
بس أثره باقي.
وقف ساكت...
وعينه لمعت بحزن هادي.
— — —
دخل رباح بهدوء...
وقف جنبه، ما تكلم أول لحظة.
بس حط يده على كتفه...
ضغطة خفيفة، فيها كل الكلام.
وقال بصوت هادي:
"معليك يا بويه... ما يبطّون علينا... بيجون."
هز الجد هيثم راسه بخفة...
كأنه يبي يصدق.
— — —
وفجأة—
"يووووه!"
صوت ركض خفيف قطع السكون.
دخل هتان وهو يشغل التلفزيون بسرعة، وصوته يملأ المكان:
"أخيرًااا!"
وبدأ يرقص قدام الشاشة، يغني بكلمات عشوائية، حركاته ملخبطة بس مليانة حياة.
رباح طالع فيه...
وابتسم.
البيت اللي كان قبل شوي ساكت...
رجع فيه صوت.
— — —
ومن وراه، دخل مجاهد، عيونه تلمع بالمزح:
"تعال هنا يا قليل الأدب!"
مسكه فجأة، ورفعه على كتفه.
هتان صرخ وهو يضحك:
"نزلنيييي! نزلنييي!"
لكن مجاهد ركض فيه وهو يضحك:
"ما أنزلك!"
صوت ضحكهم انتشر...
ضحك صادق، عالي، كسر الصمت اللي كان مسيطر.
— — —
الجد هيثم وقف يطالعهم...
ومع كل ضحكة...
ملامحه بدأت تلين.
ابتسامة خفيفة رسمت على وجهه...
مو كاملة... بس كفاية.
كأن البيت قال له:
"ترى أنا لسه حي... دامهم موجودين."
الساعة ٢:٣٠ الليل...
قدام بوابة بيت سلمان أبو علي...
انفتح الباب ببطء...
ودخل سلمان أول واحد، خطواته ثقيلة، واضح عليه تعب السفر، كأن كل خطوة ياخذها غصب.
يده على الباب، سنده شوي...
زفر:
"الحمدلله..."
دخلت وراه أسماء، ماسكة عبايتها، ووراها نور،
أما وهدان؟
كان يتحلطم من أول ما نزل:
"تعبت... رجولي قامت توجعني... والله السفر غثى!"
ومن وراهم علي، شايل شنطتين، ويصرخ:
"قم انقلع جيب الشنط! مو بس أنا!"
لف وهدان عليه، متضايق:
"طيب خلاص!"
ومشى وهو يتمتم بكلام ما ينفهم.
— — —
نور دخلت الصالة، وهي تفصخ عبايتها:
"ما عليك يا علي... جيبوا الأغراض وحطوها بالصالة. خلونا نرقد الحين، والصباح رباح إن شاء الله."
لفت على أسماء:
"أسماء، يا بنتي... روحي انفضي الغرف والسراير، لنا فترة غايبين عن البيت...
اذكري اسم الله وانتِ تشتغلين، وانتبهي."
هزت أسماء راسها:
"أبشري."
— — —
نور ابتسمت بتعب:
"تبي شي؟ جوعان؟ أسوي لك شي؟"
وقف سلمان عند الدرج، صوته هادي لكنه متعب:
لا والله... كثر الله خيرك."
رد وهو يتجه لغرفته:
"أنا داخل أرقد... تعبان ومنهد حيلي."
وقف لحظة، ولف:
"بس تأكدي إن العيال دخلوا."
نور:
"أبشر... أبشر."
— — —
البيت بدأ يهدى...
أصوات الشنط، خطوات متفرقة...
ثم سكون تدريجي.
— — —
وفي مكان ثاني...
في بيت بيت رزان وتميم...
الساعة ٢:٥٠ الليل.
دخلت رزان المطبخ بهدوء،
الجوع صحّاها، وسحبها بدون تفكير.
فتحت الثلاجة...
تدور... تدور...
وقفت.
"وينها؟"
رجعت تفتح، تسكّر، تفتش بكل رف—
المعكرونة اللي كانت حاطتها... اختفت.
عبست...
لفّت—
ولقت العنود واقفة عند الفرن، تسوي لها أكل.
سكتت لحظة...
ثم قالت ببرود خفيف:
"تدورين على المعكرونة؟"
رفعت رزان حاجبها:
"إيه... وينها؟ لا يكون أكلتيها؟"
سكتت العنود ثواني...
ثم قالت بصراحة:
"الصدق... كنت جوعانة... وأكلتها. سوري."
سكون...
رزان نزلت نظرها شوي...
ثم قالت بهدوء، بدون أي نبرة حادة:
"خلاص... معليه... عوافي.
بالعافية على قلبك."
رفعت العنود عيونها...
الصدمة واضحة فيها.
رزان؟ تقول كذا؟
توقعت زعل... عصبية... كلمة جارحة...
بس ما جاء شيء.
ردت بهدوء:
"الله يعافيك يا رب."
— — —
وقفوا يطالعون بعض...
ثواني...
بس طويلة.
النظرة بينهم كانت غريبة...
ما فيها غيرة...
ولا كره...
ولا حتى تحدي.
كأنها...
هدنة.
هدوء مؤقت...
لين يرجع تميم.
وكل وحدة فيهم...
تعرف.
و في الجهة الثانيه داخل بيت الجدة ساره
الساعه ١٠:٣٠ لعصر تقريباً
فز مطلق و عيونه متنفخه من النوم فز يدور جواله بجنون
قام و هو يكح،
فتح الباب و شاف هدى قدامه مشى خطوتين بهدووء.
إلا و هدى صرخت: اف يحمار فجعتني شجابك هنا وجع.
_ الساعه كم دوبي صاحي.
وبعدين وين امي ساره و ماما؟
هدى باشمئزاز: وع ذا كبرك و تقول ماما.
ولله لا اعلمها انك دوبك صاحي و باقي ما صليت!
_ ترا خلاص زقت معي ابلشتي امنا يهوو!
مسويه فيها أنا الخاله و اسمعو كلامي و كذا هش بس!
هدى سفهته ولا ردت عليه نزلت لتحت و هي تنادي:
خاله شريفه!
دخلت المطبخ و هي ماسكه بطنها:
تكفين وربي جوعانه في اكل؟
من زمان ما دخلنا البيت ماشاءلله لنا من هناك في الديره.
لازم نقضي و ننظف البيت مغبررر!
_ ايه ولله لازم اكلم العاملات ينظفن.
عاد البيت عبارة عن غبار.
الصدق أنا جوعانه مثلك ولا في شي فالبيت ينوكل.
وينه مطلق؟
هدى مدت يدها و سحبت الكرسي و جلست.
باستياء، تكفين يعني ي خاله مالقيتي إلا مطلق اف!
شريفه ما ردت عليها و قعدت تنادي بصوت مرتفع:
مطلق! طلوقي حبيبي تعال.
ثواني و دخل مطلق و تأفف اول ما شاف هدى:
اف انتي كل مكان جايه ورايا شكلي محور الكون.
اويلي اويلي.
_ اقول لا تصدق نفسك أنا خالتك احترم نفسك آخر مره اكلمك يمطلق حركاتك زادت عن حدها لاكن ولله لا اعلم منيره و سلطان عيب وي! احترمني شوي!
مطلق ما رد و لف على شريفه: هلا مناديتني؟
_ رح البقاله ولا السوبر خلي هدى تكتب لك أشياء و جيبهن.
هدى: يخاله معقوله امي و منيره باقي ما قامن؟
مستحيل امي تنام كل هالوقت أصلا من بعد وفات ابوي.
رحمة الله عليه نوم ماما صاير ماش."
شريفه تنهدت بهدووء كأنها رجعت سنين لورا.
عمر عاشت مع هال العائلة.
سنين و سنين و سنين.
عايشه بينهم و وسطهم و كأنها تنتمي لهم...
"رحل الجد، لكن ميراثه ما زال يحكمنا... رغماً عنّا."
_ اخ يبنتي مدري شقول عاد لاكن الله يرحمه.
الرجال هذاك فيه الخير سمعته سابقته بكل شي.
طيبته،حنيته،هدوءه،حكمته،قسوته،رجولته.
كلشي كلشي حرفيا!
مطلق جلس يتأمل الوجوه من حوله، وكل واحد فيهم شايل ميراث غير عن الثاني.
نزل راسه بحزن:
الله يرحمه و يسكن مثواه الجنة.
اللهم ثبته عند السوال...المهم ايه وش كنتي تقولي؟
قامت هدى كانّها تبي تلطف الجو شوي رغم انه مشحون:
الحقني لغرفتي بجيب ورقه و قلم و اكتب لك كلشي لازم تجيبه.
منها تكفى مر على القرطاسية.
قربت الدوامات و احتاج شوية أغراض.
منها بعد صلاة العشاء قبل لا تروحون انتم ودني المول.
_ يالله خير عاد الله يعينني يوم كنا هناك في ديرك جدي.
كان في علي،و خلف،و خليف، و مِجاهد،و مشعل،وهايف.
هدى اول ما سمعت بأسمه قشعر بدنها و مطلق حس لاكن ما عبر ولا عطى للموضوع اي اهتمام...
و كمل مشي وراها...
و في بيت رزان و تميم
الساعه تشير ٥:٠٠ العصر تقريباً
رزان واقفه على البلكونه ماسكه كوب المويه و تتأمل المطر الي نزل على الشباك بهدووء...و هي تحس بطاقة إيجابيه، رن جوالها اللي كان على الطاوله.
تقدمت يمّه و رفعته بهدووء و الابتسامه في وجها و ردت:
هلا ولله ي يهلا و مرحباً.
_ يعني دوبك تذكرتي ان عندك زوج لازم تسألين عنه؟
لا و بعد من زود البجاحه أنا الي جاي ادق مو هي!
لك يومين ما كلمتيني انتي ما تخافين الله؟
رزان بدلع أنثوي يهد جبال:
نو نو عاد دوبي تذكرت ان عندي زوج و بعدين مسوي طيب و حبيبي على مين يماما!
تميم: اقولك! وع و بعدين وش ذي الحركات.
وش الدلع الماصخ ذا!
وبعدين كيفها العنود؟
رزان عدلت وقفتها بعصبيه و غيرة و حطت يدها على خصرها: ليه انت حاطني مشرفة عليها ولا مسؤولة عنها قانونياً؟
تميم ابتسم من الجهة الثانيه كانّه حس:
لا بس اسال وبعدين شفيك.
سكت للحظه.
ثم قال بصوت واطي و شتوي و رجولي اكثر:
ليه غيرانه؟
حست بنفسها و تلعثمت: وع و انت مين عشان أغار عليك؟ اف بس.
و قفلت في وجهه على طول.
رحت و مسكت كوب المويه حقها و رجت البلكونة.
و هي متجاهلة اتصالاته المتكرره.
طالعت في الجوال بتردد.
و رجعت و ردت ثاني مره بس ما تكلمت.
اعطته المجال و الضوء الأخضر.
يقول الي بقلبه...
_ يروحي أنا شفيك ياخي مو حرام عليك تخليني كذا ادق؟
ي غيوره! هيا علميني كيفها العنود أنا اسألك لأنكم في نفس البيت الرسول صلى الله عليه وسلم وصى على سابع جار.
و بعدين هي معاك بنفس البيت وش فيها لا علمتيني؟
ما أعرفك كذا قاسيه.
وينها زوجتي الحنونه الدلوعه الطيبه الحبيبه!
يهوو.
ابتسمت رزان و جلست على الكنبه تتأمل صوته:
ياي يابو قلب حنين...
_ أقولك أنا من يومي حنين.
ما ردت لثواني ولا هو تكلم.
قالت بهدووء و فيه عتاب و غصه:
تميم طولت الغيبه متى بترجع الشوق ذابحني.
و البعد ذابحني اكثر طولت الغيبه ي نظر عيني...
ما حست بنفسها للحظة كانّها الكلمه خرجت لا إرادياً.
تميم حس للحظة انه يملك الدنيا وما فيها.
قال بهدووء فيه مليون كلمه و كلمه:
احبك...احبك وبس...و إن شاءالله أنا حاجز رحله لطائف بكراً الصباح و أنا عندك يبعدي جعلني فداء لعيونتس السود.
غيابك مو وقت... غيابك عمر ينقص مني.
تعالي بس، واعتبري كل اللي راح ما صار... أنا بدونك ما أعرف أكون أنا.
لو بيدي، ما أخليك تغيبين لحظة...
أخبيك بين ضلوعي وأقفل عليك، وأعيش فيك.
رزان للحظة بكت لا شعورياً:
احبك تميم. و أنا اسفه...
_ انتي ما تعتذرين فأهمه!
لا اجي أسطرك الحين!
ضحكت: افا ياروميو.
_ جعل يدي الكسر إذا فكرت بس مجرد تفكير.
امد يدي عليك بأي شكل من الأشكال.
مو كل اللي ينقال ينفهم...
بس أحبك؟ هذي لحالها تكفي تعرفين وش فيني."
ابتسمت لاكن: تميم انت حقي؟
تميم حس لو كلمتها في معنه و في مغزه من سوالها.
لاكن رد بثقه حقيقيه: أنا حقك و لك و منك و إليك.
_ احبك ياخي.
_ و أنا بعد احبك.
حبي دقيقه امي تدق. لاكن ابسالك؟
_ هلا عيوني؟
_ الاهل خرجو من الديره صح؟ كل واحد راح بيته؟
اهلي فبيتهم صح؟
_ يب يب كلهم بس الصدق روميو
ودي اروح عند ماما اشتقت و ودي اروح عند عمتي غرام.
و عند جوري و البنات و عند حصه.
حبيبي خلنا نسافر ياخي قبل تجي الدوامات الجامعه قربت و خلاص الاجازه قربت تخلص، تكفى.
_ ولا تقولين تكفى ولا شي ابشري بس خلني ارجع بكراً.
و نروح وين ما تبين اول شي نشوف أهالينا.
بعدين نسافر لدوله الي تبينها.
و كلشي تبينه ي روح حبيبك انتي.
ما طلبتي شي غالي و الطلب رخيص.
لجل عين تكرم مدينه...
_ عاد مصختها خلاص رد على عمتي يلا باي.
_ استوعدتك ربي فمان الله...
_ مع السلامه يروحي..."
المكان: بيت ناصر – حي شعبي هادي بالرياض
الوقت: الساعة ١٢:٣٠ العصر
قامت جوري من سريرها بحماس،
وكأن فكرة صغيرة براسها كبرت فجأة وصارت قرار.
وقفت يم غرفة أمها وأبوها... دقت الباب دقتين سريعات،
وقلبها يسبق صوتها.
وجاها صوت من داخل الغرفة، بنبرة دافية:
تفضلي يا حلوه.
فتحت الباب بسرعة، ودخلت الغرفة بحماس واضح، وابتسامتها عريضة:
هلووو داد! ان مام! كيفكم؟
تنهد أبو جوري بإبتسامة، وهو يطالعها بنظرة عارفها زين:
يالله... رجعنا لسالفة "الطير يلي" .
ضحكت بخفة وقربت منهم:
بابا لا تقول كذا... أنا عندي موضوع.
وقفت بينهم، وعيونها تلمع:
شرايكم نروح بيت جدتي؟
نجلاء قامت من السرير وهي تعدل شيلتها، ورفعت حاجبها باستغراب:
ياختي قبل أمس—مدري أمس—كنا في بيت جدك هيثم. باقي تبين؟ يماما سفر و تعب ما يصلح
ما شبعتي منهم يأختي.؟
جوري قربت أكثر، وجلست على طرف السرير، وصوتها صار ألين:
ماما تكفين... يعني أقصد بيت جدتي عفراء،
اشتقت لخوالي وخالاتي... تكفين يماما تكفين!
ومسكت يد أمها تهزها بدلع، وكأنها طفلة صغيرة:
ترى الشوق مو بيدي...
"والله لو إن المسافات تقسى وتطول
يبقى الحنين أقوى من كل المسافات"
نجلاء سحبت يدها بخفة وهي تحاول تمسك ضحكتها:
يا سلام على الشعر بعد!
واضح تبين شي كبير مو بس زيارة.
جوري بسرعة، وكأنها انكشفت:
لا والله بس أبغى أغير جو... والله اشتقت لهم!
ناصر كان ساكت يراقبهم، وابتسم وهو يشوف الحماس بعين بنته،
ثم قال بهدوء حاسم:
أبد... تم. روحي تجهزي.
جوري نطت من مكانها، عيونها وسعت من الفرحة:
صدق؟ بابا والله؟!
ناصر ضحك:
إيه صدق... قبل لا أغير رأيي.
نجلاء التفتت له بسرعة:
ناصر!
ناصر رفع يده يهدّيها:
جوري حبيبتي... روحي تجهزي، معليك.
جوري ما انتظرت أكثر، قامت بسرعة وركضت للباب،
وقبل تطلع التفتت لهم:
أحبكم!
وطلعت وهي تضحك، وصوت خطواتها مليان حماس.
ناصر قام بهدوء، ومشى للباب...
وطلعها برا، وقفل الباب...
وساد الغرفة صمت قصير،
قبل ما تلتفت نجلاء له بنظرة فيها كلام كثير:
ناصر... دلعك ذا بيودينا بداهية.
ناصر ابتسم بهدوء، وقال:
خلّيها تفرح... العمر مو دايم يعطي هاللحظات.
نجلاء قالت بإبتسامة، كأنها تحاول تقنع ناصر، وصوتها فيه هدوء وذكاء:
طب ناصر... و الموضوع اللي كلمتك فيه؟
ناصر لف عليها، كأنه ناسي أو يتناسى:
أي موضوع؟
نجلاء قربت خطوة، وعيونها ثبتت بعينه:
ناصر... أنت تدري!
موضوع غزيل...
زوجة المرحوم متعب.
ناصر تأفف، ونفخ بقوة، وكأن الذكرى تضايقه:
يا عمي خلينا منه ذا،
ولا تترحمين عليه...
يكفي إنه يتاجر في البلاوي ذي، الله لا يبلانا، الحمدلله إن ربي أخذه وفكّنا منه،
كان غاثهم غثيان مو طبيعي.
وقف لحظة، وكأن الكلام يطلع من قلبه:
متخيلة؟ سلمان كان يسولف لي...
يقول دانه تشتكي منه مره،
وأمها ومرت أبوها... عاد الله يعينهم.
،
ثم وقفت، وهي حاطة يدها على بطنها، والثانية على ظهرها من الحمل،
وتنهدت بهدوء...
رفعت يدها، وحطتها على ظهر ناصر، وبدت تمسح بخفة، وصوتها صار ألين، وفيه عمق:
طب كلنا نغلط...
مافي أحد ملاك في هالدنيا،
ولا في أحد معصوم عن الغلط.
سكتت لحظة، ثم كملت بنبرة فيها إيمان:
وبالنهاية... ربي يسامح ويغفر للتوابين،
معقوله حنا البشر ما نسامح ولا نغفر؟
رفعت عيونها له، وفيها رجاء:
وبعدين... من كل عقلك بزوج بنتنا لواحد ما يصلح لها؟
ترى ناصر أنا حاسه فيك...
زي ما هي بنتك، فهي بنتي.
قربت أكثر، وكأنها تحاول توصّل له إحساسها:
أبغى أطمن عليها في بيت زوجها،
ولا تحسبها لحالها...
غزيل فيه، والجازي فيه، وزوجة تركي موجوده...
شفيك يا ناصر؟
شدت على كلمتها الأخيرة:
خاف ربك...
الرجال تاب... ونِعم الرجل هو.
ثم قالت بهدوء كأنها تختم كلامها ببيت:
"ومن تاب... ربي يفتح له ألف باب
ومن ستر... الله يستر عليه يوم الحساب"
ناصر نزل راسه...
كأنه بدأ يفكر فعلاً،
وكأن كلامها دخل مكان ما كان مفتوح قبل.
حس بشي داخله يقول:
مين هو عشان ما يغفر...
دام ربي سبحانه وتعالى يغفر؟
وبالنهاية...
مو هزاع اللي كان في البلاوي،
بالعكس... أبوه هو اللي كان فيها.
تنهد ناصر بهدوء، ورفع راسه:
والله يا نجلاء...
الفكرة مهي شينه.
سكت لحظة، ثم قال:
اليوم وشو؟
_ اليوم خميس؟
ناصر اعتدل، وحط عينه بعين نجلاء، بنظرة حازمة وواثقة، كأنه قرر خلاص:
أجل اسمعيني زين...
وقف قدامها، وصوته صار أثقل:
ادخلي على جوري، وكلميها...
وفهميها إن هزاع ولد متعب الراهي بيجي يتقدم لها رسمي، هو وأهله.
ثم تنهد بضيق، وحط يده على جبينه:
لكن... يمين بالله ماني عارف وين أودي وجهي
عن سواتهم هي وولد سلمان...
لا حول ولا قوة إلا بالله.
نجلاء ابتسمت بهدوء، وكأنها شايله هم الموضوع كله:
معليك... معليك، الأمور عندي.
أنا أفهمها.
ثم قالت بنبرة أم حنونة:
لكن هم بالنهاية صغار...
والكبير يغلط، فما بالك بالصغير؟
وتنهدت بخفة:
وبالنهاية خلينا نصلح العلاقات مع عائلة الراهي،
بنهاية حنا قرايب.
ناصر تحمس فجأة، وكأن القرار أعطاه طاقة:
أجل تمام... تمام!
أشار بيده بسرعة:
كلمي جوري،
أنا بجيب عاملات ينظفن ويرتبن ويبخرن البيت.
وكمل وهو يتحرك:
جهزي بنتك... وانتي تجهزي،
وقبلها كلمي عائلة الراهي،
قوليلهم إن إن شاءالله اليوم الشوفه، وإن حنا مستنينهم.
ثم أخذ شماغه بسرعة:
وأنا دحين بروح أبلغ أمي والبنات وسلمان.
وخرج برا على طول...
نجلاء وقفت مكانها،
تحط يدها على بطنها، وتتنفس بهدوء...
وحست، لأول مرة من فترة،
إن كل شيء ممكن يرجع لمكانه...
وإن الحياة، رغم تعبها،
قاعدة تتعدل شوي شوي...
وهمست لنفسها بابتسامة خفيفة:
"يمكن بعد الضيق... فرج قريب
ويمكن بعد الخوف... أمان مكتوب"
في بيت الجدة سارة
الساعة: ٢:٠٠ مساءً
داخل غرفة هدى...
كانت جالسه على أيبادها، حالها حال نفسها، ساكنة كأن الوقت واقف عندها، إلا من ضو الشاشة اللي ينعكس على ملامحها الهادية.
إلا ويدق جوالها.
رقم مجهول...
تقدمت يمّ الجوال بخطوات خفيفة، وكأنها تحسب لكل احتمال، وأخذته،
وهي باين على وجهها علامات الاستغراب، وحاجبها مرفوع شوي، وقلبها يدق بدون سبب واضح.
ردت بهدووء، بس فيه حذر خفيف:
الوه؟
_ السلام عليكم؟
هدى أول ما سمعت الصوت...
فز قلبها فجأة، كأن أحد ناداه باسمه بعد غياب، وجتها قشعريرة مشت من أطرافها لين صوتها،
سكتت...
ولا ردت ولا تكلمت، بس أنفاسها صارت أوضح.
_ هدى شفيك يبعدي؟ أنا هايف؟
هدى بتوتر، تحاول تمسك نفسها:
ايه خير؟
_ يعني ما تبيني؟ ولا اشتقتي لصوتي؟
صوته كان هادي... بس فيه شي يضغط على قلبها، يلعب على وتر حساس تعرفه زين.
لكن على مين؟ على هدى.
هدى بحدة خفيفة، تخبي ارتباكها ورا القوة:
هايف شتبي اخلص وي،
ولا ترا بقفل! عاد تعرفني، قول و فعل!
هايف سكت لحظة...
ثم بصوت جدي، فيه حزم غريب:
اجل هاك.
أنا و أمي جاين نطلب يدك الحلوه.
سكتت...
حتى الهواء صار ثقيل بينها وبين السماعة.
_ هايف ما استسلمت؟
هايف، بنبرة أهدأ، كأنها طالعة من قلبه مباشرة:
كيف استسلم وأنا بعيد عن قلبي؟
اللي يحبك ما يستسلم مهما كان...
وتأكدي...
ما بيفرقنا غير الموت.
وسكت لحظة، ثم كمل بصوت فيه وعد:
لو آخر يوم بعمري... برجع وأتقدم لك.
لين يطيح اللي في راس خالتي... وعيال خالتي سارة.
ثم قال بيت شعر بصوت منخفض، كأنه يخاف تكسره الحقيقة:
"أنا ما هقيت البعد يقوى على حالي
ولا هقيت الشوق يذبحني بهدوء"
هدى نزلت راسها...
وعيونها لمعت بدون ما تحس، وتنهدت بحزن، وكأنها مستسلمة لشي أكبر منها:
طب... أء... أعلم ماما؟
هايف بعصبية خفيفة، بس فيها خوف عليها:
يا مجنونه! لا بتفضحينا؟
وإذا قالت: انتي من وين عرفتي؟
هدى تمتمت:
يمه خلاص... بس اسمع، من وين جايب رقمي؟
هايف ابتسم...
واضح من نبرته إنه متوتر، ويحاول يلف الموضوع:
وانتي شتبين فيه؟ تعرفين؟
هدى بإصرار طفولي:
ياخي أبي أعرف وبس وي.
هايف تلعثم شوي:
اااء... شكله أمي تناديني.
هلاااا جاي حاي دحين!
ثم بسرعة:
يلا يلا مع السلامه، فمان الله، مشغول!
وقبل حتى تناديه...
قفل.
سكتت هدى، ونزلت الجوال شوي،
وطالعت فيه...
ابتسامة صغيرة انرسمت على وجهها بدون إذن،
وكأن قلبها يقول: "رجع..."
وهمست بهدوء، وكأنها ترد عليه متأخرة:
"لو إن المسافة تبعدك عن عيوني...
ترى بقلبي لك مكانٍ ما تغيّر"
لفت...
وخرجت برا، وخطواتها أخف،
وقلبها... أثقل، وأجمل بنفس الوقت."
الساعة: ٢ الظهر
نزلت لوجين بهدووء من الدرج...
خطوة وراء خطوة، كأنها شايلة شي ثقيل بقلبها مو بس بجسمها.
كانت لابسه بلوفر، ومغطيه نفسها من كل الجهات،
حتى يدينها مخبيتها داخل الأكمام...
كأنها تحاول تختفي، مو بس تتدفى.
جلست على الطاولة...
ودارين جالسه، الأصوات خفيفة، بس وجودها كان مختلف اليوم.
،
ريحة الأكل انتشرت،
وحطها وبدأ يوزع على الطاولة.
لكن... عيونه كانت على لوجين.
نظرات استغراب واضحة:
شفيها لوجين؟
ما جاكرته... ما عصبت...
ما انفجرت فيه وتمردت كعادتها.
وقف لحظة، وهو يناول الصحون،
وقلبه يقول شي وعقله يرفضه.
حاول يكذب مشاعره، وتمتم لنفسه:
أشفيك يا ريان؟ تميل لها؟
أصلاً ما تهمك!
لكن عيونه خانته...
رجعت لها مرة ثانية، يتأكد إنها فعلاً ساكته.
وزع على الطاولة وخلص...
ولف بسرعة، كأنه يهرب من شعوره،
ودخل المطبخ.
نزل مسعف وهو مبسوط،
وفي خلفه فهد وزايد، ضحكاتهم تعبي المكان.
رفع فهد يده بإستهزاء وإشمئزاز وشماته فيها:
غريبة... العالِمة البيولوجية والفيلسوفة ساكته اليوم؟
شفيها ما قرقرت؟
زايد وقف جنب فهد، وعيونه على لوجين،
ثم دق كتف فهد بخفة، بمعنى:
اصه... أبوي لا يدري!
جلس مسعف، وعيونه تدور حول عياله:
وينها طيارتنا؟ غصون؟
دارين رفعت صوتها وهي تنادي:
ريــاااان!
ما جاها رد.
رجعت تنادي بصوت أعلى، فيه طفش:
ريــاااان! وصمخخخ!
زايد بعصبية، وهو يلف عليها:
اصه! انتي حماره؟ وجع—
لوجين رفعت راسها فجأة، وصوتها طلع لأول مرة:
بابا شف! عيني عينك زايد زير النساء يسكتني!
أصغر عيالك أنا؟
زايد لف عليها بعصبية:
أقول انطمي... ولا عاد أسمع اللقب ذا!
فهد تدخل وهو يضحك:
أبوي هو اللي مسميك،
وهذا شي حقيقي مو كذب!
زايد رفع يده بدون حتى يطالع فيه:
انت اسكت! مالك صلاح، ما كلمتك!
فهد صفعه على بطنه بخفة:
أدب يا ولد!
زايد كان بيردها له...
لكن مسعف قام فجأة، وصوته علا:
وجع إن شاءالله! انت وياهم!
أنا مالي هنا لا قدر ولا حشيمة عندكم؟
ضرب الطاولة بيده:
زينة أنا هنا لوحة؟ ما تستحون؟
أعماركم تتعدى الواحد وعشرين...
وباقي؟ مبزرة؟!
سكت الكل...
دارين نزلت راسها، وعفصت يدها بزعل،
ثم رفعت نظرها...
طالعت بلوجين،
اللي من يوم ما جلست وهي منزلة راسها...
ولا نطقت بحرف.
وهذا بحد ذاته... كارثة.
لوجين؟ تسكت؟
مستحيل... إلا وفي شي كاسرها.
دارين قامت من الطاولة،
وبدون ما تلف حتى:
لوجين... الحقيني فوق.
لوجين على طول، وبدون تردد، قامت...
وكأنها كانت تنتظر أحد ينقذها،
ولحقتها.
مسعف طالع في زايد بعين حادة:
قم انقلع! شف غصون فينها وارجع كل، يلاه!
:
يا فقمه وينك؟
—
في غرفة دارين...
مسكت يد لوجين،
ودخلتها الغرفة، وقفلت الباب بالمفتاح،
كأنها تقفل العالم كله برا.
جلستها على السرير،
ونزلت كاب البلوفر اللي كانت مغطيه فيه،
وكأنها تكشف الألم اللي كانت مخبيته.
مسحت على راسها ووجهها بحنية...
حنية مو طبيعية،
حنية أم قبل ما تكون أخت.
صح أمهم كاسره متوفية...
لكن ولا يوم حسوا إنهم بدون أم،
بفضل دارين.
هي الحضن...
وهي الأمان...
وهي اللي تجمعهم إذا تفرقوا.
قربت منها، وصوتها مليان خوف واحتواء:
لوجين... يا عمري، اشبك؟
رفعت وجهها بيدينها:
فضفضي... أنا أختك، وأمك، وكل شي لك.
نزلت صوتها أكثر:
اليوم منتي طبيعية...
شصاير لك يا قلبو؟
وسكتت... تعطيها المساحة.
هنا...
لوجين انهارت.
دموعها نزلت فجأة، بدون مقدمات،
كأنها كانت ماسكتها من زمان.
ما قدرت تتحمل...
حضنت دارين بقوة،
وصوتها متقطع:
أنا تعبت... والله تعبت...
دارين ضمتها أكثر، وتمسح على ظهرها:
اهدي... أنا هنا... أنا معك.
لوجين بين بكاءها، بدأت تحكي...
كلمة ورا كلمة...
وجع ورا وجع...
وقالت بيت شعر بصوت مكسور:
"أخبي وجوعي لا يبان للناس
وأضحك وقلبي من التعب ينوح"
وحكت...
كل شي.
حرفيًا... كل شي...
مع اقتراب الساعة من الخامسة مساءً، كان بيت الجدة سارة يغرق في ضجيج التلفاز.
هدى جلست في الصالة بجانب أمها ومنيرة، بينما تتناثر أصوات المسلسلات مع قرقعة المكسرات في يد منيرة.
أما سلطان ومطلق، فكانوا في المجلس، بعيدين عن هذا الجو المشحون بشيء غير مفهوم.
تنهدت الجدة سارة بعمق، وكأن الصوت حولها صار أثقل من أن يُحتمل.
و خفضت صوت التفزيون
التفتت لها منيرة، مستغربة:
"شبك يا أمي؟ خلينا نتابع."
لكن الجدة ما ردت.
نظرتها اتجهت مباشرة نحو هدى...
اللي كانت جالسة معهم بجسدها فقط، أما عقلها فكان في مكان ثاني تمامًا.
"هدى يا بنتي."
رفعت هدى رأسها بسرعة:
"هلا ماما؟"
سكتت الجدة لحظة، وكأنها ترتب كلماتها... ثم قالت بهدوء:
"انتي كبرتي... وتخرجتي، وتوظفتي... وصرتي دكتورة أطفال. الحمدلله أمورك طيبة."
منيرة ضيقت عيونها، حاسة إن فيه شي:
"يمّه... شفيك؟ واضح عندك موضوع."
كملت الجدة، وكأنها ما سمعت:
"وأنا كبرت... وأبغى أطمن عليك في بيت زوجك، معززة مكرمة... وأشوف عيالك قبل ما ربي ياخذ أمانته."
سكتت الصالة فجأة.
منيرة كانت بتتكلم، لكن الجدة رفعت يدها تسكتها.
"اليوم... بعد ساعتين ونص، بتجي خالتك موضي... تخطبك لولدها هايف.
و اخوك سلمان بس هو الي جاي اليوم الضهر اخوك ناصر بلغني ان بنته انخطبت من آل فلان.
و بلغنا موافقته من بعيد و بعد شوي بيدق عليك.
و سلمان بعد موافق هو بس الي بيجي.
الصدمة مرت على وجه منيرة بسرعة:
"إيش؟! من هم آل فلان بعد؟!
وإيش يعني هدى تنخطب وأنا آخر من يعلم؟!
كم مرة رفضتوا ناس، وكسرتوا بخاطرهم... والحين فجأة وافقتوا؟!"
نظرت للجدة بحدة:
"ولا لأن سلمان وناصر قالوا موافقين خلاص؟!
طيب ومسعف؟! وينه؟! قاطعنا كلنا، وحتى عزاء أبوي ما حضره..."
ارتبكت هدى، تحاول تمثل إنها توها عرفت:
"طيب... ماما... ليه ما يأجلون شوفة جوري؟
ويجون يشوفون هايف ويتكلمون معه هنا؟"
رفعت الجدة حاجبها:
"ليش؟ ما يعرفونه؟"
توترت هدى، وبدأت تلف خصلة من شعرها:
"لا... يعني... مو قصدي... بس—"
قاطعتها الجدة بحزم:
"خلاص. قومي فوق، تجهزي.
سلمان وخالتك... وخطيبك بالطريق."
تجمدت هدى لحظة، ثم قالت بخجل متردد:
"يعني... افهم من كلامك موافقة عليه يا ماما؟"
تنهدت الجدة... ثم قالت بثقة:
"أكيد موافقة. نعم الرجل... رجال عن ألف."
ابتسمت هدى بخجل، وقبّلت رأس أمها بسرعة، ثم ركضت للأعلى.
بمجرد ما اختفت، التفتت منيرة للجدة مباشرة:
"يمّه... فهميني. من هم آل فلان؟ وليه ناصر مو جاي؟"
زفرت الجدة بضيق:
"قلت لك... مشغول بشوفة بنته جوري اليوم.
بيجي بس سلمان، اما ناصر موافق... وانتهى."
سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة أثقل:
"أنا أبغى أطمن على هدى... وبس."
ترددت منيرة، ثم قالت بصوت أخف:
"طيب... عادي كذا تتزوج بدون ما يدري مسعف؟
تدرين قد إيش كان يحبها...؟"
و بعدين ي امي هايف قبل موت ابوي الله يرحمه متقدم لها و رفضتوه اكثر من ثمنيه مرات.
و باقي ما استسلم ي امي خافو ربكم.
حرام اثنين يبغون بعض تفرقونهم.
فجأة، تغير وجه الجدة.
"ما أبغى أسمع طاريه!"
طاري مسعف ما ابغاه.
و انتي كنتي عارفه وش كان فيها هدى قبل تتعالج!
و دحين اخوانك طاح الي فراسهم خلاص.
و اختك تعالجت.
ما رضو يظلمون ولد خالتك تعرفين!
و قفلي على السالفه
صوتها كان حاد بشكل صادم.
"يكفي اللي سواه...
قطع أهله، وديرته... وكل شيء... عشان وحدة!"
يكفي.
سكتت... ثم قامت ومشت.
بقيت منيرة مكانها...
تفكر، وقلبها مو مرتاح أبد.
من هم آل فلان ذولي.
الي الجدة رفضت تصرح بأسمهم.
و وش بيصير؟
نرجع لورا شوي...
بيت ناصر كان هادي بشكل غريب، كأن فيه شي بينفجر بس الكل ساكت.
جوري كانت في غرفتها، واقفة قدام المراية، ماسكة فرشة شعرها بس ما كانت تمشط...
كانت سرحانة، تفكر، تحاول تهدي نفسها بدون سبب واضح.
انفتح الباب بهدووء...
دخلت نجلاء، ومشت بخطوات خفيفة وجلست على طرف السرير.
جوري انتبهت، لفت عليها بسرعة وجت جلست جنبها:
"وش فيك؟ قاعدة اتجهز عشان نروح، بسم الله شفيك ساكته؟
...
بس كانت تطالع فيها بنظرة غريبة، خليط بين حزم وتردد.
"يا بنتي... أبغاك بموضوع أنا."
جوري ضحكت بخفة تحاول تكسر الجو:
"هلا ماما، خوفتيني... وش فيك؟"
نجلاء سحبت نفس عميق، ثم قالت بنبرة جدية:
"اسمعيني زين... ولا تقاطعيني لين أخلص، تمام؟"
جوري استغربت من أسلوبها، بس هزت راسها:
"طيب يماما، قولي."
نجلاء شدت نبرتها أكثر:
"قلت لك لا تقاطعيني، مفهوم؟"
جوري بلعت ريقها:
"طيب... خلاص."
سكتت لحظة...
وبعدين قالتها على طول، بدون تمهيد:
"في ناس جايين يخطبونك."
جوري شهقت بقوة، وقامت واقفة:
"وشو؟؟! ماما تمزحين أكيد! من ذا اللي باقي له عين يجي يخطبني؟!"
نجلاء رفعت راسها لها بهدوء:
"هزاع... ولد متعب بن مُهاب الراهي."
سكتت جوري، كأن الاسم ثقيل... مو غريب بس فيه شي يوجع.
كملت نجلاء بسرعة قبل ما تعترض:
"وعندك ساعة ونص بس. تجهزين. اليوم الشوفة... والملكة بنفس اليوم."
جوري عيونها اتوسعت:
"إيش؟! ماما لا! مستحيل—"
قاطعتها نجلاء بنبرة حازمة:
"ولا أسمع كلمة عن ماضيه. لا تقولين سجون ولا غيره.
الولد ماله دخل... أبوه مات وخذ جزاه، وربك غفور.
وإحنا مو أحسن من ربنا عشان ما نغفر."
قامت نجلاء، وعدلت عبايتها:
"يلا قومي تجهزي يا حلوة... الناس بالطريق."
وطلعت.
الباب تسكر...
والغرفة صارت صامتة.
جوري وقفت مكانها ثواني...
تحس الخبر نزل عليها كصفعة.
"هزاع...؟"
همستها لنفسها، وصوتها يرتجف.
فجأة تحركت بسرعة، ركضت للباب وقفّلته بالمفتاح،
رجعت بسرعه، مسكت جوالها...
ودقت على طول.
علي.
رن مره... مرتين...
وبسرعة رد، وصوته كله لهفة:
"هلااا بروحي وحياتي... اشتقت لصوتك—"
قاطعته بسرعة، صوتها مهزوز:
"علي ما عندي وقت! اسمعني زين... هزاع خطبني!"
سكت لحظة، كأن ما استوعب:
"مين؟"
"هزاع! وبابا وماما وافقوا!"
صوته تغير فجأة:
"كيف يعني وافقوا؟! من ذا أصلاً عشان يجي يخطبك شين و قوي عين؟ طاعني و جاي بعد.
وعمي كيف يوافق بدون إذنك؟!"
جوري بدت تمشي في الغرفة بتوتر:
"ما أدري! والله ما أدري!
بس ماما تقول بعد ساعة ونص الشوفة... والملكة بنفس اليوم!"
سكتت لحظة، وصوتها انكسر:
"علي... أنا خايفة... أنا ما أبغى."
جاء صوته أخف، بس فيه توتر واضح:
"طيب اسمعي... متى بالضبط؟"
"بعد ساعة ونص! تكفى سو شي!
أنت أكثر واحد تدري... إحنا لبعض."
سكت ثانيتين...
ثم قال بسرعة:
"تمام. أنا بتصرف."
"وش بتسوي؟!"
"قفلي الحين... وخليك طبيعية. تجهزي كأنك موافقة.
ولا أحد يشك فيك."
جوري توترت أكثر:
"علي لا تسوي شي يفضحنا!"
رد عليها بهدوء غريب يخوف:
"وبعد؟ تبغين أوقف أتفرج عليك تنخطبين لغيري؟"
سكتت...
كمل:
"اسمعي... حطي لك ملابس في شنطة صغيرة. بدون ما أحد يدري."
شهقت:
"يا مجنون! وش ناوي تسوي؟! لا تبهذلنا تكفى!"
"تثقين فيني؟"
سكتت لحظة... قلبها يدق بسرعة.
"...إيه."
"خلاص. سوّي اللي قلت لك."
صوتها صار أهدأ، بس مليان خوف:
"طيب..."
"يلا الحين سكري."
"سلام..."
قفلت.
وقفت تطالع الجوال...
يدها ترجف.
لفت على غرفتها...
على دولابها...
على نفسها في المراية...
"أنا وش قاعدة أسوي...؟"
بس مع كذا...
فتحت الدولاب.
سطح البيت كان شبه مظلم...
بس نور خفيف من لمبة صفراء يطيح على الأرض، ويبين ظل علي وهو واقف عند الحافة.
الهواء كان يضرب وجهه...
بس ما كان حاس فيه.
كان مركز... يفكر...
كل شي قاعد يصير بسرعة... أسرع من إنه يستوعب.
"ساعة ونص...؟"
همسها بينه وبين نفسه، وهو يحط يده على راسه ويمشي رايح جاي.
"مستحيل... مستحيل ياخذها كذا و أنا من يومني صغير مغرم فيها هي لي أنا و بس و بتضل لي."
...
كأن فكرة ضربت براسه.
طلع جواله بسرعة...
ودق.
رن...
مرة... مرتين...
"السلام عليكم."
"وعليكم السلام... كيفك يا حب؟ عساك بخير؟"
سكت علي نص ثانية... ثم قال بسرعة:
"أسامه... اسمعني زين، عندي موضوع مهم."
جاء صوت أسامه وهو يضحك بخفة:
"هلا والله من زمان عنك يا علوووي، وش صاير؟ بشر!"
علي ما ضحك... ولا حتى رد على المزح:
"مو وقتها... اسمع."
نبرته كانت جادة بشكل غريب.
"سيارتك... الجمس الأسود...
اللي بدون لوحة... باقي عندك؟"
سكت أسامه لحظة:
"إيه... ليه؟
مو أنت كنت تقول بيعها ولا ركب لها لوحة؟ وش تبي فيها الحين؟"
علي لف ظهره للسور، وعيونه على الأرض:
"أحتاجها... الليلة."
"الليلة؟!"
"إيه. موضوع وبخلصه."
أسامه حس إن الموضوع مو طبيعي:
"علّي... وش ناوي تسوي؟ لا يكون داخل بمصيبة؟"
علي ابتسم ابتسامة خفيفة... بس ما فيها راحة:
"قلبي يقولك لا تسأل."
سكت أسامه ثانيتين...
ثم قال:
"تمام... تعرف القراج.
ومعك المفتاح."
علي تنفس بارتياح بسيط:
"تمام."
"كلم لؤي... بيكون هناك، يخليك تدخل."
"تم."
"بس اسمع..."
نبرة أسامه تغيرت شوي:
"دير بالك على نفسك."
سكت علي...
وبعدين قال بهدوء:
"أبشر."
"في شي ثاني؟"
"لا... كفيت ووفيت يا وحش."
"الله معك."
"فمان الله."
وقفل.
نزل الجوال من أذنه ببطء...
ونفَسُه صار أثقل.
رفع عينه للسماء...
كأنّه يحاول يثبت نفسه.
"ما عندي خيار..."
قالها بصوت واطي.
وفجأة... تحرك.
مشى بسرعة، ثم صارت خطواته ركض.
فتح باب السطح بقوة، ونزل الدرج درجتين درجتين.
صوت خطواته يتردد في البيت...
وقلبه يدق أسرع من كل شي.
الليلة...
مو ليلة عادية.
...
ريحة العطر، صوت الأدراج، ولمعة المراية اللي تعكس توترها رغم إنها تبان هادية.
هدى خلصت تجهيزها، ووقفت قدام المراية تعدل طرحتهـا،
ومنيرة جالسة على السرير، تراقبها بنظرة خبيرة.
"اسمعي يا بنت... إذا دخلتي، لا تطالعين فيهم كثير... خليك هادية، ابتسمي بس بدون مبالغة..."
هدى لفّت عليها بطفش واضح:
"يااا الله منيرة! خلاص! ترا خالتي... أعرفها! وشو كل ذا؟"
منيرة رفعت حاجبها:
"إيه طبعًا... وحتى هايف تعرفينه وقعدتي معه وسولفتي معه، صح؟"
هدى سكتت... وعدلت جلستها بسرعة:
"لا... يعني... مو كذا قصدي..."
منيرة قامت وجلست جنبها:
"اسمعي، مو بس خالتك... ممكن يجون حريم ثانين، خالاتك، زوجات خوالي... لا تستهينين."
هدى زفرت:
"طيب طيب فهمت... لا توتريني زيادة."
قبل ما تكمل...
انفتح الباب فجأة—
دخل مطلق وهو شايل وردة، وواقف بثقة غريبة:
"تفضلي يا عروستنا الجميلة... هذي وردة مني..."
وقف قدامها ومدها لها وهو يبتسم بخبث:
"عشان يعرف هايف إني زوجك قبل لا يصير هو."
هدى انصدمت وضحكت بنفس الوقت:
"يا ثقيييل!"
منيرة لفّت عليه وهي شبه منسدحة على السرير:
"وجع إن شاءالله يا ولد؟؟؟ ما تستحي؟! ذي خالتك مو زوجتك و هو خالك احترمه!"
مطلق حط يده على صدره بتمثيل:
"تكفين يمّه! ترا مثل خويي! وشوله أقوله خال؟ ما يستاهل!"
منيرة قامت ورمت المخدة عليه:
"برااا! اطلع برا! لا أقوم أصفقك!"
مطلق وهو يضحك ويهرب:
"طيب طيب خلاص! بس لا تنسين وردتي يا عروسة!"
وطلع وهو يضحك.
هدى مسكت الوردة، تبتسم بخجل:
"مجنون ذا..."
فجأة...
رن الجوال.
منيرة خطفته بسرعة، وابتسمت:
"هلااااا والله بحياتي وروحي رزووونه! كيفك يماما؟ عساك طيبة؟"
جاء صوت رزان مليان حماس:
"والله الحمدلله تمام! ماما خير؟ محد علمني إن هدى انخطبت؟!"
منيرة لفت على هدى:
"خالـة هدى!! شفيكم انتي ومطلق اليوم؟!"
هدى غطت وجهها من الإحراج.
رزان ضحكت:
"يا ليتني موجودة! والله ودي أشوفها! بس تميم اليوم بيجي!"
منيرة كانت بترد—
لكن فجأة انفتح الباب، ودخلت الجدة سارة بنبرة مستعجلة:
"يلا بسرعة! انزلن! الحريم وصلوا!"
توتر الجو فجأة.
منيرة قامت بسرعة:
"طيب ماما! لحظة!"
رجعت للجوال بسرعة:
"حبيبتي أكلمك بعدين، الحريم وصلوا!"
"طيب! باي!"
وقفلت.
هدى أخذت نفس عميق...
نظرت لنفسها بالمراية مرة أخيرة...
وقلبها بدأ يدق أسرع.
"يلا..." همستها لنفسها..
ننتقل...
بيت أبو علي – سلمان
كان البيت فيه حركة خفيفة،
ريحة البخور طالعة، وصوت تجهيز.
سلمان طلع من المطبخ، يعدل شماغه ويتبخر،
ولفّ عينه على علي... اللي كان مستعجل يلبس ويبي يطلع.
"علي!"
وقفه صوته.
"وين رايح؟ تدري اليوم ملكة عمتك؟"
علي ما وقف كامل، بس لف نص لفة:
"أبوي... والله ما ودي أحضر... ببارك لها من بعيد، وبجي الزواج بعدين."
سلمان ضيق عيونه:
"علي لا تستهبل... عمتك بتزعل."
علي قرب من الباب، وهو يحاول يطلع:
"معليك يا يبه... والله بجي الليل، وبجيب لها هدية وأبارك لها."
دخلت أسماء وهي شايلة شيء من المطبخ:
"مو منجدك أنت؟ دايم مستعجل! كلها يوم! ما بياخذ من عمرك شي!"
علي ابتسم ابتسامة خفيفة، بس عيونه مو معهم:
"مشوار قريب وبرجع."
سلمان:
"وين يعني؟"
علي فتح الباب وهو يمشي:
"أمر بسيط... فمان الله."
وقبل لا أحد يوقفه...
سكر الباب وطلع.
سكتوا لحظة...
نور طالع في سلمان:
"وش فيه ذا؟"
سلمان هز راسه:
"مدري... مو عاجبني وضعه."
وهدان دخل وهو يلبس شماغه:
"يلا يلا خلّوه! ذا خبل من زمان! تأخرنا على عمتي هدى!"
نور ضحكت:
"صدق... يلا!"
وبالفعل...
طلعوا كلهم."
الساعه ٧:٣٠ تقريباً
في بيت الجدة ساره
...
بس صوت قلوبهم مو هادي أبد.
منيرة نازلة قدام، شايلة صينية القهوة بثبات،
وهدى وراها بخطوات خفيفة... تمشي بحذر، كأن كل خطوة محسوبة.
يدينها باردة...
وقلبها يدق بشكل مزعج.
"اهدّي..." همستها لنفسها.
وراهم الجدة سارة... صوتها سبقهم:
"
الصالة كانت مليانة حريم...
ضحك، سوالف، عطور قوية، وأعين كلها التفتت بنفس اللحظة—
على هدى.
وقفت لحظة...
ثم كملت تمشي.
منيرة دخلت أول، وحطت صينية القهوة قدام الحريم:
"حياكم الله... نورتوا والله."
قامت موضي، بابتسامة واسعة، حضنت الجدة سارة:
"يا بعد عمري يا سارة! لك وحشة!"
الجدة ضحكت وهي تسلم عليهم وحدة وحدة:
"الله يحييكم... منورين والله."
زوجات الإخوان، وخالات هدى، كلهم مجتمعين...
والجو صار رسمي فجأة.
منيرة التفتت بهدوء وهمست لهدى:
"ابتسمي... ولا تشدينها."
هدى حاولت...
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
موضي لاحظتها، وعيونها لمعت:
"هذي هدى بنتي و بنت اختي قبل لا تصير زوجة ولدي!"
قامت تمشي لها بخطوات سريعة، ومسكت يدها:
"ما شاءالله... وش هالزين!"
هدى نزلت عيونها بخجل:
"الله يسلمك خالتي."
قعدت هدى جنب منيرة،
ويدها متشابكة ببعضها من التوتر.
منيرة بدأت تصب القهوة...
وهدى تمسك الفناجيل، يدها ترجف شوي بس تحاول تخبي.
واحدة من الحريم ابتسمت:
"ما شاءالله... دكتورة أطفال بعد؟"
هدى هزت راسها بخجل:
"إيه... الحمدلله."
موضي تطالع فيها بنظرة رضا واضح:
"ونعم التربية والله... سارة ما قصرتي"
)
المجلس كان أهدأ...
بس فيه هيبة مختلفة.
سلمان جالس بمكانه، يعدل شماغه،
ووهدان جنبه يسولف ويضحك بدون فلتر كعادته.
سلطان (زوج منيرة) جالس بهدوء، يراقب الوضع.
وخوال هايف متوزعين بالمجلس...
لكن كل الأنظار كانت على—
هايف.
جالس بهدوء...
ظهره مستقيم، وملامحه هادية... بس عيونه فيها تركيز.
مو من النوع اللي يكثر كلام.
وهدان قرّب منه، يبتسم:
"هااا يا خال... وش رايك جاهز ولا نهربك؟"
هايف لف عليه بنظرة خفيفة:
"وأنت؟ جاهز تعقل؟"
وهدان ضحك:
"لا والله صعبة."
سلمان تدخل:
"خلو الرجال بحاله شوي."
هايف ابتسم ابتسامة خفيفة...
بس واضح إنه مو مرتاح 100%.
سأل بهدوء:
"الشوفة هنا ولا بالصالة؟"
سلمان:
"لا... الحين الحريم يجهزون، وبعدها ان شاءالله خير."
هايف هز راسه...
بس داخله كان يفكر:
"وش بتكون...؟"
نرجع للصالة...
منيرة قرّبت من أذن هدى وهمست:
"يمكن شوي وينادونك... جاهزة؟"
هدى بلعت ريقها:
"لا..."
منيرة ابتسمت بخفة:
"غصب عليك."
وفجأة...
الجدة سارة التفتت وقالت بصوت واضح:
"يلا يا بنات... جهزوا هدى."
القلب...
دق.
الحوش كان هادي...
بس الجو فيه ثقل غريب، كأن الكلام اللي بينقال أهم من أي شي ثاني.
سلمان وقف قدام الباب، لفّ شوي... ثم نادى:
"هايف... تعال معي شوي."
قام هايف من المجلس، وطلع وراه.
وقف قدامه بالحوش... وفعلاً كان متوتر، واضح من عيونه ومن حركته الخفيفة.
سلمان طالع فيه بهدوء... ثم قال:
"أتوقع تدري إننا نعطيك أغلى شي عندنا."
سكت لحظة... وكأن الذكرى ثقّلت صوته:
"أبوي... الله يرحمه... كان موصيني عليها قبل لا يتوفى... وأنت تدري."
هايف رفع راسه بثبات:
"إيه أدري... الله يرحمه."
سلمان قرب خطوة، ونبرته صارت أعمق:
"وأبغاك تحطها بعيونك...
وتعاملها كأنها بنت خالتك... وأختك... قبل لا تصير زوجتك وأم عيالك."
وقف شوي، وبنبرة فيها صدق:
"صح إنك تقدمت لها فوق الست مرات...
وعذرنا كان معنا..."
ثم طالع فيه مباشرة:
"بس الحين... أتوقع إنك جاهز تدخل عليها وتشوفها الشوفة الشرعية؟"
هايف تنفس...
وبصوت ثابت، شد على كلمته:
"أكيد ما توصي حريص...
هي بنت خالتي... وأختي... قبل لا تصير—"
وسكت لحظة... ثم قالها بوضوح:
"زوجتي."
عيونه لمعت، وكمل:
"وبحطها بين رمشي وعيني...
اسمها يمشي بعروقي..."
لف نظره شوي، ثم رجع له:
"لو ما أبغاها... ما كنت تقدمت لها كل هالمرة...
وأنت تعرفني يا سلمان... ما يحتاج أشرح لك."
سلمان طالع فيه كم ثانية...
ثم هز راسه بخفة:
"الله يرحمه ويجعل مثواه الجنة...
وأكيد أعرفك... ونِعم الرجل."
قرب منه... ودق على كتفه بابتسامة:
"بس بالنهاية... هي أختي... ولازم أوصيك عليها."
وبنبرة فخر:
"حي ذا العين... رجال صدق."
هايف ابتسم...
وقربوا من بعض، وتصافحوا وبعدين تعانقوا.
لحظة هدوء...
بس فيها اتفاق غير منطوق.
سلمان بعدها لفّ ونادى:
"منيرة!"
طلعت له من داخل:
"هلا؟"
قال لها:
"قولي لأمي... هايف يبي يدخل."
هزت راسها:
"تم."
ودخلت تبلغ الجدة سارة...
ننتقل...
مكان شبه مهجور...
شارع فاضي... ونور أعمدة خفيف يطيح على الأرض.
وقف علي سيارته...
وطفى الأنوار.
جلس ثواني... يطالع قدام...
ثم نزل بهدوء، وعينه يمين ويسار... كأنه يتأكد ما فيه أحد.
قدامه عمارة قديمة... شكلها ما يطمن.
دخل.
الخطوات كانت ترن في المكان...
لين طلع له واحد، جسمه معضل، بشرته سمراء، عيونه سود.
ابتسم:
"يهلا والله... علي؟
أسامه كلمني، يقول تبي أفتح لك القراج... وش السالفة؟"
علي حاول يكون طبيعي:
"لا... بس أبي الجمس حق أسامه... ساعتين وبرجعها إن شاءالله."
الرجل ضيق عيونه:
"غريبة..."
ثم هز كتفه:
"تمام... بفتح لك.
بس أنا بمشي... معك المفتاح صح؟"
علي بسرعة:
"إيه إيه... معي."
تقدم الرجل وفتح القراج...
صوت الباب الحديدي كسر الصمت.
لفّ عليه، وعطاه المفتاح:
"خلص شغلك... وقفل وراك."
علي هز راسه:
"تم."
الرجل لفّ ومشى...
واختفى صوته تدريجيًا.
سكت المكان.
علي وقف لحاله...
يمسك المفتاح...
يطالع فيه...
يقلبه بين أصابعه...
كأنه مو مجرد مفتاح...
كأنه قرار.
قرار ممكن يغيّر كل شي.
نفسه صار أثقل...
"أرجع...؟"
مرت الفكرة بسرعة...
بس اختفت أسرع.
شد يده...
وتقدم.
فتح باب السيارة...
ركب.
شغلها—
وصوت المكينة كأنه إعلان بداية شي... ما له رجعة.
...
لين طلعها برا.
وقف لحظة...
نزل... وقفل باب القراج بيده بنفسه...
ثم رجع وركب.
ضغط بنزين—
وطلع من المكان كله...
بدون ما يلتفت وراه.
بعد دقائق...
وقفت السيارة بعيد عن بيت عمه ناصر...
مكان مظلم نسبيًا... ما فيه أحد.
طفّى الأنوار.
جلس لحظة...
عيونه على شباك غرفتها.
ثم طلع جواله...
ودق.
...
صوتها واطي... يرجف:
"هلا علي... وش صار عليك تكفى؟!"
علي، عينه ما انفكت عن شباكها:
"انزلي... أنا تحت."
سكتت ثانيتين...
ثم فجرت:
"إنت مريض؟! مو منجدك يا علي؟!
تبي بابا يذبحنا؟!
الناس بالطريق! باقي لهم شوي ويوصلون!"
علي شد على الجوال:
"جوري... ما تثقين فيني؟"
سكتت...
كمل بنبرة أقسى:
"وش فيك؟ صرتي تبينه الحين؟
ذا هزاع! شغلي عقلك!"
تنفس بسرعة، ثم قال:
"معقولة تتزوجين واحد... ماضيه معروف؟"
صوته نزل وصار أخطر:
"انزلي...
وخذي شنطتك...
انزلي من الشباك، وأنا بمسكك."
سكتت جوري...
صوتها طلع ضعيف:
"بس—"
انفجر:
"جوري بدون بسسس!!
قلت لك ما عندنا وقت!"
نزل من السيارة بسرعة...
وقف تحت شباكها... قلبه يدق بعنف.
لفّ فجأة...
حس بصوت... حركة خفيفة...
لكن ما شاف أحد.
توتره زاد...
بس رجع يركز عليها.
.
أول شي...
نزلت الشنطة.
مسكها بسرعة—
وبعدها...
جوري.
قفزت...
ومسكها قبل تطيح.
يدها كانت ترجف بيده...
بس ما قال شي.
شدها معه—
وركضوا.
صوت خطواتهم يقطع السكون...
لين وصلوا للسيارة.
فتح الباب—
دخلها بسرعة—
لف وركب...
وشغل—
وانطلق.
...
وبعدها—
جوري فجأة ضحكت...
ضحكة فيها صدمة:
"يا مجنووون!
وش سويت يا يمه!"
علي ابتسم... وغمز:
"مو قلت لك؟
حبيبك علي... مستحيل يسيبك."
ضحكت أكثر...
لكن—
وقفت فجأة.
الضحكة انقطعت.
عيونها ثبتت على المراية...
صوتها صار واطي:
"علي..."
"همم؟"
"في سيارة... ورانا."
علي حتى ما لف:
"جوري... لا توسوسين.
توتر بس."
هي ظلت تطالع...
نفس السيارة...
نفس المسافة...
"لا... من زمان وهي ورانا..."
علي زفر:
"أنا معك... محد بيقرب لك."
لكن جوري...
ما ارتاحت.
قلبها بدأ يدق بطريقة مو طبيعية...
وحست بشي ثقيل بصدرها...
غلط...
"أنا سويت غلط..."
نزلت عيونها...
وقالت بين نفسها بصمت:
"ليتني سمعت كلام بابا...
ليتني وافقت...
وخلصنا..."
رفعت عيونها مرة ثانية—
السيارة...
لسه وراهم.
الطريق قدامهم كان طويل...
لكن اللي وراهم...
كان أقرب مما يتخيلون.
...
بعد ما طلعوا الحريم، ما بقى إلا الجدة موضي، الجدة سارة... وهدى.
هدى جالسة على طرف الكنبة...
يدينها متشابكة ببعض... وقلبها يدق بطريقة مو طبيعية.
صوت خطوات—
وبعدين...
تنحنح خفيف عند الباب.
دخل هايف.
وقف لحظة...
كأنه يستوعب إنها قدامه أخيرًا.
تقدم... وسلّم أول شي على خالته سارة:
"السلام عليكم."
"وعليكم السلام يا مرحبا..."
بعدين لف نظره...
لـ هدى.
عيونه وقفت عندها أكثر من اللازم...
جلس بهدوء...
بس الابتسامة اللي على وجهه؟
كانت كأنها انتصار طويل صبر عليه سنين.
قال بصوت هادي:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... شلونك يا بعدي؟"
هدى نزلت عيونها بسرعة، صوتها طالع خجول:
"وعليكم السلام... الحمدلله تمام...
إنت كيفك؟ عساك طيب... يا ولد الخالة."
الجدة موضي على طول ضحكت وقالت:
"لا لا! مافيه شي اسمه ولد الخالة الحين...
قولي خطيبي... خلاص!"
هدى احمرت زيادة، ولفت وجهها بخجل.
الجدة سارة ضحكت وهي تقوم:
"واضح مستحين... خلونا نعطيهم جوهم."
وقامت معها موضي، وهم يضحكون ويطلعون:
"يلا خلّوهم شوي لحالهم."
انقفل الباب...
وسكتت الصالة.
أول ما انقفل الباب...
سكت المكان.
لا صوت...
إلا نبضين... قاعدين يتسابقون.
هايف رفع عينه... وطالع فيها.
نظرة طويلة...
كأنها سنين انحبست في لحظة.
وقال بصوت واطي...
كأنه يحتضنها بالكلام:
"تعالي...
خليك قريبة...
أنا قلبي ما يعرف يهدأ... إلا فيك."
هدى ما قدرت ترفع عيونها...
بس ابتسمت... ووجهها احمر بشكل واضح.
خطوة... خطوة...
وتقدمت وجلست جنبه بهدوء.
قريبة... مرة.
مد يده...
ومسك يدها.
يده كانت ثابتة...
بس داخله؟ كان يرتجف من الشعور.
يطالع فيها... كأنه مو مصدق...
"هي فعلاً صارت قدامي...؟"
صوته صار أهدى...
"أحبك مو كلمة...
أحبك يعني... ما أقدر أتخيل يومي بدونك."
سكت لحظة...
ثم كمل بنبرة وعد:
"أنا ما راح أكون سبب دمعتك...
بس اسمحي لي... أكون سبب ضحكتك طول العمر."
هدى قلبها بدأ يذوب...
وهو كمل:
"غيابك مو وقت...
غيابك عمر ينقص مني..."
قرب أكثر... صوته صار أعمق:
"تعالي... واعتبري كل اللي راح ما صار...
أنا بدونك... ما أعرف أكون أنا."
نفسها انحبس...
وهو لسه ما خلص:
"أنا ما أبي العالم...
أنا أبيك...
وإذا كنتي معي... كأن الدنيا كلها صارت لي."
عيونه ما فارقتها:
"لو الحب ينشاف...
كان شفتي كيف أنا غارق فيك..."
سكت لحظة...
ثم همس:
"حتى لو طولتي الغياب...
أنا باقي هنا...
أنتظرك... بنفس المكان... وبنفس القلب."
...
ما قاطعته.
خلته يتكلم...
يطلع كل اللي بقلبه...
وهي؟
كانت غارقة بعيونه.
تشوف فيها حب...
شوق...
عتاب...
وصدق يخوف من كثر ما هو واضح.
كأن كل كلمة يقولها...
كانت عايشة داخله من سنين.
"معقولة... كل هذا لي أنا؟"
حست نفسها بحلم...
ثم كمل... وصوته فيه تعب حب طويل:
"كل مرة أقول بتعود...
وأرجع أشتاق لك... كأني أول مرة أحب."
نفس عميق...
"هدى... أنا أحبك.
هدى... أنا أعشقك.
هدى... أنا أموت فيك."
قرب أكثر...
"أنا مجنون فيك...
مغرم فيك...
وأضيع بدونك."
دمعة نزلت من عين هدى...
ما قدرت تتحمل.
قامت فجأة...
تلف ظهرها له... وتمسح دمعتها بسرعة...
وركضت للباب.
قبل تفتح—
وقفها صوته.
صوت مختلف...
أصدق... وأخطر:
"أكثر شي يخوفني... مو البعد..."
سكت لحظة...
"إنك... تتعودين عليه بدوني."
هدى احبك... احبك وبس"
تجمدت مكانها.
ما تحركت.
حست بشي ضرب قلبها بقوة...
"هو... فعلاً كذا يحبني؟"
مو حب عادي...
هذا... جنون.
لفت شوي...
ابتسمت بخجل... دمعتها لسه بعينها...
وطلعت.
قفلت الباب وراها...
هايف جلس مكانه...
والابتسامة...
لسه مرسومة على وجهه...
كأنه أخيرًا...
وصل.
—
أول ما طلعت...
انصدمت بأمها والبنات حولها:
"وش صار؟!"
"هااه؟!"
"واضح مستحية!"
هدى ضحكت بخجل...
وجهها مولع...
"مافي شي!"
وركضت...
دخلت الحمام—
وقفلت الباب.
أسندت ظهرها عليه...
وحطت يدها على قلبها...
اللي كان يدق...
بطريقة عمرها ما حسّت فيها.
"أنا... وش صار لي؟"
بس كانت تبتسم...
وقلبها...
يرقص.
...
كأنها شايفة حلم قدامها يتحقق.
"هاااه يا وليدي؟ بشرني؟"
هايف ابتسم... ابتسامة ما قدر يخبيها:
"تبشرين بالخير يا يمّه."
عيونه لمعت... وكأنه خلاص حسمها بقلبه قبل لسانه.
موضي ضحكت وهي تقرب له:
"كنت أدري... من يوم شفت وجهك وانت داخل."
جلست جنبه، تطالع فيه بفخر:
"الله يتمم لكم على خير... ويجمعكم بالحلال."
بنفس الوقت...
الجدة سارة وقفت عند باب الحمام...
ودقت بخفة:
"هدى..."
ثانية... ثانيتين...
"هاه يماما؟ بشريني... موافقة؟"
جاء صوت هدى من داخل، مليان خجل وسعادة:
"إيه يماما... الحمدلله موافقة...
وأصلاً استخرت قبل لا يجون... وحسّيت براحة."
سارة ابتسمت... ابتسامة ارتياح كبيرة:
"الحمدلله... الحمدلله."
وبنبرة حماس:
"أجل خلاص! بكلم خالتك وأبشرهم... ونحدد موعد الزواج."
فجأة—
"ماما لااا!"
سكتت الجدة سارة، مستغربة:
"وش فيه؟"
هدى من داخل، صوتها مستحي ومتعثر:
"تكفين... لا تقولين موافقين على طول...
خلينا... يعني... نرد عليهم بعد أسبوعين..."
سارة ضحكت:
"لييييه؟"
هدى تمتمت:
"عشان... لا يحس إني خفيفة..."
سكتت ثانيتين—
وبعدين الجدة سارة انفجرت ضحك:
"واضح واضح إنك مو خفيفة أصلًا! مكشوف أمرك!"
هدى بصوت معترض وخجلانة:
"مامااا!!"
سارة وهي تضحك:
"طيب طيب... خلاص!
يلا اطلعي من الحمام، لا تصيرين قاعدة فيه طول اليوم!"
هدى:
"خلاص طيب!"
لفت الجدة سارة...
وابتسامتها للحين على وجهها...
ومشت للصالة.
دخلت على هايف...
وموضي جالسة جنبه.
وقفت قدامهم...
وطالعت هايف بنظرة فيها رضا واضح:
"هايف..."
رفع عينه لها بسرعة:
"هلا خالتي."
ابتسمت وقالت:
"ترى البنت... مرتاحة."
موضي ضحكت:
"يعني موافقة؟"
سارة ابتسمت بخبث خفيف:
"نقول... الأمور طيبة."
هايف نزل عيونه لحظة...
وابتسم ابتسامة هادية...
بس اللي داخله؟
فرحة ما تنوصف.
العمارة كانت ساكتة بشكل يخوّف...
لا صوت... لا حركة... حتى الهوا كأنه واقف.
خطواتهم كانت ترن في المكان...
كل خطوة... أعلى من الثانية.
جوري كانت ماسكة شنطتها بيد...
والخوف بيدها الثانية.
"يمّه علي... وين إحنا؟"
صوتها كان يرجف.
"ليش جايبني هنا؟"
علي لف عليها...
وقرب خطوة...
مسك يدها—
وباسها بسرعة، كأنه يبي يطمنها:
"تكفين... تتوقعين إني أبي لك شي مو زين؟"
صوته كان هادي...
بس فيه شي غريب... مو نفس علي اللي تعرفه.
"المكان ذا بنقعد فيه لين يهدى الوضع...
بعدين نأخذ لنا شقة...
ونسافر."
جوري سحبت يدها فجأة...
كأن لمسته خوّفتها أكثر.
"طب... ليه؟"
صوتها بدأ يضعف أكثر:
"أنا... أحس أبي أرجع..."
خطوة رجوع...
"وأنت ما صدقتني يوم قلت لك في سيارة تمشي ورانا... من أول..."
لفت حوالينها، المكان فاضي بشكل مرعب:
"علي... أنا خايفة..."
نظرت له مباشرة:
"العمارة ذي... ما فيها أحد..."
علي سكت...
بس عيونه؟
كانت مختلفة.
قرب منها... ببطء...
خطوة... خطوة...
نظراته مو مريحة.
"ليش تخافين... وأنا معك؟"
صوته صار أوطى...
وأثقل.
"ما فيه لا سيارة... ولا شي...
أنتِ تتوهمين."
جوري وقفت مكانها...
جسمها ما تحرك...
بس قلبها؟
كان يصرخ.
حست لأول مرة...
إنها مو آمنة.
مو من المكان—
منه.
رجعت خطوة...
وهي تطالعه بخوف واضح:
"علي... خلنا نرجع..."
لكن هو ما وقف.
قرب أكثر...
والمسافة بينهم بدأت تختفي.
وفجأة—
صوت باب...
ينفتح.
صدى الصوت ضرب المكان كله.
وقف علي.
التفت ببطء...
وجوري لفت معاه...
وقلبها طاح.
في ظل الباب...
وقف شخص.
طويل...
ثابت...
وعيونـه؟
كانت تحترق.
هزاع.
الهواء ثقل فجأة...
والسكوت صار أثقل من الصراخ.
جوري شهقت:
"قلتلك يا علي... قلتلك في سيارة ورانا!"
علي شد وقفته...
وحط جوري وراه...
وعينه ثبتت على هزاع.
نظراتهم التقت—
حقد...
غيرة...
نار.
خل نرجع شويتين لورا...
في بيت الراهي...
داخل غرفة هزاع.
⸻
كان يدور في الغرفة...
رايح... جاي...
خطواته سريعة... متوترة...
كأنه يهرب من شي...
أو يلاحقه.
وقف فجأة.
وسكت.
⸻
ذاكرته سحبته غصب...
لليوم اللي ما نسيه.
يوم طاحت أخته من السطح...
يوم انتهى كل شي.
⸻
شاف المشهد قدام عيونه وكأنه يتكرر—
علي...
وجوري...
واقفـين مع بعض.
يده... كانت بيدها.
قريبين...
بشكل ما ينسى.
⸻
عروق هزاع شدّت...
فكّه قفل بقوة...
وعيونه امتلأت شي مو مفهوم—
غضب؟
غيرة؟
ولا شي أعمق؟
⸻
"من ذاك اليوم..."
همسها بينه وبين نفسه...
"وانتي ما طلعتي من راسي..."
ما قدر يطلعها من راسه اغرم فيها"
⸻
جلس على طرف السرير...
يمسك شعره بيده...
يتنفس ببطء...
بس داخله؟
كان يحترق.
⸻
كان يدري...
يدري إن جوري تحب علي.
ويدري إن علي... مستحيل يتركها.
بس بنفس الوقت—
يدري إن أبوها؟
مستحيل يزوجها لعلي بعد اللي صار.
بعد الفضيحه.
⸻
ابتسم ابتسامة خفيفة... غريبة...
مو فرح...
ولا راحة...
شي بين الاثنين.
⸻
"يعني... بالنهاية..."
رفع عينه...
"ما بتكون له."
⸻
وسكت لحظة...
ثم قالها بصوت أوطى:
"وإذا مو له..."
ابتسم أكثر—
"بتكون لي."
⸻
قام بسرعة...
كأن فكرة ضربت راسه فجأة.
وقف قدام المراية...
يطالع نفسه.
نفسه اللي ما عاد هو.
⸻
"أكيد... إذا سمع بخبر خطبتها مني..."
ضحك ضحكة خفيفة:
"بيجن."
⸻
رفع حاجبه...
وكأنه يتخيل:
"وبيسوي شي مجنون..."
و مستحيل يخلي هاذا الزواج يتم و بيخربه ب اي طريقة."
⸻
وهنا...
الفكرة اكتملت.
⸻
"طيب... ليه ما أستناه؟"
سكت...
ثم ابتسم ابتسامة أخطر:
"ليه ما أكون أنا... مستنيه؟"
⸻
لبس بسرعة...
تجهز...
وأخذ مفاتيح سيارة أخوه مُهاب القديمة—
السيارة اللي محد يعرفها.
وهو نازل...
كان صوته داخله واضح:
"خل نشوفك يا علي...
قد إيش ممكن توصل عشاني... أو عشانها."
⸻
طلع...
وركب السيارة...
وانطلق.
⸻
وقف بعيد عن بيت ناصر...
مكان ما أحد يشوفه.
طافي الأنوار...
وعيونه على البيت.
يراقب...
ينتظر...
ما يستعجل.
⸻
الدقائق تمشي...
وهو ساكت.
بس قلبه؟
كان ينتظر اللحظة.
⸻
"تعال..."
همس لنفسه...
"سوها..."
⸻
لين...
صار اللي كان متوقعه.
⸻
وشافهم...
يطلعون.
مع بعض.
⸻
ابتسم.
بهدوء مرعب.
⸻
وشغل السيارة...
ومشى وراهم.
⸻
نرجع لمحور قصتنا...
خطوة من هزاع...
خطوة من علي...
لين صاروا قدام بعض...
قريبين لدرجة إن أنفاسهم تختلط.
ولا كلمة.
بس—
انفجار.
أول ضربة...
كانت بداية النهاية.
أو...
بداية شي أسوأ.
صوت الضرب كان عالي...
يرتد من الجدران الفاضية...
ويرجع لهم... كأنه صدى حرب.
جوري تصرخ:
"وقفووو!! تكفووون!!"
بس—
ما فيه أحد يسمع.
علي طاح...
جسمه ما عاد يتحمل...
بس عيونه؟
كانت رافضة يستسلم.
كل مرة يحاول يقوم—
مو عشان نفسه...
عشانها.
وهزاع؟
واقف...
نفسه ثقيل...
وعينه ما ترمش.
يضرب...
مو بس بيده—
يضرب بكل شي داخله:
غيرة...
حقد...
مو بس لنفسه انتقام لاخته دانه...
حب مريض ما يعرف يهدأ.
"أحيانًا...
الحب ما ينقذنا...
أحيانًا... يدمّرنا."
جوري تبكي...
تناديهم...
وقلبها يتقطع بينهم.
واحد تحبه...
وواحد... يخوفها.
"مو كل قلب يحب...
يستحق يكون النهاية."
علي على الأرض...
نفسه متقطع...
بس للحين يطالع هزاع—
نظرة تحدي أخيرة.
كأنه يقول:
"حتى لو انهزمت... أنا ما خسرتك."
وهزاع واقف فوقه...
بس داخله؟
كان يغرق.
"ليه مهما قربت... أحسها تبعد؟"
"ليه ما تبغاني و تبغاه بس هو؟"
...
لكن القلوب لا.
علي على الأرض... يتنفس بصعوبة...
بس عينه للحين رافضة تنكسر.
وهزاع واقف فوقه...
كأنه بينه وبين لحظة حسم واحده بس.
وجوري...
واقفـة بين الاثنين...
مو عارفة تميل لمن.
ترتجف...
وتهمس بصوت مكسور:
"وقفوا... تكفووون... أنا هنا السبب؟
سكت لحظة...
ثم هزاع تقدم خطوة...
وعلي حاول يقوم رغم الألم...
وفي نفس اللحظة—
انشد المكان كله...
كأنها لحظة قرار.
مين اللي بيكسبها؟
هزاع اللي يملك القوة والغضب...؟
ولا علي اللي يقاتل وهو خسران من البداية...؟
ولا يمكن...
جوري نفسها هي اللي بتقرر النهاية؟
"مو كل معركة تنحسم بالضرب...
بعضها ينحسم بنظرة... أو اختيار."
"إذا وقف القلب بين نارين...
يا يختار النجاه... يا يحترق مرتين."
اللحظة سكتت...
كل شي وقف...
كأن الدنيا كلها تنتظر—
مين يكمل؟
مين يوقف؟
هل هذي النهاية؟
ولا البداية الحقيقية؟
بداية قصة أعمق...
أظلم...
وأخطر من كل اللي فات.
"إذا اجتمع الحب مع الغضب...
يصير القلب ساحة حرب،
والفايز فيها...
مو دايم يكون حي."
بين جنون هزاع...
وهزيمة علي...
وفي مكان ثاني—
حب هادي انتصر بعد عناء و جهد انتصر بدون حرب...
تنكتب حكاية جديدة.
"بين قلبٍ قاتل وقلبٍ انكسر،
من ياخذها؟... ومن فيهم اندثر؟"
هل بيقوم علي...؟
ولا هذي نهايته؟
وهل هزاع... بيوقف هنا؟
ولا لسه ما بدأ؟
وجوري...
بتكون سبب النجاة؟
ولا بداية الكارثة؟
مو كل اللي ينتهي... يكون نهاية،
بعض النهايات... بداية حكاية."