رواية بين الميكروفون والمحراب الفصل السابع عشر 17 بقلم الكاتبة سارة ياسر سراب
17-أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
جهزت شوكي كل شيءٍ يخصها وهي تبكي؛ نعم، كانت دموع فرح لا دموع بيعها، لأنها ستذهب إلى حبيبها رغم كل شيء.
لكن الحزن كان يطرق قلبها أيضًا، فهي ستبتعد عنه لفترة.
وحين انتهت، ودّعت فارس وداعًا طويلًا وثقيلًا، بينما كان ينظر إليها بحب وصمت يحمل الكثير من الكلمات التي لم تُقل.
لكن ما إن رحلت مع معتصم وبسنت، حتى تبدّل كل شيء.
انفجر الإعصار.
اتجه فارس بخطوات سريعة نحو غرفة دينا، وفتح الباب دون استئذان.
رفعت دينا رأسها ونظرت إليه بخوف، لكنها تظاهرت بالشجاعة وقالت:
_ فيه إيه يا فارس؟ داخل كده ليه؟
نظر إليها فارس نظرة حادة وقال:
_ وقت الحساب يا دودو إنتي فاكرة إني مش هكلمكم وهو ده حسابنا؟!
هزّت رأسها سريعًا وقالت:
_ حساب إيه؟ إنت مش هتعمل حاجة عشان البنت دي هي غلطانة.
اقترب خطوة وقال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
_ كان ممكن أسمعك بس دلوقتي مفيش غير حاجة واحدة.
تراجعت للخلف وسألته بتوتر:
_ هتعمل إيه؟
أشار نحو الباب وقال:
_ قومي البسي.
اتسعت عيناها وقالت بسرعة:
_ إنت هتوديني فين؟ فارس اعقل
رفع حاجبه وقال بصرامة:
_ كلمة مش هكررها قومي البسي يا دينااا.
خرجت والدته من الغرفة على أثر صوته المرتفع وهي تنظر بينهما باستغراب:
_ فيه إيه يا فارس؟
قالت دينا بسرعة وهي تحاول تخفي خوفها:
_ ماما شوفي ابنك عايز يوديني فين.
التفت لها فارس بنظرة جامدة وقال:
_ آخر مرة هقولك تلبسي ومتخلّينيش أضطر أنزلك بالشكل ده.
نظرت له والدته بغضب وقالت:
_ مالك متعصب كده ليه؟ فيه إيه أصلًا؟
أخذ فارس نفسًا عميقًا وكأنه يحاول يسيطر على أعصابه، ثم قال:
_ حضرتك والدتي وبحاول على قد ما أقدر أحترم ده فمن فضلك بلاش تخلّيني غصب عني أتكلم بطريقة مش عايزها.
سادت لحظة صمت
اقتربت الأم منه وقالت بهدوء خبيث :
_ وأنا أمك ومن حقي أفهم إيه اللي حصل؟
أدار فارس وجهه للحظة ثم قال بنبرة أقل حدة:
_ فيه حاجات اتعملت واتقالت وعدّت كتير بس النهارده كل حاجه هتتصلح.
نظرت دينا له باستغراب ممزوج بتوتر:
_ إنت بتكلمني كده ليه؟ أنا عملت إيه؟
ضحك ضحكة قصيرة بلا فرحة وقال:
_ المشكلة إنك لحد دلوقتي مش شايفة إن فيه حاجة أصلا عامله نفسك بريئه أنا بقى هعرف إذا بريئه ولا لاء.
سكت ثانية ثم أكمل:
_ مفيش خناق هنروح مشوار صغير وبعده هشوفعايز أسمع منك الحقيقة كاملة من غير لف ولا دوران ولا الحقيقه هتظهر لوحدها.
نظرت الأم إلى دينا ثم قالت بحزم:
_ لو فيه كلام يتحل بالكلام روحي البسي وتعالي وخلصوا الموضوع بهدوء.
وقفت دينا مكانها لحظات، ثم أخذت نفسًا طويلًا وقالت بصوت منخفض:
_ حاضر
خرجت من الغرفة، بينما وقف فارس مكانه، ملامحه ما زالت متصلبة لكن خلف عصبيته كان واضح إن هناك وجع أكبر من الغضب نفسه.
نزل الاثنان دون أن ينطق أيٌّ منهما بكلمة
قاد فارس السيارة طوال الطريق بصمتٍ ثقيل، بينما كانت دينا تجلس إلى جواره، تراقب الطريق بعينين مضطربتين وكأنها تشعر أن شيئًا كبيرًا يقترب.
توقفت السيارة أخيرًا أمام المشفى
نزل فارس أولًا، ثم التفت إليها نظرت له دينا باستغراب، لكن ذلك الاستغراب اختفى حين رأت الجدية في ملامحه.
قال بهدوءٍ لم يكن مطمئنًا:
_ انزلي يا دينا هنشوف مصطفى كان بيكدب ولا كان بيقول الحقيقة.
تلعثمت وهي تنظر إليه:
_ إنت بتقول إيه؟ ناوي على إيه؟
رفع عينيه إليها وقال دون التفاف:
_ مصطفى قال إن شوكي كويسة وإن اللي حصل كان تمثيل وإنك كنتِ متفقة معاه وأنا مش هفضل عايش بين الشك والظن النهارده هأعرف الحقيقة يا تثبتي براءتك، يا أعرف كل حاجة.
تغير وجهها فجأة
وكأن الكلمات فتحت بابًا كانت تغلقه داخلها منذ فترة.
نظرت إليه طويلًا ثم ضحكت ضحكة قصيرة خالية من أي راحة ومشاعر ونزلت من السيارة.
وقفت أمامه وقالت بمرارة:
_ إنت ليه دايمًا بتفضلها عليا؟
سكت.
أكملت وهي تنظر له مباشرة:
_ أنا أختك أنا اللي المفروض تخاف عليا.
ظل ينظر إليها دون رد
قالت بصوت بدأ يهتز:
_ آه كنت عايزة أوقعها كنت عايزة حياتها تبوظ لأن حياتي أنا كانت بايظة كنت عايزه تكسرها زي ما اتكسرت.
اتسعت عينا فارس
أكملت:
_ الشخص اللي جه قالك إني ماشية معاه هو السبب في اللي وصلتله كنت حاسة إني اتكسرت فبدل ما أطلب مساعدة قررت أكسر غيري معايا وكل ده بسببكم أنتم.
ابتعد خطوة وكأن الكلمات أصابته
قال بصوت منخفض:
_ إنتِ بتقولي إيه ....
ضحكت دينا بوجع:
_ ولما كل حاجة باظت حاولت أغطي وأكذب ومكنتش لوحدي.
رفع رأسه فجأة:
_ مين؟
أغلقت عينيها وقالت:
_ إنت غبي يافارس ست الحبايب هي إلي معايا في كل خطوه.
سكت طويلًا
ثم قال بصوت لم تعرفه منه قبلًا:
_ أنا كنت مستعد أسمع أي حاجة إلا إنك توصلي للدرجة دي انتى إيه شيطانه؟!!!
تحرك الناس حولهم دون أن ينتبه اقترب منها وقال بهدوء حاد:
_ اركبي
لكنها تراجعت للخلف هزت رأسها بعنف:
_ لأ خلصت.
استدار فارس ناحية السيارة لثوانٍ ثم سمع صوت ارتباك وصراخ حوله.
التفت بسرعة.
وجد دينا على الأرض بعد أن رمت نفسها أثناء تراجعها وسط حركة المكان أمام سيارة.
ركض إليها فورًا، وركع بجوارها
فتح عينيه بصدمة وهو ينادي:
_ دينا! بصيلي يا دينا!
فتحت عينيها بصعوبة ونظرت له.
همست:
_ أول مرة تحاول تسمعني.
تجمد مكانه.
ثم قال بسرعة:
_ هتتكلمي بعدين قومي.
لكنها أغمضت عينيها من الإرهاق
أسرع يطلب المساعدة، وهذه المرة لم يكن فيه غضب ولا حساب ولا انتصار.
كان فقط أخًا خائفًا يتمنى لو عاد الوقت دقائق إلى الخلف.
لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
ظل فارس واقفًا هناك، ينظر إليها وكأن الزمن توقف، وكأن كل الغضب الذي حمله في صدره منذ ساعات ذاب فجأة أمام حقيقة واحدة أنها أخته.
لكن الحقيقة الأخرى كانت أقسى
دينا لم تكن كما ظنت نفسها دائمًا
عاشت سنوات ترى نفسها مظلومة، تحصي ما فاتها وما أخذه الآخرون منها، وتؤمن أن العالم وقف يومًا ضدها.
ومع الوقت لم تعد تبحث عن النجاة صارت تبحث عن شخص يحمل معها الألم.
وحين اختارت أن تؤذي، أقنعت نفسها أنها فقط ترد ما حدث لها.
لكن الأذى لا يصبح عدلًا لأنه خرج من قلب موجوع.
ولا يتحول الجرح إلى حق في جرح الآخرين.
وفي تلك اللحظة وهي ممددة، لم تكن ضحية ولم تكن وحشًا أيضًا.
كانت إنسانة أخطأت حتى ضاعت منها الطريق.
فتح فارس عينيه كأنه استوعب شيئًا متأخرًا
لم يكن ينقصها من يسكت عنها
ولا من يبرر لها كان ينقصها من يوقفها قبل أن تصل إلى هنا.
خفض رأسه وهمس بصوت مكسور:
_ ليه يا دينا ليه سبتي كل ده يكبر جواكي؟
لكن لا أحد أجاب.
وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي كلمة وأثقل من أي اعتراف.
ورحلت دينا
تاركة خلفها حربًا لم تنتهِ برحيلها، بل بدأت ....
وقف فارس مكانه طويلًا، لا يتحرك
لا يعرف ماذا يشعر
هل يغضب؟
هل يحزن؟
هل يكره ما فعلته؟
أم يبكي لأنها في النهاية كانت أخته؟
لم يكن يعرف
كل ما كان يعرفه أن النهاية لم تكن كما تخيل
لم يرد انتقامًا ولم يرد سقوط أحد
كان يريد الحقيقة فقط
لكن الحقيقة جاءت أثقل مما يحتمل
عاد بذاكرته إلى عشرات المواقف
كل مرة كانت تغضب فيها دينا فيراها دلعًا
كل مرة كانت تصرخ فيحسبها أنانية
كل مرة كانت تقول إنها متعبة ولا أحد يسمع
لم تكن بريئة
ولم تكن أيضًا الشر الخالص الذي تخيله في لحظة غضبه.
كانت شخصًا امتلأ بالغضب حتى صار يؤذي
خفض رأسه وأغمض عينيه
وقال بصوت خافت:
_ كان لازم أسمع وكان لازم تمنعي نفسك قبل ما توصلي لكده.
رفع عينيه للسماء طويلًا
بعض الأشخاص يرحلون لكن لا يرحلون وحدهم.
يتركون خلفهم أسئلة
وذنبًا
وأشياء كثيرة كان يمكن أن تُقال ولم تُقل.
أما فارس فلم يبكِ وقتها لأن بعض الصدمات لا تأتي معها الدموع تأتي فقط بصمتٍ طويل
يغيّر الإنسان إلى الأبد.
**
في مكانٍ بعيد عن صخب المدينة، داخل مخزنٍ مهجور يلفّه الظلام، كان الصمت يسيطر على الأجواء إلا من أصوات خطواتٍ متفرقة وهمساتٍ مقتضبة.
وقف رجلٌ ملثم في منتصف المكان، يخفي ملامحه خلف قناعٍ أسود، بينما كان عدد من الرجال يتحركون حوله بقلقٍ واضح.
اقترب أحدهم وقال:
_ التسليم كمان خمس دقايق يا باشا متقلقش.
أومأ الملثم برأسه دون أن ينطق
كانت هيبته وحدها كافية لإسكات الجميع.
مرت الثواني ببطء وفجأة دوّى صوتٌ حاد في الخارج.
ثم تبعته أضواء قوية اخترقت الظلام
تجمد الجميع في أماكنهم.
وقبل أن يستوعبوا ما يحدث، انفتح باب المخزن بعنف.
_ الشرطة محدش يتحرك كله يرفع أيده لفوق.
ارتبك الرجال، وتبادلوا النظرات المذعورة
اندفع عدد من الضباط إلى الداخل بسرعة، بينما ارتفع صوت الأوامر في كل اتجاه.
حاول بعض الموجودين الهرب، لكن الطوق الأمني كان قد أُحكم بالكامل.
تقدم ضابط طويل القامة بخطوات ثابتة، وعيناه لا تفارقان الرجل الملثم.
قال بثقة:
_ خلصت اللعبة واخيرا.
في لحظات كان الضباط قد سيطروا على المكان بالكامل.
اقترب الضابط من الرجل الملثم وسط حالة الفوضى التي اجتاحت المكان.
كانت الأسلحة مصوبة نحو الجميع، وأصوات الأوامر تملأ المخزن من كل جانب.
مد الضابط يده وأمسك بالقناع بقوة، ثم نزعه دفعة واحدة.
ساد الصمت
صمت ثقيل لثوانٍ
واتسعت أعين الرجال الواقفين في المكان وكأنهم رأوا شبحًا.
هتف أحد الظباط بصدمة:
_ خالد؟!
تبادل الضباط النظرات باستغراب
أما خالد فظل واقفًا مكانه دون أي مقاومة
رفع رأسه ببطء، ونظر إلى الرجل الذي نطق اسمه، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لم يفهمها أحد.
صرخ رجل آخر من بين المقبوض عليهم:
_ مستحيل إنت جاسوس؟!
لم يجب خالد
كان ينظر فقط نحو الضابط الواقف أمامه.
اقترب مازن منه بخطوات ثابتة، بينما كان باقي الضباط يقيدون أفراد العصابة.
ثم قال بصوت منخفض:
_ المهمة انتهت.
ظهر شيء يشبه الراحة على وجه خالد
لكن أحد أفراد العصابة لم يستوعب الأمر بعد.
اندفع للأمام صارخًا:
_ لا لا مستحيل إنت الايد اليمين للراس الكبيرة إزاي !!!
وأشار إلى خالد بغضب:
_ ده واحد مننا بقاله سنين معانا؟!!
نظر إليه مازن ببرود وقال:
_ لا هو عمره ما كان واحد منكم.
اتسعت أعين الجميع
وأكمل:
_ خالد كان شغال معانا من البداية.
وكأن قنبلة انفجرت داخل المكان
ارتفعت الأصوات في وقت واحد.
_ كداب
_ مستحيل
_ مستحيل يعمل كده
لكن الحقيقة كانت أمامهم
نظر أحد الرجال إلى خالد بصدمة حقيقية وقال:
_ يعني كل الصفقات
قاطعه مازن:
_ كانت بتوصلنا.
_ والمعلومات؟
_ كانت عندنا قبل ما تتحركوا أصلاً.
بدأت ملامح الرعب تظهر على وجوههم
أما خالد فظل صامتًا
كانت سنوات طويلة من التمثيل تنتهي في تلك اللحظة.
سنوات عاش فيها وسط أخطر المجرمين وهو يعلم أن أي خطأ صغير قد يكلفه حياته.
اقترب أحد المقبوض عليهم منه محاولًا الوصول إليه وهو يصرخ:
_ خاين ..
أمسكه الضباط سريعًا
بينما نظر خالد إليه:
_ الخيانة إنك تأذي ناس أبرياء وتفتكر إنك هتفلت طول عمرك.
سكت الرجل
أما مازن فابتسم ابتسامة خفيفة
ثم أشار للضباط:
— خدوا الباقي.
بدأ الجميع يُقتادون إلى سيارات الشرطة
وقبل أن يغادر خالد، اقترب منه مازن وقال بصوت لا يسمعه أحد غيرهما:
_ كنت عارف إنك هتنجح بس بصراحة مكنتش متوقع إنك تستحمل كل السنين دي.
تنهد خالد وأدار عينيه نحو المخزن الذي تحول إلى مسرح لنهاية عصابة كاملة.
ثم قال:
_ كل دقيقة كانت تستاهل.
هز مازن رأسه بإعجاب:
_نتقابل بليل يا صاحبي.
وفي الخارج كانت أضواء سيارات الشرطة تملأ المكان.
أما داخل المخزن
فقد انتهت واحدة من أخطر العمليات السرية.
**
كانت ليان وتيا تجلسان على الأرض تلعبان الكوتشينة بحماس.
صرخت ليان وهي ترمي ورقة:
_ بصرة معلش يا توتو.
شهقت تيا وهي تنظر للأوراق:
_ بت إنتي بتخمي.
رفعت ليان كتفيها ببراءة:
_ وأنا مالي يا أختي؟
تأففت تيا وهي تلقي بالأوراق جانبًا:
أووووف_ خلاص كفاية، زهقت.
ثم اضافت:
_ تعالي ننزل نشتري حاجة.
قفزت ليان من مكانها:
_ يلا بينا.
ثم أضافت:
_ هقول ليونس الأول بس او ماما.
_ اشطا، وأنا هقوم ألبس.
تحركت تيا نحو غرفتها، لكن ليان أوقفتها فجأة
نظرت إليها بتردد وقالت:
_ تيا ....
التفتت لها الأخرى:
_ نعم؟
ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة وقالت:
_ ما تجربي تلبسي زي زمان؟ والله إنتي حلوة أوي ومتأكدة هتبقي أحلى كمان بالحجاب.
انخفضت ابتسامتها قليلًا وأكملت بحنان:
_ بلاش تخلي ذكرى قديمة تشيلك ذنب أكتر.
نظرت تيا إليها للحظات، ثم حاولت الضحك لتخفي ما شعرت به
وقالت وهي تهز رأسها:
_ بقيتي تتكلمي زي أخوكي كده ليه؟
ضحكت ليان
فأكملت تيا:
_ بس ماشي يا ليلو لأجل عيونك بس.
ثم غمزت لها ودخلت غرفتها
أما ليان فابتسمت بسعادة وكأنها ربحت معركة صغيرة.
خرجت مسرعة من الشقة واتجهت إلى الشقة
دفعت الباب قليلًا وهي تصرخ:
_ يوووونسسسس
كان يونس يجلس أمام حاسوبه في اجتماعٍ عبر الإنترنت ما إن سمع صوتها حتى رفع رأسه، لتلين ملامحه فور رؤيتها.
ابتسم وقال:
_ خير يا قلب أخوكي؟
اقتربت منه وهي تحرك يديها بحماس:
_ ممكن أنزل مع تيا نشتري شوية حاجات؟
هز رأسه مبتسمًا:
_ ماشي.
ثم أشار إليها بإصبعه محذرًا:
— بس خلي بالكوا من نفسكم، ومتتأخروش.
ابتسمت بسرعة:
_ أوكي.
واستدارت تركض نحو الباب
لكن صوته أوقفها:
_ تعالي يا أوزعة!
التفتت إليه باستغراب
ضحك وهو يخرج بطاقته البنكية من محفظته:
_ هتروحي من غير فلوس؟
اقتربت منه بسرعة
فوضع البطاقة في يدها وقال:
_ امسكي اشتري كل اللي إنتي عايزاه.
اتسعت عيناها بفرحة
وفي ثانية كانت تقفز في حضنه وهي تقول:
_ أحلى أخ في الدنيا
ضحك يونس وهو يربت على رأسها:
_ بكاشة.
أخرجت له لسانها بمشاكسة:
_ المهم إنك أحسن واحد.
_ عارف.
_ ووسيم.
— عارف.
_ وكريم.
_ عارف برضه.
ضحكت ليان بصوت عالٍ، بينما هز يونس رأسه مستسلمًا لمشاكساتها المعتادة.
وفي تلك اللحظة خرجت تيا من الشقة وهي تنادي:
_ يلا يا ليان، خلصتي؟
التفتت ليان إليها بسرعة وقالت:
_ تعالي بس دقيقة.
دخلت تيا إلى الشقة بخطوات هادئة
فتوقفت ليان مكانها وهي تنظر إليها بانبهار.
أما يونس
فرفع رأسه تلقائيًا نحوها، وتجمدت ملامحه لثانية قبل أن يشيح بنظره سريعًا وكأنه لم يلاحظ شيئًا.
بينما كانت تيا تقف بهدوء، وقد ارتدت ملابس محتشمة تشبه ما كانت ترتديه قديمًا، لتعود إلى وجهها ملامح افتقدتها منذ زمن.
ابتسمت ليان بسعادة وقالت:
_ شوفت؟ مش قولتلك هتبقي قمر؟
تنهدت تيا وهي تهز رأسها:
- متبالغيش يا ليان.
_ أبالغ إيه بس؟ والله جميلة.
رفع يونس نظره مرة أخرى باحترام وقال بهدوء:
_ ليان عندها حق يا انسه الحجاب بيحلي مش العكس.
نظرت إليه تيا باستغراب
أما هو فأكمل ببساطة:
_ المهم تكوني مرتاحه ومقتنعه ربنا يثبتك.
ساد صمت قصير
ثم قالت ليان وهي تلوح بالبطاقة البنكية:
_ المهم بقى الأستاذ يونس اداني الكارت.
شهقت تيا:
_ اول مره أشوف أخ بيدي أخته كارت البنك.
لوحت ليان به أمامها بفخر:
_ هو يونس أي حد ولا أنا أي حد المهم هنصرف النهارده على حساب الراجل الغني ده.
رفع يونس حاجبًا وقال:
_ ليان .....
ابتسمت ببراءة مزيفة:
_ نعم؟
_ متجيش آخر اليوم تشتكي إن الكارت اتقفل.
ضحكت تيا رغمًا عنها
أما ليان فأمسكت يدها وقالت:
_ يلا قبل ما يغير رأيه.
اتجهتا نحو الباب
وقبل أن تخرجا قال يونس:
_ استنوا.
التفتتا إليه
فأشار إليهما محذرًا:
_ التلفون مفتوح، ولو احتجتوا أي حاجة كلموني فورًا.
أومأت تيا برأسها بخجل
أما ليان فقالت وهي تفتح الباب:
_ حاضر يا بابا يونس يا حليوه إنت.
رمقها يونس بنظرة مستنكرة، فانفجرت ضاحكة وهربت إلى الخارج.
هز رأسه باستسلام وعاد إلى حاسوبه
لكن قبل أن يركز في الاجتماع مرة أخرى، وجد نفسه ينظر نحو الباب الذي خرجتا منه
واستقرت في ذهنه صورة تيا وهي ترتدي الحجاي لأول مرة.
فابتسم دون أن يشعر
ثم عاد إلى عمله وكأن شيئًا لم يكن.
جهزت شوكي كل شيءٍ يخصها وهي تبكي؛ نعم، كانت دموع فرح لا دموع بيعها، لأنها ستذهب إلى حبيبها رغم كل شيء.
لكن الحزن كان يطرق قلبها أيضًا، فهي ستبتعد عنه لفترة.
وحين انتهت، ودّعت فارس وداعًا طويلًا وثقيلًا، بينما كان ينظر إليها بحب وصمت يحمل الكثير من الكلمات التي لم تُقل.
لكن ما إن رحلت مع معتصم وبسنت، حتى تبدّل كل شيء.
انفجر الإعصار.
اتجه فارس بخطوات سريعة نحو غرفة دينا، وفتح الباب دون استئذان.
رفعت دينا رأسها ونظرت إليه بخوف، لكنها تظاهرت بالشجاعة وقالت:
_ فيه إيه يا فارس؟ داخل كده ليه؟
نظر إليها فارس نظرة حادة وقال:
_ وقت الحساب يا دودو إنتي فاكرة إني مش هكلمكم وهو ده حسابنا؟!
هزّت رأسها سريعًا وقالت:
_ حساب إيه؟ إنت مش هتعمل حاجة عشان البنت دي هي غلطانة.
اقترب خطوة وقال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
_ كان ممكن أسمعك بس دلوقتي مفيش غير حاجة واحدة.
تراجعت للخلف وسألته بتوتر:
_ هتعمل إيه؟
أشار نحو الباب وقال:
_ قومي البسي.
اتسعت عيناها وقالت بسرعة:
_ إنت هتوديني فين؟ فارس اعقل
رفع حاجبه وقال بصرامة:
_ كلمة مش هكررها قومي البسي يا دينااا.
خرجت والدته من الغرفة على أثر صوته المرتفع وهي تنظر بينهما باستغراب:
_ فيه إيه يا فارس؟
قالت دينا بسرعة وهي تحاول تخفي خوفها:
_ ماما شوفي ابنك عايز يوديني فين.
التفت لها فارس بنظرة جامدة وقال:
_ آخر مرة هقولك تلبسي ومتخلّينيش أضطر أنزلك بالشكل ده.
نظرت له والدته بغضب وقالت:
_ مالك متعصب كده ليه؟ فيه إيه أصلًا؟
أخذ فارس نفسًا عميقًا وكأنه يحاول يسيطر على أعصابه، ثم قال:
_ حضرتك والدتي وبحاول على قد ما أقدر أحترم ده فمن فضلك بلاش تخلّيني غصب عني أتكلم بطريقة مش عايزها.
سادت لحظة صمت
اقتربت الأم منه وقالت بهدوء خبيث :
_ وأنا أمك ومن حقي أفهم إيه اللي حصل؟
أدار فارس وجهه للحظة ثم قال بنبرة أقل حدة:
_ فيه حاجات اتعملت واتقالت وعدّت كتير بس النهارده كل حاجه هتتصلح.
نظرت دينا له باستغراب ممزوج بتوتر:
_ إنت بتكلمني كده ليه؟ أنا عملت إيه؟
ضحك ضحكة قصيرة بلا فرحة وقال:
_ المشكلة إنك لحد دلوقتي مش شايفة إن فيه حاجة أصلا عامله نفسك بريئه أنا بقى هعرف إذا بريئه ولا لاء.
سكت ثانية ثم أكمل:
_ مفيش خناق هنروح مشوار صغير وبعده هشوفعايز أسمع منك الحقيقة كاملة من غير لف ولا دوران ولا الحقيقه هتظهر لوحدها.
نظرت الأم إلى دينا ثم قالت بحزم:
_ لو فيه كلام يتحل بالكلام روحي البسي وتعالي وخلصوا الموضوع بهدوء.
وقفت دينا مكانها لحظات، ثم أخذت نفسًا طويلًا وقالت بصوت منخفض:
_ حاضر
خرجت من الغرفة، بينما وقف فارس مكانه، ملامحه ما زالت متصلبة لكن خلف عصبيته كان واضح إن هناك وجع أكبر من الغضب نفسه.
نزل الاثنان دون أن ينطق أيٌّ منهما بكلمة
قاد فارس السيارة طوال الطريق بصمتٍ ثقيل، بينما كانت دينا تجلس إلى جواره، تراقب الطريق بعينين مضطربتين وكأنها تشعر أن شيئًا كبيرًا يقترب.
توقفت السيارة أخيرًا أمام المشفى
نزل فارس أولًا، ثم التفت إليها نظرت له دينا باستغراب، لكن ذلك الاستغراب اختفى حين رأت الجدية في ملامحه.
قال بهدوءٍ لم يكن مطمئنًا:
_ انزلي يا دينا هنشوف مصطفى كان بيكدب ولا كان بيقول الحقيقة.
تلعثمت وهي تنظر إليه:
_ إنت بتقول إيه؟ ناوي على إيه؟
رفع عينيه إليها وقال دون التفاف:
_ مصطفى قال إن شوكي كويسة وإن اللي حصل كان تمثيل وإنك كنتِ متفقة معاه وأنا مش هفضل عايش بين الشك والظن النهارده هأعرف الحقيقة يا تثبتي براءتك، يا أعرف كل حاجة.
تغير وجهها فجأة
وكأن الكلمات فتحت بابًا كانت تغلقه داخلها منذ فترة.
نظرت إليه طويلًا ثم ضحكت ضحكة قصيرة خالية من أي راحة ومشاعر ونزلت من السيارة.
وقفت أمامه وقالت بمرارة:
_ إنت ليه دايمًا بتفضلها عليا؟
سكت.
أكملت وهي تنظر له مباشرة:
_ أنا أختك أنا اللي المفروض تخاف عليا.
ظل ينظر إليها دون رد
قالت بصوت بدأ يهتز:
_ آه كنت عايزة أوقعها كنت عايزة حياتها تبوظ لأن حياتي أنا كانت بايظة كنت عايزه تكسرها زي ما اتكسرت.
اتسعت عينا فارس
أكملت:
_ الشخص اللي جه قالك إني ماشية معاه هو السبب في اللي وصلتله كنت حاسة إني اتكسرت فبدل ما أطلب مساعدة قررت أكسر غيري معايا وكل ده بسببكم أنتم.
ابتعد خطوة وكأن الكلمات أصابته
قال بصوت منخفض:
_ إنتِ بتقولي إيه ....
ضحكت دينا بوجع:
_ ولما كل حاجة باظت حاولت أغطي وأكذب ومكنتش لوحدي.
رفع رأسه فجأة:
_ مين؟
أغلقت عينيها وقالت:
_ إنت غبي يافارس ست الحبايب هي إلي معايا في كل خطوه.
سكت طويلًا
ثم قال بصوت لم تعرفه منه قبلًا:
_ أنا كنت مستعد أسمع أي حاجة إلا إنك توصلي للدرجة دي انتى إيه شيطانه؟!!!
تحرك الناس حولهم دون أن ينتبه اقترب منها وقال بهدوء حاد:
_ اركبي
لكنها تراجعت للخلف هزت رأسها بعنف:
_ لأ خلصت.
استدار فارس ناحية السيارة لثوانٍ ثم سمع صوت ارتباك وصراخ حوله.
التفت بسرعة.
وجد دينا على الأرض بعد أن رمت نفسها أثناء تراجعها وسط حركة المكان أمام سيارة.
ركض إليها فورًا، وركع بجوارها
فتح عينيه بصدمة وهو ينادي:
_ دينا! بصيلي يا دينا!
فتحت عينيها بصعوبة ونظرت له.
همست:
_ أول مرة تحاول تسمعني.
تجمد مكانه.
ثم قال بسرعة:
_ هتتكلمي بعدين قومي.
لكنها أغمضت عينيها من الإرهاق
أسرع يطلب المساعدة، وهذه المرة لم يكن فيه غضب ولا حساب ولا انتصار.
كان فقط أخًا خائفًا يتمنى لو عاد الوقت دقائق إلى الخلف.
لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
ظل فارس واقفًا هناك، ينظر إليها وكأن الزمن توقف، وكأن كل الغضب الذي حمله في صدره منذ ساعات ذاب فجأة أمام حقيقة واحدة أنها أخته.
لكن الحقيقة الأخرى كانت أقسى
دينا لم تكن كما ظنت نفسها دائمًا
عاشت سنوات ترى نفسها مظلومة، تحصي ما فاتها وما أخذه الآخرون منها، وتؤمن أن العالم وقف يومًا ضدها.
ومع الوقت لم تعد تبحث عن النجاة صارت تبحث عن شخص يحمل معها الألم.
وحين اختارت أن تؤذي، أقنعت نفسها أنها فقط ترد ما حدث لها.
لكن الأذى لا يصبح عدلًا لأنه خرج من قلب موجوع.
ولا يتحول الجرح إلى حق في جرح الآخرين.
وفي تلك اللحظة وهي ممددة، لم تكن ضحية ولم تكن وحشًا أيضًا.
كانت إنسانة أخطأت حتى ضاعت منها الطريق.
فتح فارس عينيه كأنه استوعب شيئًا متأخرًا
لم يكن ينقصها من يسكت عنها
ولا من يبرر لها كان ينقصها من يوقفها قبل أن تصل إلى هنا.
خفض رأسه وهمس بصوت مكسور:
_ ليه يا دينا ليه سبتي كل ده يكبر جواكي؟
لكن لا أحد أجاب.
وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي كلمة وأثقل من أي اعتراف.
ورحلت دينا
تاركة خلفها حربًا لم تنتهِ برحيلها، بل بدأت ....
وقف فارس مكانه طويلًا، لا يتحرك
لا يعرف ماذا يشعر
هل يغضب؟
هل يحزن؟
هل يكره ما فعلته؟
أم يبكي لأنها في النهاية كانت أخته؟
لم يكن يعرف
كل ما كان يعرفه أن النهاية لم تكن كما تخيل
لم يرد انتقامًا ولم يرد سقوط أحد
كان يريد الحقيقة فقط
لكن الحقيقة جاءت أثقل مما يحتمل
عاد بذاكرته إلى عشرات المواقف
كل مرة كانت تغضب فيها دينا فيراها دلعًا
كل مرة كانت تصرخ فيحسبها أنانية
كل مرة كانت تقول إنها متعبة ولا أحد يسمع
لم تكن بريئة
ولم تكن أيضًا الشر الخالص الذي تخيله في لحظة غضبه.
كانت شخصًا امتلأ بالغضب حتى صار يؤذي
خفض رأسه وأغمض عينيه
وقال بصوت خافت:
_ كان لازم أسمع وكان لازم تمنعي نفسك قبل ما توصلي لكده.
رفع عينيه للسماء طويلًا
بعض الأشخاص يرحلون لكن لا يرحلون وحدهم.
يتركون خلفهم أسئلة
وذنبًا
وأشياء كثيرة كان يمكن أن تُقال ولم تُقل.
أما فارس فلم يبكِ وقتها لأن بعض الصدمات لا تأتي معها الدموع تأتي فقط بصمتٍ طويل
يغيّر الإنسان إلى الأبد.
**
في مكانٍ بعيد عن صخب المدينة، داخل مخزنٍ مهجور يلفّه الظلام، كان الصمت يسيطر على الأجواء إلا من أصوات خطواتٍ متفرقة وهمساتٍ مقتضبة.
وقف رجلٌ ملثم في منتصف المكان، يخفي ملامحه خلف قناعٍ أسود، بينما كان عدد من الرجال يتحركون حوله بقلقٍ واضح.
اقترب أحدهم وقال:
_ التسليم كمان خمس دقايق يا باشا متقلقش.
أومأ الملثم برأسه دون أن ينطق
كانت هيبته وحدها كافية لإسكات الجميع.
مرت الثواني ببطء وفجأة دوّى صوتٌ حاد في الخارج.
ثم تبعته أضواء قوية اخترقت الظلام
تجمد الجميع في أماكنهم.
وقبل أن يستوعبوا ما يحدث، انفتح باب المخزن بعنف.
_ الشرطة محدش يتحرك كله يرفع أيده لفوق.
ارتبك الرجال، وتبادلوا النظرات المذعورة
اندفع عدد من الضباط إلى الداخل بسرعة، بينما ارتفع صوت الأوامر في كل اتجاه.
حاول بعض الموجودين الهرب، لكن الطوق الأمني كان قد أُحكم بالكامل.
تقدم ضابط طويل القامة بخطوات ثابتة، وعيناه لا تفارقان الرجل الملثم.
قال بثقة:
_ خلصت اللعبة واخيرا.
في لحظات كان الضباط قد سيطروا على المكان بالكامل.
اقترب الضابط من الرجل الملثم وسط حالة الفوضى التي اجتاحت المكان.
كانت الأسلحة مصوبة نحو الجميع، وأصوات الأوامر تملأ المخزن من كل جانب.
مد الضابط يده وأمسك بالقناع بقوة، ثم نزعه دفعة واحدة.
ساد الصمت
صمت ثقيل لثوانٍ
واتسعت أعين الرجال الواقفين في المكان وكأنهم رأوا شبحًا.
هتف أحد الظباط بصدمة:
_ خالد؟!
تبادل الضباط النظرات باستغراب
أما خالد فظل واقفًا مكانه دون أي مقاومة
رفع رأسه ببطء، ونظر إلى الرجل الذي نطق اسمه، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لم يفهمها أحد.
صرخ رجل آخر من بين المقبوض عليهم:
_ مستحيل إنت جاسوس؟!
لم يجب خالد
كان ينظر فقط نحو الضابط الواقف أمامه.
اقترب مازن منه بخطوات ثابتة، بينما كان باقي الضباط يقيدون أفراد العصابة.
ثم قال بصوت منخفض:
_ المهمة انتهت.
ظهر شيء يشبه الراحة على وجه خالد
لكن أحد أفراد العصابة لم يستوعب الأمر بعد.
اندفع للأمام صارخًا:
_ لا لا مستحيل إنت الايد اليمين للراس الكبيرة إزاي !!!
وأشار إلى خالد بغضب:
_ ده واحد مننا بقاله سنين معانا؟!!
نظر إليه مازن ببرود وقال:
_ لا هو عمره ما كان واحد منكم.
اتسعت أعين الجميع
وأكمل:
_ خالد كان شغال معانا من البداية.
وكأن قنبلة انفجرت داخل المكان
ارتفعت الأصوات في وقت واحد.
_ كداب
_ مستحيل
_ مستحيل يعمل كده
لكن الحقيقة كانت أمامهم
نظر أحد الرجال إلى خالد بصدمة حقيقية وقال:
_ يعني كل الصفقات
قاطعه مازن:
_ كانت بتوصلنا.
_ والمعلومات؟
_ كانت عندنا قبل ما تتحركوا أصلاً.
بدأت ملامح الرعب تظهر على وجوههم
أما خالد فظل صامتًا
كانت سنوات طويلة من التمثيل تنتهي في تلك اللحظة.
سنوات عاش فيها وسط أخطر المجرمين وهو يعلم أن أي خطأ صغير قد يكلفه حياته.
اقترب أحد المقبوض عليهم منه محاولًا الوصول إليه وهو يصرخ:
_ خاين ..
أمسكه الضباط سريعًا
بينما نظر خالد إليه:
_ الخيانة إنك تأذي ناس أبرياء وتفتكر إنك هتفلت طول عمرك.
سكت الرجل
أما مازن فابتسم ابتسامة خفيفة
ثم أشار للضباط:
— خدوا الباقي.
بدأ الجميع يُقتادون إلى سيارات الشرطة
وقبل أن يغادر خالد، اقترب منه مازن وقال بصوت لا يسمعه أحد غيرهما:
_ كنت عارف إنك هتنجح بس بصراحة مكنتش متوقع إنك تستحمل كل السنين دي.
تنهد خالد وأدار عينيه نحو المخزن الذي تحول إلى مسرح لنهاية عصابة كاملة.
ثم قال:
_ كل دقيقة كانت تستاهل.
هز مازن رأسه بإعجاب:
_نتقابل بليل يا صاحبي.
وفي الخارج كانت أضواء سيارات الشرطة تملأ المكان.
أما داخل المخزن
فقد انتهت واحدة من أخطر العمليات السرية.
**
كانت ليان وتيا تجلسان على الأرض تلعبان الكوتشينة بحماس.
صرخت ليان وهي ترمي ورقة:
_ بصرة معلش يا توتو.
شهقت تيا وهي تنظر للأوراق:
_ بت إنتي بتخمي.
رفعت ليان كتفيها ببراءة:
_ وأنا مالي يا أختي؟
تأففت تيا وهي تلقي بالأوراق جانبًا:
أووووف_ خلاص كفاية، زهقت.
ثم اضافت:
_ تعالي ننزل نشتري حاجة.
قفزت ليان من مكانها:
_ يلا بينا.
ثم أضافت:
_ هقول ليونس الأول بس او ماما.
_ اشطا، وأنا هقوم ألبس.
تحركت تيا نحو غرفتها، لكن ليان أوقفتها فجأة
نظرت إليها بتردد وقالت:
_ تيا ....
التفتت لها الأخرى:
_ نعم؟
ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة وقالت:
_ ما تجربي تلبسي زي زمان؟ والله إنتي حلوة أوي ومتأكدة هتبقي أحلى كمان بالحجاب.
انخفضت ابتسامتها قليلًا وأكملت بحنان:
_ بلاش تخلي ذكرى قديمة تشيلك ذنب أكتر.
نظرت تيا إليها للحظات، ثم حاولت الضحك لتخفي ما شعرت به
وقالت وهي تهز رأسها:
_ بقيتي تتكلمي زي أخوكي كده ليه؟
ضحكت ليان
فأكملت تيا:
_ بس ماشي يا ليلو لأجل عيونك بس.
ثم غمزت لها ودخلت غرفتها
أما ليان فابتسمت بسعادة وكأنها ربحت معركة صغيرة.
خرجت مسرعة من الشقة واتجهت إلى الشقة
دفعت الباب قليلًا وهي تصرخ:
_ يوووونسسسس
كان يونس يجلس أمام حاسوبه في اجتماعٍ عبر الإنترنت ما إن سمع صوتها حتى رفع رأسه، لتلين ملامحه فور رؤيتها.
ابتسم وقال:
_ خير يا قلب أخوكي؟
اقتربت منه وهي تحرك يديها بحماس:
_ ممكن أنزل مع تيا نشتري شوية حاجات؟
هز رأسه مبتسمًا:
_ ماشي.
ثم أشار إليها بإصبعه محذرًا:
— بس خلي بالكوا من نفسكم، ومتتأخروش.
ابتسمت بسرعة:
_ أوكي.
واستدارت تركض نحو الباب
لكن صوته أوقفها:
_ تعالي يا أوزعة!
التفتت إليه باستغراب
ضحك وهو يخرج بطاقته البنكية من محفظته:
_ هتروحي من غير فلوس؟
اقتربت منه بسرعة
فوضع البطاقة في يدها وقال:
_ امسكي اشتري كل اللي إنتي عايزاه.
اتسعت عيناها بفرحة
وفي ثانية كانت تقفز في حضنه وهي تقول:
_ أحلى أخ في الدنيا
ضحك يونس وهو يربت على رأسها:
_ بكاشة.
أخرجت له لسانها بمشاكسة:
_ المهم إنك أحسن واحد.
_ عارف.
_ ووسيم.
— عارف.
_ وكريم.
_ عارف برضه.
ضحكت ليان بصوت عالٍ، بينما هز يونس رأسه مستسلمًا لمشاكساتها المعتادة.
وفي تلك اللحظة خرجت تيا من الشقة وهي تنادي:
_ يلا يا ليان، خلصتي؟
التفتت ليان إليها بسرعة وقالت:
_ تعالي بس دقيقة.
دخلت تيا إلى الشقة بخطوات هادئة
فتوقفت ليان مكانها وهي تنظر إليها بانبهار.
أما يونس
فرفع رأسه تلقائيًا نحوها، وتجمدت ملامحه لثانية قبل أن يشيح بنظره سريعًا وكأنه لم يلاحظ شيئًا.
بينما كانت تيا تقف بهدوء، وقد ارتدت ملابس محتشمة تشبه ما كانت ترتديه قديمًا، لتعود إلى وجهها ملامح افتقدتها منذ زمن.
ابتسمت ليان بسعادة وقالت:
_ شوفت؟ مش قولتلك هتبقي قمر؟
تنهدت تيا وهي تهز رأسها:
- متبالغيش يا ليان.
_ أبالغ إيه بس؟ والله جميلة.
رفع يونس نظره مرة أخرى باحترام وقال بهدوء:
_ ليان عندها حق يا انسه الحجاب بيحلي مش العكس.
نظرت إليه تيا باستغراب
أما هو فأكمل ببساطة:
_ المهم تكوني مرتاحه ومقتنعه ربنا يثبتك.
ساد صمت قصير
ثم قالت ليان وهي تلوح بالبطاقة البنكية:
_ المهم بقى الأستاذ يونس اداني الكارت.
شهقت تيا:
_ اول مره أشوف أخ بيدي أخته كارت البنك.
لوحت ليان به أمامها بفخر:
_ هو يونس أي حد ولا أنا أي حد المهم هنصرف النهارده على حساب الراجل الغني ده.
رفع يونس حاجبًا وقال:
_ ليان .....
ابتسمت ببراءة مزيفة:
_ نعم؟
_ متجيش آخر اليوم تشتكي إن الكارت اتقفل.
ضحكت تيا رغمًا عنها
أما ليان فأمسكت يدها وقالت:
_ يلا قبل ما يغير رأيه.
اتجهتا نحو الباب
وقبل أن تخرجا قال يونس:
_ استنوا.
التفتتا إليه
فأشار إليهما محذرًا:
_ التلفون مفتوح، ولو احتجتوا أي حاجة كلموني فورًا.
أومأت تيا برأسها بخجل
أما ليان فقالت وهي تفتح الباب:
_ حاضر يا بابا يونس يا حليوه إنت.
رمقها يونس بنظرة مستنكرة، فانفجرت ضاحكة وهربت إلى الخارج.
هز رأسه باستسلام وعاد إلى حاسوبه
لكن قبل أن يركز في الاجتماع مرة أخرى، وجد نفسه ينظر نحو الباب الذي خرجتا منه
واستقرت في ذهنه صورة تيا وهي ترتدي الحجاي لأول مرة.
فابتسم دون أن يشعر
ثم عاد إلى عمله وكأن شيئًا لم يكن.