📁 آخر الروايات والقصص

رواية حبائل الجمر الفصل السابع عشر 17 بقلم ياسمين الهجرسي

رواية حبائل الجمر الفصل السابع عشر 17 بقلم ياسمين الهجرسي



*****
"فجر الخلاص والمواجهة الأخيرة"
*****

"تراتيل الفجر والبارود
مَلأتَ الفَضاءَ شَجَاً وَخَوفَاً، فَمَا عادَ البَحرُ بَحْراً، وَلا غَدَا الفَجْرُ فَجْرَاً صَارَ كُلُّ شَيءٍ مُعَلَّقَاً بَينَ رَصَاصَةٍ طَائِشَةٍ وَقَلْبٍ يَكادُ يَنْفَطِر.

فِي مَزِيجٍ غَرِيبٍ بَينَ صَقِيعِ النَّدَى وَفَحِيحِ البَارُودِ، كَانَتْ أَنفَاسُكَ تُرَتِّلُ اسْمِي فِي مَدَى الرَّصَاصِ العِشْقُ يَا مَحْمُودُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَاً كَلِمَاتٍ تُقَالُ فِي خَلْوَةِ الظِّلالِ، بَلْ كَانَ صَدْرَاً مَكْشُوفَاً يَتَلَقَّى النِّيرَانَ لِيَصْنَعَ لِي مِنَ المَوْتِ حَيَاةً، وَمِنَ الخَوْفِ مَلَاذَاً صَامِدَاً كَالجِبَال.

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ المَشْحُونَةِ بِالجُنُونِ، حِينَمَا التَقَتْ عَيْنَاكَ بِفُوَّهَةِ المَوْتِ عَلَى رَصِيفِ المَكْسِ البَارِدِ، كَانَ كِبْرِيَائِي يَتَهَاوَى هُنَاكَ فِي أُكْتُوبَرَ الغُرْبَةُ لَمْ تَكُنْ فِي المَكَانِ، بَلْ كَانَتْ فِي حَبْسِ هَذِهِ الدُّمُوعِ التِي انْفَجَرَتْ كَالطُّوفَانِ لِتَغْسِلَ كَسْرَةَ خَمْسِ سَنَوَاتٍ مِنَ الوَجَعِ العَتِيقِ.

لَقَدْ كَتَبْنَا الصَّفْحَةَ الأَخِيرَةَ مِنْ كِتَابِ الخَوْفِ بِدِمَاءِ الطُّغَاةِ؛ فَلَمْ يَعُدْ لِعَادِلٍ طَيْفٌ، وَلَمْ يَبْقَ لأُسَامَةَ أَثَرٌ لَمْ يَبْقَ إلَّا يَقِينُكَ الذِي جَاءَ يَجُرُّ خُيُوطَ النَّصْرِ، وَيَمْسَحُ بِكَفِّهِ الدَّافِئَةِ لَهْفَةَ عَيْنَيَّ المُرْتَعِشَتَيْنِ.

هَا هُوَ الرَّصَاصُ قَدْ سَكَتَ وَلَمْ يَعُدْ يَسْمَعُ فِي الحَارَةِ وَلَا فِي القَصْرِ إلَّا دَقَّاتُ قَلْبَيْنِ، تَعَاهَدَا أَنْ يَكُونَا الوتَدَ والظِّلَّ حَتَّى آخِرِ العُمْرِ.


انشق ستار الليل عن خيوط فجر رمادي بارد، يزحف فوق مياه البحر في منطقة المكس بالإسكندرية.

كانت نسمات الهوا المحملة باليود والملح تضرب وجوه رجال المباحث القابعين في سيارات الدفع الرباعي المموهة خلف التلال الرملية والمخازن المهجورة.

وفي السيارة الأمامية، كان محمود يجلس وعيناه السوداوان تشتعلان بجنون وعناد لا يلين؛ كان قد ارتدى سترة جلدية سوداء، ويده القوية تقبض على سلاحه المرخص بعزم، وعقله هناك في أكتوبر، يحرس طيف رجاء وصوت صرختها التي ما زالت تدوي في مسامعه كأمر مقدس بالحماية.

التفت إليه رئيس المباحث وقال بنبرة صارمة وخفيضة عبر جهاز اللاسلكي:

"يا متر المركب الكبيرة دخلت المياه الإقليمية ونزلوا منها شحنة السلاح والمخدرات في قوارب صغيرة أسامة بنفسه واقف على الرصيف المهجور مستني الاستلام.

القوة هتتحرك في جزء من الثانية، وعايزك تفضل ورايا الراجل ده مبيسميش، والضرب هيكون حي."

ضيق محمود عينيه وعروق وجهه برزت بغضب رعدي مكتوم، وقال بصوت رخيم يقطر وعيداً:

"أنا مش جاي أتفرج يا باشا الراجل ده استباح حارتنا وروع عيالنا وكان هيموت بنت خالى أنا اللي هقفل المحضر ده بدمه لو فكر يرفع سلاحه."

وفي تلك اللحظة، انطلقت الإشارة انشقت عتمة الفجر عن هجوم كاسح؛ سيارات الشرطة حاصرت الرصيف من كل الاتجاهات، انتشروا ك الظلال الضارية.

صرخ أسامة بغل وهو يرى الفخ ينطبق عليه، وسحب بندقيته الآلية وبدأ في إطلاق النار بعشوائية جنونية صدى مروع شق صمت البحر.

انفجرت المواجهة؛ الرصاص يخترق الحديد والصناديق الخشبية، ومحمود ينبطح ويتحرك بخطوات ذئب جريح، يطلق النار بدقة متناهية شلت حركة اثنين من حراس أسامة.

لمح أسامة يحاول الهرب نحو سيارة نقل صغيرة، فاندفع محمود خلفه بجنون عشق لا يعرف الخوف، وصاح بصوت زلزل المكان:

"أساااامة!

أقف يا كلب الليلة نهايتك على إيدي!"

التفت أسامة ووجه سلاحه نحو صدر محمود، لكن رصاصة محمود كانت الأسرع؛ اخترقت كتف أسامة ليسقط سلاحه على الأرض وهو يصرخ بعجز وغل، وفي ثوانٍ كان محمود فوقه، ثبته بقدمه الغليظة على الأرض وضغط بفوهة مسدسه الساخنة على جبينه، وعيناه تشتعلان بجنون الحماية والانتصار، وقال بنبرة تقطع الأنفاس:

"دي عشان رجاء وعشان الخوف اللي عيشتوا عيالها فيه اللعبة انتهت يا أسامة، وأنت وأسيادك وعادل مكانكم القبر أو السجن المؤبد."

وفي الوقت ذاته، في ڤيلا أكتوبر، كانت رجاء تقف في بلكونة غرفتها، والتوتر النفسي ينهش عظام صدرها نهشاً.

لم تذق طعم النوم؛ فـ جمر الغربة كان حارقاً، وعقلها كان معلقاً هناك في مواجهة الموت مع محمود.

انفتح باب الغرفة ببطء، ودخلت العمة "رجاء" تحمل في يدها كوباً من الحليب الدافئ، ونظرت إلى ابنة أخيها بنظرة تفيض وداً وشجناً، وقالت بصوت حنون يحمل دموع الرجاء:

"لسه واقفة مكانك يا بنتي؟

قلبي حاسس إن محمود بخير الواد طالع وعينه مليانة بيكي وبعيالك، والراجل اللي يحارب الدنيا عشان عرض ولحمه ربنا مبيخذلوش طفي النار اللي في قلبك يا رجاء، وسامحيه الصدمة القديمة ماتت امبارح تحت رصاص الحارة."

التفتت رجاء، وعيناها حمراوان من فرط البكاء المكتوم والكبرياء الجريح الذي بدأ يتهاوى أمام طوفان مشاعرها، وقالت بصوت متهدج مخنوق:

"أنا خايفة يا عمتي.. خايفة يجراله حاجة بسببي أنا اكتشفت إني مكنتش كارهاه طول الخمس سنين دول أنا كنت موجوعة منه بس ولو حصله حاجة دلوقتي، أنا هموت وراه."

ارتمت في حضن عمتها وبكت بكاءً حاراً غسل كل صقيع السنين الماضية، تاركة مساحة لقلبها أن يعترف أخيراً بالعشق المجنون الذي لم ينطفئ يوماً تحت رماد الوجع.

ومع حلول المساء، انفتحت البوابة الحديدية للڤيلا ببطء، ودخلت سيارة محمود المبعثرة والمليئة بخدوش المعركة.

ركضت رجاء نحو الطابق الأرضي، وفتحت الباب بيدين ترتعدان بقوة.

ترجل محمود من السيارة جسده كان مغطى بتراب المكس ودموع المعركة، والضمادة على يده ملوثة، لكن عينيه السوداوين كانتا تلمعان بيقين النصر والعشق المشتعل.

خطا خطوات بطيئة وثقيلة نحو العتبة، ووقف أمامها مباشرة، ونظر إلى وجهها المغطى بدموع اللهفة والخوف الحقيقي عليه.

ساد صمت عميق، مشحون بالأنفاس المتسارعة، لم يفصلهما سوى شبر واحد.

انعدمت كل جدران العناد؛ فـ السؤال الذي فُتح بالرصاص قد وجد إجابته الآن في نظرة عينيها.

تقدم محمود بحركة جريئة تفيض بالرومانسية والشغف، وقبض على كفيها الباردتين وضمهما إلى صدره القوي الدافئ، وهمس بصوت منخفض رخيم ضرب في عمق روحها:

"قفلنا المحضر يا بنت رأفت الجمال أسامة في الحديد، والشبكة انتهت، وعادل حكمه المؤبد طالع الأسبوع الجاي الأمان رجع، ومحمود رجع لكِ وراكع تحت رجليكي بيطلب السماح.. ها؟ لسه محكمة قلبك مأجلة الحكم؟"

نظرت في عمق عينيه المليئتين بالدموع الدافئة، ولأول مرة منذ خمس سنوات، ابتسمت رجاء ابتسامة عذبة خطفت أنفاسه، ومالت برأسها لتضعه فوق صدره العريض، وقالت بنبرة تقطر عشقاً وشجناً تغلغل في أعماقه:

"الحكم صدر يا محمود من أول صرخة صرختها باسمك في الحارة أنا مسمحاك.. مسمحاك يا وتدي وسندي."

تلاقت أعينهما في نظرة طويلة مشحونة بالشغف والجنون، بينما كان صغارها يركضون نحوهما لـيحتضنهم محمود معاً تحت سقف واحد، لتنتهي عاصفة الخوف وتبدأ صفحة جديدة كُتبت بالدم والحرير والغفران.

يتبع.......


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات