📁 آخر الروايات والقصص

رواية لولا الغرام الفصل السادس عشر 16 بقلم روز أمين

رواية لولا الغرام الفصل السادس عشر 16 بقلم روز أمين


 «بسم الله لا قوة إلا بالله»

«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.»


"تنويه هاااام، هذه الرواية أحداثها حقيقية وكل ما ورد بها من أحداث قد حدثت بالفعل"

🔹الفصل السادس عشر 🔹

«لَوْلاَ الغَرَامُ»

#_لَوْلاَ_الغَرَامُ،بقلمي روز أمين

_________________


«يتردد صدى صوتها في أروقة روحي كصرخة غريقٍ، لأكتشف لأول مرة في حياتي أنني بحرٌ بلا ضفاف، تراني سنداً وجداراً تتكئ عليه، بينما ترتعد في أعماقها كقشةٍ تذروها الرياح، تنظر إليّ بعيونٍ يملأها الرجاء، تترقب معجزةً، أو خطوةً، أو حتى كلمةً تعيد ترتيب واقعها المرير، لكنني أقف أمامها بكيانٍ مشلولٍ، وجسدٍ مكبلٍ بأغلال واقعٍ صارم، عجزٌ تام ينهش صدري كالجمر، فما أشد تمزق الروح حين تدرك أن قمة ضعفك تكمن في اللحظة التي يجب أن تكون فيها الأقوى!



أتعلمين؟ إن أقسى أنواع الموت ليس توقف النبض، بل أن أرى دمعتكِ تسقط، وروحكِ تصرخ مستغيثةً بي، فلا أملك سوى البكاء الصامت خلف قناع التماسك الزائف، يقتلني أنني بكل ما أحمله لكِ من عشقٍ جارفٍ، ورغبةٍ عارمةٍ في حمايتكِ، أقف متجمداً في مكاني، مجرد متفرجٍ على نزيفكِ، عاجزاً حتى عن تخفيف وطأة الألم عنكِ.


سامحيني، ليس لأنني خذلتُكِ، بل لأن الحياة كسرت أجنحتي في اللحظة التي تمنيتُ فيها أن أُحلّق بكِ بعيداً عن كل هذا الدمار.»

________*________

2


-إلحقني يا رشيد.

دوى صوت استغاثتها في أذنيه، ومع نطقها لاسمِهِ انتفض قلبه رعبًا، لم يمهلها لتلتقط أنفاسها، بل سألها بنبرةٍ لاهثة تفيض قلقًا:

-في إيه يا نهلة؟ إيه اللي حصل؟!

3


انهمرت دموعها التي عجزت عن كبتها أكثر من ذلك، فجاء صوتها يرتجف تائهاً بين البكاء:

-في عريس متقدم لي يا رشيد، وشكلهم خلاص اتفقوا على كل حاجة من ورايا، حتى بابا اللي كنت فاكرة إنه بدأ يقتنع بيك وبكلامي.


شهقت بقهرةٍ مزقت نياط قلبه، وتابعت بنبرةٍ متألمة:

-أتاريني طلعت مغفلة وموهومة يا رشيد.


على الجانب الآخر، كان يستمع لصرخاتها المكتومة وشهقاتها المتتالية وقلبه يتمزق عجزاً، صمتٌ ثقيلُ خيم عليه، فتش بداخله ولم يجد حرفاً واحداً يواسيها به.


أمام صمته المريب، توقفت عن النحيب قليلاً، وسألته باستغرابٍ شديد:

-إنت ساكت ليه يا رشيد؟


تنهد بوجعٍ استقر في أعماق صدره، وخرج صوته خافتاً، متحشرجاً، وخالياً من أي مظاهر الحياة، وكأنه فارقها:

-عاوزاني أقول لك إيه يا نهلة؟

1


هاجمها الوجع حتى شعرت أن روحها تخرج منها، فهتفت بنبرة تستجديه:

-قول أي حاجة، طمني، قولي إنك مش هتلف هتسبني، مش هتتخلى عني.


انفجرت في بكاءٍ مرير، وهي تكمل بصوتٍ يصرخ مستغيثاً به من فوق حافة الهاوية:

-قولي أنا عمري ما هسيب إيدك يا نهلة، ومش هيفرقنا عن بعض غير الموت.

2


بلع ريقه بصعوبة، وشعر بغصةٍ مريرة كالعلقم تقف في حلقه وتمنعه من التنفس، خرج صوته ينزف قلة حيلةٍ وانكساراً وهو يسألها:

-وبعد ما أقول لك كل الكلام ده، تفتكري في حاجة في واقعنا هتتغير؟


وقعت كلماته عليها كالصاعقة، صدمةٌ ألجمت لسانها وجمدت الدماء في عروقها.


كان هناك هاجسٌ قوي في داخلها يهمس لها طوال الوقت بأن النهاية القاسية قادمة لا محالة، لكنها كانت ترفض التصديق، اختارت طواعيةً أن تعيش في الوهم، فقط لتطيل عمر قصة حبهما لأطول وقتٍ ممكن، ولتتشبث بمشاعر دافئة وصادقة لم تجدها يوماً إلا بين يديه.


ابتلعت غصتها، وامتزج صوتها باليأس والدموع وهي تحاول التشبث بآخر خيطٍ يربطها به:

-هنحاول يا رشيد، لازم نحاول.


توقفت وفجأة اقتحمت رأسها فكرة بلمح البصر، فانبثقت اللهفة في نبرتها كغريقٍ لمح قشة في عرض البحر، فاندفع نحوها بكل ما أوتي من قوةٍ ليتعلق بها:

-أنا عندي فكرة حلوة أوي.


بالرغم من الحماس الطاغي الذي ملأ نبراتها فجأة، إلا أن جبل الإحباط والانكسار الراقد فوق صدر رشيد لم يتزحزح قيد أنملة، لم يحرك ساكناً، ولم يكلف نفسه حتى عناء سؤالها عن تلك الفكرة.


التمسك بالأمل بات بالنسبة له ترفاً لا يملكه، لكنها لم تنتظر صمته، بل تابعت بحماسٍ أشد وأملٍ أكبر:

-تعالى بكرة أنا وإنت نروح لبابا الشركة، وأنا متأكدة إن بابا لو اتعرف عليك وشاف مدى نضجك وتفكيرك ووعيك، هيوافق عليك.


ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، ضحكةً تقطر مرارة وتهكماً، وهو يقول:

-وإنتِ بقى مقتنعة بجد بالكلام اللي بتقوليه ده؟


ثم تحولت نبرته إلى جدية قاسية، وأردف:

-أبوكِ رجل أعمال يا نهلة، ومش رجل أعمال عادي، راجل بعقليته الاستثمارية قدر يوصل للمكانة اللي هو فيها في السوق دي، ويحتفظ بيها كل السنين اللي فاتت.

وتابع مؤكدًا على وجة نظره:

-مش هيفكر بطريقتك الرومانسية دي خالص، هيشوف كلامنا ومحاولتنا دي حاجة ساذجة وتاهفة بالنسبة له.


تضاعف نحيبها، وهدمت كلماته الواقعية حصنها الأخير، فهتفت بمرارة:

-إنت ليه بتحبطني يا رشيد؟ ليه بتعمل فيا كدا؟


رد عليها بحدة مصحوبة بوجعٍ طال غليانه في صدره، وسخطٍ عارم على ظروفه التي تقف عائقاً بينهما:

-أنا مش بحبطك يا نهلة، أنا بفوقك، بفوقك من الوهم اللي مصممة تعيشي نفسك فيه.


استقبلت كلماته بذهول، وشعرت وكأن صفعة قوية هوت على وجهها، سألته بصدمة لم تستطع استيعابها:

-وهم؟! ولما إنت شايف إن قصة حبنا وهم، مشيت معايا فيها ليه وخلتني أصدقها؟

1



تغلغل الألم في أحشائه وراح ينهشها بلا رحمة، وانفجر بركان قهره الدفين، وبصوتٍ متهدجٍ يقطر عذابًا تحدث:

-لأني آمنت بيها وصدقتها أكتر منك، آمنت بنفسي وقدراتي وطموحي اللي ملوش سقف، حلمت واتمسكت بيكِ وبحلمي، وخططت لكل خطوة في مستقبلنا، وكل حاجة كانت ماشية كويس جداً.


وتابع منكسرًا:

- لحد ما اِتدخل "يحيى" وحطم لنا كل الأحلام دي في لحظة.


علت نبرتها بلهفة مستميتة، لعله يتشبث بحلمهما الضائع وينتشلها من هذا الضياع والشتات الذي بات يهدد مستقبلها:

-إحنا لسه فيها يا رشيد، الأحلام لسه موجودة، والطموح والأمل لسه جوانا، خلينا نحاول.

واستطردت بصوتٍ يقطر رجاءًا:

- أرجوك، خلينا نحاول.


كانت غرفتها غارقة في عتمةٍ موحشة، لم يكسر حدتها سوى الضوء الباهت المنبعث من شاشة هاتفها، والذي عكس ملامح وجهها الشاحب وعينيها المنتفختين من البكاء، بينما كان المطر ينهمر بغزارة، يضرب زجاج نافذتها بقسوة كأنه يخبرها بأن لا فائدة.


ارتخت ملامحه تماماً، وبدت عليه علامات الاستسلام وهو يتطلع إلى انعكاس صورته في المرأة بنظرة مثقلة بالعجز، وسألها بصوت خافت متهدج:

-إيه المطلوب مني يا نهلة علشان تشوفيني متمسك بيكِ؟


استشعرت في نبرة صوته تلك الفجوة، فارتد إليها نبض الأمل ، ولاح في أفق عينيها بريق لهفة لم تستطع إخفاءها وهي تجيبه بسرعة:

-تعال كلم بابا واطلبني منه.


جاء رده كصدمة باردة أجهضت لهفتها، حيث هتف برفض قاطع وحاسم:

-مش هينفع، أروح له بصفتي إيه؟ إيه المميزات اللي تخليني أتجرأ وأروح أطلب بنت منير الخولي؟!


تحول صوته إلى صرخة مكتومة، صرخة يمزقها قلة الحيلة وألمٌ رهيب يعتصر قلبه، وتابع يصيح بنبرة تحمل كل وجع الدنيا:

-هقول له إيه لو سألني هسكنك فين؟ هعيشك منين؟ هأكلك إزاي؟ أنا لسه طالب يا نهلة، يعني كل يوم قبل ما أروح الجامعة بمد إيدي لأبويا وآخد منه ثمن المواصلات وفنجان القهوة اللي بشربه هناك.

3


سقطت الكلمات عليها كصخرة هوت بآمالها إلى القاع، فاعتراها شعورًا مريرًا بالاحباط، تطلعت إلى السماء بعينين يغلفهما اليأس وراحت تسأله بنبرة مكسورة:

-يعني إيه يا رشيد؟! كلامك ده معناه إنك بتقول لي كده خلاص، حكايتنا خلصت وانتهت، وانسي بقى يا نهلة.


اشتعلت داخله ثورة عارمة غذاها شعوره المميت بالعجز، فصاح منفعلاً محاولاً الدفاع عن كرامته الجريحة:

-أنا ما قلتش كده، أنا بشرح لك ظروفي اللي أنا مخبيتهاش عليكِ من الأول، بحط نفسي مكان باباكي وبجاوب على الأسئلة اللي أكيد هيسألها لي، واللي طبعاً من حقه كأب.


لم تحتمل عيناها أكثر، فانهمرت دموعها بغزارة تشق طريقها على وجنتيها، وسألته بنحيب غريق يبحث عن قشة نجاة:

-طب هنعمل إيه؟

تنهد بعمق، محاولاً استجماع شتات عقله وطرد العاطفة الجارفة ليتحدث بمنطقية هادئة، وقال:

-مفيش قدامنا غير حل واحد.


تعلقت بلهفة الغريق، وسألته:

-إيه هو؟


قال بنبرة رصينة حاول أن يبث فيها بعض الطمأنينة:

-إنك تقعدي مع باباكي وتحاولي تقنعيه يرفض العريس.


ثم تابع محاولاً إيجاد مبررات منطقية:

-أنت لسه صغيرة يا نهلة، ومش طبيعي في الوسط بتاعكم إنك تتخطبي وأنتِ لسه بتدرسي، اقنعيه يصبر عليا لحد ما أكون نفسي وأتقدم لك، أنا كلها كام شهر وأتخرج.

1


التمعت عيناه بحماس شديد نبع من قهرة ورغبته في التحدي، وارتفع صوته بنبرة قوية واثقة:

-وأنا والله هفحر في الصخر، وهشتغل شغلانة واتنين جنب شغلي الأساسي.

وتابع بحماسٍ أكبر:

-هموت نفسي علشان أحيي حياتنا يا نهلة، عرفيه إننا مش طالبين منه أي حاجة غير إنه يصبر علينا وبس.

1


تنهدت بأسى عميق، وشعرت أن كلمات العقل والمنطق التي تفوه بها هي طوق نجاتهما الوحيد. تملكها إجهاد نفسي شديد، فقالت بصوت واهن وحزين:

-حاضر يا رشيد، أنا هكلمه النهاردة، ولو وصل الأمر إني أميل على رجله هو وماما وكل إخواتي وأبوسها علشان يرحمونا هعمل كده.

3


ثم التمعت عيناها بنظرة تفيض بعشق جارف وتابعت:

-أهم حاجة مخسركش يا حبيبي.


كانت كلماتها الأخيرة تنزل على قلبه كالسياط التي تجلده بلا رحمة، حتى خُيل إليه أنه يستمع بوضوح لتهشم ضلوعه وتكسير قلبه من فرط الوجع.


قال بحزن عميق وصوت مكسور تخنقه العبرات:

-صدقيني يا حبيبتي لو الموضوع مش محرج بالنسبة لي كنت أنا اللي جيت وكلمته، بس أنا موقفي صعب، أنا لو عملت كده هبقى بفعص كرامتي تحت جزمته، وبأكد له إني طمعان في ثروته.

1


ثم انتفضت داخله بقايا كبريائه المعتز بنفسه، وتابع بحدة وشموخ:

-وأنا عمري ما هقبل ده على نفسي.


قدرت نهلة مشاعره، وتفهمت تلك العزة الكامنة في صدره، فقالت بحنوٍ:

-أنا فاهماك كويس يا حبيبي ومقدرة موقفك.


ثم تبدلت نبرتها إلى نغمة جديدة، نغمة صعدت من رماد اليأس لتعلن عن ولادة الأمل من جديد، وتابعت بثقة:

-وأنا هكلم بابا، وواثقة إني هقدر أقنعه.


أغلقت الخط، ووضعت الهاتف بجانبها وكأنها تضع حداً لآخر نبرة انكسار خرجت من صوتها، تحركت بخطوات شبه آلية نحو مرآتها، ووقفت أمامها تحدق في انعكاس صورتها، كانت عيناها محمرتين، وآثار الدموع ترسم خطوطاً باهتة على وجنتيها، لثوانٍ، شعرت بالنفور من ذلك الضعف الذي يرتسم على ملامحها، فرفضته بكل جوارحها، مدت كفيها وعصفت بتلك الدموع بعيداً، ثم أخذت نفساً عميقاً، امتلأت به رئتاها بالجرأة، ونظرت إلى عينيها في المرآة بتحدٍ وصمود.


ارتسمت على ثغرها ابتسامة قوية، وتحدثت داخلها بنبرة صلبة كالفولاذ، لتقسم على الانتصار:

-أنا لم أُخلق للضعف، سأحارب لأجل حبي لآخر قطرة في دمي، ولن أستسلم أبداً.


تفقدت مظهرها للمرة الأخيرة، ومسحت ما تبقى من أثر للبكاء، ثم التفتت وغادرت الغرفة، هبطت درجات السلم متسلحة بهذا الحماس المشتعل في صدرها، متوجهة مباشرة نحو والدها لتخوض معركتها معه من أجل حبيبها.

______*_______


قضت فاطمة نهارها بالكامل في المطبخ، صنعت بيديها كل الأصناف التي يعشقها "علي" وتفضلها "داليا"، لم تكن وحدها، إذ شاركتها عايدة وأماني تحضير الطعام، كان عزام ينتظرهن بالخارج، فحمل الطعام وقام بوضعه في سيارة قد استأجرها، مضى بهن السائق إلى المدينة،وصلن وما إن انفتح الباب وجدوا "علي" واقفاً، لتتسع حدقتاه بفرحة لم يستطع اخفاءها، ارتمى في أحضان فاطمة كمن وجد ملاذه، فضمته بقوة، وراحت تهمس في أذنه بسعادة بالغة:

-ألف مبروك يا حبيبي، مبروك يا نور عيني، ربنا يقوم لك مراتك بالسلامة وتفرح بخلفتك إن شاء الله.


استنشق رائحة أمه التي تذكره بالبيت، وقبل رأسها قائلاً بنبرة ممتلئة بالامتنان:

-في حياتك يا ماما، ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي.


تقدمت عايدة، طوقته بذراعيها وربتت على ظهره بحنان ، تلتها أماني التي راحت عيناها تتجولان في أرجاء المكان بحثاً عن زوجته، فسألته بابتسامة:

-أمال فين داليا يا علي؟


أجابها بنبرة يملؤها الحرص:

-في الحمام وطالعة على طول يا خالتي.

1


ردت برفق:

-براحتها يا حبيبي.


وضعن الطعام في المطبخ وخرجن،تحدثت فاطمة بحنوٍ وعيناها تلتمعان بالحماس:

-أنا عملت لك كل الأكل اللي أنت وداليا بتحبوه يا حبيبي، تأكلوه في الهنا يا رب.


انتقل الجميع إلى حجرة استقبال الضيوف، جلس الجميع، أمسك علي يد والدته، ورفعها إلى شفتيه ليطبع عليها قبلة طويلة، وقال عيناه تفيضان بحب جارف:

-تعبتي نفسك ليه بس يا حبيبتي؟


تلمست خصلات شعره بعفوية ، وردت بنبرة تقطر حنانًا:

-وأنا هتعب لأعز منك يا حبيبي؟ والله لولا المشوار بعيد عليا وأخوك في جيشه، لكنت كل يوم أعمل لكم أكل وأبعتهولك معاه.


قطع حديثهم الحميمي خروج داليا، نهضت فاطمة بملامح متهللة تشع بشاشة، واحتضنتها بحنو وهي تقول:

-ألف ألف مبروك يا حبيبي، ربنا يتمم لك شهور حملك على خير.


أقبلت عايدة هي الأخرى، وباركت لها بملامح هادئة:

-ألف مبروك يا داليا، إن شاء الله تقومي إنتِ والمولود بالسلامة.


رسمت على وجهها ابتسامة رقيقة ومهذبة، وجاء صوتها ناعماً مشوباً ببعض الرسمية:

-ميرسي يا طنط.


صدح رنين حاد لجرس الباب، تحرك علي وفتح الباب لتدخل "نعمة" محملة بأكياس بعض الخضار واللحوم، كانت تلهث قليلاً بفضل صعودها السلم.


استوقفتها همهمات الأصوات المنبعثة من حجرة استقبال الضيوف، فالتفتت إلى علي لتسأله بنظرة حادة :

-هو فيه حد عندكم ولا إيه؟


أجابها ببرود مهذب ممتزج بالرزانة:

-دي ماما وخالاتي جايين يباركو لنا.


دخلت كالإعصار، وضعت الأكياس جانباً،واندفعت نحوهن بابتسامة عريضة مصطنعة وزعت بها التحايا:

-يا أهلاً يا أهلاً، وأنا أقول الدنيا والمكان منور كده ليه


انحنت لتحتضن فاطمة في عناق حار، فقابلتها الآخيرة بابتسامة باهتة، وقالت مجاملة بنبرة تفتقر إلى الصدق:

-المكان منور بيكم يا حبيبتي.


ردت بمجاملة:

-طبعاً منور بينا، بس نوره زاد بوجودكم حبتين.


لوت عايدة فمها باستنكار لاذع، ونظرة صامتة حملت من الازدراء ما يكفي لقطع حبال الود بينها وبين تلك النعمة.


دلفت نعمة إلى المطبخ بعد أن ألقت تحيتها الباردة على الجميع، تسمرت عيناها فور رؤية صواني الطعام والأواني والطواجن المرصوصة بعناية فوق الرخامة، فبدأت تفتح الأغطية واحداً تلو الآخر بوجه عابس وملامح تنطق بالامتعاض، وكأن الطعام لا يعجبها.


خرجت إلى البهو بخطوات متبخترة، وجلست إلى جوار ابنتها، ثم وضعت ساقًا فوق الأخرى وقالت بنبرة جادة:

-هو مين اللي جايب الأكل اللي جوه ده كله يا علي؟


التفتت إليها أماني وبادرتها بابتسامة طيبة وهي تقول:

-دي أبلة فيفي عملاه لعلي وداليا.


لوت نعمة فمها قليلاً وقالت بضيق لم تحاول إخفاءه:

-بس ده كتير أوي.


قاطعتها عايدة بنبرة حازمة:

-يختي قولي ما شاء الله.


رمقتها بنظرة استغراب مشوبة بالاستنكار، في حين شعرت داليا بالحرج الشديد، وبدأ القلق يتسرب إلى قلبها وهي ترى الأجواء تمتلؤ بالطاقة السلبية وتوشك على الاشتعال، حاولت نعمة تدارك الموقف قائلة بتصنع:

-طبعاً ما شاء الله يا مدام عايدة، أنا مش هحسد يعني، أنا بس بقول إن الأكل كتير أوي إن الأولاد يخلصوه النهاردة.


تدخلت فاطمة ببرود وثقة، لتوضح لها الأمر قائلة:

-ويخلصوه النهاردة ليه يا حبيبتي؟ هو حد بيجري وراهم؟

ثم تابعت بابتسامة هادئة:

-ده خزين ليهم.


قال علي بجدية وحسم لينهي الجدال قبل ان يتحول إلى شحار:

-ماما عملاه علشان نخزنه في الفريزر يا طنط.


أومأت فاطمة برأسها مؤكدة:

-بالظبط كده، وأنا جايبة معايا علب فويل، لما الأكل يبرد هعبيه، ويطلعوا منه كل يوم على قد الأكل ويسخنوا.


ارتسمت على وجه الآخرى ابتسامة متعالية، وقالت بأسلوبها الفظ الذي تغلفه ببعض الهدوء:

-تعبتي نفسك، هو تسلم إيدك طبعاً، بس داليا ما بتاكلش الأكل البايت، علشان كده أنا كل يوم باجي أطبخ لهم أكل طازة.

3


وقعت الكلمات كالجمر على قلب عايدة، فتغيرت ملامح وجهها فوراً واشتعلت بداخلها رغبة عارمة في الرد، لاحظت داليا ذلك، فتدخلت بسرعة لتتفادى صداماً حاداً لا تحمد عقباه، وقالت بنبرة مهذبة:

-أكل طنط فيفي غير يا ماما، دي ما شاء الله نفسها هايل في الأكل، وبعدين هي ما شاءالله عاملة محاشي وطواجن ورقاق، وكل الأصناف دي لما بتدخل الفرن بتبقى زي المطبوخة حالاً.


ثم نظرت إلى والدتها بنظرات توسل ورجاء صامت لتجبرها على إغلاق هذا الموضوع، شعر علي بالتوتر السائد، فنهض واقفاً وقال بحماس مفتعل لكسر الحدة :

-أنا هقوم أجهز أحلى سفرة علشان نتغدى كلنا مع بعض.


ثم مال على رأس والدته، وقبلها بحب جارف وهو يهمس:

-وحشني الأكل من إيدك يا فيفي.


انفرجت أساريرها وابتسمت بانتصار قائلة:

-ألف هنا على قلبك يا حبيبي.


ثم التفتت نحو نعمة، ورمقتها بنظرة تحدٍ صريحة وأردفت:

-أديني عملت لك خزين يكفيكي أسبوعين، ولما يخلص، هعمل لكم تاني إن شاء الله.


تآكلت نعمة من الغيظ وضاق صدرها من أسلوب فاطمة، فقد رأت أنها تتحدث بعفوية ومن باب المصلحة ل ابنتها التي لا تطيق الطعام البايت فعلاً، ولم تستوعب أن فاطمة وعايدة اعتبرتا كلماتها تعدياً صريحاً واعتراضاً على تصرفهما.

1


تحركت عايدة وتحدثت وهي تنظر إلى ابن أختها بحنو:

-خليك مرتاح يا قلب خالتك.


ثم التفتت إلى أماني وقالت بإشارة من يدها:

-تعالي معايا يا أماني.


توجهت الشقيقتان نحو المطبخ بخطوات واثقة، بينما كانت نعمة تستشيط غضباً من داخلها لاقتحامهن مطبخ ابنتها وفرض سيطرتهن عليه، لكنها التزمت الصمت هذه المرة مجبرة، بعد أن لمحت نظرات داليا التي تتوسل إليها مجدداً بأن تلتزم الهدوء ولا تفسد اليوم.

5


______*_______


نزلت نهلة إلى الطابق السفلي لتجد والدها لا يزال جالسًا برفقة والدتها وأشقائها، اقتربت منهم بملامح واجمة تعلوها جدية صارمة، وقالت بنبرة حاسمة:

-لو سمحت يا بابا، عاوزة اتكلم معاك لوحدنا في المكتب.


قابل نبرتها الحادة بابتسامة هادئة محاولاً امتصاص توترها، ورد عليها برفقٍ وهو يشير لها:

: تعالي اقعدي الأول علشان عاوزك في موضوع مهم.


أجابته بآلية وجفاء شديدين:

-عرفاه.


تبادل الجميع نظرات تعجب واستغراب، فاستطردت مفسرة:

-كنت نازلة من شوية وسمعت حضرتك.


تدخلت راندا، وسألتها بنبرة مبطنة بالهدوء:

-وإيه رأيك يا نانا في اللي سمعتيه؟


التفتت إليها وقالت بثبات:

-رأيي معروف لحضرتك.


وقبل أن يفتح أي منهم فاه ليعقب، بادرت بالحديث سريعًا وهي تنظر لوالدها برجاء ممتزج بالإصرار:

-من فضلك يا بابا.


تنهد بعمق واستسلم لإلحاحها، ثم نهض واضعًا يده على كتفها بحنو، وتحركا معًا خطوة بخطوة حتى اختفيا خلف باب المكتب، بينما تابعت راندا أثرهما بنظراتٍ تفيضُ بالاطمئنان.


داخل المكتب، جلس منير على الأريكة الوثيرة وأشار إليها بالجلوس، فامتثلت وجلست بجواره مباشرة. أخذ يدها الصغيرة بين كفيه الدافئتين وقال متبسمًا:

-أدينا بقينا لوحدنا، قولي اللي أنتِ عاوزاه.


ثبتت عينيها في خاصتيه، وبنظراتٍ تصرخ بكل ما في قلبها من وجع تمتمت:

-حضرتك عارف أنا بحبك وبحترمك قد إيه.


هز رأسه مؤكدًا، وخرج صوته دافئًا يفيض بالحنان:

-طبعًا عارف.


تابعت بنبرة توسل مريرة:

-أنا عاوزة أحافظ على درجة الحب والاحترام ده يا بابا، مش عاوزة مكانتك تقل في قلبي.


عقد حاجبيه دهشةً وسألها مستنكرًا:

-ومكانتي هتقل ليه في قلبك يا نانا؟


ترقرقت الدموع في عينيها الغارقتين بالأسى، وبدأت تتجمع لتشكل غشاوة تخفي ملامحه وهي تجيبه:

-تفتكر لو حضرتك ظلمتني، هفضل محتفظة بنفس درجة حبي ليك جوة قلبي؟!


أجابها بلهفة شديدة وخوف حقيقي من أن يمسها سوء:

-وأنا آخر حاجة ممكن أفكر فيها إني أظلمك.


لمعت الدموع في عينيها مهددةً بالهبوط، فسألته بصوت متهدج، قبل أن تخترق صدرها شهقة بكاء رغماً عنها:

-ولما تحرمني من الإنسان الوحيد اللي اتمناه قلبي، متبقاش بتظلمني يا بابا؟


رغم أن قلبه اعتصر ألمًا لمنظر دموعها التي تقاوم النزول كبرياءً وتمردًا، إلا أنه حافظ على هدوئه وثباته، وقال بصوت رصين:

-لا يا نهلة، مش هبقى بظلمك، هبقى بحافظ عليكِ

وبرشدك للصح، وأرجعك لما تضلي الطريق .

2


نحت كل مشاعر الخجل جانبًا، وهمست بنداء قلبها الصادق دون أي مقدمات:

-أنا بحب رشيد أوي يا بابا، لو سابني هموت صدقني.


هزت رأسها بضعف فانهمرت الدموع بعد أن فقدت السيطرة على حبسها، واستطردت بانهيار:

-لو بعد عني هتكون نهايتي.


ابتسم بنظرات امتزجت بالشفقة والحنان معًا، ثم ربت على يدها بحنو بالغ وقال مسكنًا روعها:

-بيتهيأ لك يا حبيبتي، بكرة بعد ما تتجوزي الشخص اللي أنا اخترتهولك، هتتأكدي إن كل اللي عشتيه مع الولد ده مكنتش مشاعر حقيقية، كانت مشاعر مراهقين، انتهت مع دخول الحب الحقيقي لحياتك.

1


رمقته بنظرة ساخرة يكسوها الوجع، وسألته بتهكم:

-ويا ترى مين تعيس الحظ اللي ربنا هيبتليه بواحدة مكتوبة على إسمه، لكن قلبها ملك لغيره؟!


تغاضى عن سخريتها اللازعة، واكتسى وجهه بجدية صارمة دون أن تفارقه تلك الابتسامة الواثقة، وقال مستعرضًا:

-شاب من عيلة كبيرة جدًا، مستشار زميل رفيق.


ثم صمت قليلاً يتذكر ما نقلته له زوجته، وتابع وعيناه تحملان عتابًا رقيقًا:

-ماما بتقول إنه قدم لك نفسه في الفرح وطلب يرقص معاكِ، بس أنتِ رفضتي وصدتيه.


قطبت جبينها محاولة استرجاع ملامح ذلك الشاب الذي اقتحم خصوصيتها في حفل الزفاف، سرعان ما لمعت صورته في ذاكرتها، فزفرت بضيق وقالت باستهانة:

-أياً كان هو مين فده شيء ما يخصنيش، لأني مش هتجوز غير رشيد يا بابا.


أمسكت يده بين كفيها وتوسلت إليه بنبرة يملؤها الرجاء والاستعطاف:

-علشان خاطري اختصر عليا وجع القلب والعذاب، ووافق على رشيد، لو كنت غالية عندك بجد.


أمالت رأسها تستعطفه بنظراتها الانكسارية التي تفيض بالدموع، واستطردت:

-وافق يا بابا، علشان خاطري.


ابتسم برقة، وخرج صوته دافئًا حنونًا:

-علشان خاطرك، وعلشان انتِ أغلى ما عندي.


تسلل الأمل إلى قلبها للحظة، وانعقد لسانها وهي تنصت إليه بتركيز شديد، لكنه تابع كلماته ليصفعها بقسوة، ويعيدها إلى نقطة الصفر محطمًا كل أمانيها:

-فأنا خلاص، وافقت على المستشار أدهم، وإن شاء الله هيجي لنا زيارة الأسبوع ده مع عيلته، وهنتفق على ميعاد الخطوبة.

3


التقت عيناه بعينيها المصدومتين، ليتمتم بنبرة يحاول بها ترميم شظايا قلبها:

-صدقيني يا بنتي ده لمصلحتك، ده الراجل اللي يستحقك بجد يا نهلة.

1


رمقته بنظرة تهكمية باردة، وسألته بسخرية لاذعة:

-ولو رفضت؟ هتجوزني غصب عني ولا إيه يا منير باشا؟!


تلاشت الابتسامة عن وجهه، واكتست ملامحه بحزم صارم ليقطع أمامها كل سبل الجدال، وهو يقول بنبرة حادة:

- لو وصلت لكده مش هتردد يا نانا،و ده أكيد هيكون لمصلحتك.

هزت رأسها ببطء وقد تملكتها صدمة عاتية، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة مريرة. وفجأة، سحبت يدها من بين كفيه بسرعة البرق، وهبت واقفة كأنما لدغتها أفعى.


تحركت بخطوات متسارعة نحو الباب دون أن تنبس ببنت شفة، وخرجت من المكتب كالإعصار، تحت أنظار أفراد عائلتها المترقبة والحذرة.


توجهت نحو السلم بخطوات مثقلة، وما إن وطئت قدمها الدرجة الأولى حتى تجمدت في مكانها،حيث اخترق سكون المكان صوت والدها الحاد، نبرته كانت مغلفة بصرامة قاطعة لا تقبل النقاش وهو يناديها:

-نهلة


لم تلتفت إليه، وظلت واقفة بظهرها، متمسكة بمستند السلم وكأنها تستمد منه القوة، واصل حديثه بجدية جافة أطاحت بكل آمالها:

-اعملي حسابك العريس وأهله جايين يوم الخميس.


رفرف قلب راندا بين ضلوعها من فرط السعادة،أما سامح، فقد تنفس الصعداء، وخرجت تنهيدته محملة براحة وانتشاء بعد طول ترقب.


بينما نهلة، أغلقت عينيها بقوة كمن تلقى صفعة مباغتة، اعتصر الألم قلبها حتى شعرت بنبضاته تصرخ داخل صدرها، لم تحتمل البقاء ثانية واحدة، ركضت صاعدة الدرجات بسرعة جنونية، ودلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب وراءها، راحت تدور حول نفسها كالمجنونة، عقلها يشتعل بالأفكار، وعيناها تائهتان، تبحث يميناً ويساراً عن أي مخرج ينقذها من هذا المأزق الذي يكاد يودي بحياتها وحبها.


______*_______


داخل منزل صادق، كانت الأجواء رائعة، تضح بالإحتواء العائلي والدفء، خاصةً طوال الأيام الخمسة الماضية، حيث زار والدته في بلدتهما الريفية وعاد بها لتقيم في بيته، لكنها تعرضت لوعكة صحية ، فقررت بناتها الحضور إلى منزل شقيقهم فورًا للاطمئنان عليها، وجاء معهن أشرف، ليلقي تحية الوداع على خاله قبل موعد سفره الذي تحدد بعد ثلاثة أيام.


طلب صادق وجبة من الأسماك المنوعة جاهزة من الخارج، يعلم كم تعشق شقيقاته تلك النوعية من الطعام، التف الجميع حول مائدة الطعام الصاخبة، كان أشرف جالسًا على جمر من نار، يود لو يلتهم ملامح دليلة بعينيه، ويشبع من رؤيتها قبل رحيله، لكنه كان مكبلًا بالخوف، يخشى عليها من نظرات المحيطين، ويخشى غضبة خاله لو رأهُ.


كتم في أعماق صدره لهفة حارقة للنظر في وجهها، واكتفى باختلاس نظرات خاطفة بين الحين والآخر، يشعر بقهر وحزن يمزقان قلبه، كيف سيرحل ويتركها دون أن يستقر خاتم خطبته في إصبعها الصغير لكي يطمئن قلبه ويهدأ لهيب مشاعره.


نطقت فاطمة وهي توجه حديثها لوالدتها قائلة:

-جهزي نفسك علشان ترجعي معانا بقى يا ماما، البيت والبلد وحشين أوي من غيرك."


أيدتها أماني وهي تتطلع بنظرة تفيض بالحنان نحو والدتها:

-فيفي عندها حق يا ماما، إحنا بنروح البيت نأكل الطيور وما بنطقش نقعد فيه ساعة واحدة، بنأكلهم وننظف البيت ونمشي على طول.


كان صادق ينظف قطعة من السمك بعناية، ثم وضعها في طبق والدته، وقال بنبرة جادة وحاسمة:

-انسوا، ماما مش هتمشي من هنا تاني.


ثم التفت إلى والدته، وتابع بصوت دافئ يفيض بالصدق والحنو:

-ده أنا ما صدقت ارتحت وبالي راق من ناحيتها، ده كفاية إني بشوف وشها الصبح وأفطر معاها قبل ما اروح على شغلي.


اتسعت ابتسامة رُقية برضا، بينما هتفت دليلة بلهفة :

-آه يا تيتا، خليكي قاعدة معانا على طول.


تحدث شقيقها أحمد وقال متمسكًا بجدته:

-خليكِ معانا على طول يا تيتا، أنا اتعودت على الحواديت اللي بتحكيها لي كل يوم قبل ما أنام.


عادت دليلة لتتحدث بحماس، تحت نظرات أشرف التي تتابع كل حركة من شفتيها بشغفٍ:

-وحياتي لتوافقي يا تيتا، إحنا خلاص اتعودنا على وجودك معانا.


تحدثت عايدة بنبرة لائمة ومتهكمة وجهتها لشقيقها وأبنائه:

-يا سلام يا سي صادق أنت وعيالك، يعني بالك أنت يرتاح وعيالك ينبسطوا ويسمعوا حواديت، وإحنا بقى مش مهم؟


تنهدت رقية بعمق، وظل صوتها مجهدًا من أثر التعب وهي تحسم الجدال:

-خلاص يا عايدة، أنا أصلاً كنت ناوية أروح معاكم، بيتي وحشني، وجيراني كمان.


بادرت منى بنبرة صادقة ولطيفة :

-حضرتك منورانا ولسة مشبعناش من وجودك يا طنط، خليكي قاعدة معانا كمان أسبوع.


التفتت إليها رقية، وردت بهدوء مغلف بلوم شديد أحرج منى أمام الجميع:

-حلو كده، وبعدين هو أنتِ بتشوفيني أوي ولا بتقعدي معايا علشان تقولي منورانا؟ ده انتِ بتقومي من النوم ترمي لنا طبقين الجبنة والبيض والمربى على السفرة وتجري على شغلك، اللي ما شوفت لك شوية فول ولا شوية بتنجان مقلي وعليه فصين توم مدقوقين.

3


ثم لوت فمها بضيق واسترسلت متهكمة:

-وترجعي تعملي الأكل اللي ما بيتغيرش، يا إما مكرونة وبانيه، يا صينية بطاطس بالفراخ، ولا حبة خضار وشوية رز بالشعرية.

1


اعتلى الخجل وجه منى، ونكست رأسها بأسى تنظر في طبقها، شمل الخجل جميع الجالسين،


لكن رقية تابعت بحسرة خرحت من اعماق قلبها:

-عيني عليك يا ابني إنتَ وعيالك، لا شوية محشي يدفوا بطنكم، ولا طاجن رز معمر بالحمام يقويك.

1


اندفعت فاطمة تدافع عن زوجة أخيها قائلة:

-وأنتِ عاوزاها ترجع من شغلها تلف لك محشي يا رقية؟ دي ستات البيوت بيلفوه بالعافية.


كما تدخل أشرف مدافعًا ببسالة عن زوجة خاله، محاولاً تلطيف الأجواء:

-مرات خالي موظفة يا جدتي، يعني كتر ألف خيرها إنها بتعمل أكل أصلاً، اللي زيها معيشة أهل بيتها على التونة والأكل الجاهز.


لم يحتمل صادق رؤية الحزن اليائس الذي سيطر على عيني حبيبته وزوجته، فقرر التدخل فورًا ليكون كالعادة ملاكها الحارس وحامي حماها.


نظر إلى والدته وقال بلهجة حاسمة:

-البرنسيسة منى تعمل اللي هي عاوزاه ، ولو مش حابة تعمل أكل خالص، براحتها.


ابتسمت له بوهن وعيناها لا تزالان غارقتين في الشجن، التفت صادق إلى والدته يمازحها حتى لا يتسلل الحزن إلى قلبها:

-وبعدين يا حاجة رقية، معلقة الرز الواحدة من إيد أم أحمد، بمحشي الدنيا كله.


رغم تفاني الجميع في الدفاع عنها، إلا أن شعورًا طاغيًا بالخزي تملكها، تجمعت الدموع الحارقة في عينيها الغائمتين، فلم تحتمل البقاء تحت نظراتهم. انسحبت بخطوات متعثرة وهي تتمتم بصوت متحشرج بالبكاء:

-بعد إذنكم،البيت بيتكم.

1


توجهت سريعًا صوب المطبخ لتختبئ هناك، وقف صادق وتبعها بلهفة وقلق عارم.


التفتت فاطمة إلى والدتها، وعيناها تفيضان بالعتاب والحزن القاسي، وقالت:

-ليه كده يا ماما؟ مبسوطة دلوقتي؟ أهم قاموا وسابوا لك السفرة بحالها.

1


أشارت بيدها في الهواء باستهانة، واكتست ملامحها بصرامة حادة وهي ترد بجفاء:

-أنا قولت اللي شوفته بعنيا، الحق عليا يعني إني خايفة ومتضايقة علشان ابني و ولاده؟!


تدخلت أماني، وقالت بنبرة مستنكرة:

-منى ما تستاهلش تجرحيها بالشكل ده قدامنا يا ماما، دي بنت أصول، وعمرها ما ردت على واحدة فينا حتى لو ضايقناها بالكلام، وطول عمرها بتحبك وتحترمك.

هتفت بحدة وصوت مرتفع:

-وأنا يعني كنت عملت إيه لده كله يا بِت؟!


حاول أشرف تهدئة الأجواء المشحونة، فتدخل بصوت هادئ وموزون:

-اهدي يا جدتي، حصل خير.


التفتت إليه رقية وتحدثت بتهكم لاذع:

-اديني اتكتمت يا سي أشرف، حتى حزني على حال ابني وحظه مع مراته هكتمه وهخرس خالص.

2


اندفعت عايدة مدافعة بقوة، والضيق يرتسم على وجهها:

-وهي مالها بس منى يا ماما؟ ما هي زي الفل أهي، وبعدين دي موظفة، وأهي كتر خيرها بتعمل اللي تقدر عليه.


تنهدت رقية بحسرة غائرة، ونطقت بنبرة تقطر حزنًا:

-هو اللي مسمعش كلامي من الأول، وراح جاب واحدة عيانة وصحتها معدومة، ياما نصحته.


كانت "دليلة" تجلس مستمعة لكل هذه الإهانات، لجمت لسانها في البداية احترامًا لوالدها وجدتها، لكنها حين سمعت هذا الهجوم القاسي على أمها، لم تعد تحتمل الصمت.


ظهر الحزن جليًا على ملامحها وقالت بنبرة حاسمة:

-ماما مش مريضة يا تيتا، والحمد لله صحتها كويسة جداً، ولو على الأكل، ماما بتطبخ أحسن من أي حد، ويوم الإجازات بتعمل لنا محشي وكل حاجة.


راح أحمد هو الآخر يدافع ببراءة عن والدته:

-أيوه، وكمان بتعمل لنا بيتزا وحمام محشي وكل حاجة

1


نظرت فاطمة إلى الصغيرين بقلب يعتصره الحزن، وحاولت تدارك الموقف قائلة برفق:

-تيتا ما تقصدش يا حبايبي، الكلمة طلعت غصب عنها.


ثم التفتت إلى دليلة وتابعت مؤكدة:

-دليلة، الكلام ده ميتقالش لماما ولا بابا يا حبيبتي.


ردت بنضج وعقلانية تفوق سنوات عمرها ، وقالت بوعي:

-أنا مش صغيرة يا طنط، وأكيد مش هقول لماما كلام يضايقها.


ابتسمت فاطمة بإعجاب وارتياح، وقالت:

-ربنا يكملك بعقلك يا حبيبتي.


ثم التفتت إلى والدتها، وحسمت الأمر قائلة:

-أنا هقوم ألم لك هدومك علشان تروحي معانا يا ماما، إنتِ مالكيش طلوع من بيتك بعد كده،روحتي عند محمد اسبوع،ولعتي الدنيا بينه وبين مراته،وهنا كمان أهو،أدينا شوفنا بعنينا اللي حصل.

4


لوت رقية فمها، وقالت بحدة وجفاء:

-أحسن بردوا.

5


_______*______


في المطبخ، وقفت منى عاجزة عن حبس دموعها التي انسابت بغزارة على وجنتيها، لم تملك القدرة على التماسك أكثر، اقترب منها صادق وضمها إلى صدره باحتواء شديد، واضعًا كفه على ظهرها وراح يربت عليها بحنان دافئ عله يمتص حزنها، رفع وجهها برفق ممسكًا بذقنها، ونظر في أعماق عينيها الباكيتين، ثم مسح دموعها بإبهاميه وهو يبتسم ابتسامة يكسوها حزن دفين، وقال بنبرة غلفها الرجاء:

-أنا آسف يا منى، أرجوكِ بلاش تزعلي من ماما، هي ست كبيرة والمفروض ما ندققش على كلامها.


استجمعت شتات نفسها، وسحبت نفسًا عميقًا لتستعيد هدوءها الظاهري، ثم أجابته بصوت خفيض ولكنه مستقر:

-مش زعلانه منها، أنا بس صعبت عليا نفسي إنها قالت لي الكلام ده قدام الكل.


التمعت عيناه بنظرة اعتذار مكسورة، وهمس بنبرة نادمة:

-حقك عليا يا حبيبتي.


كان يعيش تمزقًا داخليًا، هو في موقف لا يُحسد عليه، فهذه الساكنة بين يديه هي زوجته وشريكة عمره، كرامتها من كرامته، ملزمًا بحمايتها والدفاع عنها.


والتي أخطأت في حقها هي أمه،والدته التي حملته في أحشائها تسعة أشهر، وسهرت على تربيته ورعايته حتى اشتد عوده وصار رجلًا.


أضف إلى ذلك أنها تقدمت في العمر ولم تعد تُحاسب على كل شاردة وواردة من أفعالها، فضلاً عن كونها وأخوته ضيوفًا في بيته الليلة، والواجب يفرض عليه أن يضعهم فوق الرأس ويرعاهم.


تنهدت منى بعمق حين لمحت قلة حيلته وتشتته الكامن في عينيه، فأشفق قلبها عليه وقالت له برقة:

-اطلع كمل أكلك يا صادق.


هز رأسه رافضًا وقال بإصرار:

-مش هطلع غير وأنتِ معايا.


حاولت رسم ابتسامة مطمئنة وقالت لتقنعه بالخروج:

-أنا خلاص شبعت يا حبيبي، ما أنتَ عارف إن أكلتي ضعيفة وبشبع بسرعة من أي حاجة.


نظر إليها بعجز، فربتت على كتفه بحنو وأردفت مستعطفة:

-عشان خاطري اطلع عشان إخواتك، هم ملهمش ذنب في اللي حصل، زمانهم سابوا الأكل وقاعدين زعلانين.


أمسك يدها وضغط عليها بقوة قائلاً بلهجة حاسمة لا تقبل النقاش:

-مش هخرج غير ورجلك سابقة رجلي.


حاولت جاهدة أن تثنيه عن قراره وتدفعه للعودة بمفرده، لكن إصراره كان كالجدار الصلب الذي لا يتزحزح، وأمام هذا التمسك، استسلمت لرغبته، وخرجا معًا متشابكي الأيدي.


وما إن دلفا لغرفة الطعام حتى جلسا إلى المائدة، وبادرا بالترحيب بضيوفهما وكأن شيئًا لم يكن، حينها، تنفست دليلة الصعداء وارتسمت على وجهها معالم الراحة والسعادة ، في حين خجل الجميع من رقي وتسامي تلك الـ منى.


وسط كل هذا، ظلت رقية جالسة ببرود تام ولا مبالاة، مقتنعة في قرار نفسها بأنها لم تقترف أي ذنب يستدعي الاعتذار.


______*_______


ليلاً

وقفت بجوار شباك غرفتها، تتطلع إلى عتمة الليل في الخارج بينما تتلاطم في رأسها الأفكار، مبعثرة وحائرة، تبحث عن مخرج.


قطع سكون صمتها رنين هاتفها، التقطته لتجد اسم "مايسة" يزين الشاشة، صديقة عمرها ومستودع أسرارها، والتي كانت تنتظر على أحر من الجمر لتطلع على ما آلت إليه مواجهتها مع والدها.


انهمرت الكلمات من ثغر نهلة وراحت تروي لمايسة كل ما دار بينها وبين أبيها من مشادات وخيبة أمل.


ثم شردت بعينيها نحو الحديقة، تراقب ظلال الأشجار الساكنة تحت ضوء القمر، وقالت بنبرة قاطعة:

-أنا خلاص، أخدت قرار وهنفذه بكرة.


سألتها مايسة بفضول قلق، يدفعه خوفها الدائم عليها:

-قرار إيه يا نهلة؟


قالت بصلابة لا تلين:

-أنا ورشيد لازم نتجوز وفي أسرع وقت.


ثم تنهدت بأسى ومرارة وكأنها تحمل ثقل الكون فوق كتفيها، وأردفت:

-لازم أحطهم قدام الأمر الواقع.

1


صُعقت مايسة، وسرى الخوف في عروقها، وقالت باستنكار شديد وذهول لم تستطع إخفاءه:

-أنتِ بتقولي إيه يا نهلة؟!، أنتِ أكيد اتجننتي.


انتفضت وصاحت بحدة، دفاعًا عن كرامتها وحبها:

- اتجننت؟!، اتجننت عشان بتمسك بحقي في الحياة؟!


حاولت مايسة جاهدة أن تلجم هذا الإندفاع، وأن تعيد صديقتها إلى عقلها قبل أن تتهور وتفعل ما لا يحمد عقباه، فقالت مستعطفة:

-مش بالطريقة دي يا نهلة، أنتِ كده بتدمري نفسك وبتدمري رشيد معاكِ


ثم تابعت بنبرة تحذيرية لعل الكلمات توقظها من غفلتها:

-إخواتك لو عرفوا هيدمروا رشيد، واحتمال يلفقوا له تهمة ويحبسوه ويضيعوا مستقبله.


توقفت الكلمات في حلقها وهلعها على مصير رشيد يزداد،لتتابع:

-حرام عليكِ يا نهلة، رشيد ما يستاهلش منك كده.

1


عقدت حاجبيها باستغراب من رد فعل صديقتها المبالغ فيه من وجهة نظرها، وقالت بثقة عمياء:

- محدش هيقدر يأذيه، إخواتي مش هيجرأوا يأذوه لو اسمه ارتبط باسمي، هيخافوا على نفسهم من الشوشرة والفضيحة.


انهمرت دموع صديقتها عجزًا وخوفًا من العواقب، وتوسلت إليها وهي تقول:

-بلاش تعملي كده يا نهلة، أرجوكِ اصبري.


أجابتها بنبرة قاربت على الجنون، وعيناها تتسع تيهًا وشرودًا:

-أصبر لحد إمتى يا مايسة؟!، لحد ما ألاقي نفسي قاعدة في الكوشة مع العريس اللي اختاروه على ذوقهم؟!


ثم تحولت نظراتها إلى صرامة مطلقة وعيون تشتعل بالتحدي:

-أنا خلاص أخدت القرار، وهكلم رشيد حالا وأخليه يقابلني بكرة في المكان بتاعنا، كل حاجة لازم تخلص بكرة، مش أنا اللي هقعد وأحط إيدي على خدي وأسيبهم يدمروني.

1


_______*________


انقضى سواد الليل الموحش، وأشرق نهار جديد يحمل في طياته شمسًا كان من المفترض أن تنشر خيوط الأمل والتفاؤل في القلوب، لكنه، على النقيض، جاء مريبًا، يغلفه الحذر والخوف في عيون البعض، كعيني نهلة التي باتت تقف على حافة هاوية لا تدرك عمقها، مقبلة على خطوة مجهولة العواقب، لكنها تمضي نحوها مكرهة، مدفوعةً بأمرٍ صارم من قلبها،ذاك العاشق المتمرد.


وعلى جانب آخر، كان الصباح حزينًا باهتًا لدى أشرف، الذي لم يعد يفصله عن السفر والغربة سوى يومين اثنين لا غير، استيقظ من نومه والهم يثقل صدره، ليجد أن جدته وخالاته وخاله وجميع أفراد عائلته قد استيقظوا قبله، وجلسوا في انتظاره ليتناولوا فطورهم الأخير معًا قبل أن يتحركوا عائدين إلى المنصورة.


بالفعل، تناولوا طعامهم في أجواء يغلفها التوتر، ثم ارتدا الجميع ملابسهم وتجهزوا للرحيل، طوال هذا الوقت، لم يرفع أشرف عينيه عن تلك الصغيرة التي تربعت على عرش قلبه وامتلكت وجدانه، دليلة.


لاحظت منى تلك النظرات المتعلقة بصغيرتها، فاشتعل داخلها بنار الضيق والغيرة على ابنتها، لكنها آثرت الصمت وتجرعت غصتها دون أن تنبس ببنت شفة.


آن أوان الرحيل وبدأت مراسم الوداع، فودع أشرف خاله ومنى وأحمد، ثم اتجه نحو دليلة حيث كانت تقف وحيدة في الحديقة الخارجية تروي الزهور، دنا منها بخطواتٍ مثقلة، ووقف قبالتها وعيناه تفيضان بوجع الفراق ولوعة الشوق المستعر وقال بنبرةٍ تصرخ ألمًا:

-أنا مسافر يا دليلة.


نظرت إليه بابتسامة هادئة وصافية، وأجابت برقة:

-توصل بالسلامة إن شاء الله يا أشرف.


لم يحتمل هدوءها، فاقترب خطوة أخرى وقال بصوت يقطر شوقًا متدفقًا:

-إوعي تنسيني يا دليلة.

1


ابتسمت بخفة وحاولت تلطيف الأجواء ببعض المزاح:

-هو في حد بينسى قرايبه برضه يا أشرف؟!


تغيرت ملامحه، ونظر إليها بنظرة ذات مغزى عميق، وقال بنبرة غامضة:

-فاكرة لما سألتك عن حياتك في السعودية وعن رأيك فيها؟


هزت رأسها بإيجاب وهي تحاول فهم مقصده:

- آه، فاكرة.


ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، وتابع بثقة تامة ونبرة تملأها التفاؤل:

-هترجعي السعودية تاني يا دليلة، وقريب جدًا إن شاء الله.


اتسعت عيناها باستغراب شديد من كلامه غير المفهوم، وردت عليه بدهشة:

-وأنا إيه اللي هيرجعني هناك؟! إذا كان بابا نفسه خلاص استقر هنا ومش ناوي يسافر تاني؟!


أشاح بوجهه قليلاً ثم التفت إليها وقال بغموض:

-كل شيء في وقته حلو يا دليلة.


ثم أردف بضعف وعيناه تتوسلان إليها للمرة الأخيرة:

-إوعي تنسيني يا دليلة.


ساد الصمت للحظة، فشعرت دليلة بالارتباك من تلميحاته، قطعت الحديث وتحركت بسرعة فائقة متجهة نحو البوابة الداخلية لتتهرب من الموقف، حيث رأت جدتها تخرج بصعوبة وهي تستند على عايدة.


هرعت نحوها وسندتها من الجانب الآخر بحنو، وهبطتا درجات السلم بتمهل شديد حتى وصلتا إلى السيارة.


وقف الجميع يودعون بعضهم بدموع انهمرت، لم يستطع أشرف التماسك، فارتمى في حضن خاله يبكي بحرقة وشهقات مكتومة عجز عن لجمها، بينما انهارت فاطمة من البكاء حزنًا على فراق ابنها.

1


استقل الجميع السيارة وتحركت بهم، تاركين وراءهم دليلة الواقفة وعيناها تترقرق بالدموع، بينما كانت كلمات أشرف الأخيرة تدور في عقلها وتلتهم تفكيرها،راحت تتساءل عن سر حديثه عن رحيلها، لكنها لم تترك نفسها طويلاً لهذه الحيرة، فنفضت تلك الأفكار من رأسها بعزم، وعادت إلى غرفتها لتستأنف مذكراتها من جديد.

1


______*_____


ارتدت نهلة ملابسها ، واستعدت للذهاب إلى الجامعة، أو هكذا كان الظاهر للجميع، تحركت في غرفتها بخطوات يشوبها التوتر والترقب، فتحت حقيبتها وتأكدت من وجود بطاقتها الشخصية، ثم دست فيها مبلغًا إضافيًا من المال تحسبًا لكل ما قد يطرأ في هذا اليوم المصيري.


اتجهت نحو المرآة ووقفت أمامها لتلقي نظرة أخيرة على مظهرها، كانت دقات قلبها تتسارع كطبول تقرع في صدرها، وتناقض غريب يرتسم على ملامحها، فوجهها يعكس خوفًا دفينًا من عواقب ما هي مقبلة عليه، بينما عيناها تلمعان ببريق التحدي والإصرار.

1


نظرت إلى انعكاس صورتها، وهمست لنفسها بنبرة خافتة لكنها حاسمة لترفع من ثقتها بما هي مقبلة عليه:

-أنا لم أُخلق للضعف، ولن أكون أبداً تلك الفتاة الوديعة التي تُساق خلف رغباتهم، سأحارب لأجل حبي لآخر قطرة في دمي، ولآخر نفس يتردد في صدري، ولن أستسلم.


وتابعت بقوة عل دقاتها تهدأ:

-إن كان العجز قد كبل يدي حبيبي، فغرامه قد منحني أجنحة لأحلق فوق أسوار العادات وأحطمها.


لن أسمح لأموال أبي ولا لمناصب إخوتي، أن تسرق مني الرجل الذي اختاره قلبي، سأكون أنا درعه وسنده، وسأواجه الدنيا كلها من أجله، فإما أن أكون له، أو لا أكون لأحد.


وصلت إلى الجامعة وأسرعت لاتمام محاضراتها، لم تكن دقات الساعة تمر بل كانت تحترق كأعصابها المشدودة، انتهت وهرعت إلى مكانهما الخاص، حديقة عامة منزوية، اتخذت أشجارها الكثيفة ساترًا يحمي أسرارهما من فضول العابرين.


هناك، كان رشيد بانتظارها، والاستغراب يرتسم على ملامحه من نبرة صوتها في الهاتف، جلسا معًا على دكة خشبية عتيقة، ولم تمنحه نهلة فرصة لالتقاط أنفاسه، بل التفتت إليه بعيون يملأها الإصرار والتحدي، وقالت بكلمات قاطعة نزلت عليه كالصاعقة:

-رشيد، إحنا لازم نتجوز النهاردة.


بالكاد ألقت بقنبلتها، حتى تجمد الهواء في عروق ذلك الشخص الذي وصل للتو، وقف خلف دكتهما الخشبية متسمرًا، ملتزمًا السكون التام كي لا يلفت الأنظار أو يشعرا بوجوده، سكنت حركته تمامًا، واتسعت عيناه بذهولٍ صاعق شل أطرافه، فور أن هبطت جملة تلك الجريئة على مسامعه كقنبلة موقوتة شطرت قلبه، وأضرمت النيران في أعماقه.

5


إنتهى الفصل.


ترى من يكون هذا الذي كشف سرهما، وما الكارثة التي يحملها لهما في جُعبته؟!

تابعوني لمعرفة المزيد من الأسرار.

#لَوْلاَ_الغَرَامُ



السابع عشر من هنا 

مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات