📁 آخر الروايات والقصص

رواية حبائل الجمر الفصل الرابع عشر 14 بقلم ياسمين الهجرسي

رواية حبائل الجمر الفصل الرابع عشر 14 بقلم ياسمين الهجرسي


*****
"فحيح الرصاص"
*****

انقشعت عتمة الليل عن صباح خريفي واجم، يحمل في هبائه رائحة تراب رطب ينذر بمطر مؤجل.

كانت الحارة تبدو في ظاهرها هادئة، لكن العيون خلف الشيش كانت تترقب الأنفاس المكتومة.

في الشقة الأرضية، كانت رجاء تقف أمام حوض المطبخ الصغير، تغسل وجهها بماء بارد لعل صقيعه يطفئ نيران التوتر النفسي التي تنهش عروقها منذ ليلة أمس.

لم تفارق مخيلتها تلك اللحظة التي قبض فيها محمود على كفها، ورائحة عِطره النفاذة التي ما زالت عالقة بأركان المحل الخشبي كأنها قيد اختياري.
تنحنحت بقوة وهي تجفف وجهها بشالها القطني، ثم التفتت لتجد شقيقها مجدي واقفاً عند عتبة الصالة، يرتدي جلبابه ويمسك في يده عصا غليظة من الخيزران –عصا رأفت الجمال القديمة– وعيناه حمراوان من فرط السهر والنخوة التي استيقظت في دمه نظر إليها بنبرة حنونة سكنها الأسى وقال بصوت منخفض:

"صباح الخير يا رجاء أنا صاحي من الفجر واقف على أول الزقاق، وعيونك ما تشوف إلا النور محمود منفذ وعده، سيارته واقفة على ناصية الشارع الرئيسي من ساعتها، والراجل ما غمضش عين واحدة طول الليل عشان يحرس عتبتك."

تصلب جسد رجاء، وشعرت بغصة حارة في حلقها امتزجت بكبرياء ابنة رأفت الجمال.

تقدمت نحو الباب، وفتحت النوافذ الخشبية للمحل لتدخل برودة الصباح، وقالت بجفاء حاولت جاهدة تشييده كحصن:

"كتر خيره وخيرك يا مجدي بس أنا مش هقضي عمري مستخبية ورا جدران وخايفة من خيالى الشغل كتير والناس ليها مواعيد وقماش، وأنا نازلة المحل دلوقتي، والي يجرى يجرى."

نزلت إلى المحل، وجلست خلف ماكينة الخياطة السوداء، وأمسكت بقطعة من الحرير الأبيض المقصب، وبدأت في تدوير عجلة الماكينة بعزم أحدث فحيحاً حاداً قطع سكون الصباح.

عند منتصف النهار، كان مجمع المحاكم يغص بالحركة وضوضاء المتقاضين في مكتب المحامي الفخم، كان محمود يقف أمام لوحة مغناطيسية صغيرة ثبت عليها أوراق قضية عادل وتحريات المباحث الأخيرة.

كان قد فتح أزرار قميصه العلوية، وعيناه تشتعلان بجنون الغيرة والحماية التي تحولت في صدره إلى بركان قابل للانفجار في أي لحظة.

دخل مساعده القانوني حاملاً ملفاً أحمر، وقال بنبرة سادها القلق والوجع:

"يا متر.. التحريات أكدت إن عادل كان شغال مع شبكة بتهرب شحنة تقيلة الأسبوع ده من الموانئ، والراجل اللي هددته في الزقاق ليلة امبارح يبقى دراع أسامة.. وأسامة ده مبيسميش على حد يا باشا، وعادل أهدر دمك جوة السجن لرجاله برة."

ضيق محمود عينيه بحدة وعيد تقطع الأنفاس، وضغط على حافة مكتبه الخشبي حتى ابيضت قفصتا يديه، وقال بصوت جهوري رخيم يزلزل أركان الغرفة:

"يروحوا في داهية هما والشحنة بتاعتهم!

أنا رجاء وعيالها عندي بأمن البلد كله الورق ده يتسلم لـرئيس المباحث فوراً، والقوة تتحرك تراقب المداخل والمخارج أنا مش هقعد مستني لغاية ما الحشرات دي تقرب من لحمي وعرضي."

التفت، وسحب سترته الكحلية وسلاحه المرخص، وانطلق كالإعصار متوجهاً بسيارته نحو حارة رأفت الجمال، وعقله يرسم خيوط مواجهة يعلم أنها أصبحت مسألة ساعات.

في الحارة، كانت الشمس قد بدأت في الميل نحو الغروب، تاركة ظلالاً طويلة كئيبة تمتد بين البيوت المتلاصقة.

كانت رجاء تنهي قص الثوب الأبيض، وبجانبها تقف العمة "رجاء" (أم محمود) تطحن حبات البن في الهاون النحاسي، مُحدثة رنيناً منتظماً يهدئ روع المكان.

نظرت العمة إلى سميتها بنظرة تفيض وداً ورومانسية مشحونة بالشجن القديم، وقالت بصوت هادئ يحمل حكمة السنين:

"شايفة يا بنتي؟

رنين النحاس ده بيفكرني بأيام زمان أيام ما كان محمود ييجي يقف تحت البلكونة عشان يلمح طيفك بس.

الراجل بيموت في هواكي يا رجاء، وغلطته زمان كانت طيش شباب والندم غسله بلاش النشفية دي، عادل وراه شر كبير، ومحمود هو الجدار الوحيد اللي هيقدر يشيل عنك وعن عيالك الحمل ده."

أشاحت رجاء بوجهها، والمعادلة الصعبة تفكك أعصابها، ولمعت عيناها بدموع حارة كبتتها بكبرياء، وقالت بصوت متهدج مكسور:

"الجدار اللي اتكسر زمان يا عمتي مبيتصلحش بكلمتين أنا بخاف، بخاف أصدقه فأرجع ألاقي نفسي في الجحيم تاني سيبيني في حالي الله يخليكي."

وفي اللحظة ذاتها، انشق سكون الزقاق الضيق عن صوت محرك سيارة داكنة ذات زجاج فاميه أسود، دخلت الحارة بسرعة مريبة وأحدثت صريراً حاداً أثار فزع المارة.

توقفت السيارة بعنف أمام عتبة المحل مباشرة، وانفتح الباب الخلفي ليخرج منه رجلان ملثمان، في يد كل منهما سلاح ناري أوتوماتيكي!

صرخت العمة رجاء برعب ولطمت صدرها:

"يا مري!

الحقونا يا ناس!

عيال عادل!"

انتفضت رجاء كالملسوعة، وسحبت مقصها الحديدي من فوق الطاولة ليكون سلاحها الأخير، ووقفت أمام عمتها وصغارها الذين صرخوا بفزع من الغرفة الخلفية.

وقبل أن يخطو المسلح خطوة نحو الداخل، انطلقت سيارة محمود من ناصية الشارع الرئيسي كالقذيفة، واصطدمت بعنف بـمؤخرة سيارة الخاطفين ليحدث دويّ تصادم مروع زلزل أركان الحارة.

ترجل محمود من سيارته وعيناه تشتعلان بجنون بري وعشق مشتعل بالغيرة والوعيد، وسحب مسدسه وصاح بصوت رعدي شق عنان السماء:

"وحياة رب العزة ما هتمشوا منها عايشين يا كلاب!"

انفجر المكان بصوت تبادل إطلاق نار كثيف وحاد؛ الرصاص يخترق الجدران الخشبية للمحل، ويصنع ثقوباً مرعبة، والزجاج يتناثر كالمطر فوق أثواب الحرير والقماش المخملي.

انحنى محمود خلف باب سيارته، يطلق النار بدقة متناهية وعروق يده برزت بشكل مخيف، حتى أصاب ذراع أحد المسلحين الذي سقط سلاحه على الأرض وهو يصرخ بغل.

اندفعت رجاء نحو النافذة الزجاجية المكسورة، وعيناها معلقتان بـجسد محمود الذي كان يواجه الرصاص بصدر مكشوف دفاعاً عنها وعن لحمها في تلك اللحظة، رأت المسلح الثاني يوجه فوهة بندقيته نحو صدر محمود مباشرة وهو يتحين الفرصة لإطلاق الرصاصة القاتلة.

بلا وعي، وبدافع من العشق القديم الذي انبعث كـالطوفان من تحت رماد السنين والوجع، صرخت رجاء بصوت شرخ جدران الحارة وهز قلوب الحاضرين:

"محمووووود!

حاسب يا محمود! لأااااا!"

التفت محمود على صوت صرختها، ولمح حركة المسلح، فانبطح على الأرض في جزء من الثانية، بينما اخترقت الرصاصة زجاج سيارته لتستقر في الجدار الخشبي خلفه وفي الوقت ذاته، انشق أول الزقاق عن دخول سيارات المباحث وأمناء الشرطة يتقدمهم شقيقها مجدي وعصاه في يده، ليطلق الضباط النار بكثافة أجبرت المسلحين على التراجع والركوب في سيارتهم المبعثرة والفرار بجنون وسط غبار الطريق واشتباك القوات.

ساد صمت ثقيل، لزج، قطعه صوت أنفاس محمود المتسارعة وهو ينهض من على الأرض ببطء، وثيابه مغطاة بتراب المعركة.

لم ينظر للضباط، ولم يلتفت لـمجدي، بل اندفع بخطوات واسعة وهستيرية نحو داخل المحل.

وجد رجاء واقفة ممسكة بالمقص، جسدها كله ينتفض بعنف، ودموعها تنهمر بلا توقف كالمطر الشديد.

اقترب منها حتى انعدمت المسافة بينهما، وبحركة تفيض بالرومانسية المشتعلة والود الشديد الذي يميل إلى الشغف والجنون، قبض على كتفيها العاريين من الشال وقربها إلى صدره الدافئ القوي، وهتفت أنفاسه الحارة في وجهها مباشرة بنبرة اهتزت لها جوارحها:

"أنتِ كويسة؟

جرالك حاجة؟

العيال حصل لهم حاجة؟

انطقي يا رجاء صوت صرختكِ دي خلع قلبي من مكانه!"

نظرت رجاء في عمق عينيه المليئتين بالدموع والخوف الحقيقي عليها، وشعرت بأن حصونها وعنادها قد تفتتا تماماً أمام هذا الرجل الذي كان مستعداً للموت لأجلها ولأجل صغارها.

تلاقت أعينهما في نظرة طويلة، مشحونة بالندم القديم، والعهد الجديد الذي كُتب بالرصاص والدم، وفُتح في قلبها السؤال الأخير الذي لم يعد ممكناً إغلاقه:

هل حان الوقت لتلقي بنفسها في هذا الملاذ الدافئ وتغلق صفحة الوجع للأبد؟

يتبع...


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات