📁 آخر الروايات والقصص

رواية حبائل الجمر الفصل الثالث عشر 13 بقلم ياسمين الهجرسي

رواية حبائل الجمر الفصل الثالث عشر 13 بقلم ياسمين الهجرسي

*****
"حصار الظلال"
*****
تسمرت عينا محمود في الظلام، واستقرت يده فوق سلاحه المرخص المثبت تحت سترته، بينما كان جسده الضخم يتأهب للاقتلاع كصخرة انفتقت عن جبل.

لم تكن المسألة مجرد حدس محامٍ؛ فالرجل الواقف عند ناصية الزقاق كان يتحرك بخطوات مدروسة، عيناه تلتهمان واجهة المحل المضيئة حيث تجلس رجاء، ويده تتحرك داخل جيب معطفه بحذر مريب.

خطا محمود خطوة واسعة وصامتة مستغلاً عتمة الجدار الممتد، وفي لمح البصر، التفت ذراعه القوية حول عنق الرجل من الخلف، وضغط بقسوة ألجمت صرخته قبل أن تخرج، بينما غرس فوهة مسدسه في خاصرته، وقال بصوت منخفض، رخيم، كفحيح الأفعى:

"لو شفت خيال نفسك في الشارع ده تاني، هفرغ الطبنجة دي في دماقك انطق!

مين اللي باعتك؟

عادل ولا أسياده؟"

ارتجف الرجل برعب حقيقي تحت قبضة محمود الحديدية، وحاول استنشاق الهواء بصعوبة وهو يتمتم بكلمات متقطعة:

"أنا.. أنا ماليش دعوة يا باشا!

أنا مجرد عين.. قالوا لي راقب المحل ده وصاحبته، واعرف مين بييجي ومين بيخرج.. والله ما أعرف أكتر من كده!"

دفعه محمود بعنف تهاوى معه الرجل على الأرض، ثم انحنى فوقه وعيناه تشتعلان بجنون الغيرة والحماية، وقال بنبرة تقطع الأنفاس:

"ترجع للي باعتك وتقوله رجاء الجمال وعيالها خط أحمر، ولو لمحنا حد منكم بيحوم حوالين الحارة، مش هكتفي بـ عادل في السجن أنا هجيب عاليها واطيها على رؤوسكم كلكم انسى من وشي!"

ركض الرجل كالمجنون يجر أذيال الخيبة في عتمة الليل، بينما وقف محمود يلهث من فرط الأثر والتوتر النفسي.

التفت نحو المحل، ووجد رجاء قد انتبهت للصوت بالخارج؛ كانت تقف خلف النافذة الزجاجية، ممسكة بمقصها الحديدي، وعيناها الحادتان تدوران في الزقاق بقلق عارم.

لم يتردد محمود، بل خطا نحو عتبة المحل ودفع الباب الخشبي ليدخل رائحة عِطره النفاذة سبقت جسده القوي، لتمتلئ أركان الغرفة بالدفيء والهيبة التي تحيط به دائماً.

تراجعت رجاء خطوة للوراء، وحاولت جاهدة إخفاء رعشة يدها الممسكة بالمقص، ونظرت إليه بعينين حمراوين من فرط السهر وقالت بجفاء مصطنع تشوبه نبرة حذر:

"في إيه يا محمود؟

إيه الحركة اللي برة دي؟

وأنت إيه اللي جابك في وقت زي ده؟"

أغلق محمود الباب الخشبي خلفه بالمزلاج الحديدي بهدوء شديد، ثم التفت إليها، وخطا خطوات بطيئة وثقيلة حتى وقف أمام طاولتها مباشرة، ولم يفصله عنها سوى شبر واحد.

مرر نظرة دافئة تفيض وداً وشغفاً على وجهها الشاحب، ثم قال بصوت منخفض وعميق يضرب في عمق الروح:

"جيت عشان أحميكي يا رجاء.. جيت عشان عادل مش هيهدى، والكلاب اللي برة السجن بدأوا يتحركوا حوالين المحل الشغل اللي بتعمليه ده لازم يقف مؤقتاً، والنزول والطلوع من الحارة ميبقاش إلا معايا."

برقت عينا رجاء بالعناد الساكن في عروقها، ورفعت رأسها بكبرياء جريح يتحدى سيطرته، وقالت بنبرة حادة:

"يقف؟

وشغلي وقماش الناس وعيالي اللي بـأكلهم من عرق جبيني؟

أنت فاكر نفسك مين عشان تتحكم في نزولي وطلوعي يا متر؟

أنا خلعت عادل عشان أخلص من التحكم والذل، مش عشان أرجع أتحبس في سجنك أنت!"

ساد صمت ثقيل، مخنوق، لم يكن يسمع فيه سوى النبضات المتسارعة لأنفاسهما المتقاربة.

ضيق محمود عينيه بوعيد حارق، ولم يتمالك طوفان العاطفة والندم القديم الذي ينهش صدره منذ خمس سنوات؛ مد يده الكبيرة الدافئة ببطء، وبحركة جريئة تحمل من الجنون بقدر ما تحمل من الحنان، قبض على كفها الممسكة بالمقص، وضغط عليها برفق حتى ارتخت أصابعها وسقط المقص على الطاولة محدثاً صوتاً معدنياً حاداً.

اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسه الحارة تلفح وجنتيها، وقال بنبرة تقطر عشقاً وشجناً تغلغل في أعماقها:

"أنا مش بتحكم فيكي يا بنت رأفت الجمال أنا بخاف عليكي!

بخاف لدرجة إني ممكن أهد الدنيا فوق دماغ اللي يفكر يمس شعرة منك!

عادل وراه شبكة كبيرة، والظاهر إن قضية الخطف والخلع عملت ليهم شوشرة أنا مش مستعد أخسرك تاني يا رجاء أنا ضيعتك زمان بغباوتي، وعشت خمس سنين ميت في البُعد، وقسماً بمن أحل القسم، لوابيع عمري كله عشان تعيشي في أمان أنتِ وعيالك، لأبيعه وأنا فرحان متقسيش عليا، ودق قلبك ده أنا سامعه وعارف إنه لسه فاكر محمود."

اهتز كيان رجاء بالكامل تحت وطأة كلماته المشتعلة، وشعرت برعشة حارقة تسري في أطرافها من دفيء يده التي ما زالت تطوق كفها لمعت عيناها بدموع حبستها بكبرياء، وأشاحت بوجهها قائلة بصوت متهدج مكسور:

"الدق اللي أنت سامعه ده دق الخوف والوجع يا محمود مش الحب أنت سيبتني زمان في وقت كنت محتاجة لك فيه، والكسرة دي هي اللي رمتني في طريق عادل متطلبش مني أفتح لك الباب والبيت لسه مهدود سيب إيدي وامشي."

نظر محمود إلى وجهها المغطى بالدموع بنظرة تفيض بالود الشديد والندم، وقبّل أطراف أصابعها برفق أذاب صقيع قلبها رغماً عنها، ثم ترك يدها ببطء وتراجع خطوة للوراء، وقال بصوت حاسم وعينيه تشعان يقيناً:

"هسيب إيدك دلوقتي بس مش هسيب الحارة المحل ده مش هيتقفل، بس أنا هكون واقف على الناصية ليل نهار تصبحي على خير يا دنيتي."

في الأعلى، خلف شيش البلكونة المظلمة، كانت شادية تقف ممسكة بـحقيبتها الصغيرة، وقد عادت خفية في الليل لـتأخذ بعض أشيائها دون أن يراها مجدي كانت تطقطق لبانها بغل وعيناها تلتهمان مشهد خروج محمود من المحل بسيارته.

التفتت ووجدت مجدي واقفاً خلفها في الصالة، وعيناه تشتعلان بغضب ونخوة استيقظت تماماً، وقال لها بصوت صارم قاطع:

"أنتِ إيه اللي جابك هنا تاني يا شادية؟

مش أنا قولت لكِ ملمحش طيفك في الحارة دي لغاية ما تتربي وتعرفي قيمِت أختي؟"

لوت شادية فمها باحتقار وقالت بنبرة تقطر سماً:

"جاية أخد حاجتي يا أبو نخوة!

روح شوف أختك السنيورة الخلوعة، المحامي خارج من عندها في نص الليل والباب مقفول عليهم!

الحارة بكره هتاكل وشنا، وأنت قاعد تتشطر عليا أنا!"

تقدم مجدي نحوها بسرعة زلزلت الأرض، ورفع يده وضربها صفعة قوية رمتها على الأريكة، وقال بصوت جهوري هز أركان الشقة:

"المحامي ده يبقى محمود ابن عمتنا وسيد رأسك ورأسي!

وأختي دي ست بمليون راجل وقعدت في الحرام مع مجرم خمس سنين بسببي وبسببك!

وربي في سماه لو سمعت صوت لبانك ده أو تلقيح كلامك تاني، ليكون طلاقك بالتلاتة ورميتك في الشارع ملِكيش تمن! غوري من وشي!"

انكمشت شادية برعب حقيقي وهي تبكي وتلمم حقيبتها وتخرج هاربة في عتمة السلم، بينما وقف مجدي يتنفس بعنف، حاسماً أمره أن يكون الجدار الثاني لأخته بجانب محمود.

وفي اللحظة ذاتها، في شوارع القاهرة البعيدة، كانت سيارة داكنة تقف في مكان مهجور، وبداخلها كان الرجل الذي طرده محمود من الزقاق يتحدث عبر الهاتف بنبرة مرتعشة:

"يا باشا المحامي طلع ذئب ومش سهل، وكان معاه سلاح وهددني الست دي محمية كويس من أهلها ومنه."

جاءه الصوت عبر الهاتف بارداً، قاطعاً، يحمل فحيح الموت:

"المحامي ده لازم ينتهي والعملية الكبيرة الأسبوع الجاي مش هتبوظ عشان ست ومحامي حارة جهزوا الرجالة، المرة الجاية مش هتبقى مراقبة المرة الجاية هتبقى دم.

يتبع....



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات