رواية الفرار من العشق كامله وحصريه بقلم اميرة خالد
الفصل الأول
يدخل رحيم الدوار بكل هيبة وقوة ملامحه جادة صوته جهوري يملأ المكان بالقلق والسيطرة
رحيم
في إيه يا حاجة العمدة ماله
هانم
ما فيش حاجة يا بني ده هو بس دايخ شوية واحنا جبنا له الدكتور.
يخرج الدكتور من غرفة العمدة يقترب منه رحيم بسرعة وعينيه بتدور فيها تساؤلات
رحيم خير يا دكتور؟ مطمنّا؟
الدكتور: ما فيش حاجة تقلق يا رحيم بيه، الضغط عالي شوية بس الحمد لله بقى كويس دلوقتي.
رحيم (يتنفس الصعداء): الحمد لله..
الدكتور (موجهاً كلامه لهانم ورحيم): لازم تخلوا بالكم من أكل الحج، وتقللوا الملح في الأكل شوية، وكمان مواعيد العلاج تتأخد في وقتها بانتظام.
رحيم: حاضر يا دكتور، واصلة معاك.. (يخرج الدكتور).
(يدخل رحيم لغرفة والده، يجد العمدة مستلقي على السرير وعلامات الكبر والتعب ظاهرة عليه)
رحيم: في إيه يا عمدة؟ مالك إيه اللي جرى؟
العمدة (يفتح عينيه بصعوبة، وصوته يخرج مبحوحاً من التعب): حاسس إن روحي راحت مني فجأة يا رحيم..
رحيم (يبتسم بمحاولة لتخفيف التوتر ويقعد جنبه): إيه يا عمدة! ده أنت لسه في صحتك وفي عز شبابك.. ده أنت لو حابب تتجوز تاني، أجوزك من الصبح!
العمدة (يضحك بسخرية ممتزجة بالحزن والكسرة): خلاص.. اللي كانت معاها قلبي.. راحت!
(في اللحظة دي تدخل هانم وعلى وشها علامات الضيق والغيرة المكتومة)
هانم (بحدة وضيق): بتتكلم عن مين يا عمدة؟!
العمدة (يغلق عينيه بتهرب وألم): ما بتكلمش على حد.. يلا اطلعوا بره وسيبوني أرتاح وأنام.
(رحيم يبص لأبوه باستغراب شديد من كلامه وغموضه، يقف ويلتفت لأمه)
رحيم: تعالي يا حاجة عايزك في موضوع بره.. (يخرج مع هانم).
(في الغرفة، يفتح العمدة عينيه ببطء، وتنزيل دمعة حارة على خده، يمسحها بقلة حيلة)
رحيم (بهدوء): بقولك إيه يا حاجة، المعلم ضاحي جايب مشتري للأرض اللي في الجهة الشرقية.. والراجل دافع رقم كبير.
هانم (يتملكها التوتر فجأة، وتتغير نبرة صوتها): بس أنا مش عايزة أبيعها يا رحيم!
رحيم (بتعجب): ليه يا حاجة؟ دي جايبة لنا ملايين، واحنا أولى بالفلوس دي نخش بيها في مشروع كبير.
هانم (بإصرار وخوف مكتوم): مالهوش لزوم.. الخير كتير والحمد لله، سيب الأرض ديت مكانها مش للبيع.
رحيم (يستسلم لرغبتها مؤقتاً): براحتك يا حاجة.. صحيح، رقية فين؟
هانم: بتجهز جوه عشان خطيبها جاي دلوقتي.
رحيم (بضيق لعدم رضاه عن الجوازة): ماشي يا حاجة.. مع إني مش عاجبني الجوازة ديت ولا داخلة دماغي، بس هعمل إيه، بنتك بتحبه.
هانم: سيبك من بنتك دلوقتي وشوف نفسك أنت.. أنت كبرت ولازم تتجوز، أنا عايزة أفرح بعيالك قبل ما أموت.
رحيم (يصرف النظر): إن شاء الله يا حاجة.. (يصعد إلى غرفته).
(تنزل رقية من على السلالم وهي بكامل أناقتها وفرحتها)
هانم (بنبرة لوم): لسه فاكرة تنزلي دلوقتي يا ست رقية؟
رقية: في إيه ياما؟ هو أنتي محتاجة حاجة وعملتهاش؟
هانم: لا يا اختي مش محتاجة.. خشي ادي العلاج لأبوكي عشان الدكتور كان عنده من شوية.
رقية (بخوف وفزع): أبويا؟! هو كويس؟ جراله إيه؟
هانم (بتهكم وضيق): أيوه يا اختي كويس.. ده هو اللي كيد النسا بتاعه هيجيب أجلي أنا!
(تدخل رقية بسرعة لغرفة أبوها، تلاقيه نايم في سلام، تطمن وتخرج بهدوء)
في شقة إسكندرية
(أجواء كئيبة، الحزن يملأ المكان. ألحان قاعدة بملابس سوداء، ملامحها مجهدة من البكاء، والجيران بيمشوا بعد ما قدموا واجب العزاء. تقترب منها صاحبتها ليلى وطبطب عليها)
ليلى: اهدي يا ألحان.. وحدي الله يا حبيبتي، كتر البكا ده هيجرى لك معاه حاجة.
ألحان (بدموع وكسرة): هيجرى لي إيه أكتر من كده يا ليلى؟ أمي سابتني.. سابتني لوحدي في الدنيا دي، ماليش حد!
ليلى (بإخلاص وحب): ما تقوليش كده يا ألحان.. أنا معاكي وعمري ما هسيبك أبداً، إحنا أخوات.
ألحان (تبتسم وسط دموعها): ربنا يخليكي ليا يا ليلى، ومتحرمش منك..
(بعد وقت، ينفض العزاء تماماً وتصبح الشقة هادية. تقوم ألحان تتوجه للدولاب، تطلع صندوق خشبي قديم مقفول بقفل حديدي. تطلع سلسلة والدتها من رقبتها، وتفك منها المفتاح الصغير وتفتح الصندوق)
ليلى (بفضول وهي بتراقبها): بتعملي إيه يا ألحان؟
ألحان: ثواني وهقولك كل حاجة..
(تفتح ألحان الصندوق، وتطلع منه: عقد أرض قديم، ورقة مطوية مكتوب فيها عنوان الشيخ زهران، ومجموعة صور ليها وهي صغيرة مع أمها وأبوها)
ليلى: يا بنتي في إيه؟ ما تفهميني بتدوري على إيه؟
ألحان (بدهشة وهي بتبص للورق): بصي كده يا ليلى.. الورق ده أمي قالت لي عليه وهي في المستشفى في أيامها الأخيرة.. ده عقد أرض بتاعتها، وطلبت مني إن أبيعها وأسافر أكمل تعليمي بره مصر.
ليلى (تاخد منها العقد وتفتح عينيها بذهول): وريني كده.. إيه ده يا ألحان؟! الأرض دي مساحتها 20 فدان!
ألحان (بحيرة شديدة): ما هو ده اللي أنا مستغرباه وهتجنن منه! إزاي عندنا أرض بالمساحة دي كلها، وأمي الله يرحمها كانت بتشتغل في البيوت وبتمسح سلالم عشان توفر حق الأكل ومصاريف تعليمي؟!
ليلى: بصراحة الموضوع فيه إنّ.. أنا كمان مستغربة جداً. بس بقولك إيه، الأرض دي تساوي ملايين وتجيب لك فلوس كتير أوي وتغير حياتك.
ألحان (بحسم): أنا هسافر الأسبوع اللي جاي البلد عشان أعرف إيه حكاية الأرض دي بالظبط.
ليلى (بمزاح خفيف لتهوين الموقف): وهتعرفي إزاي بقى يا أم العريف؟ أنتي تعرفي حد هناك؟
ألحان: هبدأ بالعنوان ده اللي مكتوب في الورقة.. أكيد الشيخ زهران ده عارف كل حاجة وعنده السر.
ليلى: تفتكري يا ألحان؟
ألحان: أكيد.. يلا قومي يا ليلى خلينا ننام دلوقتي عشان تعبنا.
ليلى: تصبحي على خير يا حبيبتي.
بدر قاعد جنب خطيبته رقية، يدخل عليهم رحيم بطلته القوية والضاغطة
رحيم بنبرة رسمية وجافة
إزيك يا باشمهندس بدر.
بدر (بهدوء واحترام): الله يسلمك يا رحيم بيه.
رحيم (يلتفت لرقية): قومي يا رقية هاتي لنا الشاي.
رقية: حاضر يا رحيم.. (تدخل المطبخ).
رحيم (يبص لبدر بحدة): مش شايف إن الخطوبة طولت قوي يا باشمهندس؟ مفيش خطوة جديدة؟
بدر: فعلاً معاك حق، وأنا أصلاً كنت عايز أتكلم مع حضرتك في الموضوع ده.. كنت حابب نكتب الكتاب الأيام دي لغاية ما الشقة تجهز تماماً.
رحيم (بنوع من الاستخفاف): ويا ترى الشقة دي هتخلص إمتى إن شاء الله؟
بدر: وقت ما تخلص وتجهز، هنتجوز على طول.
رحيم: ما أنا قلت لك قبل كده.. تعيشوا معانا هنا في الدوار، البيت واسع ومكفي، لازمتها إيه تاخدها معاك في بيت عيلتك جوة البلد؟
بدر (يقف بعزة نفس كرامته وجعته): معلش يا رحيم بيه.. إذا كان بيتي مش قد المقام، بس أنتم عارفين من الأول ومن وقت ما دخلت بيتكم إن أنا هقعد في بيت أبويا ومش هسيبه، وده شرطي.
رحيم (بضيق وضجر): براحتك.. (يخرج من الغرفة وهو متضايق).
(تقابله هانم في الطرقة)
هانم: في إيه يا ابني مالك شكلك متغير ليه؟
رحيم بصرامه
خشي ياما اقعدي معاهم جوه، وإياك تسيبيهم يقعدوا لوحدهم تاني.. والباشمهندس ده ما يجيش هنا تاني غير لما نحدد ميعاد نكتب الكتاب ويشيل مراته!
هانم: طب استهدى بالله بس يا رحيم واحكي لي اللي حصل؟
رحيم
أنا مش فاضي للكلام ده دلوقتي، عندي شغل مهم لما أرجع.
يخرج رحيم غاضباً
تدخل هانم بسرعة للمجلس وتلاقي بدر باين عليه الزعل
هانم
في إيه يا بدر إيه اللي حصل بينك وبين رحيم
بدر
ما فيش حاجة يا حاجة.. كل اللي أنا قلته إن احنا عايزين نكتب الكتاب، ومش هنتجوز غير لما الشقة تجهز.
هانم
طب وفين المشكلة في كده
بدر
رحيم بيه مش حابب إن آخد رقية وتعيش معايا في بيت أبويا.. وعايزنا نعيش هنا.
هانم بتأييد لرحيم
يا ابني ورحيم معاه حق.. البيت كبير ويساع من الحبايب ألف، عيشوا معانا هنا وخلاص.
بدر بإصرار
معلش يا حاجة، ده أصلي وصعب أغيره.. ويا ريت لما يرجع رحيم بيه تعرفي منه ميعاد كتب الكتاب اللي يناسبه إمتى بالظبط عشان أعمل حسابي.
هانم: طيب يا ابني، اللي فيه الخير يقدمه ربنا.
يقوم بدر ويمشي وهو على آخره، وتدخل رقية بصينية الشاى تلتفت حواليها باستغراب
رقية: هو بدر فين؟ هو ورحيم مشيوا؟
هانم: مشيوا يا اختي..
رقية (بقلق): هو في حاجة حصلت ولا إيه ياما؟
هانم: ما فيش حاجة.. عايزين يعملوا كتب الكتاب الأسبوع الجاي.
تطير رقية من الفرحة، وتسيب الصينية شاي وتجري على أوضتها وهي مش مصدقة
بعد وقت طويل، يرجع رحيم من بره وعلامات الإرهاق على وشه، يجد هانم قاعدة وجنبها بنت عمه هدير بيتكلموا)
رحيم: السلام عليكم.
هانم وهدير: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
هانم (بحنان): تعالى يا حبيبي أحضر لك العشا، زمانك لسه ماكلتش لقمة.
رحيم: مالهوش لزوم يا حاجة مش جعان، ورايا شغل كتير لازم أخلصه في المكتب جوه.
هانم: طب استنى.. بدر كان عايز يحدد كتب الكتاب وقال لي تشوف الميعاد المناسب اللي يناسبك ونقول له عليه.
رحيم (باقتضاب): حاضر يا حاجة.. خليها الأسبوع اللي جاي ونخلص.
هانم
طيب يا ابني على بركة الله
هدير بدلال وبتحاول تقرب منه
تحب أعمل لك فنجان قهوة يظبط دماغك يا ابن عمي.
رحيم ببرود حاد
مش عايز حاجة يدخل المكتب ويقفل الباب
وعدي كم يوم والحان جهزت نفسها عشان تسافر ورحيم كان بيجهز لكتب كتاب اخته
والنهارده(الأنوار معلقة في كل مكان، صوت المزامير والأغاني الصعيدية يملأ الأجواء، الذبائح والموائد ممدودة، والكل في حالة فرحة عارمة. يقف "رحيم" في مقدمة الساحة، يرتدي جلبابه الصعيدي الفاخر وعباءته التي تزيد من هيبته وقوته، يرحب بكبار عائلات البلد والمهنئين بابتسامة ثقة تليق بـ "كبير الدوار")
أحد الضيوف: مبروك يا رحيم بيه، عقبال فرحتك الكبيرة يا رب ونشوف عيالك.
رحيم (بوقار وهيبة): الله يبارك فيك يا حج، عقبال عندكم، خطوة عزيزة.. اتفضلوا لجوه، الدوار منور بوجودكم
(سيارة تاكسي قديمة متهالكة تقف على جانب الطريق، تنزل منها "ألحان" وهي تحمل حقيبة سفر صغيرة، وتبدو عليها علامات الإرهاق والوجوم وسط ملابسها السوداء التي لم تغيرها بعد حزناً على والدتها. تلتفت حولها بحيرة وتوجس من الأجواء الغريبة عليها)
سواق التاكسي: هو ده العنوان يا آنسة.. البيت اللي قدامك ده هو بيت الشيخ زهران بالظبط.
ألحان (بنبرة متعبة لكن ممتنة): شكراً ليك قوي يا أسطى، اتفضل حسابك..
(تتحرك ألحان بخطوات قلقة نحو باب البيت، ترفع يدها المرتعشة وتطرق الباب عدة مرات.. لكن لا مجيب. تنتظر قليلاً ثم تطرق مجدداً بنوع من اليأس. في هذه اللحظة، تخرج سيدة من البيت المجاور، ترتدي عباءة سوداء ومتحزمة وجاهزة للخروج، تنظر لألحان باستغراب شديد لملامحها الغريبة عن البلد وحقيبة سفرها)
الست (بفضول وطيبة أهل الريف): خير يا حبيبتي؟ واقفة كده ليه وعمالة تخبطي؟ بتدوري على حد؟
ألحان (تلتفت لها بلهفة): أيوه لو سمحتي.. أنا عايزة الشيخ زهران، مش ده بيته برضه؟
الست: أيوه فعلاً بيته يا بنتي، بس هو مش هنا واصل دلوقتي.
ألحان (بقلق وخيبة أمل): مش هنا؟! طب هو فين؟ أنا جاية له من مشوار بعيد أوي من إسكندرية ومحتاجاه ضروري.
الست (تضحك ببشاشة): لاه، ما تقلقيش هو في البلد هنا مش مسافر.. بس النهاردة كتب كتاب بنته رقية على الباشمهندس بدر، عقبال عندك وعند السامعين، والبلد كلها هناك. هم دلوقتي كلهم في دوار العمدة.
ألحان (تردد الاسم باستغراب): دوار العمدة؟.. طب معلش، ممكن تقولي لي أوصل إزاي لبيت العمدة ده؟
الست (ترحب بالفكرة): وماله يا حبيبتي، تعالي معايا.. إحنا إكده إكده رايحين هناك دلوقتي عشان نبارك ونوجب مع الحاجة هانم. تعالي في طريقي وأنا أوصلك لغاية الباب.
ألحان (تتنفس براحة مؤقتة): طيب.. كتر خيرك يا طنط، يلا بينا.
(الزغاريد تملأ المكان، رقية قاعدة زي القمر بفستانها الأبيض البسيط والفرحة مش سايعاها، وجنبها هانم بتستقبل الحريم وبتبخر بنتها من العين، وهدير واقفة بتبص لرقية بنظرات ممتزجة بين الفرحة والغيرة المكتومة)
هانم (وهي بتبخر رقية): الرقية الشرعية عليكي يا قلب أمك.. إلهي يبعد عنك عين الحاسدين ويسعد أيامك يا رقية.
رقية (بخجل وفرحة): ربنا يخليكي ليا ياما.. هو كتب الكتاب هيبدأ إمتى؟ المأذون وصل؟
هانم: زمانه على وصول يا بنيتي، أخوكي رحيم واقف بره مستنيه ومستني الشيخ زهران عشان هو وكيل بدر.
(في نفس اللحظة.. تصل الست ومعها ألحان إلى بوابة الدوار الخارجية الكبيرة. ألحان تبص للمكان بذهول من كبر حجم الدوار والفخامة والنفوذ الباين على كل ركن فيه. الموسيقى صاخبة والناس زحام شديد)
الست (تشاور بوجها نحو الداخل): أهو يا ستي.. هو ده دوار العمدة، والشيخ زهران هتلاقيه قاعد جوة المندرة مع رجال العيلة والمأذون.. دلي (ادخلي) جوة واقضي غرضك.
ألحان (ببلع ريقها من التوتر والرهبة): شكراً ليكي جداً.. تعبتك معايا.
ألحان بخطوات بطيئة وسط الزحام، حاطة إيدها على شنطتها اللي فيها عقد الأرض الـ 20 فدان.. وعينيها بتدور في المكان علي الشيخ زهران
ورحيم عينيه في كل حته وفجاه شاف حركه مش مظبوطه عند البوابه واقرب من البوابه و
الحان كانت ماشيه تايهه بتدور على الشيخ زهران وفجاه حد مسك ايديها وبتلف وشها اتصدمت
الثاني من هنا