رواية عمر الراسني وياسمين الفصل الثامن 8
حين فتحت ياسمين عينيها، شعرت بأن جسدها كله واهن لا يقوى على الحركة. وما إن تحركت قليلاً حتى سمعت صوت هالة المفعم بالفرح يقول: "أختي! استيقظتِ! هل ما زلت تشعرين بأي ألم؟"
نظرت ياسمين إليها جانباً وسألت: "كيف... أنتِ هنا؟"
ساعدتها هالة على الجلوس وقالت: "أنا وأخي أحضرناك إلى المستشفى، وهو الآن يطبع نتائج الفحوصات. خفنا أن يكون هناك شيء خطير، فقررنا أن نجري فحص شامل..."
تغير وجه ياسمين قليلاً ورفعت الغطاء لتنهض من السرير: "هو في أي طابق؟"
تجمدت هالة لحظة وقالت: "في هذا الطابق نفسه."
لم تعبأ ياسمين بضعف جسدها، واندفعت إلى الخارج على عجل.
توجهت مباشرة إلى منطقة الطباعة الذاتية في نفس الطابق.
وكما توقعت، رأت إياد يقف أمام الجهاز الذي كان يطبع التقارير الورقية.
ركضت نحوه وانتزعت الأوراق بسرعة من الآلة، قبضت عليها بيد مرتجفة.
نظرت إليها إياد بدهشة وقال: "استيقظتِ؟ لماذا خرجتِ من الغرفة؟"
كان صدر ياسمين ما يزال يعلو ويهبط من الاضطراب، وشفتاها مشدودتان بشدة وهي تقول: "أين بطاقتي الشخصية؟"
تجمد إياد لثوانٍ أمام نظراتها الباردة، ثم ناولها البطاقة وقال: "آسف، كانت الحالة طارئة، فتحت حقيبتك دون إذنك لأخذ البطاقة الشخصية."
تأملته قليلاً، ولم تلاحظ عليه أي ارتباك أو شك، لم يكن قد اكتشف شيئاً في التقرير، وهذا ما طمأنها. فتنفست بعمق براحة خفيفة.
لا يمكنها، بل لا تجرؤ أن تخاطر!
إن علم إياد بحالتها الصحية، فلن تستطيع إخفاء الأمر عن عمر.
وحينها ستبدأ سلسلة من العواقب التي لا يمكنها تحملها.
فلو عرف عمر الحقيقة، فلن يترك لها مجالاً للكرامة، وقد يلجأ إلى جدتها وخالها بحجة مرضها لينهي كل شيء، وهي لا تريد أن تصل الأمور إلى ذلك الحد.
ياسمين ليست من أولئك الذين يخلطون بين الحق والباطل وقالت: "شكراً لك، كم بلغت تكلفة العلاج؟ سأحول المبلغ لك."
لاحظ إياد برودها وتباعدها، فابتسم بخفة وقال: "لا داعي، المبلغ بسيط. لكن وجهك ما زال شاحباً، والتقرير جاهز، لمَ لا تسألين الطبيب؟"
قالت ياسمين رافضة: "مجرد حمى بسيطة، لا شيء يدعو للقلق."
نظر إليها بنظرة معقدة وقال: "لكن أثناء غيبوبتك كنتِ تصرخين من الألم..."
كانت نحيلة الجسد وضعيفة الملامح، حتى وهي فاقدة الوعي كانت تنكمش على نفسها غريزياً، تتمتم بكلمات خافتة أشبه بالأنين.
كم من الألم كانت تشعر به لتبدو على تلك الحال؟
لكن ياسمين لم تُفشِ شيئاً، واكتفت بالقول بهدوء: "على كل حال، أشكرك اليوم. من الأفضل أن نحسب التكاليف على أي حال، فقط أرسل لي المبلغ لاحقاً."
فهم إياد مقصدها—
أنها لا تريد أي صلة أو دين له عليها.
"حسناً... طالما أنك بخير، سأوصلك إلى المنزل، الوقت متأخر." اقترح إياد ذلك.
نظرت إليه ياسمين بهدوء وبرود: "لا داعي، سأستقل سيارة أجرة بنفسي."
رسمت حدوداً صارمة بينهما، ضم شفتيه قليلاً، فشعر بوخزة من الإحباط لا يعرف سببها.
قال أخيراً: "حسناً... كوني حذرة في الطريق."
لم يُلحّ أكثر.
وَدّعت ياسمين هالة وغادرت المستشفى.
وحمدت الله أن الأمر انتهى دون كشف ما تخفيه، وإلا لما عرفت كيف تخرج من الموقف.
وقف إياد يراقب ظهرها وهي تبتعد، فقالت هالة وهي تلمس ذراعه: "أخي، أنت غريب اليوم... هل أنت معجب بأختي ياسمين؟"
قطب حاجبيه ومسح على شعرها قائلاً: "يا صغيرة، ما الذي تفهمينه؟ لا تتكلمي هكذا، فالأخت ستنزعج منك."
تنهدت هالة بعمق وقالت: "نعم، فهي تبدو وكأنها لا تطيقك أصلاً."
إياد: "..."
ثم فجأة تلقى عبر واتساب إشعاراً بتحويل مالي، ياسمين أرسلت له مائتي دولار.
دفعت أكثر مما أنفق، فقط لتتأكد أنها لا تدين له بشيء.
كان شارد الذهن قليلاً، وعقد حاجبيه.
يبدو أن حالة ياسمين الصحية ليست على ما يرام.
لقد لاحظت ذلك في المرة السابقة، وهذه المرة أغمي عليها مجدداً.
هل يعلم عمر بذلك؟
.
قضت ياسمين ليلتها دون أن تغمض لها عين.
وفي الصباح التالي، لم تكن حالتها جيدة.
كانت مسألة المعرض كالسيف المسلط على رقبتها، لا تستطيع أن تهدأ ما لم تُحل، وكانت تشعر أن الأمر لم ينتهِ بعد.
وبعد تفكير طويل، قررت أن تبادر بحل المشكلة بنفسها.
اتصلت بعمر، لكنه لم يُجب. ربما كان مشغولاً، أو ربما تجاهلها عمداً!
لم تعد تهتم لذلك، واتجهت مباشرة إلى شركة الأفق الأزرق.
فهي تعمل هناك منذ ثلاث سنوات، ويعرفها موظفو الاستقبال يعرفونها جيداً. اتصلت بكريم، فقال لها ببرود: "السيد عمر مشغول، عليكِ أن تنتظري قليلاً، يا آنسة ياسمين."
صعدت ياسمين إلى غرفة الاستقبال.
رآها كريم، لكنه لم يلقِ عليها التحية، بل استدار ليكمل عمله.
أما باقي الموظفات في قسم السكرتارية فكنّ يعرفنها جيداً.
ففي الماضي، كانت ياسمين تحاول التعرف على عمر أكثر، فتقرّبت منهن وتناولت الطعام معهن وسألتهن كثيراً عنه.
وحين رأينها الآن، فرحن برؤيتها.
وبعد تبادل التحية، قالت إحداهن: "أختي ياسمين، يبدو أنكِ ستنتظرين قليلاً، فالسيد عمر لديه ضيفة مهمة."
فقالت أخرى: "أي ضيفة مهمة؟ إنها المقربة إلى قلبه!"
فهمت ياسمين فوراً أنهنّ يتحدثن عن ليلى.
إذاً، عمر لم يكن مشغولاً بالعمل كما ادّعى، بل كان برفقة ليلى، وتركها تنتظر بلا جدوى.
قالت إحداهن: "الآنسة ليلى محظوظة فعلاً، فهي تُعامل هنا كزوجة الرئيس، تدخل وتخرج دون قيود.
تذهب إلى مكتب السيد عمر متى شاءت، وسمعت أن..."
"حين خرجت بالأمس من مكتبه، كان أحمر شفاهها باهتاً!"
"يا إلهي، هل كانا يتغزلان في المكتب؟"
كانت ياسمين تستمع إليهن بجمود، كأنها غريبة عن المشهد كله.
هي، زوجة عمر، تحتاج إلى موعد لتراه. أما ليلى، فبابه مفتوح لها بلا حواجز.
الجميع يفسح لها الطريق.
قدّمن لها الشاي ثم عدن إلى أعمالهن.
انتظرت ياسمين قرابة ساعتين، وكان المكتب يعج بالحركة، لكن لم يدعها أحد للدخول.
تنفست بعمق، مدركة أن الانتظار لن يجدي. ولما رأت كريم يمر من الزاوية، نهضت وسألته:
"هل السيد عمر ما زال مشغولاً؟"
نظر إليها وهو يحمل بعض الأوراق، وابتسم بخفة: "ما زلتِ هنا؟"
قالت باستغراب: "ماذا تعني؟"
فأجاب: "آسف يا آنسة ياسمين، يبدو أن السيد عمر لا يعلم أنكِ تنتظرينه. فقد خرج قبل ساعة مع الآنسة ليلى لتناول الغداء، ألم تريهما؟"
قال ذلك بدهشة مصطنعة، لكن ملامحه كانت هادئة جداً.
فهل تعمّد عدم إبلاغ عمر بقدومها؟
أم أن عمر نفسه لم يرغب برؤيتها، فتركها تنتظر عمداً؟
أياً كانت الحقيقة، كان الأمر يخنقها.
نظرت إليه نظرة صامتة، ثم استدارت وغادرت.
تابع كريم ظهرها بنظره، كان حدسه صحيحاً، ففي المرة السابقة تجاهلته ياسمين وكأنها لا تراه، فظن أنها قوية لا تنكسر. لكن ها هي الآن تعود باحثة عن السيد عمر.
مهما حاولت التظاهر، فهي لا تستطيع الابتعاد عنه.
عادت ياسمين إلى شركة الريادة، وأكملت ما تبقّى من عملها.
أما عمر، فلم يُبدِ أي موقف، ولم تتمكن من لقائه.
لكنها كانت تدرك أن عليهما أن يتحدثا بوضوح.
وبعد طول تفكير، قررت أن تعود إلى منزل الزوجية بعد انتهاء الدوام.
غير أن هاتفها رنّ مع حلول المساء، وكان المتصل سامر.
قال لها إن عمر ذهب إلى المصحّة لزيارته.
عندها تغير وجه ياسمين فجأة، وبدت عليها الصدمة الشديدة.
حين وصلت ياسمين إلى المكان، كان عمر واقفاً تحت رواق المصحة يدخن سيجارة. قامته الطويلة المنتصبة منحته مظهراً مهيباً، لكن ملامحه الباردة جعلته يبدو بعيداً عن الناس.
خفق قلب ياسمين بقوة حتى شعرت بالاهتزاز في صدرها؛ وارتسم على وجهها تعبير لا يُوصف بالارتياح.
كان عمر عميق التفكير، لكنه دائماً يعرف أين يضغط ليضعف خصمه، وهو الآن يستخدم خالها كورقة ضغط ليجبرها على التنازل.
اقتربت منه وقالت بهدوء: "هل يمكن أن نتحدث قليلاً؟"
استدار عمر ببطء نحوها وقال بنبرة هادئة: "ولماذا أنتِ متوترة؟"
كلماته جعلتها تشعر وكأنها اختنقت للحظة.
أدركت ياسمين أن الأمور لم تعد كما كانت، فخفضت صوتها قائلة برجاء:
"والدتي كرّست حياتها للفن، وكانت بينها وبين منيرة الزهري خلافات قديمة. لذلك لا يمكن بيع المعرض أبداً. أرجوك، هل يمكنك التراجع عن هذه الفكرة؟"
كانت أنفاسها متقطعة، ويبدو أنها وصلت وهي تركض.
نظر إليها عمر ببرود وقال: "والدتها تحب ذلك المكان كثيراً."
كانت تلك إشارة واضحة إلى الرفض.
أيعقل أنه يفعل كل هذا فقط لإرضاء والدة ليلى؟
هل وصل به الأمر إلى أن يسمح لعائلة الحليمي بأن تُهان من أجلها؟
كم يبدو الأمر ساخراً!...
كم مرة توسلت إليه ياسمين ليزور خالها وجدتها، ولم يبدِ أي اهتمام. أما الآن، فقد جاء بنفسه، ولكن من أجل ليلى.
ابتسمت بمرارة، ثم تماسكت وقالت بصوت منخفض:
"عمر، أعلم أنك لا تعجز عن الحصول على ما تريد، لكن هذه المرة مختلفة. جدتي تكره والدة ليلى، ولو علمت أن المشتري هو منيرة الزهري، فلن تتحمل الصدمة. أرجوك، فقط احترم ما كان بيننا كزوجين سابقين، هل يمكن ذلك؟"
كانت تعلم تماماً أنه حتى لو رفضت، فسيجد ألف طريقة ليحصل على ما يريد.
لم يكن أمامها سوى أن تتوسل إليه.
كانت هذه أول مرة منذ سنوات تظهر فيها ضعفها أمامه.
تأملها عمر طويلاً، ثم أطفأ سيجارته ووضع يده في جيبه وقال بهدوء:
"لا بأس، لن نبيع المعرض."
نظرت إليه ياسمين بدهشة؛ لم تصدق أنه وافق بهذه السهولة.
لكن عمر تابع بنبرة غامضة: "هل لكِ علاقة بما حدث مع السيد رائد؟"
عندها فقط فهمت.
لم يكن تراجعه كرماً، بل لأنه ربط ما حدث مع السيد رائد بما يجري مع جدتها.
هو يستخدم قضية المعرض ليرى كيف ستتصرف، وليجعلها تطلب رضاه بنفسها.
هل يفعل ذلك انتقاماً لليلى؟
هل يظن أنها السبب في فشل ليلى؟
مهما كان السبب، فالحقيقة الواضحة هي أن عمر يقف إلى جانب ليلى.
تنفست ياسمين بعمق وقالت بثبات:
"لا، ما حدث مع السيد رائد شأن إداري بحت، ولا علاقة لي به. قرارات الحكومة ليست بيدي."
كانت تعلم أنه يدرك ذلك، لكنه أراد فقط أن يُشعرها بأنه قادر على حمايتها أو معاقبتها كما يشاء.
هو فقط أراد أن يُشعرها بضعفها.
قال عمر بعد لحظة صمت: "صحيح بالمناسبة، هل يمكنكِ أن تخبريني، إلى جانب وائل، هل هناك شخصية قوية أخرى تدعم شركة الريادة؟"
تجهمت ياسمين بدهشة من دقته في الملاحظة، ثم أجابت بثقة:
"كل المهندسين في الشركة من خريجي الدراسات العليا في جامعة النخبة."
كأنها أرادت أن تقول له إن ليلى ليست الوحيدة المتميزة في هذا العالم.
فهم عمر ما قصدته، ولم يغضب، بل ابتسم ابتسامة باردة غامضة، ثم نظر إلى ساعته وقال:
"حسناً، فهمت."
ثم التفت نحوها وسأل: "هل أوصلكِ إلى المنزل؟"
قالت بهدوء: "لا داعي، شكراً."
أومأ برأسه قائلاً ببساطة: "كما تشائين." ثم غادر دون تردد.
تابعته ياسمين بنظرها، تحدّق في قامته الواقفة، ولم تستطع أن تفهم ما يدور في ذهنه.
كانت تعلم أنه مهما كانت الوسائل، فالمعرض سيُشترى في النهاية بأموال عمر نفسه، فليلى ووالدتها لا تملكان ما يكفي لشراء مكان بهذا السعر.
عمر يعطي ليلى كل شيء؛ قلبه وماله واهتمامه.
أما هي، فسنوات زواجها منه لم تجنِ منها سوى التعب والخذلان.
أما منيرة الزهري، فهي مصممة على الحصول على المعرض؛ ربما لتستعيد كرامتها القديمة، ولتثبت لعائلة الحليمي أن الزمن تغير.
رنّ هاتف ياسمين، كان سامر على الخط يسألها إن كان عمر قد غادر.
أجابت بتنهيدة ارتياح: "نعم، غادر. خذ قسطاً من الراحة يا خالي."
"حسناً، انتبهوا لأنفسكم في الطريق."
لم توضح ياسمين أنها لم تغادر مع عمر في الطريق نفسه، فهو الآن بلا شك ذاهب للقاء ليلى، ولن يضيع وقته الثمين معها بينما يمكنه أن يكون بجانب ليلى.
على مدى اليومين التاليين، لم يصدر أي خبر من جهة ليلى، ولم يتصل عمر بياسمين أيضاً.
لم تكن ياسمين متأكدة إن كان كل شيء قد انتهى بينهما، لكن وسط انشغالها لم تجد راحة حقيقية.
في يوم الجمعة، اتصل عمر أخيراً، بصوت بارد:
"رنا أصيبت بحساسية، ولا تسمح للخدم بلمسها، تقول إنكِ حين كنتِ تضعين لها الدواء لم تشعر بألم، هل يمكنكِ أن تذهبي لتفقدها؟"
أجابت ياسمين وهي تضغط شفتيها: "...حسناً."
رنا لا تعني لها شيئاً، وكان بإمكانها الرفض، لكن طالما أن عمر طلب منها ذلك، فقد اعتبرته شكلاً من أشكال الطلب والمقايضة، وبهذا فلن يكون له عذر بعد الآن ليضغط عليها في موضوع المعرض ووالدتها.
قال عمر: "أما اللوحة..."
وفجأة جاء صوت ليلى من الطرف الآخر، بنبرة ناعمة:
"عمر، ساعدني في اختيار هذه الفستان، ما رأيك به؟"
كانت الساعة لا تزال التاسعة صباحاً، وقت العمل، ومع ذلك كان يتسوق مع ليلى؟
ثم انقطع الاتصال.
اعتادت ياسمين منذ زمن على أن تُتجاهل تلقائياً.
استأذنت من العمل وذهبت إلى الدار القديمة لعائلة الراسني.
كانت رنا مدللة، تعاني من حساسية تجاه بعض المواد، وأي خطأ بسيط يجعل جسدها يمتلئ بالبثور مؤلمة وحكّة شديدة.
كانت تتذمّر دائماً من الأطباء والخدم عند تبديل الدواء، لكن ياسمين كانت الوحيدة التي تعرف كيف تتعامل معها برفق.
على مدى ثلاث سنوات، كانت ياسمين تعتني بها مراراً، وكانت رنا ترتاح لذلك.
عندما عادت ياسمين إلى الدار القديمة، شعرت بمزيج من المشاعر المعقدة.
فقد وعدت عمر سابقاً بأنها لن تعود إلى هذا المكان مجدداً، لكنها الآن مضطرة للعودة.
ربما يراها عمر الآن مثيرة للشفقة؟
عندما رآها الخدم، قدّموا لها النعال المنزلية.
وجاءت جدة عمر تمسك بيديها الدافئتين قائلة:
"إنها تصرخ في الأعلى، ولا أحد يستطيع تهدئتها سواكِ."
اكتفت ياسمين بابتسامة صامتة وصعدت مباشرة.
عندما رأت رنا ياسمين، قالت بغضب:
"هل أنتِ سلحفاة؟ لماذا تأخرتِ هكذا! أنا أموت من الحكة!"
اقتربت ياسمين بوجه خالٍ من التعبير وقالت: "ارفعي قميصكِ."
تذمّرت رنا وهي ترفع طرفه: "لماذا أنتِ قاسية هكذا؟"
نظرت ياسمين إلى ظهرها، فلم تجد سوى بقعتين صغيرتين بالكاد تُرى.
لكن سواءً عمر أو رنا، فقد اعتادا أن يعاملاها وكأنها موجودة لخدمتهما، وكان عليها أن تكرّس وقتها وحياتها من أجلهما دون أدنى اعتبار.
سألتها ياسمين بهدوء: "هل أكلتِ الجوز؟"
عبست رنا، منزعجة من دقتها.
كانت تعرف أن ياسمين امرأة طيبة ودقيقة، تهتم بكل التفاصيل الصغيرة، وعلى مدى ثلاث سنوات لم تقصر في العناية بها، حتى إنها كانت تحفظ كل ما يسبب لها الحساسية.
لكن... ماذا في ذلك؟
فهي لا تراها مناسبة كزوجة لأخيها. فهناك من هي أفضل منها بكثير، وهي ليست غبية لتتغاضى عن ذلك.
ومع ذلك، كانت تستمتع بالعناية التي تقدمها ياسمين لها. لو فقط تتخلى عن فكرة أن تكون زوجة عمر، لكان الأمر أسهل.
بعد أن وضعت لها الدواء، غادرت ياسمين دون أن تطيل البقاء.
وعندما نزلت، كان عمر قد عاد بالفعل، يبدو مرتاحاً وكأنه عاد لتناول الغداء.
ابتسمت جدة عمر وهي ترى الاثنين معاً:
"جيد أنكما التقيتما. أختي الصغرى للجدة كانت تسأل عنكما، تحدثا معها قليلاً بعد الغداء."
نظر عمر إلى ساعته وقال بهدوء:
"جدتي، لدي اجتماع عبر الإنترنت بعد قليل."
لم تتفاجأ ياسمين، فهو لم يحاول يوماً التظاهر بالمودة أمام الآخرين. بروده تجاهها كان واضحاً للجميع.
قالت ياسمين بهدوء:
"لا بأس يا جدتي، دعيه يذهب لعمله."
ظنت الجدة أن الخطأ من عمر، فزجرته قائلة:
"ما الذي يزعجك هكذا؟ منذ أن دخلت لم تتحدث مع ياسمين! ألا ترى كم تعبت من أجل رنا؟
هل تراها هواءً؟!"
ابتسم عمر دون انفعال وقال:
"كما تأمرين يا جدتي."
لكن نبرته لم تحمل أي ندم.
اقتربت الجدة وضربت صدره بخفة قائلة:
"تعال، قف بجانب ياسمين، لدي أمر مهم أريد قوله."
فأطاعها عمر، وسار معها حتى وقف بجانب ياسمين.
التفتت ياسمين جانباً.
وبينما كان عمر يساعد الجدة على النهوض، لمحت عند ياقة قميصه الأبيض أثراً خفيفاً من أحمر الشفاه بلون بني داكن...
فسرعان ما سحبت نظرها بعيداً.
قبل أن يعود عمر مع ليلى من جولة التسوق...
هل كانا يتبادلان القبل؟
أم أن الأمر تجاوز ذلك...؟
ليس غريباً إذاً أن يبدو في مزاج جيد، فقد عاد لتوه من أحضان دافئة.
قالت الجدة بصوت مفعم بالحيوية: "قفا معاً، هيا ياسمين، أمسكي بذراعه."
فعادت ياسمين إلى وعيها، ولم تطرح أي سؤال؛ فالسؤال في مثل هذا الموقف لا يجلب سوى الإهانة.
تظاهرت كأنها لم ترَ شيئاً.
رفعت رأسها، فرأت الجدة تمسك هاتفها لتلتقط لهما الصور وهما يقفان جنباً إلى جنب، منبهرة بانسجام ملامحهما:
"سألتقط لكم بعض الصور لأرسلها إلى شقيقتي الصغرى."
لم تكن ياسمين تتوقع أن تكون أول صورة تجمعها بعمر في مثل هذا الموقف الغريب.
قال عمر بهدوء: "كما تشائين."
لم يرفض، مما أثار دهشة ياسمين قليلاً.
لكنها فكرت للحظة، في السابق كانت هي من ترغب بالتقاط الصور، ولم يكن عمر يبدي أي اهتمام، أما الآن فبما أن الجدة هي من طلبت، فلا بد أن يسايرها.
أما عن أن تمسك بذراعه...
فلم تتحرك ياسمين.
رمقها عمر بنظرة فاحصة دون تعليق.
نظر مرتين إلى ساعته، في إشارة لطيفة للجدة بأن تنهي الأمر بسرعة.
تنهدت الجدة بضيق، ثم تقدّمت بنفسها وأخذت يد ياسمين لتضعها على ذراع عمر قائلة:
"هكذا تماماً! ابتسما الآن."
شعرت ياسمين بعضلات ذراعه الصلبة تحت كفها، ثم نظرت بثبات إلى عدسة الكاميرا.
كانت ملامحهما هادئة، خالية من أي ابتسامة.
وبعد أن طلبت الجدة منهما مراراً أن يبتسما دون جدوى، اكتفت بالالتقاط الصور كما هما.
وكلما التقطت صورة ازداد سرورها، حتى التقطت العديد منها. إلى أن أنزل عمر ذراعه أولاً، فتبعته ياسمين وسحبت يدها.
أمسكت الجدة هاتفها وبدأت تتحدث بسعادة مع شقيقتها، وقالت وهي تبتسم:
"أرسلت الصور إلى شقيقتي، وأرسلتها أيضاً إلى عمر، أعد إرسالها إلى ياسمين."
أومأ عمر برأسه وهمّ بالصعود إلى الطابق العلوي.
لكن الجدة تذكرت فجأة وقالت:
"حفيد شقيقتي رُزق بطفله الثاني، وسيقيمون حفل العقيقة نهاية هذا الأسبوع. وقد دعاكما كزوجين للحضور."
لم تقل ياسمين شيئاً، بل نظرت إلى عمر.
فشقيقة الجدة دائماً على وفاق معها، وعاملتها بلطف في السنوات الماضية.
حق بعد الطلاق، لا بد من تقديم التهنئة.
اما قرار الذهاب فمرهون بعمر
التفت عمر وقال بهدوء:
"حسناً، أعطونا بطاقة الدعوة عندما تصل."
وبما أنه قال ذلك، لم يكن لياسمين أن ترفض.
وحين رأته يصعد إلى الطابق العلوي، أسرعت خلفه.
رأت الجدة هذا المشهد، فابتسمت بفرح عارم؛ فلم يمضِ على زواجهما سوى ثلاث سنوات، أليس من الجميل أن يظلا قريبين هكذا؟
عندما دخل عمر مكتبه، توقفت ياسمين عند الباب.
"سيد عمر، أحتاج بضع دقائق من وقتك."
التفت إليها عمر، ولاحظ النبرة الرسمية في صوتها.
ابتسم بخفة، وكأنه وجد الأمر طريفاً، وقال بنبرة هادئة:
"ما الأمر؟"
قالت وهي تقف عند الباب دون مواربة:
"بخصوص معرض أمي، أحتاج منك جواباً صريحاً."
يمكن لعمر أن يفعل ما يشاء، لكنها لن تسمح له بأن يجعل ما بينه وبين ليلى حديثاً أمام جدتها. هذا هو الحد الفاصل بالنسبة لها.
أرخى عمر ربطة عنقه قليلاً، وكان واضحاً أنه شعر بتوترها، فتأملها بعينين ضيقتين مليئتين بالتفكير.
ظنّت ياسمين أنه سيتعمد تعقيد الأمور، فقبضت يدها بصمت وقالت:
"منذ زواجنا لم أطلب منك شيئاً قط، وهذه هي المرة الوحيدة... فقط هذه المرة..."
قال عمر بهدوء وهو يضع يده في جيبه:
"هل قلتُ إنني لن أوافق؟"
تجمّدت ياسمين لحظة:
"حقاً؟"
نظر إلى ساعته مجدداً، وقال بنبرة متزنة:
"يمكنها هي ووالدتها أن اختيار موقع أفضل للمعرض."
تفاجأت ياسمين من سرعة موافقته؛ فقد كانت تظن أن منيرة الزهري تتعمد وضع العقبات، وأن ليلى لن تتنازل بسهولة، ومن الطبيعي أن يساندهما عمر كعادته.
لم تستطع ياسمين أن تفهم الموقف، فسألت دون تفكير:
"هل أنت من دفع المال؟"
نظر إليها عمر بلا مبالاة، وابتسم ابتسامة خفيفة تحمل شيئًا من السخرية، وكأنه يرى سؤالها تحصيل حاصل؛ فالأمر واضح تمامًا، فهو لطالما كان كريمًا مع ليلى.
أدركت ياسمين أنها تطرقت إلى ما لا ينبغي، لكنها شعرت بالارتياح قليلًا:
"حسنًا، فهمت."
طالما أنه لا يتدخل في شؤونها أو في شؤون عائلة الحليمي، فما ينفقه على ليلى لا يعنيها؛ فهذا شأنه الخاص.
سألت بهدوء:
"بالنسبة لهدية الشقيقة الصغرى للجدة، هل نشتري كلّ منا على حدة؟"
نظر إليها عمر بنظرة دقيقة وقال:
"لا داعي، لقد جهزت كل شيء."
أجابت ببساطة:
"حسنًا."
ثم لم تضف شيئًا آخر، واستعدت للمغادرة.
لكن عمر تذكّر فجأة:
"سأرسل لكِ الصور."
ترددت ياسمين والتفتت نحوه:
"آه؟"
كان عمر قد أخرج هاتفه، فقد أرسلت له الجدة ست صور. ضغط مطولًا لاختيارها جميعًا، ثم اختار إعادة الإرسال، وبينما كان يبحث عن جهة اتصال ياسمين في واتساب، ظهر فجأة اتصال وارد من ليلى على الشاشة.
نظر إليها عمر ببرود، ثم أغلق الباب دون تردد ليردّ على المكالمة، فلم يرد أن تسمع ياسمين شيئًا أو تتدخل في حديثهما.
وقفت ياسمين بصمت، عضّت شفتها قليلًا، ثم استدارت وغادرت مباشرة. حتى عندما دعتها الجدة لتناول الغداء، اعتذرت بحجة أن لديها عملًا في الشركة.
أما عمر، فبعد أن أنهى المكالمة، أخذ سترته وغادر، ونسي تمامًا إرسال الصور لياسمين.
في عطلة نهاية الأسبوع، اتصل عمر بياسمين صباحًا:
"أعطيني العنوان، سأمرّ لأوصلكِ إلى منزل الشقيقة الصغرى للجدة."
نظرت ياسمين إلى شقتها الصغيرة، ولم ترغب في أن يأتي:
"لا داعي، سأذهب بنفسي."
ردّ بهدوء، دون أن يظهر أي انفعال:
"إنها رغبة الجدة، يجب أن نذهب معًا."
صمتت ياسمين قليلًا ثم قالت:
"أسفل مبنى شركة الريادة."
أنهى المكالمة مباشرة دون أي مجاملة.
جمعت ياسمين أغراضها وركبت المترو، ووصلت في اللحظة نفسها التي وصل فيها عمر. كان كريم يقود سيارة المايباخ التي عادةً ما يقودها عمر بنفسه، بينما جلس عمر في المقعد الخلفي، منشغلًا بجهازه اللوحي.
ترددت ياسمين قليلًا. العلاقة بينهما متوترة، والجلوس بجانبه سيكون غير مريح، لذا فتحت باب المقعد الأمامي لتجلس فيه.
لكن عمر رفع رأسه وقال:
"اجلسي في الخلف."
توقفت حركتها، ثم استدارت بهدوء وجلست بجانبه دون أي اعتراض.
نظر كريم إلى ياسمين نظرة ذات معنى، فشعرت بها ورفعت رأسها نحوه، لتلاحظ وجود أحمر شفاه ومرآة صغيرة على لوحة القفازات أمام المقعد الأمامي.
يبدو أن هناك من اعتادت وضع المكياج هنا.
عندها فهمت، المقعد الأمامي مخصص لعشيقته، لم يكن من حقها ذلك، ولم يكن عمر يريد الجلوس بجوار ياسمين.
نظرت ياسمين من النافذة بصمت، دون أي تعبير على وجهها.
في بيت الشقيقة الصغرى للجدة، كانوا يقيمون حفل العقيقة للحفيد، وقد حجزوا الطابق الثاني بأكمله.
جميع الحاضرين تقريبًا من الشخصيات الرفيعة.
عند نزولها من السيارة، توجهت ياسمين إلى صندوق الأمتعة لتأخذ الهدايا التي أعدها، فوجدت ثلاث علب فاخرة.
ترددت قليلًا، ثم جاء عمر وأخذ اثنتين وسلمها إياهما.
حولت ياسمين نظرها بعيدًا عن العلبة الثالثة التي بدت مميزة أكثر، بينما تلقى عمر مكالمة أخرى، ووضع يده في جيبه وقال لها وهو يبتعد قليلًا:
"اصعدي أنتِ أولًا."
أجابت بهدوء، ثم استدارت وصعدت.
كانت تفهم تمامًا ما يعنيه، فمن المؤكد أن كثيرين من معارفهم سيحضرون اليوم، ولو ظهرا معًا فسيعرف الجميع أنهما متزوجان.
وفوق ذلك، لو انتشر خبر زواجه السابق منها، فكيف ستتصرف ليلى، التي تلمع صورتها الآن كحبيبته الحالية؟
كل ما أراده عمر هو... تجنّب الإحراج لا أكثر.
كان حفل العقيقة الذي أقامته عائلة القطان فخمًا للغاية، والضيوف الذين جاؤوا للتهنئة توافدوا بلا انقطاع.
فهي عائلة عريقة وذات مكانة، لاسيما أن لهم صلة قرابة مع عائلة الراسني، إحدى أعرق العائلات الثرية، مما جعل الزوار أكثر حفاوةً واهتمامًا.
حين صعدت ياسمين، كانت الشقيقة الصغرى للجدة تستقبل الضيوف، وما إن رأت ياسمين حتى ابتسمت ولوّحت بيدها قائلة:
"لماذا جئتِ وحدكِ؟ أين عمر؟"
ابتسمت ياسمين بهدوء وأجابت:
"إنه يركن السيارة في الأسفل، وسيصعد حالا."
ثم قدمت لها الهدية قائلة:
"هذه هدية بسيطة منّي ومن عمر."
تسلمت الشقيقة الصغرى للجدة الهدية بفرح وقالت:
"يكفينا حضوركما. جدتكِ صحتها لم تعد كما كانت، فأرسلتكما لتضيفا بعض البهجة إلى المناسبة."
ثم أمسكت بيد ياسمين وأدخلتها إلى الداخل.
وفي تلك اللحظة، جاء راشد القطان يحمل الطفل الصغير بين ذراعيه.
نظرت ياسمين إلى ذلك المولود الجميل، كأنه منحوت من المرمر والندى، فتجمدت لحظة، ثم ارتسمت ابتسامة دافئة على وجهها، ولانت ملامحها.
ناولتها الشقيقة الصغرى للجدة الطفل قائلة:
"هل تودين أن تجربي حمله؟"
ترددت ياسمين قليلًا، فهي لم تحمل طفلًا من قبل، لكنها أومأت برأسها بحذر واحتضنت الصغير بين ذراعيها.
شعرت بدفئه يذيب قلبها، ولم تستطع مقاومة رغبتها في لمس وجنتيه الناعمتين.
حين صعد عمر، رأى هذا المشهد.
كانت ياسمين بطبعها هادئة، قليلة التعبير عن العاطفة، ونادرًا ما بدت عليها هذه الرقة.
اقترب وقال بنبرة رسمية:
"مرحبًا، جدتي... راشد."
ربت راشد على كتفه تحيةً له، بينما قالت الشقيقة الصغرى للجدة ممازحة:
"انظر إلى ياسمين، كم تحب الأطفال! متى سنفرح بطفلكما؟ لتسعد جدتكما أيضًا."
قال راشد مازحًا: "أنا وأنت في العمر سواء، وقد رزقت بطفلي الثاني، أما أنت فما زلت تتباطأ."
ابتسم عمر بخفة دون أن يجيب، فمثل هذه الأحاديث لا تثير اهتمامه.
وكانت الشقيقة الصغرى للجدة وراشد يعلمان أن العلاقة بين الزوجين ليست على ما يرام، ورؤية بروده جعلتهما يشعران بالعجز.
أما ياسمين، فكانت تفهم ما يدور في ذهن عمر. ربما لا يكره الأطفال، لكنه فقط لا يريد أن تكون هي أمًا لهم.
نظرت إلى الطفل في حضنها، وشرودٌ خفيف مرّ في عينيها.
تساءلت في أعماقها: هل سُترزق بطفل يومًا ما؟
جلست ياسمين وعمر إلى طاولة الشرف مع الشقيقة الصغرى للجدة والبقية.
وبعد مرور بعض الوقت، نظر عمر إلى ساعته وقال:
"جدتي، لدي بعض الأمور العاجلة، سأضطر للمغادرة الآن."
ترددت ياسمين قليلًا ثم قررت البقاء؛ فمغادرتها معه قد تبدو غير لائقة.
أخرجت الشقيقة الصغرى للجدة كيسين صغيرين من جيبها وقدمتهما لهما قائلة:
"هذان حرزان لطلب الذرية، أحضرا خصيصًا من أحد المزارات. احملاهما بإيمان، فهما يجلبان البركة."
شعرت ياسمين بالحرج، وكأنها تمسك جمرة بيديها. فهم لا يعلمون بعد أنهما سينفصلان، ولن يكون للحرز أي معنى.
أما عمر، فتناول الحرز بهدوء دون أن يفسد الجو.
بينما بقيت ياسمين صامتة؛ فهي تعرف في قرارة نفسها أنها ربما لن تنجب، لكن ليلى يمكنها ذلك. فلا بأس إن أخذ عمر الحرز كرمز للتفاؤل.
وقبل مغادرته، التفت عمر نحوها وقال: "سأرسل كريم ليأخذكِ لاحقًا."
كان دائمًا لبقًا في المظاهر، فردّت ياسمين بهدوء: "لا داعي، سأغادر وحدي."
توقف لحظة بنظره نحوها، ثم لم يَلُح وغادر.
أرسلت ياسمين رسالة إلى سارة تطلب منها أن تأتي بعد نصف ساعة لاصطحابها.
وبعد أن ودعت الشقيقة الصغرى للجدة والبقية، نزلت بالمصعد إلى الطابق الأرضي.
كانت سارة بانتظارها عند المدخل، تلوّح لها بحماس: "هنا!"
لكن قبل أن تصل إليها، اصطدمت بشخص خرج من إحدى قاعات الحفل، وحين رفعت نظرها، تجمدت ملامحها.
كانت ليلى تمسك بذراع والدتها منيرة الزهري، وإلى جانبها فارس وإياد، أما إلى جوارها فكان عمر نفسه، بهدوئه المعتاد وهيبته المعهودة.
ارتعش بصر ياسمين قليلًا.
إذًا عمر لم يغادر المكان أصلاً! لقد تركها في حفل العقيقة، ليأتي ويقضي وقته مع ليلى ورفاقها.
نظرت منيرة الزهري إلى ياسمين، وتفحصتها من رأسها حتى قدميها، ثم قالت ببرود متعمد:
"آأنتِ ياسمين؟ لم نلتقِ منذ زمن طويل."
كانت منيرة تبتسم، لكن في عينيها بريق يلمع بكبرٍ مكسوّ بالذهب والفضة.
صمتت ياسمين شفتيها ببرود، ولم تردّ بكلمة واحدة؛ فهي لا تستطيع أن تبتسم في وجه امرأة طعنت أمها في الظهر ودمرت حياتها.
قال فارس بنبرة غير راضية: "حين يتحدث معكِ الكبار، من اللائق أن تردّي ولو بكلمة."
أما إياد فلم يقل شيئًا.
كان يعرف أن ياسمين امرأة واضحة في حبها وكرهها، ولا تُظهر البرود إلا لمن أساء إليها... مثلهم، أصدقاء عمر الراسني.
قالت منيرة بابتسامة متسامحة وكان شيئًا لم يكن:
"لا بأس، هذا طبعها، لا مشكلة. اليوم نحتفل بانتقالنا إلى المنزل الجديد، هل تودّان الانضمام إلينا؟"
نظرت ياسمين إلى جانبها نحو عمر الراسني، الذي بدا غير مبالٍ.
كانت تعلم أن استقرار منيرة في البلاد لم يكن ليحدث بهذه السرعة لولا تدخّل عمر، فوجدت الأمر ساخرًا جدًا.
فالمرأة التي أساءت إلى أمها في الماضي، تبدو اليوم كأنها إنسانية طيبة لا تحمل ذنبًا، ومن لا يعرف الحقيقة يظنها من أفضل الناس.
نظرت ياسمين إلى قاعة الحفل، الناس يتوافدون، معظمهم من رجال الأعمال، وقد أُقيم الحفل بطريقة فخمة تُظهر مدى احترام الجميع لمنيرة.
لكن عمر، الذي عاش معها سنوات طويلة، لم يُظهر يومًا مثل هذا الاحترام لجدتها أو خالها.
تذكرت ياسمين الصندوق الآخر في سيارة عمر، لابد أنه هدية أعدّها بعناية ليلى وأمها.
قالت سارة وهي تمسك بذراع ياسمين بنبرة ساخرة:
"ياسمين مشغولة جدًا، وليس لديها وقت لتمثيل دور الزوجة الودودة، فلن نُزعجكم أكثر."
تجهم وجه منيرة فورًا، وبدت مستاءة من أسلوب الكلام.
تساءلت في نفسها: من هؤلاء الصديقات اللواتي ترافقّهن ياسمين؟
رمق عمر سارة بنظرة غامضة لا تُظهر غضبًا ولا رضا.
لاحظت ياسمين نظراته العميقة، فخشيت أن تتعرض سارة للأذى، فسحبتها بسرعة إلى الخلف.
وقف فارس وإياد مذهولين مما حدث.
لكن قبل أن يتدخلا، رفعت ليلى يدها بهدوء، متظاهرة بالتسامح.
كانت متماسكة، لكنها رأت أن الطرف الآخر لا يملك سوى التظاهر بالقوة لحماية كرامته.
لم تُبد ليلى أي ترحيب بياسمين، وقالت لمنيرة: "أمي، تفضلي بالدخول أولًا."
التفتت منيرة إلى عمر وقالت:
"عمر، بعد قليل ساعدني في التعرف على بعض الضيوف، لا أريد أن أبدو غير مهتمة."
أومأ عمر برأسه: "حسنًا."
ابتسم فارس وقال وهو يلحق بهما: "دعيني أساعدكِ يا خالة، شرفٌ لهم أن يتعرفوا عليكِ."
ابتسمت منيرة برضا، وبدا عليها النشاط والحيوية.
أما ياسمين فآثرت عدم الرد، وأمسكت بذراع سارة وغادرت بسرعة.
نظر عمر إلى ظهر ياسمين وهي تبتعد، ثم استدار بلا مبالاة.
رأت ليلى ردة فعله، فابتسمت بسخرية صامتة.
أما ياسمين، فقد غادرت كمن يهرب من ساحة معركة؛ كانت تعرف أن البقاء لن يجلب سوى الإحراج، فمن يشعر بالذنب هو الخاسر دائمًا.
بعد خروجهما من فندق ألورا الفاخر من فئة الخمس نجوم، وضعت سارة يديها على خصرها ومثّلت حركة التقيؤ قائلة: "يا لها من متعجرفة! من لا يعرف يظن أن عمر زوج ابنتها!"
وأضافت بسخرية: "نظرات تلك الأم وابنتها لكِ كانت وكأنكِ أنتِ التي اقتحمتِ حياتهما، وكأنها هي الزوجة الشرعية! يبدو أن عمر منحهما ثقة كبيرة!"
بل إن ياسمين اضطرت لإفساح الطريق لهما!
ربتت ياسمين على ظهر سارة لتهدئتها:
"لا بأس، على أي حال سننفصل قريبًا."
قالتها بهدوء تام.
تفجرت سارة غضبًا:
"طالما لم تُنهيا الإجراءات رسميًا، فهي تبقى العشيقة! امرأة تافهة تبرر خيانتها بعبارة الحب لا يعرف التوقيت!"
وضعت ياسمين يدها على فم سارة بسرعة؛ فالجدران لها آذان، ولو سمع عمر أو أحدهم هذا الكلام فقد تقع مشكلة.
ظلّت سارة عابسة طوال الطريق، تضغط على دواسة الوقود بعصبية وهي توبّخ السائقين عبر الميكروفون.
أما ياسمين فتركتها تُفرغ غضبها دون تعليق.
حتى رنّ هاتفها، وكان المتصل وائل.
قال بصوت يحمل شيئًا من الغموض:
"ياسمين، يوم الأربعاء سنذهب في رحلة عمل إلى مدينة الميناء، وأظن أنكِ ستُعجبين بها."
رفعت ياسمين حاجبها قليلًا وقالت: "رحلة عمل؟"
ابتسم وائل قائلًا: "إنه مؤتمر تكنولوجيا الطيران الذي يُقام في مدينة الميناء كل عامين. يحضره كبار الخبراء من داخل البلاد وخارجها، إضافة إلى المستثمرين الكبار. ما رأيكِ؟ هل بدأتِ تهتمين بالأمر؟"
كانت ياسمين تعرف أن هذا الحدث يُعقد في مدينة الميناء منذ عشر سنوات، وهو من أكثر الفعاليات المرموقة في هذا المجال، ولا يُدعى إليه إلا أبرز المهندسين والخبراء من أنحاء العالم لتبادل الخبرات والمعرفة.
كانت فرصة نادرة بالفعل.
قال وائل بثقة: "أظن أن والدي سيحضر أيضًا، فاستغلي الفرصة للتحدث إليه. اليوم أو غدًا دعي سارة ترافقكِ لاختيار فستان السهرة، وسجّلي المبلغ على حساب الشركة."
ما إن سمعت سارة ذلك، حتى زال عنها كل الانزعاج الذي كانت تشعر به وقالت بحماس: "تم، اتركني أتولى الأمر، سأجعل مرافقة السيد وائل تخطف أنظار الجميع!"
ثم غيّرت سارة وجهتها فورًا نحو أكبر مركز تسوق في المدينة.
لكن بعد جولة طويلة، اكتشفت أن أغلى الفساتين المعروضة لا تتجاوز بضع مئات الآلاف، فتذمرت قائلة إن تلك الفساتين لا تليق بياسمين.
وبعد ساعتين من البحث، قررت إعارتها الفستان الذي وصلها حديثًا من الخارج، فاتصلت فورًا لتطلب إحضاره.
كان الفستان بلون بنفسجي فاتح، بتصميم ذيل السمكة، قماشه ناعم يلمع كضباب خفيف، ضيق عند الخصر ليُبرز جمال القوام.
وتحت الأضواء بدا أكثر سحرًا وأناقة. تصميمه بسيط بلا مبالغة في الزينة، لكنه غاية في الفخامة.
قالت سارة بإعجاب: "هذا الفستان خُلق من أجلكِ! ارتديه وستكونين أجمل امرأة في القاعة."
كانت ياسمين تعرف طبع سارة، فلم ترفض عرضها.
في اليوم التالي، رتّب مساعد وائل كل شيء مسبقًا، فحجز لهما الفندق في مدينة الميناء.
وبينما كانت ياسمين تُحضّر أمتعتها، وجدت في جيبها التعويذة التي أهدتها لها الشقيقة الصغرى للجدة، فتوقفت قليلًا، ثم وضعتها في عمق الخزانة دون اهتمام.
سافرت ياسمين مع وائل قبل يوم من بدء المؤتمر.
كانت تلك أول زيارة لها لمدينة الميناء، ونزلا في فندق ألورا الفاخر من فئة الخمس نجوم. رافقها وائل إلى مكتب الاستقبال لإنهاء إجراءات الدخول.
وبينما كانت تُخرج بطاقتها الشخصية، سمعت صوتًا يناديها:
"ياسمين؟ ماذا تفعلين هنا؟"
التفتت فوجدت فارس يجر حقيبته.
تفحصها بنظراته من رأسها حتى قدميها، ثم حيّا وائل قائلًا:
"السيد وائل، هل أحضرتَ أحدًا للمشاركة في المؤتمر؟"
فمثل هذا الحدث يجمع كبار المتخصصين ومديري الشركات والمستثمرين، ومن الطبيعي أن يلتقي الجميع هناك.
ابتسم وائل قائلًا: "صدفة جميلة."
رفع فارس حاجبيه ونظر إلى ياسمين قائلًا: "فقط هي من ترافقك؟"
كان من الغريب أن يمنح وائل هذه الفرصة النادرة لياسمين، وهي لا علاقة لها بالمجال. ألم يعترض بقية أعضاء شركة الريادة للابتكار والتكنولوجيا؟
أجاب وائل بهدوء وكأنه يتجاهل التلميح: "وجود ياسمين كافٍ."
أما ياسمين فلم تُبدِ أي رغبة في الرد عليه.
ابتسم فارس بخفة دون أن يعلق، ثم أجرى مكالمة قصيرة.
وبعد لحظات، رأت ياسمين مجموعة أشخاص يدخلون من الباب، كان بينهم عمر وليلى ومازن.
عضت ياسمين شفتها قليلاً؛ فهي تعرف أن عمر، بمكانته، لا بد أن يكون من ضيوف الشرف.
نظر عمر إليها بهدوء دون أي تعبير مفاجئ، ثم أومأ لوائل قائلاً:
"السيد وائل، هل لديك وقت للعشاء الليلة؟"
ابتسم وائل باعتذار وقال: "للأسف، لدي موعد الليلة. غدًا إن شاء الله."
أومأ عمر برأسه، ثم غادر مع ليلى ومازن إلى المصعد، دون أن يوجه أي كلمة خاصة لياسمين.
تمامًا كما في الماضي، غريبان أمام الناس.
وفي المصعد، قطّب مازن حاجبيه: "هل تعرفون ما الذي يجري بين السيد وائل وياسمين؟ من الغريب أن يمنحها مقعدًا في المؤتمر، هل يعقل أن بينهما علاقة خاصة؟"
خفض عمر نظره نحو هاتفه دون أن ينطق بكلمة.
رفعت ليلى حاجبيها دون أن تفسر شيئًا.
أما فارس ربت على كتفه قائلاً: "هي لا تجرؤ."
في عيني ياسمين لا مكان إلا لعمر، فهي لا يمكنها ولن تجرؤ على خيانته.
سأل مازن باستغراب: "ماذا تقصد؟"
اكتفى فارس بابتسامة صامتة دون أي توضيح.
أما وائل فكان لديه موعد بالفعل، إذ كان ذاهبًا للقاء أحد الأساتذة.
وقبل أن يغادر أوصى مرارًا قائلاً: "المعكرونة والسوشي في مطعم الفندق ممتازان جدًا، جربيهما. وعندما أعود سأجلب لك حلوى البقلاوة."
ضحكت ياسمين قائلة: "حسناً."
فهي تعرف وائل منذ سنوات طويلة؛ فهو شخص دقيق، يهتم بها دائماً، ويعرف جيداً ما تحبه.
كانت ياسمين تقيم في الجناح التنفيذي. وبعد أن رتبت أمتعتها، تذكرت عمر والبقية.
فهذا الطابق مخصص للأجنحة التنفيذية، وفوقه توجد الأجنحة الرئاسية.
وظنت أن عمر ربما يقيم مع ليلى في الطابق الأعلى، لكنها لم تُعر الأمر اهتمامًا.
وحين حان وقت الغداء، نزلت ياسمين تحمل هاتفها لتناول الطعام.
كان مطعم الفندق فخمًا، فاختارت مقعدًا بجانب النافذة. ولأنها كانت وحدها، طلبت طبق معكرونة وحساء فقط.
وعندما نزل عمر ورفاقه، لمحوا ياسمين جالسة وحدها.
كانت باقي الطاولات مليئة بجماعات من الناس، مما جعل وحدتها أكثر بروزًا.
لاحظت ياسمين وجودهم، لكنها توقفت لحظة ثم واصلت تناول طعامها بهدوء.
كانت تعلم أنهم لا يرحبون بها، وأن الوضع بينهم حساس ومعقد، فرأت أن الأفضل ألا يتدخل أحد في شؤون الآخر.
ألقى عمر نظرة على القائمة بينما تبعته ليلى وجلست إلى جانبه بعد أن لمحت ياسمين سريعًا ثم صرفت نظرها.
قال فارس وهو يرفع حاجبيه نحو عمر: "ألا تراها مسكينة؟ وحدها تمامًا، هل ندعوها لتجلس معنا؟"
توقفت ليلى عن مسح يديها للحظة ونظرت إلى عمر.
كان عمر يقلب صفحات القائمة بهدوء وبرود وقال: "ماذا تريدون أن نطلبوا؟"
ابتسمت ليلى بخفة، فقد كانت تعرف مسبقًا.
فهو يكره ياسمين ولا يطيقها، ولا يكلف نفسه مجاملات لا داعي لها.
فهم فارس مقصده فورًا.
حقا، سيكون الموقف محرجًا جدًا لو جاءت وجلست معهم.
أما مازن فلم يدرك تمامًا ما يقصدونه، فقال: "لا داعي لذلك، فآخر مرة ذهبت ليلى إلى شركة الريادة للابتكار والتكنولوجيا، كانت هي السبب في تجاهلهم لها، فلماذا نتصنع المجاملة الآن؟"
وبعد أن طلبوا بعض الأطباق، أشار عمر فجأة إلى طبق مميز في القائمة وقال: "هذا الطبق اجعلوه اثنين، وأرسلوا واحدًا إلى تلك الطاولة."
فأومأ النادل بعد أن نظر إلى جهة ياسمين قائلاً: "حاضر يا سيدي."
تجمدت ليلى للحظة، لم فهمت سريعًا.
فبما أنهم التقوا صدفة ولم يدعوها للجلوس معهم، فإرسال طبق إليها نوع من المجاملة لتخفيف الإحراج، حتى لا يبدو تصرفهم فظًا.
رفع فارس إبهامه إعجابًا وقال: "فكرة جيدة. هي سهلة الإرضاء، ولن تغضب منك بشيء."
لم يعلق عمر، بل رفع كأسه وارتشف قليلاً من نبيذ رومانيا كونتي الفاخر.
وعندما وصل الطبق إلى طاولة ياسمين، عقدت حاجبيها قليلاً.
ابتسم النادل وقال: "هذا الطبق من ذلك السيد، نتمنى لك وجبة شهية يا سيدتي."
حدقت ياسمين في الطبق أمامها، ثم نظرت إلى المجموعة التي كانت تتحدث وتضحك بعيدًا عنها.
لم يلتفت أحد منهم إليها لحظة واحدة.
لم تر في الطبق أي اهتمام من عمر، بل رأت فيه نوعًا من التفضل البارد، كأنه صدقة صغيرة تُلقى عليها.
تمامًا كما في تلك السنوات التي لم يكن يراها فيها أصلاً، حين كان من السهل جدًا أن يُبعدها بكلمة.
تأملت الطبق بصمت، ثم وضعت الشوكة من يدها، ونهضت وغادرت المكان بهدوء.
ما إن غادرت ياسمين، حتى لاحظ فارس ذلك وقال:
"لماذا رحلت؟"
التفت عمر نحو تلك الجهة، فرأى أن الطبق أمامها لم يُمسّ.
هز فارس رأسه بضجر: "يا للعجب، لا تعرف كيف تُقدّر الأمور. أعطيناها فرصة لتلين، لكنها ما زالت تتصنّع."
أما ليلى، فلم تقل شيئًا.
كيف لا تفهم ما يدور في خاطر ياسمين؟
كل ما في الأمر أن كرامتها دفعتها للانسحاب، شعرت أن عمر يفضل غيرها عليها، فاختارت المغادرة بدل البقاء على مضض.
نظرت ليلى إلى عمر، لكنه كان قد سحب نظره، واضح أنه لم يعد الأمر اهتمامًا.
ابتسمت بخفة وقالت:
"بعد الغداء، هل ترافقني في جولة قصيرة؟"
أجابها عمر دون تردد:
"لا مانع."
كانت هذه المرة الأولى التي تزور فيها ياسمين مدينة الميناء، لكن والدتها درست في جامعة الميناء، فقررت أن تزور الجامعة التي أحبتها والدتها كثيرًا.
الدخول إلى الجامعة يحتاج إلى حجز مسبق، وبعد أن دخلت الجامعة، تجولت في أرجائها لبعض الوقت.
جامعة الميناء تُعد من أرقى كليات الفنون في البلاد.
والدتها كانت تدرس الرسم الزيتي، وحصلت حينها على المركز الأول في الامتحان الوطني للفنون، ولا تزال إحدى لوحاتها معلّقة في قاعة العرض حتى اليوم.
وقفت ياسمين أمام لوحة والدتها طويلاً.
كانت أمها تقول إن العمل في الأصل يتكون من لوحتين؛ إحدى اللوحتين هنا في الجامعة، أما الثانية فقد فُقدت منذ سنوات طويلة ولم يُعثر عليها بعد.
قالت جدتها إن أمها ظلت تفكر في تلك اللوحة حتى في أيامها الأخيرة.
فكرت ياسمين:
لو استطعت العثور على تلك اللوحة، ربما تشعر روح أمها بالطمأنينة.
حدقت في توقيع "رجاء الحليمي" أسفل اللوحة، وبقيت واقفة لوقت طويل.
شعرت بفراغ عميق في قلبها، واجتاحها الحنين، وتراكمت في صدرها مشاعر الأسى والخذلان حتى كادت تبكي.
لكن أمها لم تعد في هذه الدنيا، ولا مكان يمكن أن تبوح فيه بكل ما في داخلها.
مسحت دموعها بأطراف أصابعها، ثم استدارت ببطء نحو المخرج.
كان شتاء مدينة الميناء رطبًا وماطرًا، والسماء ملبدة بالغيوم.
توقعت أن المطر سيهطل قريبًا، فسارعت نحو البوابة وهي تطلب سيارة عبر التطبيق.
وما إن وصلت، حتى بدأت قطرات المطر تتساقط.
تبللت قليلاً، فرفعت يدها تحتمي وركضت لتقف تحت المظلة.
وبينما كانت تلتقط أنفاسها، رأت عند المدخل عمر يحمل مظلة ويسير بجانب ليلى.
كانت المظلة مائلة بالكامل نحو ليلى لحمايتها من المطر.
رآها هو أيضًا، وعندما التقت عيناهما، بدا وكأنه عبس للحظة.
ربما شعر أن وجودها هنا أفسد عليه نزهته مع ليلى.
وبما أن منيرة الزهري خريجة جامعة الميناء، فمن الطبيعي أن ترافق ليلى عمر لزيارة المكان الذي درست فيه والدتها.
وصلت السيارة التي طلبتها ياسمين، فعادت بنظرها بهدوء، ورفعت حقيبتها فوق رأسها لتحتمي بها من المطر وهي تدخل السيارة.
عندما عادت إلى فندق ألورا الفاخر من فئة الخمس نجوم، بدأت تشعر بالسعال.
جسدها لم يعد يحتمل أي نسمة باردة أو مطر، فأخذت دواءها المخصص، ثم غطت نفسها جيدًا واستسلمت للنوم.
لا تدري كم نامت، لكنها استيقظت متعرقة ومتعبة.
مدت يدها تبحث عن هاتفها، كانت تريد الاتصال بوائل ليحضر لها دواء للسعال، فهي تشك أن يكون الأمر تطور إلى التهاب في الشعب الهوائية.
اتصلت، وانتظرت طويلاً حتى أجيب الاتصال.
قالت بضعف وهي تعقد حاجبيها:
"هل عدت؟ هل يمكنك أن تحضر لي دواء؟ أشعر بسعال قوي، ربما هو التهاب..."
فقاطعها صوت بارد:
"أنا من يتحدث."
تجمدت ياسمين في مكانها، نظرت إلى الشاشة، لقد اتصلت بالرقم الخطأ.
قالت بسرعة:
"آسفة، أخطأت بالاتصال."
لكن عمر قال بهدوء:
"أي غرفة أنتِ فيها؟"
ترددت قليلاً ثم أجابت:
"1603."
قال بصوت خالٍ من أي انفعال:
"فهمت."
ثم أنهى الاتصال قبلها.
بقيت ياسمين تحدق في الهاتف، غير متأكدة مما سيحدث.
هل حقًا سيحضر الدواء؟
لكنها سرعان ما أقنعت نفسها.
رغم بروده في التعامل معها، إلا أنه شخص ملتزم بالأدب والواجب.
إن طلبت شيئًا محددًا ولم يكن فيه تجاوز، فغالبًا سينفذه بدافع اللباقة، لا بدافع المشاعر.
في جناح الرئاسة، كان عمر يتحدث عبر الهاتف، بينما كان كلٌ من ليلى وفارس يجلسان معه في غرفة الألعاب.
عندما كانت ياسمين تتحدث عبر الهاتف، سمعوا جميعًا نبرة صوتها.
رفعت ليلى حاجبيها قليلاً دون أن تقول شيئًا.
ضحك فارس بخفة وقال: "حقًا؟ يبدو أنها بدأت تتصنع الضعف فجأة لتجذب الانتباه!"
قالت ليلى بهدوء وهي تضع أوراق اللعب على الطاولة: "ربما تكون مريضة فعلاً."
هز فارس كتفيه وقال: "حتى لو كانت كذلك، كان عليها أن تعرف حدودها، خصوصًا وأنتِ هنا."
نظر عمر إلى ساعته، وكانت الساعة قد تجاوزت الثامنة مساءً بقليل.
قال بهدوء: "سأذهب لأتفقدها."
ابتسم فارس وقال: "صحيح، لو تجاهلتها الآن واشتكت لجدتك فيما بعد، ستتعقد الأمور."
ضغطت ليلى شفتيها دون أن تبدي رأيًا.
رفع عمر نظره بنظرة باردة وقال: "تابعوا اللعب، سأعود بعد قليل."
تنفست ليلى بارتياح خفيف وقالت: "حسنًا."
ابتسم فارس وقال: "تمام، فهمت قصدك، المهم ألا تدعها تلتصق بك."
1
عندما وصل عمر إلى الباب، فتحت له ياسمين. رأته واقفًا هناك، يده في جيبه، ينظر إليها من عل، قبل أن يخطو إلى الداخل قائلاً: "أين تشعرين بعدم الراحة؟"
تراجعت ياسمين قليلاً لتفسح له الطريق.
مرّ بجانبها، فالتقطت أنفها رائحة عطر نسائي خفيف.
لابد أنه كان طوال الوقت مع ليلى.
غطت أنفها بخفة دون أن تُظهر شيئًا وقالت بهدوء: "حلقي يؤلمني."
رمقها عمر بنظرة سريعة، ولاحظ أن ملامحها متعبة فعلاً.
ليست متصنعة.
ضيق عينيه قليلاً، ثم اتجه ليغلي ماء، وقال بنبرة متزنة: "أحضرت ثلاثة أنواع من الدواء: مضادًا للالتهاب الشعبي، وخافضًا للحرارة، وأقراصًا لترطيب الحلق."
نظرت إليه ياسمين باستغراب، لم تتوقع أن يهتم لأمرها.
قالت بعد تردد: "... شكرا."
استدار عمر نحوها، وعيناه الباردتان العميقتان تراقبانها قبل أن يقول: "هل ستنامين بعد قليل؟"
عادت ياسمين إلى السرير، رأسها مثقل وجسدها متعب، لا ترغب إلا في الاستلقاء: "نعم."
كان الماء لا يزال يغلي.
نوت أن تتناول الدواء بعد أن يغلي الماء.
وبينما كانت غارقة في أفكارها، فتحت عينيها فرأته لا يزال واقفًا هناك، ينظر إليها بتأمل.
ترددت قليلاً وسألته: "ألم تغادر بعد؟"
نظر إليها عمر ببرود، وابتسم بسخرية خفيفة وقال: "لجيدين استخدام مبدأ: بعد أن تعبر الجسر، تهدمه."
ورغم قوله هذا، لم ينو البقاء، وضع الأدوية على الطاولة ثم غادر.
لم تُعره ياسمين اهتمامًا كبيرًا.
استلقت قليلاً، ثم رنّ جرس الباب.
كان عشاء الفندق.
صحن من العصيدة مع بعض المقبلات الخفيفة.
قالت باستغراب: "لم أطلب طعامًا، هل أخطأتم الغرفة؟"
أجاب الموظف: "السيد عمر هو من طلب أن نرسلها إليكِ."
أدركت ياسمين الأمر وأدخلت الطعام إلى الداخل.
كان عمر رجلاً معقدًا، يجمع بين البرود والدقة في الوقت نفسه. ولولا ذلك لما كانت قد عاشت كل تلك السنوات في زواج متعب ومربك.
لكنها كانت جائعة فعلاً، فمنذ عودتها لم تتناول شيئًا.
فتحت الغطاء ونظرت.
كانت عصيدة بالخضار، يزينها القليل من البصل الأخضر، تبدو جميلة وشهية.
لكنها كانت تتحسس من البصل الأخضر.
في كل مرة كانت تطهو لعمر، كانت تضيفه حسب ذوقه، لكنها نادرًا ما كانت تأكل منه، وإن اضطرت، كانت تزيله بعناية.
لقد تناولت معه الكثير من الوجبات، ولو كان عمر يهتم فعلاً، للاحظ ذلك، لكنه لم يفعل.
وربما لاحظه، لكنه لم ير أن الأمر يستحق الاهتمام، تمامًا كما يحفظ ذوق ليلى وتفاصيلها الصغيرة، بينما لم تكن هي بتلك الأهمية لديه.
تمامًا مثل الآن.
حتى هذا الطبق، عليها أن تُنقيه قبل أن تأكله.
لكنها لم تعد تريد أن تُرهق نفسها في التكيف والتنازل.
غطت الوعاء بهدوء.
وطلبت عشاء جديدًا.
قاعة المؤتمر تقع مقابل الفندق، والمسافة ليست بعيدة.
وفي اليوم التالي، عندما استيقظت ياسمين، كانت حالتها أفضل بكثير، ولم يعد حلقها يؤلمها كما لو كان يُقطع بسكين، لكنها تناولت جرعة إضافية من الدواء.
بعد انتهاء ملتقى التبادل، سُتقام حفلة كوكتيل، ستمتد الفعالية من الثالثة بعد الظهر حتى التاسعة مساءً تقريبًا.
عند الظهيرة، رن جرس الباب.
فتحت ياسمين الباب، لتتفاجأ بوجود سامي أمامها.
قال سامي وهو يقطب حاجبيه: "لماذا وجهك شاحب هكذا؟" كانت ياسمين بلا مكياج، وشفاهها باهتة اللون، فأضاف: "هل تشعرين بتوعك؟"
مد يده ليلمس جبينها قائلاً: "هل تناولت الدواء؟ ما رأيك أن نذهب إلى المستشفى للاطمئنان؟"
كانت ياسمين قادرة على رؤية القلق الحقيقي في عينيه،
لكنها تراجعت خطوة إلى الخلف، متجنبة نظرته: "هل هناك أمر ما؟"
فسامي خطيب الآنسة نور من مجموعة القيسي، لم يكن حضوره لمثل هذا الحدث أمرًا غريبًا.
عندما لاحظ سامي برودها، عقد حاجبيه لبرهة، ثم مدّ يده بالعلبة التي يحملها نحوها قائلاً: "انظري إن كنت تحبينها. بما أن المناسبة رسمية اليوم، ظننت أنك تحتاجين إلى قطعة مجوهرات تليق بكِ. هذه مناسبة لكِ تمامًا."
رأت ياسمين شعار العلامة الفاخرة على العلبة.
قالت وهي تضغط شفتيها: "لا حاجة لي بها."
لكنه وضعها في يدها دون أن يترك لها خيارًا: "ما زلتِ كما كنتِ صغيرة، تحاولين التظاهر بالقوة. جئتُ أيضًا لأسألكِ عن ذكرى وفاة والدتكِ الثالثة. إن كنتِ تنوين إقامة مراسم كبيرة، أخبريني مسبقًا، سأذهب معكِ."
تجمدت ياسمين للحظة، لم تتوقع أن سامي ما زال يتذكر ذلك.
كانت والدتها قد توفيت قبل زواجها بعام، وهذا العام يصادف الذكرى الثالثة.
حتى عمر ربما لم يحتفظ بهذا التاريخ في ذاكرته.
قال سامي وهو يتفقد هاتفه، ثم رفع يده بعفوية ليمسح على شعرها قبل أن يستدير مغادرًا: "حسنًا، أراكِ في القاعة بعد قليل."
كانت ياسمين تدرك أن اهتمامه لم يكن خالصًا تمامًا، بل فيه شيء من المجاملة، ولذلك لم تأخذ كلامه على محمل الجد.
أغلقت الباب، وفتحت العلبة لتنظر داخلها.
كانت تحتوي على عقد من الألماس على شكل هلال تحيط به نجوم صغيرة.
منذ طفولتها كانت تهتم بالفضاء، وتقرأ عنه، بل اشترت تلسكوبًا لمراقبة القمر والنجوم. لذلك لم يكن غريبًا أن يقول سامي إن العقد يناسبها.
ومن المدهش أنه لا يزال يتذكر ما تحبه.
ترددت ياسمين قليلاً، فهي لم تحضر معها أي مجوهرات هذه المرة.
وفي النهاية، ارتدت الفستان الذي اختارته لها سارة، ووضعت مكياجها، وارتدت العقد ثم خرجت.
كانت تفكر أن الاهتمام بالمظهر في مثل هذه المناسبات لا يضر.
وصلت إلى القاعة برفقة وائل.
كانت القاعة تعج بنخبة من خبراء الصناعة.
وعلى الشاشة الكبيرة في مقدمة القاعة، كانت تُعرض منتجات المتميزة في السنوات الأخيرة.
وبالصدفة، عندما دخلت ياسمين، كان العرض يتناول "يو إن الثاني" بنظام المراقبة والهجوم المتكامل، وهو أحد أهم محاور الحدث اليوم.
رفع وائل حاجبيه وقال: "هل رأيتِ؟ بعد كل هذه السنوات، ما زلتِ في طليعة هذا المجال. لو لم تتزوجي حينها، لكانت إنجازاتكِ اليوم لا تُقدّر بثمن."
نادرًا ما يُعجب وائل بأحد؛ والده ربما أحد هؤلاء القلة، وياسمين أيضًا.
ولا يُخفي أنه، مثل والده، لا يحب عمر كثيرًا.
رفعت ياسمين رأسها تنظر إلى الشاشة الكبيرة، وشعرت بشيء يتحرك في داخلها.
نظرت حولها، فرأت الكثيرين متوقفين يتأملون العرض بإعجاب.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وشعرت أن الوقت لم يفت بعد لتصحيح مسارها.
قالت: "سأذهب لألقي نظرة على عرض المنتجات هناك."
أومأ وائل: "اذهبي."
وما إن ابتعدت، حتى التف حول وائل عدد من الحاضرين.
"السيد وائل، لم نرك منذ زمن!"
"سمعنا أن شركة الريادة تعمل على مشروع جديد، هل يمكن أن تخبرنا عن توجهه؟"
ابتسم وائل بخبرة المعتاد على مثل هذه المواقف وقال: "مر وقت طويل بالفعل، لكن المشروع لم يُحدد اتجاهه بعد، لذا من المبكر الحديث عنه."
فهم الحاضرون قصده، فرفع أحدهم كأسه وقال: "مشروعكم السابق في نظام المراقبة والهجوم كان مدهشًا، يبدو أن المشروع الجديد سيعيد رفع سقف المنافسة في هذا المجال."
وأضاف آخر: "أمثالك من العباقرة نادرون؛ في العشرينيات فقط، ومع ذلك كانت لديك أفكار ناضجة وتغلبت على صعوبات تقنية كبيرة. بفضلك يمكن لصناعتنا الجوية الوطنية أن تزدهر حقًا."
كانت كلماتهم تحمل مزيجًا من المديح الصادق والإعجاب الحقيقي.
رفع وائل حاجبيه، وألقى نظرة سريعة نحو ياسمين قبل أن يقول ببطء:
"أنتم ترفعون من قدري أكثر مما أستحق، في الحقيقة لست أنا مطوّر يو إن الثاني، بل كنت مجرد شاهد ومشارك فقط."
ساد الذهول وجوه الحاضرين، وبدأوا يسألونه بتعجب.
لكن وائل اكتفى بالتلويح بيده قائلاً:
"عذرًا، لا يمكنني الخوض في التفاصيل."
وما إن تفترق أولئك الأشخاص، حتى لاحظ وائل وجود عمر ورفاقه، الذين لا يعلم متى وصلوا، ومن الواضح أنهم سمعوا كلماته الأخيرة.
كان فارس أكثرهم دهشة:
"يو إن الثاني ليس من تطوير السيد وائل؟! إن لم يكن هو، فمن يكون هذا العبقري إذاً؟"
أما ليلى فبدت عليها الدهشة أيضًا.
فقد كانوا جميعًا يعتقدون أن مطوّر بو إن الثاني من الجيل الجديد، ولم يكن بينهم من هو أكثر موهبة من وائل.
وفوق ذلك، فهو الابن الوحيد للعالم حازم، مما جعلهم متأكدين أنه هو المطوّر الحقيقي.
قالت ليلى بابتسامة خفيفة بعد أن أبدت دهشتها:
"هل يمزح السيد وائل؟ لم نسمع محليًا عن أحد يضاهيه في هذا المجال."
تأمل عمر وجه وائل بتمعن دون أن يبدي رأيًا.
أما مازن فعبس قائلاً:
"سيدي وائل، لا داعي للتواضع. فمشروع يو إن الثاني تابع للصناعات العسكرية، ولا أظن أن كلامك صحيح."
ألقى وائل نظرة هادئة على ليلى، ثم قال بثقة: "كلامي لا شك فيه."
شهق فارس بدهشة، فقد انقلبت كل قناعاته رأسًا على عقب.
إن لم يكن وائل، فمن يكون هذا الاسم الكبير في المجال؟
عضت ليلى شفتها وقالت: "هل يمكن للسيد وائل أن يعرّفنا إليه؟"
ابتسم وائل ابتسامة غامضة وقال: "التعريف؟ لا داعي لذلك."
فالشخص المقصود كان أمامهم طوال الوقت، لكن لم يجرؤ أحد على التخمين.
1
في الجهة الأخرى، كانت ياسمين تتجوّل في المكان، وبعد أن تعرّفت على المستوى التقني العام في البلاد، عادت أدراجها.
وحين اقتربت، رأت أن حول وائل يقف عمر ورفاقه.
لكن...
توقفت خطواتها ببطء حين وقعت عيناها على ليلى.
التفت عمر نحوها، وكذلك ليلى.
وفي تلك اللحظة ساد الصمت.
إلى أن قال مازن متجهماً:
"ياسمين، هل يعقل أنكما ترتديان الفستان نفسه؟"
توجهت الأنظار إليهما، وإذ بهما ترتديان الفستان نفسه باللون البنفسجي الفاتح وبتصميم ذيل السمكة!
تجهم وجه ليلى وبدت عليها علامات الانزعاج.
لم يخطر ببالها أن ياسمين سترتدي الفستان نفسه، خصوصًا أن هذا التصميم الفاخر لم يُنتج منه سوى قطعتين محليًا، فكيف حدث هذا التوافق الغريب؟
نظر عمر إلى ياسمين، ومرّت في عينيه لمحة من شعور خفي.
شدّت ياسمين شفتيها قليلاً ورفعت نظرها نحوه.
كانت قد لاحظت انقباض حاجبيه ثم ارتخاءهما، وفهمت أنه غير راضٍ عن الموقف.
شعرت ببعض الحرج وقالت بهدوء:
"محض صدفة."
ابتسم فارس ساخرًا:
"يا لها من صدفة! أن تتشابهي مع ليلى بالذات؟ يبدو أن هناك منافسة خفية."
تلاشت الابتسامة عن وجه ليلى، فقد شعرت بالضيق.
تقلدها في اهتمامها بالدرون، والآن تقلدها في اللباس؟
ألا تعرف ياسمين ما معنى الذوق في مثل هذه المناسبات؟
لم يتحمل وائل سماع المزيد، فتقدّم قائلاً:
"ومن أين لها أن تعرف ماذا سترتديه الآنسة ليلى؟ الجمال يُقدّر ويُحب، وكل امرأة لها أسلوبها الخاص في ارتدائه، أليس كذلك؟"
عاد فارس ومازن بنظريهما إلى الاثنتين، ثم استقرّ نظرهما على ياسمين.
كانت ياسمين ذات قوام متناسق، خصر منحوت، كتفاها مستقيمان، أطول قليلاً من ليلى، مما منحها حضورًا أنيقًا لافتًا.
أما ليلى فكانت ذات قوام ممتلئ جذّاب، فبدت أكثر جرأة في المظهر.
لكن ما لم يتوقعوه أن ياسمين بدت في الفستان أكثر أناقة وسحرًا.
نظرت ياسمين نحو عمر محاولة قراءة أفكاره.
كانت تعلم أن الموقف محرج، لكن في مناسبة كهذه، لا بد من حل يليق بالمقام.
قال عمر بنبرة هادئة لكنها حازمة: "اذهبي وبدّلي فستانكِ."
وكان كلامه موجّهًا إلى ياسمين.
__________________________
