📁 آخر الروايات والقصص

رواية وللقلوب موعد الفصل السابع 7 والاخير بقلم ملك عبدالله احمد

رواية وللقلوب موعد الفصل السابع 7 والاخير بقلم ملك عبدالله احمد



الطلاق بيني وبين علي هيتم وبعدها هسافر.
_ إيه يـختي؟!
_هسافر يا يونس هسيب مصر، وده قراري النهائي.
قطّب حواجبه وقال بنبرة امتزج فيها الغضب بالخوف:
_ وده ليه إن شاء الله؟ تسافري فين وليه هِنا مكانك.
ابتسمت بسخرية باهتة:
_مين قال إن هِنا مكاني؟ مكاني خِلص هِنا.
هز راسه بعنف:
_ أنا مش فاهم مين ملي دماغك بالكلام ده؟ هِنا هتفضلي.
هِنا أنـا، هِنا أهـلك، هِنا أحلامـك، هِنا ذكرياتـك.
رفعت عيني ليه وهمست:
_وعشان كل ده هِنا أنا محتاجة أهرب منهم يا يونس.
_أنا مش فاهمك.
ابتسمت بمرارة:
_ وأنت من إمتى كنت بتفهم؟
سِكت فورًا، وحطيت إيدي على وشي أمسحه بهدوء. حسيت إني لو كملت هقول كلام مينفعش يتقال كلام هيكشف كل اللي بداريه.
لفّيت بصري ناحية خالتو سماء، وحاولت أبتسم:
_ إيه يا خالتو سايبة ابنك يتكلم لوحده شاركيني رأيك.
ابتسمت بحنان وقالت:
_ أنا مع راحتك يا غُفران أي قرار يريح قلبك أنا معاه.
التفت يونس ليها بسرعة:
_يعني إيه يا ماما؟ يعني إيه تسافر وراحتها؟!
راحتها هِنا.
بصتله نظرة طويلة فيها غموض، مليانة معنى محدش فاهمها غيرهم وقالت بهدوء:
_راحتها يا يونس زي ما في ناس بتختار راحتها، هي كمان من حقها تختار راحتها.
ساد الصمت للحظات.
حوّلت عيني ناحية خالتو أمنية، اللي كانت ساكتة طول الوقت.
_وأنتِ يا خالتو؟
إتنهدت وقالت:
_مش هكرر غلطتي، ومش هقولك اختاري راحة غيرك ودوسي على نفسك هقولك اختاري نفسك المرة دي، واختاري راحتك يا غُفران.
هزيت راسي بهدوء، وابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة.
_تمام بعد إذنكوا.
" كُنت فاكرة إن المشاعر الحقيقية لازم تتقال، وإن الحب اللِ منسكتش عنه بيموت لكن الحياة علمتني إن فيه مشاعر، عشان تفضل كرامتها محفوظة، لازم تفضل مدفونة.
مش كل إحساس يستحق الظهور، ومش كل حقيقة لازم تتحكي فيه كلام لو خرج متأخر، مبيغيرش حاجة غير إنه يفتح جروح كانت بدأت تلتئم.
وأوقات بنفتكر إن الذكريات نعمة، وإنها الملجأ الوحيد لما الدنيا تضيق بينا. لكن الحقيقة إن بعض الذكريات بتعرف تتغير،لأننا عرفنا حقيقتها.
أوقات الذكريات اللي كنا شايفينها جزءًا من حياتنا، بتكون السبب الأكبر إننا نقسى على نفسنا، وندوس على وجعنا، ونتعلم منها.
مش كل الذكريات هتفضل ذكريات دافية بنلجأ لها.
أوقات هنلاقي ذكريات قاسية، بعد ما كانت معودانا على دفئها. "
أسبوع كامل، وكل حاجة كانت بتتجهز عشان يتم الطلاق وأقدر أسافر.
ورغم محاولات يونس المستمرة إنه يغيّر قراري، كنت برفض.
ومع ده كله، عمره ما سابني لوحدي، وكان بيساعدني في كل حاجة.
وجِه اليوم المنتظر.
جهزنا وروحنا، عشان يتم إجراءات الطلاق واللِ كان معايا وقتها يونس وبس.
ركبنا العربية، وساد بينا صمت طويل مكنتش حابة أتكلم، كنت بس عايزة أفصل عن كل حاجة.
كنت خايفة ومتوترة.
مش عارفة اللِ بعمله ده صح ولا لأ.
لو بابا وماما كانوا موجودين، أكيد كانت كل حاجة هتكون مختلفة دلوقتي.
اتنفست بعمق وأنا بحاول أنظم وتيرة أنفاسي، لكن يونس باغتني بسؤال خلاني ألف له.
_ليه عايزة تسافري يا غُفران؟ أفهم بس أنتِ مش بتحبي السفر، هتعملي إيه هناك لوحدك؟
ابتسمت ابتسامة باهتة وقُلت:
_ومن إمتى اللي بنحبه هو اللي بيحصل يـ يونس؟
عادي...
هسافر ليه؟ عشان مبقاش ليّا مكان هِنا.
جالي شغل مناسب ليِا، والأكيد إني مش هرفضه.
لازم أبني نفسي، ومستناش اللي ييجي يبني حياتي.
زمان كنت فاكرة إن حياة الست بتبدأ لما تلاقي الراجل الصح، وإن أكبر نجاح ليها إنها تبني بيت دافي، وتربي أطفال، وتعيش عمرها كله وهي مطمنة إن فيه حد سندها.
لكن الواقع علّمني إن الأحلام دي جميلة بس مينفعش تكون هي الحاجة الوحيدة اللي بنعيش عشانها.
لأن اللي بيبني حياته على وجود شخص، ممكن في لحظة يلاقي نفسه واقف على أطلال كل حاجة.
كنت فاكرة إن ده آخر الطريق وإن أول ما أوصله هبقى وصلت لكل حاجة.
وأنا مبقتش عايزة أفضل واقفة في مكاني، مستنية حد ييجي يحققلي حلم كان المفروض أكون أنا أول واحدة تسعى ليه.
لازم أبقى مستقلة، ومستعدة دايمًا إن في يوم ممكن أبقى لوحدي.
كل حاجة حواليّا كانت بتقولي في يوم هتبقي زينا وهتبقي لوحدك.
وأنا كنت بقول يمكن تظبط معايا ويمكن أكون أنا الحلم اللي مستنياه.
بس ليه أفضل مستنية أحلام بعيدة عني؟
ليه مقومش أقف على رجلي وأبني نفسي؟
سِكت شوية، وبعدين بصيتله.
_يونس أنت مشيت من غير وداع.
لفيت ضهرك ومشيت.
وأنا؟
أنا كنت شايفاك حاجة كبيرة أوي في حياتي، ولما مشيت فقدتها.
بس فضلت مستنياك، وأنت كملت حياتك.
وأنا كمان كملت حياتي.
أنت فشلت وأنا فشلت.
بس لما أنت فشلت، مكنش فارق معاك.
عشان أنت بنيت نفسك بعيد عن المشاعر والذكريات، ودفنت كل حاجة.
لكن أنـا
لما فشلت، مكنش قدامي غير إني أرجع لفشلي القديم وأبكي عليه.
أصل الجرح الأول مكنش لسه اندمل
ولما اتفتح تاني، فتح معاه جرح أكبر.
فضل ساكت شوية، قبل ما يسأل بصوت متردد:
_هو... هو أنتِ حبيتي علي بجد؟!
اتنفست بهدوء وأنا ببص قدامي.
_علي اداني مشاعر وأنا كنت لسه بتألم من جرح قديم.
مشاعره كانت ساعات حقيقية وساعات ألف لأ.
وأنا كمان اتعودت عليه وعلى وجوده.
اتعودت وحبيت التعود.
يمكن محبتش "علي" بس حبيت إني اتعودت عليه.
بس أنا كنت مراهنة حياتي عليه.
وأوقات
أوقات كنت بحس إني أنا كمان كنت...
سِكت.
لأ مش قادرة أعترف.
مش قادرة أواجه نفسي بالحقيقة دي.
_كملي يا غُفران.
هزيت راسي بعنف، وأنا بضغط على إيدي.
_لأ أنت متستاهلش يا يونس.
أنت عارف.
بصيتله بقرب، وغرزت عيني في عينيه.
_متكدبش على نفسك يا يونس، وتحاول تهرب من الحقيقة.
أنت عارف إني حبيتك ورغم كده مشيت.
مشيت وسيبت قلبي معاك.
ليه عملت كده؟
بص قدامه، وقال بصوت غريب:
_أنا مكنتش أعرف لو كنت أعرف مكنتش سيبتك.
ضحكت ضحكة باهتة مليانة وجع.
_أومال أنت تعرف إيه؟
وذكرياتك معايا؟
وكلامك زمان؟
كنت بتقولي إيه؟
رفع عينه ناحيتي وقال:
_كنت فاكر إن ده الطبيعي بيني وبينك.
مكنتش أعرف إن اللي بينا حب.
أنا معرفش يعني إيه حب يا غُفران.
ابتسمت بمرارة.
_بس تعرف تقسى
وتهرب
وتمشي.
_غُفرا...
قاطعته بسرعة:
_بس.
أنا مش بحبك يا يونس دلوقتي.
حبك انتهى يوم ما مشيت.
بس لسه
لسه بحب ذكرياتنا سوا.
وده
وده اللي مش قادرة أمنعه.
مكنش عنده كلام يقوله، أو يمكن مكنش لاقي كلام ينفع يتقال في اللحظة دي، ففضل الصمت بينا لغاية ما وصلنا.
لما شوفت المكان واللِ هيتم فيه كل حاجة، الخوف اتمكن مني فجأة.
رجلي ثبتت في الأرض، وفضلت واقفة مش قادرة أقدم خطوة واحدة، كأن المكان كله بيضغط على صدري.
وقف يونس جنبي، وبصلي بنظرة كلها اهتمام وأمان، وقال بهدوء:
_متخافيش.
_أنا مش خايفة.
مش خايفة...
فضلت أرددها لنفسي أكتر ما برد عليه، يمكن عشان أقنع نفسي بيها، حتى لو كل اللي حواليّا كان شايف عكس كده، وحتى لو رعشة إيدي كانت بتفضحني.
دخلنا، وكان الكل موجود إلا علي.
عمي ومراته كانوا قاعدين، ونظراتهم مقدرتش أحدد معناها. لا هي غضب، ولا ندم، ولا حتى ارتياح... كانت نظرات تايهة، كأنهم هما كمان مكنوش متخيلين إننا هنوصل لليوم ده.
حسيت بخنقة شديدة، فمشيت بعيد شوية.
وقفت جنب الشباك، أحاول أخطف نفس، وأهرب من نظرات الكل اللي كانت بتراقبني في صمت.
عدى وقت كبير وعلي مجاش.
الدقايق كانت بتمشي ببطء غريب، وكل دقيقة كانت أتقل من اللي قبلها.
حتى المأذون بدأ يبص في الساعة أكتر من مرة، وقال إنه لو اتأخر أكتر من كده هيمشي.
سندت رأسي، وأنا ضربات قلبي بتعلى، ومش فاهمة إيه ممكن يحصل.
هل علي غير قراره؟
هل رفض يطلقني؟
ولا بيحاول يضغط عليَّ للمرة الأخيرة؟
أفكار كتير هاجمتني دفعة واحدة، وكل فكرة كانت أسوأ من اللي قبلها.
خوفت...
بس كل ما كنت أرفع عيني، كنت بلاقي نظرات يونس محاوطاني، فيها طمأنينة غريبة، كأنها بتقولي من غير كلام إنه موجود وإن مهما حصل، مش هيسيبني لوحدي.
أخدت نفس طويل، وغمضت عيوني.
وقررت أسيبها على ربنا.
بعد ثوانِ...
بس ثوانِ.
كانت كفيلة تفصل الوقت وطول العمر عن إنسان.
فجأة، سمعنا صوت صويت مرات عمي.
صرخة قطعت المكان كله.
فتحت عيني بسرعة، ومش فاهمة إيه اللِ بيحصل.
لقيتها بتجري وهي بتعيط بشكل هستيري، وعمي جري وراها، وبعده كل اللي كانوا موجودين خرجوا بسرعة، وكل واحد فيهم ملامحه كانت بتنطق بالفزع.
في لحظات المكان فضي.
مفضلش غير يونس.
كان واقف مكانه، على وشه جمود غريب، لكنه كان مخبي وراه ألف إحساس.
الحقيقة إن لغاية دلوقتي أنا مش قادرة أفهم.
ولا أحدد أي حاجة ممكن تكون حصلت.
كل اللي كنت سامعاه صوت دقات قلبي والباقي كان مجرد ضوضاء بعيدة.
فضلت مكاني، وعيني معلقة بـ يونس وهو بيتحرك ناحيتي بخطوات هادية.
كل خطوة كان بياخدها كانت بتزود خوفي أكتر، وكأن قلبي سبق وعرف الخبر قبل ما يسمعه.
قرب بهدوء، ومد إيده ومسك إيدي بحذر، كأنه خايف حتى اللمسة توجعني.
وبصلي بعينين مليانين أسف، وقال بصوت واطي:
_أنتِ مؤمنة بقضاء ربنا وحكمته.﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾.
سِكت لحظة وقال:
_البقاء لله.
بصيتله بعدم استيعاب، واتعقد لساني.
_بتقول إيـه؟
نزل بعينه للحظة، وكأنه بيدور على طريقة يخفف بيها وقع الكلمة لكنه كان عارف إنها مفيش حاجة هتخففها.
رفع عينه تاني وقال بهدوء امتزج بالألم:
_غُفران أنا فاهم إنك مصدومة، ومش مستوعبة حاجة دلوقتي
وسكت، وكأن الكلمة الأخيرة تقيلة عليه.
_بس...
ابتلع ريقه، وقالها بصعوبة:
_علي مـات.
قبل ما يونس يسيب إيدي، كنت سحبتها منه بعنف، وبصيتله وأنا بهز راسي برفض.
_لاء
قالها بصوت واطي، كأنه بيحاول يهون عليَّ قبل ما يثبت الحقيقة.
_غُفران...
قاطعتُه بسرعة، وصوتي بدأ يعلى من غير ما أحس.
_لأ أنت أكيد فاهم غلط. علي كان لسه هيجي هو اتأخر بس مش أكتر.
مردش.
وسكوته كان أبشع من أي إجابة.
ضحكت ضحكة صغيرة، مرتبكة، وأنا ببص حواليَّ.
_أكيد في سوء تفاهم هو فين؟ أنا هروح أشوفه.
واتحركت بسرعة ناحية الباب.
حاول يونس يمسك إيدي، لكني سحبتها.
_سيبني.
خرجت أجري ناحية الزحمة.
كل الناس كانت واقفة في دايرة، وصوت عياط مرات عمي كان بيشق المكان.
كل ما أقرب، قلبي كان بينبض أسرع.
حد من الموجودين حاول يمنعني.
_بلاش يا بنتي...
زقّيته من غير ما أبصله.
_وسع.
أول ما وصلت...
وقفت رجلي ثبتت في الأرض والدنيا كلها سكتت.
شوفتهم شايلين علي
هدومه كانت متبهدلة، ووشه ساكن بشكل عمره ما كان ساكن قبل كده.
والـ'دم كان مالي جسمه كله
عيني فضلت معلقة عليه.
مستنية أي حركة أي نفس أي رمشة.
أي حاجة تقولي إن اللِ قدامي لسه عايش.
بس مفيش ولا حاجة.
"علي عمل حادثة قدام المكان
كان فاضله كام خطوة ويوصلي
ملحقش يشوفني
ومات هِنا."
جسمي كله برد فجأة رجعت خطوة لورا.
وبعدين خطوة كمان.
كنت ببص عليه وكأني مستنية حد يضحك ويقول إن دي مجرد كذبة.
إن كل ده سوء تفاهم بس مفيش حد اتكلم ولا حد كذب الخبر.
سمعت صوت حد بيقول:
_البقاء لله...
وحد تاني رد:
_ربنا يرحمه.
الكلمات كانت بتوصلني بعيدة بعيدة أوي.
حاولت أتكلم لكن صوتي مخرجش ولا دمعة نزلت ولا حتى صرخة.
فضلت واقفة ببص عليه وبس.
جه يونس وقف جنبي من غير ما يتكلم مقالش ولا كلمة.
اكتفى إنه وقف بعد وقت معرفش قد إيـه
همست بصوت مكسور، وأنا لسه ببص على علي:
_أنا...
بلعت ريقي بصعوبة.
_أنا مكنتش عايزة يموت.
لفيت أبص ليونس، وعيني أخيرًا اتمَلّت دموع.
_أنا كنت عايزة أتطلق بس والله ما كنت عايزة يموت.
سافر حبيبي وداخلّي يودعني:)
عدّت أيّام وكانت أقسى أيّام عشتها في حياتي.
كان الوجع أكبر من أي كلام، وجع يخلي الروح نفسها تتعب من حمله.
كنت كل يوم بسأل نفسي
إزاي الإنسان يقدر يكمل بعد كل ده؟
إزاي يفضل عايش وهو شايل جواه كل الوجع ده؟
وإزاي يكون الموت بشع بالشكل ده؟
يمكن لو كانت النهاية مختلفة، كان الفقد هيبقى أهون شوية.
لكن الطريقة..
الطريقة اللِ مشي بيها، وآخر اللي حصل بيني وبينه كانوا أقسى من إنهم يتنسوا.
كل مرة أفتكر آخر كلام بينا، بحس إن قلبي بيتسحق من جديد.
إزاي هقدر أكمل وأنا حاسة إني السبب في موته؟
إزاي هسامح نفسي على ذنب يمكن عمري كله ميكفيش عشان أغفره؟
كنت قاعدة في البلكونة، ضامة رجلي وسندة رأسي عليها، وعيني تايهة في السما وكأني بدور على حد.
بدور عليه وسط النجوم يمكن ألاقيه.
أصل والله ما قادرة أكمل كده.
كنت عايزة أودعه مكنتش عايزة يكون ده آخر حاجة بينا.
دخل يونس بخطوات هادية، وقعد جنبي من غير ما يتكلم، ومدلي ظرف.
بصيتله بعينين مليانة دموع، ومش فاهمة إيه ده، ومستنية يقول أي كلمة.
قال بصوت هادي:
_الظرف ده كان موجود في عربية "علي" واللِ لقوه قالوا إنه كان ماسكه في إيده، ومكتوب عليه "غُفران".
أول ما سمعت اسمي، خطفته بسرعة، وعدلت نفسي، وبدأت أفتحه وإيدي بترتعش بس كنت مستعجلة أشوف منه أي حاجة أي حاجة.
كان جواه رسالة بدأت أقرأها ومع كل حرف، كنت حاسة إن قلبي بيتخلع من مكانه.
"غُفران...
صديقتي وحبيبتي وزوجتي لآخر وقت.
فيه كلام جوايا نفسي أقولهولِك، كلام متأخر أوي
متأخر لدرجة يمكن مبقاش له قيمة، لكن كان لازم يوصلك.
أول حاجة محتاجها منك إنك تسامحيني.
أنا آسف.
آسف على كل وجع، وكل كسرة، وكل غصّة كنت أنا السبب فيها.
آسف على اللي عملته فيكِ، وآسف أكتر إني فهمت حجم اللي عملته بعد ما خسرتك.
والله مش قادر أتخيل إزاي وصلت إني أوجع الإنسانة الوحيدة اللي كانت بتحبني بصدق.
أنا غلطت وبعترف بده من غير أي تبرير.
الخيانة ملهاش مبرر زي ما قولتي.
وعشان كده مش هحاول أبررها، ولا ألوم ظروف، ولا شيطان، ولا أي حاجة.
الغلط كان غلطي وأنا اللي أستحمل نتيجته.
بس رغم كل ده شكرًا.
شكرًا إنك فوقتيني، وشكرًا إنك خرجتيني من الوحل اللي كنت غرقان فيه.
شكرًا إنك رجعتِ علي اللي كان بيخاف يغضب ربنا.
النسخة اللي ضاعت مني وسط ذنوبي وغفلتي.
شكرًا إنك كنتِ السبب بعد ربنا إني أرجع أصلي، وأستغفر، وأندم بجد مش مجرد كلام.
إمبارح صليت صلاة توبة
يمكن لأول مرة في حياتي أصلي وأنا حاسس فعلًا بكل كلمة بقولها.
ولما خلصت حسيت إني طفل تايه، ضيع نفسه بإيده، وبيدور على حضن يرجعه تاني.
بكيت ولأول مرة أبكي بالشكل ده.
بكيت على حقي
وعلى حقك
وعلى حق ربنا.
كنت مكسوف وأنا برفع إيدي وبطلب من ربنا يسامحني بعد كل اللي عملته.
لكن كنت متمسك برحمته لأني كنت مؤمن إن مهما كترت ذنوبي، رحمته أكبر.
قال تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
وعارف إن ربنا كريم.
لكن فضل ناقصني حاجة إنك إنتِ تسامحيني.
لأن الذنب اللي بيني وبين ربنا أتوب منه.
لكن الذنب اللي بيني وبينك، حقه عندك.
ومن حقك جدًا إنك متسامحينيش.
ولو فضلتي شايلة مني وجع العمر كله هكون مستحق ده.
غُفران...
يمكن قبل كده حبي مكانش ظاهر ليكِ.
ويمكن أنا أصلًا مكنتش بعرف أحب بالطريقة اللي تستحقيها.
كنت فاكر إن الحب كلام، أو وجود، أو إنك هتفضلي موجودة مهما عملت.
لكن أول ما حسيت إني خسرتك عرفت يعني إيه خوف.
وعرفت يعني إيه ندم وعرفت إن الإنسان ممكن يفضل طول عمره يفتكر لحظة واحدة ويتمنى يرجعها.
أنا هفضل أحبك لآخر عمري كله
كله يا غُفران.
حتى لو مبقاش ليا حق أقولها.
أنا ندمان ندمان أوي.
ياريت كنا فضلنا مع بعض.
ياريت كنت حفظتك بدل ما كسرتك.
ياريت كنت خفت على قلبك زي ما كنتِ بتخافي على قلبي.
ياريت كل مرة وجعتك فيها كنت أنا اللِ حسيت بالوجع بدل منك.
ياريت بكرة كان فضل زي ما كان مرسوم.
كان فاضل يوم واحد بس على فرحنا..
كان المفروض بكرة.
وكنت أتمنى أشوفك بالفستان الأبيض، وأشوف الفرحة اللِ أنا بنفسي سرقتها منك.
لكن ربنا أكيد ليه حكمة.
وحكمته دايمًا خير حتى لو إحنا مش فاهمينها دلوقتي.
سامحيني وسامحي أهلي.
وأرجوكِ، متخليش كرهك ليّا يمنعك إنك تدعيلي.
يمكن دعوة منك تكون سبب في إن ربنا يرحمني.
مكنتش هقدر أقولك كل الكلام ده وأنا واقف قدامك.
لأني كنت هضعف ويمكن كنت هفتكر إن لسه عندي فرصة.
عشان كده اخترت أكتبلك.
وكنت ناوي أديكي الرسالة دي بعد الطلاق علشان متفكريش إني بعمل كل ده عشان أغير قرارك.
أنا كنت مستسلم.
بس كـان نفسي تفضلي مـراتي لغاية ما أمـوت.
ولو كان ليا أمنية أخيرة فهي إنك تعيشي مرتاحة.
حتى لو الراحة دي كانت بعيد عني.
ولو في يوم افتكرتيني افتكريني بعد توبتي، مش أثناء ذنبي.
علي. "
أول مرة أكتشف إن الوداع ممكن يقتل إنسان وهو لسه عايش.
كان نفسي يودعني بس لما ودعني، حسيت إن اللِ مات مكانش هو أنا.
من ساعتها، وأنا بدفن نفسي كل يوم.
الألم مبقاش إحساس بقى حياة.
والوجع مبقاش بيزورني بقى ساكن جوايا.
الفقد أنا جربته قبل كده.
ودفنت ناس بحبهم، وودعتهم، واتعلمت أعيش بنص روح.
لكن المرة دي أنا اللِ اتدفنت معاه.
كل حاجة فيا ماتت يوم ما عرفت إنه مش هيرجع.
كل حاجة كانت مختلفة واقعها كان مختلف.
الألـم
والوجـع
والفقـد
والـوداع.
كلهم مسكوا في قلبي في نفس اللحظة، وشقوه من غير رحمة.
كأن حد غرز جوايا ألف خنجر، وكل ما أحاول أطلع واحد، يغرز مكانه عشرة.
لا أنا بموت ولا أنا بعرف أعيش.
أنا محبوسة بين الاتنين.
إنتوا فاهمين يعني إيه تبقى نفسك الزمن يرجع دقيقة واحدة مش عشان تغير حاجة، بس عشان تاخد آخر حضن؟
فاهمين يعني إيه كلمة أخيرة متقالتش، تفضل تطاردك طول العمر؟
حاسين بيّا؟
لإمتى هيفضل الوجع ده ياكل فيّا؟
لإمتى هفضل كل ما أبص للسما أدور عليه وأنا عارفة إنه مستحيل يرد؟
ولإمتى هفضل أتعاقب على وداع حتى معشتوش؟
كان نفسي أودعه بس الوداع سبقني، وسابني أنا اللِ بحتضر بعده كل يوم.
عدّى أربع سنين على آخر مشهد جمعني في مصر وبعدها سافرت.
بعدت عن كل اللي حواليّا، واتغربت يمكن البُعد يعلمني النسيان.
كنت فاكرة إن المسافات بتمحي الوجع.
لكنها طلعت بس بتعلمنا إزاي نتعايش معاه.
اتعودت ونسيت حاجات كتير.
بس لسه صدى الألم عامل غصّة ساكنة جوايا، عمرها ما اختفت.
اتغيرت واتغيرت معايا حاجات كتير.
شخصيتي وطريقة تفكيري وحياتي كلها.
بس الذكريات..
الذكريات عمرها ما سابتني.
فضلت ساكنة جوايا، بترجعلي في الأحلام كل ليلة، وكأنها بتفكرني إن بعض الحكايات بتنتهي لكن مبتخلصش.
خرجت من المطار، ولقيت يونس واقف مستنيني.
كان ماسك في إيده بوكيه ورد بينك، لونـي المفضل.
ابتسامة خفيفة ظهرت على وشي من غير ما أحس، وقربت منه.
شال النضارة من على عينيه، وابتسامة واسعة رسمت وشه كله.
_وحشتيني.
داريت ابتسامتي وخجلي، ورديت بجمود فشل إنه يصدقه:
_مفيش غيرك ولا إيه اللِ يستقبلني؟
هز راسه بابتسامة، وغمز بعينه.
_اتحايلوا عليّا أسيبهم يجوا بس رفضت.
اتفضلي.
ناولني الورد، أخدته بهدوء وأنا ببصله.
_مرسي يـ يونس.
ابتسم وقال:
_عيون يونس.
وسكت لحظة قبل ما يكمل وهو بيبصلي بنفس النظرة اللِ عمرها ما اتغيرت:
_عقبال ورد خطوبتنا قريب.
ضربات قلبي عليت يمكن عشان لأول مرة متخفش من الحلم.
افتكرت اليوم اللِ اعترفلي فيه بحبه وأنا مسافرة.
وافتكرت رفضي
وإصراره.
كل مرة كنت أبعد، كان يقرب.
كل مرة أقفل باب، كان يفتح باب أمل جديد.
محاولش يغيرني حاول يداوي اللِ اتكسر جوايا.
وحارب ألف مرة لحد ما قدر يوصل تاني لقلبي.
إتنهدت، وإحنا ماشيين جنب بعض، وإيدينا متشابكة.
وبصيت للسما بابتسامة هادية.
يمكن
يمكن أخيرًا الأيام قررت تبتسملنا.
يمكن ربنا بيعوضنا متأخر بس بيعوضنا بالطريقة اللِ تستاهل كل الصبر.
وفي النهاية اكتشفت إن مش كل الحكايات بتنتهي بالنهاية اللِ كنا بنتمناها
لكن ممكن تنتهي بالنهاية اللِ إحنا كنا محتاجينها.
وإن بعض الناس بييجوا يعلمونا معنى الحب
وبعضهم بييجوا يعلمونا معنى النجاة.
ويمكن أجمل النهايات هي اللِ بتخلينا نرجع نعرف نعيش من تاني.
"في نهاية كل رواية دايرة بتدور
جوة الرواية رواية مكتوبة بين السطور
عن بطل كان مغمور وماحدش فيه سائل
حلمه مَاشافش النور لكنه مـات بيحاول.
تمت بحمد الله.
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات