رواية عمر الراسني وياسمين الفصل السادس 6
بعد أن أنهى عمر حديثه، فكّ ربطة عنقه واستعدّ للاستحمام.
مرّ بجانب ياسمين دون أن يمنحها حتى نظرة واحدة، وكأنّ مجرد النظر إليها يُعدّ خيانة لليلى، فكلّما نظر إلى ياسمين، كان يرى شحوب وجهها وضعفها.
استعادت ياسمين وعيها بسرعة، وفهمت فورًا ما يقصده عمر.
احمرّ وجهها بحرارة، وداخل خجلها امتزجت الدهشة بالحرج!
هل يظنّ عمر أنها ترغب في قضاء الليل معه؟!
قالت وهي تأخذ نفسًا عميقًا: "لقد أسأت الفهم، هذه الليلة سأنام في غرفة الضيوف!"
التفت عمر إليها أخيرًا، وملامحه الوسيمة خالية من أي تعبير.
كانت ياسمين قد غادرت بالفعل، بخطوات حاسمة دون تردّد.
وحين فكّر بالأمر، وجد أنه من الطبيعي أن تشعر بالحرج بعد أن رفضها.
ابتسم بسخرية خفيفة ، ثم دخل إلى الحمام.
نظر إلى حوض الاستحمام النظيف، ولم تملأه ياسمين بالماء الساخن، ظلّ يحدّق فيه طويلاً، ثم التفت ليستخدم الدش بدلاً منه.
لم تنم ياسمين جيدًا تلك الليلة، إذ أربك عودة عمر المفاجئة كل خططها.
2
استيقظت باكرًا، وبعد أن أنهت استعدادها للخروج، رأت عمر يفتح الباب في اللحظة نفسها.
كان يتحدث عبر الهاتف، ونبرته الباردة امتزجت ببعض اللين: "نعم، أنا متفرغ، رتّبي الأمر كما ترين."
أبعدت ياسمين نظرها ونزلت إلى الطابق السفلي.
ومن نبرته الرقيقة، لم يكن من الصعب أن تدرك أن المتصلة هي ليلى.
كانت درجة التودّد في صوته تفوق ما كانت تتصوره.
وعندما وصلت للأسفل، تفاجأت برؤية جدة عمر هناك، ابتسمت لها الجدة قائلة:
"يا حبيبتي، استيقظتِ باكرًا اليوم!"
ثم نظرت إلى عمر الذي تبع ياسمين نزولاً، وبدت على وجهها علامات الرضا.
قالت ياسمين بدهشة: "جدتي، ما الذي أتى بكِ في هذا الوقت المبكر؟"
أشارت الجدة إلى الخدم بإخراج صناديق الطعام الحرارية: "سمعتُ أنكِ غيّرتِ عملكِ، وعمر قال إنكِ مشغولة جدًا، ولا وقت لديكما للعودة إلى الدار القديمة أو حتى للطبخ، فطلبتُ من الطباخين إعداد بعض الأطعمة التي تحبانها."
نظرت ياسمين إلى عمر، هل هذا ما قاله حقًا؟
قال إنها مشغولة بالعمل، لا بالطلاق؟
اختلطت مشاعرها بالحيرة، متى سيصارح الجدة بالحقيقة؟
قالت الجدة بحيوية: "هيا اجلسا، عمر، اجلس بجانب ياسمين."
ولما لم يتحرك، نظرت إليه بحدة: "ما بك؟ ألستَ راضيًا؟"
جلس عمر في النهاية وقال بهدوء: "كما تشائين يا جدتي."
لم تتحدث ياسمين، كانت الجدة هي من تملأ الجو بالكلام، ثم أمرت عمر قائلة: "قشّر الجمبري لياسمين، إنها تحب هذا النوع المسلوق."
عرفت ياسمين أن عمر لا يحب القيام بهذه الأمور، فقالت بسرعة: "لا داعي..."
لكن عمر كان قد أمسك بجمبري بالفعل، وبملامحه الهادئة بدأ يقشّره بعناية، ثم وضعه في صحنها دون أن يعلّق.
تجمّدت ياسمين لوهلة، وقد غمرها الذهول.
ففي الماضي، كانت هي من تقوم بهذه الأمور، أما هو، فلم يكن يلمس الماء بيديه، ولم يسبق أن قشّر لها جمبريًا واحدًا.
أما الآن، فقد بدا متقنًا للأمر...
لا بد أنه فعل ذلك كثيرًا من أجل ليلى، حتى اعتاد عليه.
إذًا، عمر يعرف كيف يعتني بالآخرين، لكنها، كزوجة، لم تعرف هذا الجانب منه إلا من خلال غيرها.
نظرت الجدة إليهما، ورأت البُعد البارد بينهما، فتنهدت بأسى وقلق، فهي تعرف أن ياسمين فتاة طيبة، وحفيدة صديق زوجها الراحل، وكانت ترى كيف أن عمر لا يولي ياسمين أي اهتمام، وكان ذلك يزيد من شعورها بالذنب حتى الألم.
قالت الجدة: "بعد أيام قليلة سيكون رأس السنة، عمر، خذ ياسمين في عطلة، اقضيا بعض الوقت معًا." ثم رمقته بنظرة ذات مغزى.
نظرت ياسمين إلى عمر، تأمل أن يصارح الجدة أخيرًا.
لكن عمر مسح يديه بتأنٍ وقال ببرود: "لديّ عمل، لا وقت لديّ."
"أنت!" صرخت الجدة وهي تضرب بيدها على الطاولة: "إن لم يكن لديك وقت، فغيّر جدولك! القوانين جامدة، والناس يتصرّفون، العمل ليس أهم من زوجتك!"
التفت عمر نحو ياسمين وسألها بنبرة خافتة: "هل ترغبين بالذهاب؟"
كان سؤاله في الحقيقة تحذيرًا بعدم التمادي.
شدّت ياسمين قبضتها على العيدان وقالت للجدة: "جدتي، لديّ عمل أيضًا، لا داعي لذلك."
فهو لم يكن يريد مرافقتها أصلاً، ثم إنها سمعت مكالمته مع ليلى، ويبدو أنهما اتفقا على موعد.
سيذهب ليقابلها، أما هي، فبالنسبة له لا وقت، لا اهتمام، لا صبر.
بينما ليلى، كلّ ما تطلبه يُلبّى فورًا.
فتحت الجدة فمها لتقول شيئًا، لكنها أطلقت تنهيدة صامتة وتراجعت.
ولأن سيارة ياسمين كانت معطلة، طلبت الجدة من عمر أن يوصلها معه.
وهذه المرة، لم يرفض.
لم تتصنّع ياسمين، ذهبت إلى السيارة، أخذت الكتب التي كانت تبحث عنها بالأمس، ثم جلست بهدوء في المقعد الخلفي.
قالت: "سأتصل بفني لتصليح السيارة، وسآتي لأخذها لاحقًا."
نظر إليها عمر بنظرة باردة وقال باستخفاف: "كما تشائين."
جلسا متباعدين، وبمجرد أن صعد عمر إلى السيارة، فتح جهازه اللوحي، وكان من بجانبه مجرد هواء.
أما ياسمين، فكانت شاردة الذهن.
تردّدت كثيرًا، لكنها في النهاية قرّرت أن تسأله متى سيعلن خبر الطلاق للجدة والعائلة، قالت بصوت هادئ:
"السيد عمر، هل يمكننا التحدث قليلاً؟"
في الوقت الذي كانت فيه ياسمين تجلس متوترة بجانبه، كان عمر قد لاحظ ذلك منذ البداية.
كانت تنظر إليه باستمرار.
التفت إليها بهدوء وسأل فجأة: "كيف تأقلمتِ مع العمل في الشركة الجديدة؟"
أجابت ياسمين وهي تضم شفتيها: "الأمور جيدة، أحب عملي الحالي."
قال ببرود: "إذًا يبدو أن عملكِ في شركة الأفق الأزرق كان يضايقكِ."
تجهم وجه ياسمين، فهي لم تكن متخصصة في مجال العلاقات العامة في شركة الأفق الأزرق، لكنها قبلت به فقط لتبقى قريبة منه، لعلّ القرب يفتح بابًا لمشاعر جديدة بينهما.
لكنه لم يهتم يومًا بما تريده هي.
لم يُعر عمر اهتمامًا لإجابتها، إذ ظهرت رسالة جديدة على شاشة جهازه اللوحي من تطبيق واتساب.
ربما خشي أن تراها، فقلب الجهاز على وجهه ووضعه على الطاولة.
فهمت ياسمين قصده، فحوّلت نظرها بسرعة.
قال عمر: "لديّ أمر مهم، هل يمكنكِ أن تأخذي سيارة أجرة إلى الشركة؟"
رغم أن كلماته بدت كسؤال، إلا أنه لم يكن ينوي إيصالها بنفسه.
بل كان أشبه بطرد هادئ.
توقفت ياسمين لحظة ثم قالت بهدوء: "لا بأس."
الكلمات التي أرادت أن تسأله عنها، لم تخرج في النهاية.
أما عن سبب عودته الليلة الماضية إلى بيت الزوجية، فلم تسأله أيضًا، ربما كان لديه سبب خاص، وإلا لكان قضى ليلته مع ليلى.
نزلت ياسمين من السيارة.
بعد تساقط الثلج، كان الهواء البارد يتسلل بعنف إلى عنقها، فارتجفت من شدّة البرد.
انطلقت سيارة بنتلي أمامها بسرعة دون أن تتوقف.
لم تكترث ياسمين بكون عمر تركها في منتصف الطريق.
شدّت معطفها بإحكام لتتجنب الإصابة بالبرد الذي قد يضعف مناعتها ويزيد مرضها، ثم وقفت في البرد القارس تبحث عن سيارة أجرة تقلها إلى شركة الريادة.
في الظهيرة، عقدت ياسمين اجتماعًا دام ساعتين مع وائل وفريق المهندسين في قسم التقنية لمناقشة فكرتها المفاجئة التي خطرت ببالها يوم أمس.
وفي النهاية، قرر وائل بحماس أن فكرتها قابلة للتنفيذ وتحمل قيمة كبيرة غير مسبوقة!
قد تصبح مشروعًا رائدًا بالفعل.
قررت ياسمين أن تضع خطة تفصيلية للبحث والتطوير.
وعندما عادت إلى مكتبها، تلقت اتصالاً من سارة التي صرخت بغضب: "يا إلهي! أحتاج أن أغسل عيني! لماذا لا تختفي تلك الحقيرة بعيدًا؟!"
قالت ياسمين بهدوء: "ماذا حدث؟"
أجابت سارة: "ذهبتُ اليوم إلى شركة مازن لحضور فعالية، وقد أزعجني طوال الصباح! كنتُ أنوي شراء بعض الحلويات والعودة لأشارككِ بها، لكن تخيلي ماذا حدث؟!"
"صادفتُ عمر وليلى معًا!"
"كانا يتجولان ويتواعدان! وكانت ليلى تطعمه قطعة كعك بيدها! أمام الناس! ألا يخجلان؟"
توقفت ياسمين عن التوقيع للحظة، وبدت على وجهها ملامح الفهم.
إذًا، السبب الذي جعله يتركها في منتصف الطريق بحجة أنه مشغول، كان ليذهب في موعد مع ليلى...
قالت سارة بتردد بعد أن أدركت الموقف: "ياسمين؟"
عادت ياسمين إلى وعيها وأكملت عملها على الخطة قائلة بهدوء: "أنا بخير."
إجبار شخص يكرهكِ على أن يحبكِ، هو أمر يخالف طبيعة البشر.
البشر معقدون ومتقلبون، وقد تعلمتُ هذا الدرس من سامي، فكيف بعمر؟
قالت سارة: "هل تودين أن نخرج بعد العمل لتناول شيء؟"
ابتسمت ياسمين بخفة، وقد فهمت أنها تحاول مواساتها: "ما رأيكِ أن تبقي معي وتساعديني في العمل الإضافي؟"
أغلقت سارة الخط بسرعة.
ولم تعد تتحدث سارة عن عمر وليلى بعد ذلك، وهذا طمأن ياسمين قليلاً، فهي تعرف أن سارة سريعة الغضب ولا تكتم الأمور.
كانت تخشى أحيانًا أن تذهب سارة وتتشاجر معهما مباشرة.
في اليومين التاليين، كانت ياسمين منشغلة في الاجتماعات مع وائل وفريقه لمناقشة المشروع.
الجميع كان متحمسًا للغاية لمشروعها، وكأنّ الحماس اجتاحهم دفعة واحدة.
منحها وائل يوم إجازة لتستريح قليلاً.
وفي هذه الأثناء، اتصل بها سامر وأخبرها أنه سيقضي يومين مع جدته قبل العودة إلى المستشفى، واقترح أن تعود إلى البيت مع عمر وأن يتناولا العشاء معًا.
تذكرت ياسمين أن بعد غد هو عيد ميلاد خالها، ولهذا السبب دعاهما إلى المنزل.
وبعد تفكير عميق، رأتها فرصة مناسبة، خاصة أن الجدة والخال سيكونان هناك.
أرسلت رسالة إلى عمر تقول فيها: [هل أنت متفرغ بعد غد؟ إنه عيد ميلاد خالي.]
وردّ عليها بعد ساعات برسالة قصيرة: [أنا مشغول.]
نظرت ياسمين إلى الكلمات الباردة تلك بصمت، ولم تكتب شيئًا بعدها.
5
في يوم الإجازة، نادرًا ما سمحت ياسمين لنفسها بالنوم حتى وقت متأخر، لكنها استيقظت على اتصال من سارة وهي تصرخ:
"ياسمين، ضربت أحدهم..."
وصلت ياسمين مسرعة إلى مطعم صغير يقدم المأكولات التقليدية داخل فناء قديم.
كان المكان يعمل بالحجز المسبق فقط.
ما إن دخلت حتى رأت سارة غاضبة، وفي الجهة المقابلة كانت رؤى بشعرها المنفوش.
"ما الذي حدث؟" بردت ملامح ياسمين، وتقدّمت لتتفقد ما إذا كانت سارة قد أصيبت، فلاحظت أن عنقها قد احمرّ من آثار الخدش.
بادرت رؤى بالكلام قائلة بسخرية: "أنتم جميعًا من طينة واحدة! تتصرّفون كالعامة، بلا ذرة عقل أو منطق!"
وقفت سارة بغضب وقالت بحدة: "أوه، وهل أنتِ الآن صاحبة الحق؟"
ثم تابعت بغضب: "لو لم آتِ لتناول الطعام هنا اليوم، لما علمتُ أن والدكِ جاء بابنته غير الشرعية ليقدّمها لعمر! يريد أن يجعل من زوج أخته عشيقة لها؟ يا للعار!"
قالت ذلك وهي تتذكّر ما سمعته صدفة عند مرورها قرب إحدى الغرف الخاصة، حيث كان محمود يقدّم ابنته غير الشرعية لعمر، ويقول إنها ستتعلم منه، لكن تتعلم ماذا؟ كيف تُرضي الرجال؟!
كانت رؤى تدرك أن سارة لا تضبط لسانها، احمرّ وجهها من الغضب والإحراج، وتقدمت بخطوات سريعة نحو سارة:
"كيف تتكلمين بهذه الفظاظة؟"
سحبت ياسمين سارة إلى خلفها، وقد بدا عليها الاستغراب من تصرف محمود، كيف لأب أن يتجاهل مشاعر ابنته إلى هذا الحد؟ هي لم تجد من عمر حبًا ولا تقديرًا، وها هو والدها لا يواسيها بل يطعنها من الخلف!
أخذت ياسمين نفسًا عميقًا، ونظرت إلى رؤى ببرود قائلة: "مهما كان الأمر، لقد آذيتِ إنسانة، وعليكِ أن تعتذري."
ضحكت رؤى باستهزاء: "ياسمين، لو كنتُ مكانكِ، لاختفيتُ من الخجل! تزوجتِ السيد عمر ووضعتِ نفسكِ تحت قدميه، ومع ذلك لم تنالي قلبه. هو يكرهكِ، ألا تفكرين في السبب؟"
حتى مظهركِ لا يجذبه، وجسدكِ لا يثيره! أي فشل أكبر من هذا؟ ما فائدة بقائكِ على قيد الحياة؟
نظرت إليها ياسمين ببرود وسخرت: "يبدو أنكِ نجحتِ، أليس كذلك؟"
تجمدت ملامح رؤى للحظة وقالت: "أراكِ مهتمة بالأمر؟"
ابتسمت ياسمين بسخرية وقالت: "ولِمَ أهتم؟ أنتم يا عائلة الدهري من تخليتم عن الكرامة. هل تريدون مني أن أعلن للعالم أنكم تحاولون جعل امرأتين تشتركان في رجل واحد في هذا العصر؟"
"ياسمين! ألا تخجلين من نفسكِ؟ نحن نفعل هذا من أجلكِ!"
خرج محمود من الغرفة وهو ينظر إلى ياسمين بخيبة أمل.
كيف أصبحتِ بهذه العدوانية؟
لم تعد توعدي تراعين أي قدر من اللباقة!
رفعت ياسمين نظرها فرأت عمر واقفًا على الجانب، كأنه غريب عن المشهد، بهيئته الراقية ونظرته الباردة. وعندما التقت عيناهما، عقد حاجبيه كأنه غير راضٍ.
وبجانبه كان فارس، يراقب الموقف بفضول.
فتح فارس عينيه هو الآخر على ما يجري.
كان فارس قد اتفق مع عمر على تناول العشاء هنا مع ليلى، لكنها لم تصل بعد. ولم يكن يتوقع أن يصادف محمود الذي أصر على الانضمام إليهما، فكانت النتيجة هذا الموقف المزعج.
عائلة الدهري مثيرة للضحك حقًا.
حوّلت ياسمين نظرها بعيدًا عن عمر، وقالت لمحمود بسخرية: "إذا ما زلت تعرف معنى الحياة، ظننت أنك بعد كل هذه السنين قد فقدته منذ زمن يا رئيس محمود."
هزّ محمود رأسه بخيبة، ثم التفت إلى عمر بلا حيلة وقال: "السيد عمر، أعتذر منك. لقد فشلت في تربية ابنتي، ويبدو أنها ورثت لسان أمها الحاد الذي لا يرحم أحدًا..."
قطب عمر حاجبيه. لم يكن يتوقع أن يلتقي بمحمود اليوم، ولم يكن ينوي التورط معهم أصلاً، لكن الموقف خرج عن السيطرة.
نظر إلى ياسمين نظرة طويلة؛ كانت ملامحها البهية متجمدة كالجليد، ولم يسبق له أن رآها بهذه الصرامة والقسوة.
"كفى." حدّق بياسمين، وقد برد صوته بشكل واضح.
لكن ياسمين لم تلتفت إليه، بل نظرت إلى رؤى وقالت بصرامة: "اعتذري لسارة، فورًا."
لم تكن لتسمح لأحد بأن يؤذي من حولها بسببها.
في تلك اللحظة وصلت ليلى، ورأت المشهد المتوتر، فاتجهت نحو عمر وقالت بلطف: "هل انتظرتني طويلاً؟"
أجابها عمر بسرعة: "أبدًا."
وعندما رأى ذلك، ابتسمت رؤى بسخرية وقالت: "ياسمين، يبدو أنكِ أقلّ شأنًا منها."
بسبب تلك الجملة، عقدت سارة حاجبيها بشدة، وهمّت بالكلام.
لكن ياسمين أوقفتها بهدوء، وهزّت رأسها نافية.
في الوقت نفسه، شعرت بنظرات ليلى تتجه نحوها.
ومن الواضح أن ليلى قد سمعت ما قالته رؤى.
رفعت ليلى حاجبيها بابتسامة خفيفة غامضة، ثم التفتت إلى عمر وفارس قائلة: "سأدخل أولاً."
كانت في غاية الأناقة والهدوء، مما جعل ياسمين تبدو في موقف محرج وضعيف.
ياسمين كانت تدرك تقريبًا ما يدور في ذهن ليلى، لكن الأمر لم يعد مهمًا، فهي لم تعد تريد عمر أصلاً.
الصراع الداخلي لن يحل أي شيء.
كان محمود أيضًا في مزاج سيئ؛ فقد شعر بالضيق من تصرف ياسمين التي جاءت بإصرار وأحدثت ضجة، كيف سيبدو ذلك في نظر السيد عمر؟
وكيف يستطيع هو أن يتابع الحديث بعد ذلك؟
هزّ رأسه بأسف، وكأنه تألم من تصرفها، ثم قال لعمر: "السيد عمر، نؤجل اللقاء ليوم آخر، ويشرفنا أن نتناول العشاء في منزلنا قريبًا."
لم يرد عمر، وبدت ملامحه متجهمة متوترة.
زاد ذلك من استياء محمود من حدة ياسمين؛ فقد أفسدت الجو تمامًا، وكان واضحًا أن عمر قد انزعج!
نظر إليها نظرة باردة، ثم غادر المكان غاضبًا.
أما رؤى فقد أعجبها حال ياسمين الآن؛ فهي ترى أن تلك المرأة المسماة ليلى تملك الثقة والجمال والقدرة. ومنذ ظهورها، أصبح اهتمام السيد عمر كله منصبًا عليها، فكيف يمكن لياسمين أن تنافسها؟
ضحكت رؤى بسخرية وهمّت بالمغادرة، لكن ياسمين نظرت إليها ببرود وقالت: "هل انتهى الأمر برأيكِ؟"
تأففت رؤى بضيق وقالت: "أما زلتِ لم تفرغي بعد؟"
كظمت ياسمين غضبها المتصاعد وقالت ببرود: "يبدو أنكِ تودين أن أبلغ الشرطة؟"
تغير وجه رؤى قليلاً.
"ياسمين." جاء صوت دافئ من خلفها، ويد قوية أمسكت بمعصمها. كان سامي قد وصل دون أن ينتبه إليه أحد، فنظر إليها بابتسامة غامضة وقال: "يكفي إلى هنا."
تدخل سامي جعل التوتر داخل ياسمين يختنق أكثر، حاولت أن تسحب يدها منه قائلة: "اتركني!"
تأملها سامي بعمق وقال: "رؤى أيضًا أختي، أيمكنكِ أن تتركي لها بعض المجال؟"
رأت ياسمين أن الأمر مثير للسخرية.
ذلك الرجل الذي قال لها يومًا إن محبوبته وأخته كلتاهما هي نفسها، صار الآن يقول مثل هذا الكلام، وهو يعلم تمامًا أنها لم تخطئ، لكن قلبه لم يعد معها.
بدأ بعض موظفي المطعم يلتفتون نحوهما بفضول، يتابعون ما يجري.
وجد فارس أن الموقف ممتع للغاية، فأطلق صوتين مستنكرين قبل أن يدخل، وقال بسخرية: "الآنسة رؤى تعرف متى تتراجع لتحفظ كرامتها، لكن للأسف، هناك من لا يفهم هذا المبدأ."
رمقه سامي بنظرة باردة، ثم التفت نحو عمر الذي بدا وكأن الأمر لا يعنيه، وأمسك بمعصم ياسمين قبل أن يبتسم قائلاً له:
"عذرًا، ياسمين طباعها حادة بعض الشيء، أرجو ألا تأخذ الأمر على محمل الجد يا سيد عمر."
أما عمر، فلم يُبدِ أي اهتمام بالمشهد، واكتفى بنظرة عابرة نحوهم، بينما كانت ياسمين قد خضعت لصوت سامي، فهما كبرا معًا منذ الطفولة، وقد اعتادت منذ الصغر أن تطيعه.
أومأ عمر بهدوء ثم دخل إلى غرفة الطعام الخاصة، دون أن يظهر عليه أي اهتمام بما سيحدث بينهما.
من البداية إلى النهاية، لم يتفوه بكلمة واحدة دفاعًا عن ياسمين.
ولم يكن أحد يتخيل أن هذا الرجل هو في الحقيقة زوجها.
"تعالي معي."
رمق سامي النظرات الموجهة نحوهما من حوله، فعبس قليلاً، ثم أمسك بيد ياسمين وسحبها نحو الخارج.
نظرت رؤى إلى ظهره الطويل بشيء من الغيظ، وعضت على شفتيها محاولة اللحاق به، لكن سارة أوقفتها في طريقها.
وللوصول إلى المدخل من هذا الاتجاه، كان لا بدّ من المرور بجانب الجناح الذي يجلس فيه عمر ومن معه.
وحين مرت، سمعت صوت ليلى الهادئ من الداخل تقول: "أمي ستعود قريبًا من الخارج، وقد حجزت مطعمًا لنقابلكِ رسميًا، هل يناسبكِ الوقت يا عمر؟"
أجاب عمر دون تردد: "اختاري الوقت الذي يناسبكِ، لا مشكلة."
توقفت ياسمين للحظة، ثم أطرقت رأسها بينما كان سامي يسحبها للخارج.
لقد كانت قد طلبت منه سابقًا أن يزور جدتها وخالها، لكنه رفض بحدة، ولم يُرد لا لقاءً طيبًا ولا فراقًا كريمًا، لم يوافق حتى مجاملة.
أما الآن، فحين طلبت والدة ليلى مقابلته، أبدى اهتمامًا واضحًا.
فلقاء رسمي من هذا النوع مع أهلها...
هل يعني هذا أن عمر قد قرر فعلاً أن يطلقها ويتزوج ليلى؟
لم تستطع ياسمين أن تحدد شعورها بدقة، لم يكن خيبة أمل، بل كان أقرب إلى السخرية.
لكن حين فكرت بالأمر، وجدته منطقيًا.
فكيف يمكن لعمر أن يحرم المرأة التي يحبها من مكانتها؟
سحبها سامي حتى وصلا إلى موقف السيارات عند الباب.
لقد أنقذته ذات يوم وهي على حافة الموت، وكأنه نسي كل ذلك.
لم تكن ياسمين تحب الجدال، فاستدارت لتغادر.
بدت ملامح الضيق على وجه سامي، فأطفأ سيجارته وقال: "ما رأيكِ أن نتناول العشاء معًا يومًا ما؟ هل يناسبكِ نهاية الأسبوع؟"
كان يعلم أنها غاضبة، لكنها أيضًا فتاة حساسة، وأنه إن جلس معها وتحدث قليلاً، فستهدأ الأمور.
تنفست ياسمين بعمق وهمّت بالرفض: "لا..."
لكنه قاطعها قائلاً: "على أي حال، لدي أمر في نهاية الأسبوع، سأتواصل معكِ لاحقًا." فقد تذكّر أنه وعد نور بمشاهدة مباراة معها.
سيكون مع نور.
ذلك اليوم غير مناسب.
لن يخبر ياسمين بذلك، فهي ستغضب وتتعقد الأمور أكثر.
"لا داعي." كانت قد لاحظت تردده، ولم تكن تنوي العشاء معه أصلاً، فالأمر لم يعد مناسبًا، لا من حيث كونه أخًا لها، ولا من حيث ما كان بينهما سابقًا.
راقبها سامي وهي تبتعد ملتفة بمعطفها، فعقد حاجبيه وهو يشعر بأنها تغيرت.
كانت ياسمين في مراهقتها تدور حوله، وكان أهم شخص في حياتها، بل أول من أيقظ مشاعرها. كان يعرف تمامًا كم يعني لها.
تحت رعايته كانت مشرقة، مرحة، تغار عليه من أي امرأة تقترب منه.
ربما ما حدث اليوم مع رؤى جعلها تغار، ولهذا تصرفت ببرود.
إذاً يمكن فهم موقفها.
لم تتغير هي، بل عادت لطبيعتها القديمة.
كلما اهتمت أكثر، كان رد فعلها أعنف.
استعاد سامي هدوءه، ومسح جبينه بتعب، ولم ينوِ التدخل أكثر.
كان يريد أن تفهم ياسمين شيئًا واحدًا: أنه ليس ملكًا لها وحدها، وأن عليها أن تنضج.
أما سارة، فلم تتعرض لأذى كبير، فقط أثناء الشجار دفعتها رؤى وأمسكت بها.
وكما قالت بنفسها، لقد غرزت أظافرها الجديدة بقسوة في باطن ذراع رؤى مرات عدة، حتى تصرخ ألمًا وتبقى آثارها أسبوعًا كاملاً!
ضحكت ياسمين عند سماع ذلك.
أما عمر، فلم تعد تهتم بما يفعله.
طلبت من فريق الصيانة أن يعيد لها سيارتها من أمام منزل الزوجية، ولم تكن تنوي العودة إلى هناك مجددًا.
اقترب عيد ميلاد خالها، وكانت ياسمين قد اشترت له هدية قبل شهر، لكنها حين همّت بالذهاب، فكرت قليلاً، فتوجهت إلى مركز التسوق، واشترت أيضًا هدية باسم عمر لتقدّمها لخالها، ثم ذهبت إلى بيت جدتها.
كان سامر ما يزال يبدو نحيلاً، وحالته بعد جلسات العلاج الكيميائي لم تكن على ما يرام، وكان يرتدي دائمًا قبعة صوفية تغطي رأسه.
حين وصلت ياسمين، كان يجلس في الشرفة يستمتع بأشعة الشمس.
تذكرت للحظة مظهرها عندما بدأت العلاج الكيميائي، وسرحت قليلاً قبل أن تمدّ إليه هديتين كانت تحملهما في يديها، قائلة:
"خالي، عيد ميلاد سعيد، هذه هدية مني ومن عمر لك."
كانت هديتها له مجموعة كتب نادرة في الفيزياء، استغرقها وقت طويل لتجدها.
خالها أستاذ في الفيزياء، وكان له تأثير واسع في الأوساط الأكاديمية، وتتلمذ على يديه الكثير من الطلاب. أحبّ الفيزياء طوال حياته، ولولا ما حدث في الماضي، لربما أصبح اليوم بمكانة العالم حازم المطيري.
أما الهدية التي اشترتها بالنيابة عن عمر، فكانت قلم حبر فاخر من علامة تجارية معروفة، يزيد ثمنه على ألف دولار، هدية عملية وتليق بذوق عمر.
ابتسم سامر وهو يتسلّم الهدية وقال بلطف: "هل السيد عمر مشغول؟"
أجابت ياسمين بسلاسة: "نعم، إنها نهاية العام، والأعمال كثيرة."
كانت تدرك تمامًا أن إقناع عمر بالتعاون معها لتوضيح موقفهما أمام جدتها وخالها أمر صعب. فبعد الطلاق، لم يعد يرى في ذلك أي أهمية، بل يعتبره مضيعة للوقت.
"أنتِ وحدكِ التي جئتِ؟" خرجت الجدة قمر من المطبخ، ونظرت نحو الباب ثم هزّت رأسها بخيبة أمل، وضعت طبق ضلوع بصلصة التمر والعسل على المائدة وقالت: "لا بأس، لنجعلها وجبة عائلية بسيطة وسعيدة."
شعرت ياسمين بالذنب تجاه جدتها وخالها، فحياتها المليئة بالمشاكل أرهقتهما بالقلق. خاصة وأن عمر لم يُبدِ يومًا احترامًا حقيقيًا لهما، وهذا ما كان يؤلمها بشدة.
حتى بعد الطلاق، رفض أن يأتي ليشرح الأمر لهما.
أما هي، فلم تستطع مصارحتهما بالحقيقة، لأنها لا تملك مبررًا يخفف صدمتهما.
فسبب الطلاق هو أن عمر خانها مع ابنة امرأة سرقت بحث والدتها وشوّهت سمعتها باتهامها بعلاقة غير شرعية.
لو علمت جدتها وخالها بذلك، لكان غضبهما عظيمًا.
كانت بحاجة لأن يتولى عمر بنفسه حلّ هذه المشكلة، وهذا ما كان يرهقها أكثر.
قال سامر وهو يربت على كتفها ليواسيها: "السيد عمر يدير شركات كثيرة، ومن الطبيعي أن يكون مشغولاً في نهاية العام. لا بأس إن لم يحتفل بعيد ميلادي."
قدّمت الجدة قمر لياسمين صحن من الكبسة باللحم، وقالت بلطف: "يا ابنتي، أنتِ من تعيشين مع عمر، لا تهتمي بنا، نحن لا نأبه لتلك المجاملات الشكلية، ما دام يُحسن معاملتكِ، فكل ما عدا ذلك ثانوي."
أما سامر فظلّ يقطب حاجبيه وهو ينظر إلى ياسمين، وقد غمره القلق في أعماق قلبه وقال: "وجهكِ شاحب هذه الأيام، هل تشعرين بتوعّك؟ هل أجريتِ فحوصات؟"
كان يشعر أن حالتها غير طبيعية.
فقد كانت في السابق نادرًا ما تضع المكياج، أما الآن فهي تحرص على الظهور بمظهر أنيق دائمًا.
لم يكن يبدو عليها شيء واضح، لكن ملامح وجهها فقدت الكثير من امتلائها.
تجمّدت ياسمين للحظة، فلم تكن قد قررت بعد كيف ستخبرهما بمرضها الخطير، فاختارت أن تخفي الأمر مؤقتًا: "أنا بخير، فقط مشغولة قليلاً بسبب عملي الجديد، لا تقلقا."
لكن نظرات القلق لم تفارق عيني سامر.
لاحظت الجدة قمر ذلك أيضًا، فمدّت يدها لتضع الطعام في صحن ياسمين وقالت: "هل الضغط النفسي هو السبب؟ لا تجعلي نفسكِ ضعيفة أمام أهل زوجكِ. وإن لزم الأمر، سأبيع الدار القديمة، يمكنكِ استخدام المال لتبدئي مشروعكِ، أنا دائمًا هنا لأساندكِ."
كانت تلك الدار تساوي على الأقل عشرين مليون دولار في الوقت الحالي، وأرادت الجدة أن تطمئن أن حفيدتها قادرة على العيش بكرامة حتى دون الاعتماد على عائلة الراسخي.
اغرورقت عينا ياسمين بالدموع وقالت بصوت متهدّج: "لا يا جدتي، ابقي هنا وعيشي براحتكِ. هذه الدار لا يمكن بيعها مهما كان، فقد عشتِ فيها مع جدي طوال عمركِ، ولها معنى مختلف."
ربتت الجدة قمر على يدها بحنان ولم تضف شيئًا.
بعد العشاء، قررت ياسمين البقاء في البيت.
لكنها لم ترتح لحظة، بل أعادت ترتيب خطة المشروع من جديد.
أشغلها هاتفها حين وصلتها رسائل متتالية على واتساب من وائل، فقد أرسل لها ما يقارب عشر رسائل دفعة واحدة، بينها لقطة شاشة من تسعة مربعات وعدة صور تجمع رجالاً ونساءً.
كانت اللقطة من منشور في إنستغرام نشرته ليلى، كتبت فيه: "تجسيد ملموس للسعادة."
وفي الصور التسعة مربعات ظهرت مأدبة عشاء في أحد المطاعم، وصور للأطباق، وصورة لامرأة فاتنة تجلس بجانب عمر تتحدث معه. كما كانت هناك صور مزدوجة لليلى مع عمر وحدهما، وثلاث صور تجمع ليلى بعمر على انفراد.
كتب وائل: [في المرة الماضية، عندما أخذ عمر ليلى إلى العشاء للتعرف عليّ، أضافتني على إنستغرام. هل ترين أنها الآن تستعرض علاقتها به؟]
ثم أضاف: [ألم تنتهِ إجراءات الطلاق بعد؟ كيف لا يخفون علاقتهم الآن؟]
عرفت ياسمين فورًا أن تلك المرأة الفاتنة هي منيرة الزهري، والدة ليلى، التي كانت أمها قد ساعدتها في الماضي، لكنها اليوم أصبحت سيدة ثرية متعجرفة.
لم تستغرب ياسمين حين تذكّرت أن عمر اعتذر عن حضور عيد ميلاد خالها بحجة انشغاله، بينما كان في الحقيقة اختار الذهاب للقاء حماته المستقبلية، ومن الطبيعي أن يمنح ذلك أولوية واضحة في قلبه.
في الصور، كان ينظر إلى ليلى بعينين دافئتين وابتسامة هادئة، وكانت نظراتهما المتبادلة مليئة بالمودة.
بحثت ياسمين في ذاكرتها، فاكتشفت بسخرية أن زواجها من عمر الذي دام ثلاث سنوات لم يشهد حتى صورة واحدة تجمعهما. فهو لم يكن يحب التصوير، وكلما طلبت منه صورة تذكارية في المناسبات، كان يجيبها بأنها بلا معنى.
أما مع ليلى، فكان يبدو مرتاحًا، مبتسمًا، وفي عينيه دفء لم تره ياسمين يومًا في عينيه نحوها.
كان واضحًا أنه يحب أن يوثّق كل لحظة تجمعه بليلى.
لم تكن ياسمين تهتم بمعرفة تفاصيل علاقة عمر وليلى، لكنها، بعد ثلاث سنوات من الزواج، رغم أنها تخلّت عن كل شيء، لم تستطع أن تكون بلا إحساس تمامًا.
وخاصة حين رأت عمر يرافق ليلى ويمنحها كل ما كانت هي تتمنى الحصول عليه يومًا ولم تنله.
ابتسمت بسخرية خفيفة عند طرف شفتيها.
شعرت بضيق في صدرها، وبدأ ألم بطنها، الذي لم يهاجمها منذ أيام، يعود من جديد.
وضعت هاتفها جانبًا، وضغطت على بطنها وهي تنحني فوق الطاولة محاولة التخفيف من الألم، وكتفاها النحيلان يرتجفان قليلاً.
بعد دقائق، تمايلت بصعوبة نحو حقيبتها، وأخرجت زجاجة الدواء وتناولت حبة، وقد تصبب العرق البارد من جبينها من شدة الألم.
ولم تعد تملك طاقة لمتابعة العمل، فأرسلت رسالة إلى وائل: [ربما تتم دعوتك إلى حفل زفافهما.]
رد وائل: [... كنت أفضل الذهاب إلى السيرك لمشاهدة القرود.]
أخذت ياسمين حبة مسكن أخرى، ثم تمددت لتنام.
مع اقتراب نهاية العام، أصبحت ياسمين ثالث أكبر مساهم في شركة الريادة، وحصلت على مكافأة مالية كبيرة.
شعرت بالحرج، فهي لم يمضِ وقت طويل على انضمامها للشركة، والمشروع الذي تقوده ما زال في مرحلة التخطيط، فلم ترَ نفسها تستحق هذا القدر من المال.
لكن وائل قال لها: "الناس كانت تعتقد أن مشروع يو إن الثاني من ابتكاري، وبسبب هذا الاسم حصلت شركة الريادة على العديد من التعاونات. نصف نجاح الشركة اليوم يعود إليكِ."
فتوقفت ياسمين عن الرفض.
وقبل ليلة رأس السنة، قررت سارة أن تمنح الموظفين يوم إجازة، ودعت الجميع للاحتفال سويًا.
كانت سارة خبيرة في تنظيم الأنشطة الترفيهية، فاختارت أشهر منتجع فاخر في مدينة النور، يجمع بين الراحة والترفيه، وكانت المرافق هناك متكاملة.
في البداية، لم تكن ياسمين تنوي الذهاب، فقد كانت طاقتها محدودة، لكن بعد إصرار سارة اللطيف، وافقت أخيرًا.
لم ترافقهم في صعود الجبل، بل فضّلت البقاء في فندق المنتجِع تعمل على بيانات الدرونز.
اختارت الجلوس في المقهى، وبقيت هناك لساعتين كاملتين.
وأثناء مرور هالة في طريقها إلى الينابيع الساخنة، لمحت ياسمين، فركضت نحوها بفرح: "أختي ياسمين! أنتِ هنا أيضًا!"
رفعت ياسمين رأسها وقالت بهدوء: "نعم، نحن هنا في نشاط جماعي للشركة."
جلست هالة بجانبها بحماس، وعيناها تلمعان: "كنت أفكر كيف يمكنني دعوتكِ للعشاء، وها نحن نلتقي صدفة! هل نتناول العشاء سويًا الليلة؟"
فكرت ياسمين قليلاً وقالت: "قد ينضم إلينا بعض زملائي من الشركة، هل يزعجكِ ذلك؟"
ضحكت هالة وهي تهز رأسها: "أبدًا، كلما زاد العدد كان أجمل!"
ثم لمحت شاشة حاسوب ياسمين، واتسعت عيناها بدهشة: "أختي، هل هذه رسومات تصميم هيكلي للدرونز؟"
كانت الشاشة تعرض المخططات الأساسية التي ناقشها الفريق في الاجتماعات الأخيرة، مليئة بالبيانات المعقدة. لم تفهمها هالة، لكنها أدركت مدى احترافيتها.
سألتها ياسمين: "هل تحبين الدرونز؟"
حكت هالة رأسها بخجل وقالت: "ألعب فقط بالنوع الترفيهي منها، أحبها كثيرًا، لكني لا أفهم الكثير."
ابتسمت ياسمين بهدوء: "في أي جانب تهتمين أكثر؟ يمكننا التحدث عنه."
امتلأت عينا هالة بإعجاب صادق، فقد فهمت من لهجة ياسمين الهادئة أنها مستعدة لتعليمها بعض الأساسيات.
ولم تجد ياسمين في ذلك أي إزعاج، فأجابت عن أسئلتها الفضولية بلغة بسيطة وواضحة يسهل فهمها.
وخلال الحديث، لم تستطع هالة أن تمنع نفسها من التحديق في ملامح ياسمين الهادئة الجميلة، ولم تستطع أن تمنع نفسها من الانجذاب إليها. فبرغم ما يبدو عليها من مسافة وهدوء، إلا أن التعامل معها يكشف عن طيبة وتسامح وسكينة آسرة، وطريقتها في الحديث الهادئ العذب آسرة وجذابة.
ومضى أكثر من ساعة دون أن تشعرا بالوقت.
وعندما جاء إياد يبحث عن هالة، فوجئ بالمشهد أمامه.
تجمد في مكانه، وعيناه توقفتا طويلاً عند ابتسامة ياسمين الهادئة الموجهة لهالة.
وفجأة أدرك شيئًا لم ينتبه له من قبل.
كم كانت ياسمين... جميلة فعلاً.
حين رأت ياسمين أن إياد يقف على مقربة، لم تُبدِ أي مشاعر، واكتفت بإيماءة خفيفة تُعبّر عن الحد الأدنى من اللباقة.
لم تضف كلمة، ولم تُظهر نظرة إضافية.
شعر إياد ببرودها الواضح.
وفي هذه المرحلة، لم يعد يظن أن ياسمين تتعمد التمنّع لتجذبه، كما كان سيفكر في الماضي. فربما لو كان ذلك قديمًا، لاعتقد أنها تتبع أسلوبًا جديدًا لتكسب ودّ أصدقاء عمر.
لكن الآن، لم يعد بتلك السذاجة.
ياسمين فعلاً لا تبالي بإقامة علاقة طيبة معه.
هذا الإدراك جعل إياد يقطب حاجبيه، وقد تسلّل إلى قلبه شعور غامض لم يجد له اسمًا.
"أخي!" كانت هالة ما تزال غارقة في عالم المعرفة الذي فتحته لها ياسمين، تتحدث بحماس لا يُكبح: "لماذا جئتَ إليّ بهذه السرعة؟"
نظر إياد إلى ياسمين أولاً، ثم قال: "ألا تعرفين حالتكِ؟ هل أحضرتِ دواء الربو معكِ؟"
قالت هالة بخفوت مرتبك: "يا إلهي، كم أنت ثرثار..."
نهضت ياسمين وقالت: "سأعود إلى غرفتي الآن."
قال إياد: "حسناً."
ابتسمت ياسمين لهالة ابتسامة لطيفة ثم غادرت.
تابعت هالة بنظرات حزينة ظهرها وهي تبتعد، غير قادرة على فراقها. وحين عادت إلى وعيها، اكتشفت أن أخاها ما زال يحدّق في ظهر ياسمين وهي تبتعد.
قالت باستغراب: "أخي؟ هل يُعقل أنك وقعت في سحر ياسمين؟"
قطب إياد حاجبيه فجأة، ورفع يده ليطرق بخفة على رأسها قائلاً: "ألستِ تزعجين تلك الأخت بلجاجكِ الدائم؟ ألا تخافين أن تثيري ضيقها؟"
أجابت هالة وهي تقطب شفتيها: "أبدًا! هي تحبني كثيرًا، صدقني! أنت لا تفهمها، تبدو باردة لكنها في الحقيقة لطيفة جدًا! ثم..."
تابعت بعينين لامعتين: "الأخت ياسمين تبدو مميزة جدًا، أخي، هل تعرف ما عملها؟ هل هي تعمل في مجال الدرونز؟"
تأمل إياد قليلاً.
هل كانت ياسمين صبورة إلى هذا الحد مع هالة؟
كان يظن أنها لن تتحدث معها كثيرًا لأنها لا تطيقه هو نفسه.
أما عن...
"الدرونز" تذكّر إياد حين شاركت ياسمين في مسابقة تجريب الدرونز بعد أن دخلت ليلى هذا المجال، ثم التحقت لاحقًا بشركة الريادة المتخصصة في هذا المجال.
ربما فعلاً... ياسمين تحمل شيئًا من الحساسية تجاه ليلى.
وإلا لما أصرّت على الخوض في هذا المجال بهذا الإصرار.
قال في تفسير هادئ: "مدير شركتها يعمل في أبحاث الدرونز، وربما تعلّمت منه بعض الأساسيات بحكم عملها معه."
كان هذا تخمينه، وربما لم يبتعد كثيرًا عن الحقيقة.
فهي تعمل مساعدة لوائل، ومن الطبيعي أن تتعرّف على هذا المجال. لكنها بلا شك ذكية بما يكفي، على الأقل لتكسب إعجاب فتاة صغيرة مثل هالة.
فكرت هالة مليًا، ثم قالت في نفسها إن ياسمين ليست تتظاهر بالمعرفة، بل هي حقًا متميزة.
بعد أن عادت ياسمين إلى غرفتها، انشغلت قليلاً بترتيب بعض النقاط الصعبة التي تحتاج إلى مناقشة في الغد مع وائل في الشركة.
حين عاد وائل وسارة ومن معهما، كان الليل قد حلّ.
قالت سارة وهي تلوح بيدها بتعب واضح: "لا أستطيع أكثر، قدماي لم تعودا تحملاني، لن أتناول العشاء، ولا داعي لأن تنادوني بعد قليل."
ضحك وائل وقال: "هي اندفعت بحماس شديد في البداية كأنها في سباق، ثم نفد كل ما لديها من قوّة. فهي ضعيفة لكنها تحب اللهو دائمًا."
ثم أضاف بحيوية: "هناك منطقة تخييم قريبة، يمكننا الشواء تحت النجوم ومشاهدة شروق الشمس، ما رأيكم أن نذهب بعد قليل؟"
تذكّرت ياسمين أن هالة كانت قد دعتها للعشاء مساءً، فترددت قليلاً وقالت: "انتظر لحظة، سأتأكد إن كان لدي موعد."
سألها وائل باستغراب: "هل لديكِ لقاء مع أحد؟"
وقبل أن تجيب، وصلتها رسالة من هالة عبر واتساب: "أختي! عندما تنتهين من تجهيز نفسكِ، تعالي إلى منطقة التخييم، في منتجع الأكسجين، الموقع الثالث."
ابتسمت ياسمين وقالت وهي تنظر إلى وائل: "حسنًا، لنذهب إلى منطقة التخييم."
لم يسألها وائل أكثر، وأشار لموظفي شركة الريادة بالتحرك.
وفّرت إدارة الفندق حافلة صغيرة لنقلهم، وعندما وصلوا، قادتهم ياسمين حسب الإرشادات إلى الموقع الثالث.
لكنها فوجئت حين وصلت بأن المكان لم يكن يضم هالة وأخيها فقط، بل مجموعة أخرى أيضًا. وقعت عيناها على رجل وامرأة يجلسان في الوسط.
كانت ليلى تتحدث مع عمر، وهو يميل برأسه قليلاً نحوها ليصغي، بعينين هادئتين ووجهٍ متّزن يفيض صبرًا نادرًا.
فكرت ياسمين في نفسها: لم أكن أعلم أن لعمر هذا الجانب اللطيف.
ربما بفضل ليلى، استطاعت أن ترى أنه لم يكن دائمًا ذلك الرجل البارد القاسي كما كان معها.
قالت رنا وهي ترفع حاجبيها بضيق عندما رأت ياسمين: "ياسمين، هل تراقبنا؟ كيف لكِ أن تتبعينا إلى هنا؟"
تظهرين في كل مكان يذهب اليه أخي ؟
من الواضح أن عمر ورفاقه جاؤوا مع إياد إلى هنا للاحتفال برأس السنة.
ياسمين أدركت عندها أن سبب رفض عمر لاقتراح جدته بالخروج معها في تلك الليلة، هو أنه كان قد اتفق مسبقًا مع ليلى.
في قلب عمر، ليلى تأتي قبل أي شيء آخر.
وياسمين تفهم هذه الحقيقة أكثر من أي أحد.
أما وائل، فقد التقط فورًا نبرة التحدي في كلام رنا، فاكتفى بأن نظر إلى عمر قائلًا: "السيد عمر، يا لها من صدفة! نحن هنا في نشاط جماعي، وأنتم أيضًا في المكان نفسه."
قالها بنبرة هادئة ليظهر أن وجود ياسمين لم يكن مقصودًا. فالأمر في الأصل نشاط عمل، واللقاء كان مصادفة، فكيف يُمكن اتهام ياسمين بأنها تعمدت ذلك؟
رفع عمر نظره وقال: "لقد قررنا المجيء في اللحظة الأخيرة، حقًا إنها صدفة."
تمتمت رنا قائلة: "ومن يدري؟ ربما ياسمين هي من دبرت الأمر لتجد عذرًا للحضور..."
ضحك فارس قائلًا: "أختي الصغيرة، لسانك حاد جدًا، لا تتركي لأحد فرصة لحفظ ماء الوجه."
وقد بدا واضحًا أنه لا يصدق تمامًا رواية وائل.
أما ليلى فلم تتأثر بما يجري، بل حيت وائل بثقة دون تكبر ولا خضوع: "السيد وائل، نلتقي مجددًا."
وتجاهلت ياسمين كأنها غير موجودة.
ورغم ابتسامتها الهادئة طوال الوقت، إلا أن في عمق عينيها كبرياء لا يمكن تجاهله.
وائل، الذي اعتاد مجالس النفوذ والمصالح، لم يكن من النوع الذي يُظهر العداء علنًا، فاكتفى بابتسامة مصطنعة قائلًا: "الآنسة ليلى، تحظين بدعم كبير، ولا شك أننا سنلتقي كثيرًا في المستقبل."
توقفت ليلى للحظة، وقد فهمت تمامًا ما يقصده، لكنها لم تجد حاجة لتبرير نفسها، فإنجازاتها وحدها كفيلة بتغيير نظرته.
أما إياد، فقد ألقى نظرة على ياسمين التي بدت بعيدة عن كل هذا التوتر، ثم نهض متوجها نحو الخيام.
ورغم شعورها بسوء الفهم من الجميع، اكتفت ياسمين بأن سحبت نظراتها بهدوء، ولم ترد على كلام رنا، بل سألت وائل: "هل حجزنا مكان الطاولة في منطقة التخييم؟"
فتذكر وائل أن سارة كانت المسؤولة عن هذه الترتيبات، فقال: "سأسأل سارة عن ذلك."
أما رنا، التي لاحظت أن ياسمين تجاهلتها تمامًا دون أن تغضب أو تنفعل، ازداد انزعاجها أكثر. ما الذي تحاول ياسمين فعله بالضبط؟
في تلك اللحظة خرجت هالة من جهة الخيام بعد أن ناداها إياد، فرأت المجموعة وقالت بحماس: "أختي! تعالي لتأكلي معنا! لدينا مساحة كبيرة، يمكننا ضم الطاولات معًا!"
ترددت ياسمين قليلاً.
أما وائل فرفع حاجبيه مبتسمًا بنوع من السخرية، وكأنه يستمتع بالمشهد.
زوج على وشك الطلاق، وعشيقة متعجرفة لا تضع الزوجة في اعتبارها، وأصدقاء يدعمون العشيقة بلا خجل...
يا له من مشهد مثير للاهتمام.
كانت ياسمين قد قررت منذ أن رأت عمر ورفاقه أنها لا تريد الجلوس معهم، لكن هالة أسرعت نحوها وأمسكت بيدها بحماس قائلة: "أختي، هيا تعالي!"
وسحبتها دون أن تترك لها مجالاً للاعتراض، وأجلستها بجانبها.
لكن المقعد الذي اختاروه كان في موقع غريب، إذ جلس عمر في الجهة المقابلة مباشرة لها، بحيث يمكن لأي نظرة أن تتقاطع بينهما بسهولة.
ترددت ياسمين للحظة، لكنها في النهاية جلست بهدوء دون أن تُظهر ترددها.
وسرعان ما جلس وائل إلى جانبها قبل أن يسبقه أحد.
أما موظفو شركة الريادة فجلسوا على طاولة أخرى.
لم يُبدِ عمر ولا رفاقه أي اعتراض، وكأنهم وافقوا ضمنيًا على دعوة هالة.
فهي كانت قد أخبرتهم بعد الظهر أنها ستدعو أصدقاءها، وقد وافقوا حينها، ولم يكن من اللائق الآن أن يعترضوا.
لكن لم يتوقع أحد أن يكون هؤلاء الأصدقاء هم ياسمين ورفاقها.
ومع ذلك، لم يهتموا كثيرًا بكيفية تقرّب ياسمين من هالة.
فهي لطالما حاولت كسب ودّ المقربين من عمر، وحين لم تنجح، لجأت إلى أساليب أخرى، وليس هذا غريبًا عليها.
كانت ياسمين تعتقد أن الجلوس مقابل عمر على طاولة ضيقة سيجعل الموقف محرجًا، لكن منذ أن جلست، لم يرفع عمر نظره نحوها ولو مرة واحدة، لا أحد يعلم إن كان ذلك عن قصد أم لا.
حتى عندما مدّ يده لأخذ شيء من الطاولة، كان يتجنب اللحظة التي قد تلتقي فيها يده بيدها.
لم يترك أي فرصة، ولو صغيرة، لحدوث أي تلامس أو تواصل.
أما بقية الوقت، فكان يتحدث مع ليلى فقط، ملتفتًا نحوها.
وياسمين، بالنسبة له كأنها غير مرئية تمامًا.
لم تُعر ياسمين أي اهتمام لذلك.
طوال الوقت، كان وائل يقدّم لياسمين الطعام، يناولها أسياخ الشواء المختلفة، ويقصّ لها شرائح اللحم بالمقص، وحتى عندما احتاجت إلى مناديل، كان يقدّمها لها في اللحظة نفسها.
كل تلك التصرفات لم تغب عن أعين الآخرين؛ لقد بدا وكأنه يعتني بها أدق عناية.
حتى ليلى عقدت حاجبيها ونظرت إلى وائل أكثر من مرة، ثم التفتت نحو ياسمين، متسائلة في نفسها: ما الذي يجعل ياسمين تستحق كل هذا الاهتمام من وائل؟
لاحظ معظم الحاضرين هذا الموقف.
أما عمر، فبملامحه الباردة الخالية من أي تعبير، بدا وكأنه لم يلحظ شيئًا. وكأن الأمر لا يعنيه.
ارتشف فارس من كأس الجعة، وأصدر صوتًا خافتًا ثم قال بصوت منخفض موجهًا الكلام نحو عمر ومن حوله: "ياسمين ذكية فعلاً، إنها تستغل السيد وائل لتثير انتباه عمر إليها."
ثم أضاف ضاحكًا بنبرة ساخرة: "تحاول أن تُظهر كم هي محبوبة من الرجال؟ يبدو أنها تستخدم كل أساليب النساء في مطاردة الرجل الذي تريده."
ابتسمت ليلى بخفة، وكأنها وجدت الأمر مسليًا.
أما عمر، فلا يُعلم إن كان قد سمع ما قيل، لكنه بالتأكيد لم يُبدِ أي اهتمام بياسمين. تجاهلها تمامًا.
عبس إياد قليلاً دون أن يُظهر انزعاجه.
وتابع فارس قائلاً: "بصراحة، ياسمين جميلة فعلاً، لكن للأسف شخصيتها سيئة. لو أنها لم تفعل تلك الأمور القذرة في الماضي، لما وصلت إلى ما هي عليه الآن."
ثم أضاف: "وفوق ذلك، هي جادة أكثر من اللازم ولا تعرف كيف تمزح، مملة جدًا."
فقاطعه إياد فجأة وهو يمد له سيخين من اللحم: "صار باردًا، ألا تنوي أن تأكل؟"
فانقطع فارس عن حديثه، وركّز اهتمامه على الشواء من جديد.
في الجهة الأخرى، نظر عمر نحو وائل الذي كان يسكب عصير البرتقال لياسمين، وقال له مبتدئًا الحديث: "شركة الريادة تبدو في أوج نجاحها هذه الأيام، سمعت أنك وقّعت عددًا من المشاريع الجديدة، يا سيد وائل؟"
ابتسم وائل بتواضع وقال: "الأمور تسير بخير، مجال الدرونز واسع جدًا، وأنا فقط أواكب تطور العصر."
قال عمر: "بل أنت متواضع أكثر من اللازم. السوق ما زالت واسعة جدًا ولم تصل إلى حدّ التشبع بعد. طائرات يو إن الثاني المزودة بنظام المراقبة والهجوم الموحّد التي طوّرتها أنت قبل خمس سنوات كانت إنجازًا كبيرًا. وأظن أنك الآن تعمل على مشاريع أحدث وأكثر تطورًا، أليس كذلك؟"
ثم أضاف بابتسامة خفيفة تخفي حدّة في عينيه: "آمل حين يحين الوقت أن تفكر أولاً بالتعاون مع شركة الأفق الأزرق، لنحقق الفائدة للطرفين."
لمعت عينا ياسمين للحظة، وبدت عليها مشاعر خفية لا يمكن قراءتها بسهولة.
أما وائل، فألقى نظرة سريعة نحوها دون أن يلحظ أحد.
ذلك عمر، ماكر كعادته. فانضمت ياسمين حديثًا إلى شركة الريادة، والمشروع الجديد يتقدّم بسرعة، وها هو يمد يده مبكرًا بعرض التعاون.
لكن ما لا يعرفه عمر، هو أن العمود الفقري الحقيقي لتقنيات الشركة هو ياسمين نفسها.
ابتسم وائل دون أن يعلّق على عرضه، وغيّر الموضوع متحدثًا عن تطورات تكنولوجيا الدرونز.
وبما أن هذا مجال تخصص ليلى، بدأت تتحاور معه بحماس.
وخلال النقاش، طرحت مواضيع تقنية معقدة، ما أثار اهتمام ياسمين، فمالت نحو وائل لتهمس له بفكرة تقنية جديدة خطرت ببالها.
عقدت ليلى حاجبيها ونظرت نحو ياسمين بعدم رضا، إذ لم يعجبها تدخلها.
وفي تلك اللحظة فقط، وجّه عمر نظره نحو ياسمين بجدية، وكأنه يفكر بشيء ما.
لاحظ فارس ورنا تعبير ليلى الغاضب.
شعرت رنا في تلك اللحظة أنّ ياسمين تغار بشدّة!
ترى أنّ زوجة أخيها تعرف الكثير، فبدأت تستعرض لتلفت الانتباه؟
يا لها من متصنّعة!
قال فارس منبّهًا: "الآنسة ياسمين، عمّ تتحدثين مع السيد وائل؟ هو يناقش الآنسة ليلى في مسائل تخص هندسة الطيران والفضاء، وأنتِ لا تعرفين الكثير في هذا المجال، فالأفضل ألا تقاطعي حديثهما."
نظرت ياسمين إليه بهدوء دون أن ترد.
فغيّر فارس نبرته ليبدو أكثر لطفاً وقال بإخلاص: "السيد وائل هو من طوّر يو إن الثاني، وهو من أبرز القادة الشباب في هذا المجال. حتى والدي لا يكف عن الإشادة بقدراته."
كان والده قد خدم في الجيش لسنوات طويلة، ومن كثرة ما سمع ورأى في ذلك الوسط، صار يعرف تمامًا مدى قوة يو إن الثاني المزود بالنظام المراقبة والهجوم الذي ابتكره وائل، والذي يتفوق على نظائره في الداخل والخارج دون أي ضعف في الأداء العسكري.
ولا يوجد رجل لا يُعجب بمثل هذا الإنجاز.
قال وائل بنبرة تحمل في طياتها معنى خفيًا وهو ينظر إلى فارس: "أهكذا؟ يبدو أنك تكنّ إعجابًا كبيرًا لمطوّري يو إن الثاني."
ابتسم فارس قائلًا: "من لا يُعجب بعبقرية مثلك السيد وائل؟"
كان كلامه نابعًا من إعجاب حقيقي، لكنه أيضًا محاولة مبكرة لفتح باب التعاون، فشركة الريادة تُعد من أكبر الشركات الواعدة مستقبلاً.
وقد أوصاه والده أن تكوين علاقة جيدة مع وائل، فذلك ربح مضمون.
أما ياسمين فبقيت صامتة، هادئة منذ البداية حتى النهاية.
حب القوة والسعي وراء المصلحة أمر فطري في البشر.
مدت يدها لتأخذ مناديل، فصادفت فجأة يدًا رجولية قوية تمتد من الجهة المقابلة، وأطراف أصابعه الدافئة لامست أصابعها دون قصد.
شعرت كأن تيارًا كهربائيًا خفيفًا مرّ في جسدها، فرفعت رأسها بسرعة.
كان عمر ينظر إليها أيضًا، لكن ملامحه بقيت هادئة. وحين التقت عيناه بعينيها المرتبكتين، بدا متزنًا تمامًا.
ثم سحب يده بهدوء وكأن شيئًا لم يحدث.
أعادت ياسمين يدها إلى مكانها، لكن أثر اللمسة بقي يلاحقها، دافئًا، مزعجًا، وصعب النسيان.
تجهم وجهها قليلاً.
لقد تجنبها عمر طوال المساء، متحفظًا في كل تصرف، فكيف حدث هذا التلامس المصادف؟ هل يظن أنها تعمدت ذلك؟
تقلصت ملامحها في صمت خفيف.
لم يلحظ أحد هذا الموقف العابر.
عندها قالت ليلى بثقة متوازنة: "لطالما أُعجبت بالسيد وائل، فمشروع يو إن الثاني هو الحلم الذي جعلني أختار هذا التخصص. في الحقيقة، كنت أتمنى الانضمام إلى فريق مشروعه لأتعلم منه، لكنني مؤمنة أن الفرص ما زالت أمامي، وسأعمل معه يومًا ما."
قدرتها هي مصدر ثقتها بنفسها.
فهي تؤمن بأنها قادرة مستقبلاً على قيادة فريق يبتكر منتجًا يضاهي يو إن الثاني.
لم يتمالك وائل نفسه هذه المرة، فابتسم قليلاً وقال: "إذن أتمنى لكِ كل التوفيق يا آنسة ليلى."
لكنهم لم يعلموا أن الهدف الذي يسعى إليه الجميع بكل جهد، لم يكن سوى نقطة البداية لياسمين لياسمين.
قال فارس مشجعًا: "ليلى، بالتأكيد ستنجحين، أنتِ مميزة فعلاً، وفي مجال البحث العلمي سيكون لكِ مكان بارز."
أنا وإياد وعمر جميعنا نؤمن بذلك.
لم يُعرف عمّا كان يفكر فيه عمر، ناولها عمر عبوة مشروب وقال: "نعم."
نظرت ليلى إليه وابتسمت بخجل لطيف.
أما هالة، فلم تكن تفهم تمامًا ما يدور في عالم الأعمال، أو في مجال الفضاء والطيران، لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا: أن ياسمين مذهلة حقًا!
وحين لاحظت نبرة التقليل من شأن ياسمين، كادت تتحدث دفاعًا عنها.
لكن قبل أن تنطق، وضعت ياسمين أمامها قطعة صغيرة من كعكة أنيقة.
رفعت هالة نظرها لتلتقي بعيني ياسمين الهادئتين المتسامحتين.
قالت ياسمين بابتسامة لطيفة: "هذه لذيذة جدًا، تذوقيها."
وبمجرد أن قطعت ياسمين حديثها، نسيت هالة تمامًا ما كانت تنوي قوله، واقتربت منها بعفوية، تشعر بدفء قربها. تحبها كثيرًا، وتتمنى لو كانت أختها الحقيقية!
في تلك اللحظة، لاحظت رنا أن ياسمين تقدم لهالة الكعكة وتصب لها العصير، فتجهم وجهها ونظرت إلى ياسمين بعدم رضا.
شعرت ياسمين بذلك، لكنها لم تلتفت إليها.
فازداد انزعاج رنا ما بال ياسمين اليوم؟ لم تتجاهلها من قبل، فلماذا لا توليها أي اهتمام هذه المرة؟
وبينما كان فارس قد أنهى لتوه حديثه المشجع لليلى، التفت إلى ياسمين قائلاً بنبرة عادية وكأنه يطلب أمرًا بسيطًا: "آنسة ياسمين، يبدو أن اللحم نفد، هل يمكنكِ شواء المزيد؟ وأحضري تلك الزجاجة من النبيذ لنفتحها أيضًا."
ساد الصمت للحظة قصيرة.
نظرت ياسمين نظرة باردة خالية من أي انفعال نحو الشخص المقابل.
ألقى إياد نظرة نحوها وقال بهدوء: "أمر كهذا، لا أظن أن الآنسة ياسمين هي من يجب أن تقوم به."
فهذا بالضبط من مهام النادل.
فهم وائل وياسمين على الفور ما الذي يقصده فارس.
فارس، قبل لحظات فقط، كان يمدح ليلى ويصفها بأنها موهوبة ولامعة، ثم في اللحظة التالية يطلب من ياسمين القيام بأعمال تافهة، وكأنه يقول لها بوضوح:
إن الفرق بينكِ وبين ليلى فرقًا شاسعًا كالسماء والأرض.
كانت ياسمين تدرك تمامًا أن ما حدث في الماضي، عندما "تسللت إلى السرير واستعانت بصحفي لتجبر عمر على الزواج منها"، جعلهم يكرهونها بشدة، ويعتقدون أنها تستحق أن تدفع ثمن ما فعلت.
ربت فارس على جبينه وقال: "لا أقصد شيئًا، فقط ظننت أن الآنسة ياسمين، بما أنها كانت ربة منزل لثلاث سنوات، فلا بد أنها أكثر خبرة منا في هذه الأمور."
نظرت ياسمين لا إراديًا نحو عمر.
هل يعقل أنه لا يفهم نظرة الاحتقار التي يرمقها بها من حوله؟
لكنها تعرف أنه ببساطة لا يهتم بمشاعرها.
وكما هو الحال دائمًا، يتصرف وكأن الأمر لا يعنيه.
فهو لم يعتبرها يومًا زوجته الحقيقية!
1
ابتسمت ياسمين بصمت ابتسامة باهتة، وردّت ببرود: "إن كنت تجد صعوبة في استخدام يديك، فربما أستطيع مساعدتك، يا سيد فارس."
تجمدت ابتسامة فارس على وجهه، وقد بدا عليه الذهول من جرأتها.
لم يكن يتوقع أن ترد عليه بسخرية علنية.
فهي لم تعد تلك المرأة اللطيفة الهادئة كما كانت من قبل.
تجاهلت ياسمين ملامحه المتفاجئة، واستدارت، لتتفاجأ بنظرة عمر تتقاطع مع عينيها.
كان ينظر إليها، وفي عينيه الباردتين اللتين لا تحملان عادة أي عاطفة، ومضة خفيفة تشبه ابتسامة عابرة.
اختفت سريعًا.
تجمدت ياسمين في مكانها.
هل ابتسم لها عمر للتو؟ ولماذا؟
خلال كل تلك السنوات التي عاشاها معًا، يمكنها أن تعد على أصابع يدها عدد المرات التي ابتسم فيها لها.
لم تستطع فهم ما يدور في ذهنه.
كان وائل أول من كسر الصمت، نظر إلى فارس وقال: "ماذا ترغب أن تأكل، يا سيد فارس؟ سأهتم بالأمر."
استعاد فارس وعيه بعد لحظة، وشعر بالضجر.
لم يتوقع أن ياسمين لن تتقبل الإهانة بصمت كما كانت تفعل دائمًا.
لم يكن من الممكن أبدًا أن يجعل وائل يقوم بعمل كهذا، فقال بابتسامة باهتة: "السيد وائل، كنت أمزح فقط."
لكن الجميع لاحظ أن وائل كان يحاول حماية ياسمين.
بل ويمكن القول إنّه يُعاملها معاملة خاصة مليئة بالاهتمام.
عبست ليلى وهي تراقبه.
هل يُعقل أن وائل يحب ياسمين؟
2
كما أن إياد ألقى نظرة فاحصة نحو وائل، وكأنه يحاول استكشاف ما وراء تصرفه.
فلو كانت العلاقة بينهما مجرد علاقة عمل، لما تصرف وائل بهذا الشكل.
لاحظ وائل النظرات الموجهة نحوه، فرفع كأسه وأومأ برأسه بابتسامة خفيفة.
أما ياسمين فلم تلتفت إلى ما يجري حولها، بل مدت يدها وقدمت سيخًا من الفطر المشوي لهالة، التي كانت تأكل بصمت منذ البداية.
رفعت هالة رأسها، ووجنتاها ممتلئتان بالطعام، وقالت بلطف: "شكرًا، أختي ياسمين."
ابتسمت ياسمين برقة وقالت: "على الرحب والسعة."
كانت رنا تراقب تفاعلهما وملامحها تزداد عبوسًا.
وفي النهاية، وضعت علبة الكولا على الطاولة بعنف وقالت: "فقدت شهيتي، لن آكل بعد الآن!"
لكن العلبة أصابت صينية الشواء، فانطلقت منها شرارة نار مفاجئة عندما اختلط الزيت بالماء.
وكانت ياسمين الأقرب إلى النار، وكادت الشعلة أن تندفع نحوها!
لم تتمكن حتى من استيعاب ما يحدث، إذ امتدت يد طويلة بيضاء بسرعة خاطفة، وأمسكت بحافة الصينية وسحبتها بعيدًا، لتبتعد النار عنها.
صرخت ليلى بقلق: "عمر! يدك، هل أصبت؟"
التفتت ياسمين بسرعة نحو عمر.
كان متجهًا قليلاً، ألقى بصينية الشواء خلفه، ثم حرك أصابعه الطويلة، وقد احمرّت أطرافها من الحرارة.
نظرت إليه ياسمين بدهشة.
هل فعل ذلك لأنه... خاف أن تُصاب؟
قال فارس وهو يلاحظ التفاصيل ويتنفس الصعداء: "عمر، ردّ فعلك سريع حقًا، كادت ليلى أن تُصاب بحروق قبل قليل."
التفت الجميع نحو ليلى، فقد كانت قريبة جدًا من صينية الشواء.
ابتسمت ليلى بأدب وهي ترى قلق الجميع عليها وقالت: "لا تقلقوا، أنا بخير."
أما رنا، التي كانت سبب الحادث، فقد أسرعت نحوها بقلق، وأمسكت بيديها لتنفخ عليهما بخوف:
"يا إلهي، لم أقصد ذلك يا زوجة أخي، لقد أرعبت نفسي!"
ربتت ليلى على شعرها بلطف وقالت: "لا بأس، لا تقلقي."
انكمشت أصابع ياسمين قليلاً، وفجأة أدركت أنها كانت تبالغ في التفكير.
فعمر لم يكن قلقًا عليها هي، بل خشي أن تصاب ليلى بالأذى، لذلك تصرف بتلك السرعة دون أن يفكر في نفسه.
ولم يكن أحد قادرًا على جعله يفقد هدوءه المعتاد سوى ليلى.
تأكد إياد من أن ياسمين لم تُصب بأذى، فعاد إلى مقعده مطمئنًا.
أما هالة فسألت بقلق: "أختي، هل أنتِ بخير فعلاً؟ دعيني أرى يدكِ."
هزت ياسمين رأسها نافية.
تغير تعبير وائل قليلاً، ثم نظر نحو عمر الذي كان يحمي ليلى وقال بنبرة خفيفة: "السيد عمر، ألم تر أن ياسمين كانت أيضًا قريبة جدًا من صينية الشواء؟
ففي الحقيقة، كانت ياسمين هي الأقرب إلى النار، بينما لم تكن ليلى في خطر حقيقي."
حينها فقط حرّك عمر نظره ببطء نحوهم وقال بهدوء: "حقًا؟ لم ألاحظ."
تشنّج صدر ياسمين فجأة، واضطربت أنفاسها.
اتضح أن اهتمامه لم يكن يشملها أصلاً، حتى نبرته كانت باردة، خالية من أي عاطفة أو قلق عليها.
الوحيدة التي تعني له شيئًا كانت ليلى.
كاد وائل يختنق من الغضب بسبب جوابه، وأدرك تمامًا نوع الحياة التي عاشتها ياسمين معه طوال السنوات الثلاث الماضية.
فهذا الرجل تجاهلها تمامًا.
في منطقة التخييم، كان هناك أكثر من عشرين شخصًا.
وفجأة، شعرت ياسمين بإرهاق شديد، فالتفت بوشاح من الكشمير واتجهت نحو خيمتها وجلست أمامها.
كان المنظر هناك رائعًا، الهواء نقي بلا تلوث، والسماء مرصعة بالنجوم بشكل مدهش.
جلست ياسمين بهدوء تستمتع بعزلتها، ولم تهتم بما كان عمر والبقية يتحدثون عنه.
خلال ذلك، جاءت هالة أكثر من مرة، وجلبت لها مدفأة يد وكوبًا حراريًا مملوءًا بالماء الساخن.
قالت الفتاة الصغيرة بعطف: "أختي، إن احتجتِ شيئًا ناديني، خيمتي بجانبكِ، لا تترددي."
تحسنت حالة ياسمين المزاجية قليلاً على غير عادتها وقالت: "شكرًا، حسنًا."
وبعد أن غادرت هالة، اقترب إياد.
رأته ياسمين، ولم تكن تنوي الحديث، لكنها رأت أن الصمت قد يبدو جفاءً، فقالت: "ألم تذهب لتلعب معهم؟"
لم يكن إياد يدري كيف انتهى به الأمر يتجول في هذه الجهة، فتردّد قليلاً ثم قال: "الليلة ستهبط درجة الحرارة، احرصي على أن تبقي دافئة."
قالت بهدوء: "حسنًا، شكرًا لك."
شعرت أن إياد يتصرف بغرابة مؤخرًا؛ فهو لم يكن يهتم بالتحدث معها من قبل، بل كان يحتقرها في أغلب الأحيان.
لاحظ إياد أنها لا تميل للحديث، فتردّد للحظة، ثم سأل فجأة: "رأيت على إنستغرام أنكِ كنتِ مريضة وذهبتِ إلى المستشفى، هل تعافيتِ الآن؟"
تجمدت ياسمين في مكانها.
لقد مرّ نحو شهر منذ ذهابها إلى المستشفى، وكانت حينها تتمنى أن يرافقها عمر، لكنه لم يفعل.
حتى منشورها على إنستغرام لم يلفت انتباهه، وربما لم يره أصلاً.
أول من سأل عن صحتها لم يكن عمر، بل صديقه.
قالت بهدوء: "نعم، تعافيت، شكرًا على اهتمامك."
مرّت أصابعها بلا وعي على بطنها المستوي، وشعرت بثقل في صدرها.
فالأطباء أخبروها أن حالتها معقدة، ونسبة الشفاء ليست عالية، وأنها ستفقد قدرتها على الإنجاب إلى الأبد...
إذا فكّرت مليًا، كيف لا يهمها الأمر؟
حتى لو تعافت، فلن يكون لها طفلها يومًا.
صمتت ياسمين، ولم تقل شيئًا بعد ذلك.
______________________
