📁 آخر الروايات والقصص

رواية مكان اسميته بيتي الفصل الخامس 5 بقلم اوميرا موسي

رواية مكان اسميته بيتي الفصل الخامس 5 بقلم اوميرا موسي


أنا أشتاقكِ بصوتٍ لا يسمعه أحد، وبدموعٍ لا تسقط، أحملكِ في داخلي كجرحٍ قديم لا ينزف ..لكنه لا يلتئم أبدًا! .."ضياء"

*"مساء اليوم التالي"...*

كنتُ أسير ذهابًا وإيابًا في زنزانتي الضيقة ، خطواتي ترتطم بالأرض الرطبة كأنها تذكرني بعدد الأيام التي مضت ..أحد عشر يومًا كاملة وأنا حبيس هذا المكان المظلم بين أربعة جدران رمادية تتقشّر أطرافها من الرطوبة ، وسقفٍ منخفضٍ يكاد يخنق أنفاسي ..أحد عشر يوماً من الأرق والغضب و الحزن الذي بدأ يأكل ما تبقى من عافيتي ..أحد عشر يومًا لم أرَ فيها صديقيّ وهذا وحده كان كافيًا ليهشم ما تبقى مني ...
في كل مرةٍ يفتح الحارس الباب مُعلنًا عن "زيارة"، كنت أشيح بوجهي رافضًا ، فأنا لم أكن مستعدًا لرؤية أيٍّ منهما ، ولولا قوانينهم الصارمة لما وافقت حتى على مقابلة ذلك المحامي العجوز ، بنظرته الباردة وصوته المحايد ، لكنني كنتُ مجبرًا ، مجبرًا على كل شيء هنا ...
صديقاي ، كيف لي أن أنظر في أعينهم بعد كل ما فعلته؟ ، كيف أواجههم؟ ، خصوصًا فهد؟
فهد الذي حذرني مرارًا ، الذي حاول أن يوقظني من اندفاعي الأعمى وماذا فعلتُ أنا؟ ، تشاجرت معه ، قطعت حديثه ، أدرْت له ظهري بكبرياءٍ أحمق ، بينما هو الآن يركض بين مكاتب محامي لندن المتعجرفين الذين يستنزف وقته وطاقته فقط ليُخرجني من هذا الجحيم ...

كم أنا أناني!
وكم أنا غير مجدٍ!

جلستُ على مهل في زاويتي المعتادة ، وأسندتُ ظهري إلى الجدار البارد ثم رفعتُ بصري فجأةً لأراه جالسًا أمامي ، صبي في الخامسة عشرة من عمره "أنا!"...
ماضيّ الذي لم يفارقني يومًا ، الذي لم يتخلَّ عني حين فعل الجميع ، كان يحدق بي بعينين مثقلتين بالألم ، ودموعٌ متجمعة على وشك السقوط يمنعها غرور طفولي وغضبٌ لم يتعلم بعد كيف يُسمّى ..
تبادلنا نظراتٍ صامتة ، مشحونةٌ بما لم نقله أبدًا! ...
هو غاضبٌ من قراراتي وأنا أرفض الاعتراف بأخطائي! ..
فجأةً؛ قطع هذا الشرود ضحكةٌ طفولية خافتة تردّد صداها في أرجاء المكان كأنها لا تنتمي إليه ، انتفضنا معًا نبحث عن مصدر الصوت ، وحينها وجدناهُ مستقرًا خلف أحد الجدران ، نهض ماضيّ بخطوات مترددة وجلس قرب الجدار مبتسمًا رغم دموعه التي انهمرت بغزارة ، رغم الكدمات التي تلطخ وجهه ، ورغم الوحدة التي تنهش قلبه ، كانت تهاليل السرور تزيّن ملامحه وهو يُنصت إلى صوتها الرنان خلف الجدران ..صوتٌ كان كافيًا ليُطمئنه ، ليُسكِت فوضاه ويمحو "ولو مؤقتًا" كل ما يشعر به ..راقبته وأنا أتمتم بسخريةٍ مُرّة "يا له من طفلٍ بائس!" ، لا يزال يتعلق بخيوط أملٍ مزيفة! ، براءته وخوفه ينسجان له أكثر الخيالات أمانًا "البيت" ..ضحكتُ على غبائه الطفولي وأسندتُ رأسي إلى الحائط مغمضًا عينيّ ..انسابت دمعةٌ صغيرة على خدي بهدوءٍ دون مقاومة ، في هذه اللحظة تمنيتُ لو كانت سماعاتي هنا لتُشتّتني عن إزعاج هذا الطفل ، عن ضحكاته ، عن همساته معها ...

مرت الساعات ببطء وأنا أسمع صوتهما ، ضحكاتٌ وطرقٌ خافت حتى خيم الصمت فجأة! ..فتحتُ عيني بلهفة لمعرفة السبب ، لأكتشف أنني لم أعد في الزنزانة ..كنتُ جالسًا على مسطبةٍ من الإسمنت والرخام ، إلى جواري شجرة مانجو ضخمة مثقلةٌ بالثمار ، ظلها يمتد طويلًا وفروعها تتسلل إلى منزلٍ يقبع خلفي مباشرة ، أمامي سورٌ فضي تحيط به القضبان والمكان بارد ، مظلم ، لا يضيئه سوى نجومٍ تظهر وتختفي خلف السحب ونباح كلابٍ بعيد ..

فجأةً!
سمعتُ طرقًا على الجدار الأزرق الطويل خلفي ، التفتُ بسرعة وهممتُ واقفًا فرأيتُ منزلًا بجدرانٍ زرقاء كلون السماء ، بابه أبيض وأسود و يتكون من عدة غرف و"حوش" واسع كما أظن ، لا أدري! ، فلم يُسمح لي بدخوله يومًا! ، تكرر الطرق ..طرقتان لطيفتان من أيدٍ صغيرة أعرفها جيدًا ، شهقتُ بسعادة وقفز قلبي فرحًا كطفلٍ ضائعٍ وجد بيته أخيرًا ، جلستُ بسرعة ثم وضعتُ أذني على الجدار وطرقتُ بخفوت ..طرقتان صغيرتان! ، وحينها سمعتُ صوتها ، الصوت الذي أنا مغرمٌ به منذ ألتقيتُ بها! ، كانت تعاتبني بصوتها الطفولي الغاضب و أول كلمةٍ قالتها كانت ....

- اتأخرت!

رديت بإستنكار : أنا؟

- لا أنا!

ضحكت وطلعت حلاوة مصاصة من جيبي جدعتها بالحيطة وقلت بغرور : م اتأخرت

سمعت صرخة خافتة بعدها بثواني : اااه ، وقعت في رأسي و لأ ، اتأخرت!

كتمت الضحكة و رديت : آسف على الضربة ، لكن لأ م اتأخرت!

- اتأخرت قلت ليك!

عدلت قعدتي و أتكلت بظهري في الحيط وهمست ليها : طيب اتأخرت

- ليه؟

رفعت عيوني عااينت للسماء : بسببك

سألتني بإستغراب : بسببي؟

هزيت رأسي بإيجاب : ايوة ، كنت برااجع دروسي

- وكيف بسببي؟

حولت نظراتي على الحيطة الوراي : عشان قررت أبقى دكتور و انقذ الناس

- وكيف بسببي برضو؟

قلت ليها : ح أبقى دكتور عشانك!

- عشان تعالجني؟

اتلفت بجسمي كله على الحيطة وختيت جبيني فيها : أنا لمن أكبر ح أبقى دكتور قلب عشان أعالجك وم ح اخليك تاخدي أي إبرة تاني

- ح تكون دكتور طيب ولا شرير؟

سألتها بإستغراب : جبتي السؤال ده من وين؟

- من رأسي

سألتها : طيب لشنو السؤال؟

- عشان في دكاترة شريرين وبكونوا صارين وشهم ومخيفين و في دكاترة طيبين و بدو العيال حلااوة ، أنت ح تكون يااتو واحد فيهم؟

رديت بإبتسامة صغيرة : ح أكون طيب

- و تديني حلاوة؟

ضحكت : ي هبلة لمن أكبر ح تكوني انتِ برضو كبيرة!

- يعني م ح تديني حلاوة؟

زفرت وفكرت ثانية حتى رديت : ح اديك أي شيء دايراهُ

- وعد؟

هزيت رأسي : وعد!

سكتت لحظة حتى سألتني بصوتها الطفولي البريء : ولو م كبرت؟

استغربت من سؤالها : كيف يعني؟

- أنا لمن كنت عياانة سمعت ماما قاالت ل بابا برة الغرفة "أنا خايفة م اشوفها بتكبر"

اخدت صننة بحاول أرتب فيها أفكاري ، الكلماات ضاعوا من لساني وم عرفت أقول شنو فقمت اتكلت بظهري على الحيط و رفعت رأسي للسماء بصمت ...

- ضياء؟

اخدت نفس عميق حتى رديت بإصرار : ح تكبري وح أعالجك وح تبقي كويسة ، ح تجري وتنططي وتعملي أي شيء

- من غير م أتعب؟

دموعي بدت تتجمع وأنا بهز رأسي ، م عاارف بقنعها ولا بقنع نفسي : أيوة من غير م تتعبي

- أنت ح تلعب معااي؟

بلعت ريقي حتى رديت : أيوة ، وم ح اخليك نهائياً وح أكون ماسك يدك دائمًا ، ح أكون أمانك ف كل ما تخافي تعالي لي

- يعني شنو أمان؟

سكت لحظة : أمان ، اااا ، اممم ، يعني لمن تشوفي كلب مثلاً وسكااك في الشارع و...

قاطعتني : ماما م بتخليني أطلع الشارع

سكت شوية فكرت حتى قلت ليها : طيب لنفترض إنو الكلب جاك جوة البيت و..

قاطعتني تاني : ح يدخل ب وين؟

فركت عمود أنفي بعصبية و زفرت بزهج : طيب ، لنفترض إنو لاقاك أي شيء و خوفتي منه ح تعملي شنو؟

ردت لي ببراءة : ح أبكي

ردها مسح غضبي ف ضحكت : وبعداك؟

- ح أنادي ماما

سألتها : ليه ماما تحديداً ، ليه م الجيران؟

- عشان هي ماما!

اتلفت على الحيط وختيت يدي فيها : لأ ، لأنو هي أمانك ، مساحتك الآمنة والمنطقة اللي انتِ متأكدة إنو م ح تتأذي فيها ولا ح تخافي وح تحميك على طول ، حاجة أشبه بالبيت كده لكن على هيئة شخص فهمتي؟

- لأ

ضربت جبيني بزهج و رجعت اتكلت في الحيطة : خلااص ي زولة ، خليتو

- ضياء!

رديت : هممم

- أنتَ بيتي!

*"BACK"...*

صحيت مخلوع بصوت باب السجن بتفتح والحارس خت لي الأكل وطلع ، قمت قعدت وعاينت حواليني بلهفة لقيت نفسي في نفس السجن ، عااينت قداامي لقيت نفسي القديمة مافي ، اتلفت ورااي لقيت حيطة الزنزانة الرمادية الباردة يعني ده كله حلم أو بالأحرى ذكرى من أفضل ذكرياتي اللي بقت اسوءها ، قعدت دقائق سرحان بحاول استوعب إنو ده كله م كان حقيقي و إنو مااف ولا ذرة أمل إني أسمع صوتها من وراا الحيطة تاني زي زماان ، 21 سنة وأنا م قاادر استوعب موتهاا و لسه مشتااق ليها ، و أسوء م في الموضوع إني للآن بناديها وهي م بترد ، بفتش عليها بعيوني في أي مكان مع إني عاارف إنها م موجودة ولا ح تكون ، 21 سنة و وجع موتها محبوس في قلبي و بزيد كل يوم ، بقولوا إنو الزمن بشفي الجروح طيب ليه جرحي أنا م اتشفى؟ ، ليه لسه واجعني كأنهاا مااتت هسي! ، ليه م قاادر أنساها و أكمل حيااتي! ، دي تلاتة شهور من وجودي معاها قصااد 21 سنة من غيرها ف ليه الحياة مُرة كده في غياابها؟ ، و الأسوء إنو م بقدر أكلم زول بحقيقتنا لأنو م ح يصدقوا ، مااف زول ح يصدق إنو الجراح صاحب الـ 36 سنة لسه قلبه معلق بحبيبته المااتت قبل 21 سنة وهي عمرها سبعة سنين! ، و مااف زول ح يصدق برضو إنو حبه الزاايد ليها هو القتلها! ..وهنا اتلفت بجسمي كله على الحيطة وختيت جبيني فيها زي م كنت بعمل زماان ، وهمست بصوت خافت وأنا شايف الدخان بطلع من بين شفايفي "إنتِ بيتي!" ...

*"في الفندق"...*
*"الكاتبة"...*

كانوا قاعدين فهد و أيان في مطعم الفندق وخاتين الأكل قدامهم لكن م قادرين ياكلوا ، فهد كان بتكلم بالتلفون مع المحامي وبتناقش معاهُ في القضية بصوت خاافت عشان المطعم فاضي و هاديء بإعتبار إنو الزمن بدري لسه والشمس يااداب طلعت ، أما أيان فكان متكل بظهره في الكرسي وسرحاان في السقف ، م كان بفكر في أي شيء بس غرقان في ال ولا شيء لحدي م فجأة شااف وش ليا قدامه ، ف قاام عدل قعدته بسرعة و اتلفت وراهُ لقاها وااقفة ....

أيان بخلعة : ليا؟؟

ابتسمت : صبااح الخير ي شباب

أيان: صباح النور

فهد رد من غير تركيز : صباح النور

ليا : ممكن أقعد؟

أيان صلح ليها الكرسي بسرعة : أكيد اتفضلي!

ابتسمت و قعدت جنبه ..

فهد نزل التلفون وعاين ليهم الاتنين : أنا ح أطلع أتكلم برة عشان الازعاج

أيان و ليا هزوا رأسهم وهو طلع خلااهم ..فضلوا ساكتين مساافة وكل واحد بعاين بإتجاه لحدي م ليا كسرت الصمت وسألت أيان ....

- أنت كويس؟

حك شعره و اتردد شوية حتى رد وهو بحاول يخفي حزنه : بحاول أبقى كويس ، وانتِ؟

ليا وهي مراقبة تصرفاته : بفكر كيف أخليك كويس

عاين ليها بطرف عيونه و أبتسم و اتلفت بالإتجاه التاني ...

ضحكت بإستغراب من حركااته : مالك؟

اتلفت عليها وهو عاامل رايح لكن عيونه فاضحاه : مالي؟

رفعت حواجبها بلا مبالاة : ولا شيء ، اهاا دكتور ضياء كيف؟

ملامحه كلها اتغيرت و بقى يلعب بأصابعه بتوتر : م عاارف! ، دي أول مرة من 17 سنة اشوفو مكسور بالطريقة دي والمشكلة إنو م دااير يدينا فرصة عشاان نحاول نجبر كسره ، بس دائمًا بحاول يبعدنا م عاارف ليه

ختت يدها في يده : يمكن م عاايزكم تتضايقوا بشوفتو منهاار

اتلفت عليها و صوته بقى يرجف : م عاارف ، لكن حااسي زي الكأنو دخوله السجن دمرو فهمتي! ، يعني زي الكأنو م هو! ، حتى في الجلسة كاان مدي ضهره للحضور وم دااير يشوف زول ولا يشوفو!

ليا وهي بتحاول تواسي : إن شاء الله بتتحل و ضياء ح يطلع من السجن بريء

فك يدها ومسح وشه و اتنهد : إن شاء الله

في اللحظة دي فهد رجع وقعد في الكرسي بزفر بضيق ...

أيان و ليا بصوت وااحد : قال ليك شنو؟

فهد : المحامي م ح يقدر يطلعوا بكفالة هسي

أيان بإنفعال : ليه!!

فهد : وطي صوتك ..و اتلفت حوالينه و رجع عااين ليهم : المحكمة رافضة تمامًا لأنو خايفين ضياء يهرب من البلد

ليا : لكن هو م ح يهرب!

فهد : ده الزرعتو ليهم المحاامية في رأسهم!

أيان ضرب الطاولة بغضب : الله ياخدها!! ، وااقفة مع الأجانب ضد ولد بلدها!!

فهد صلح نظاراته وقال ببرود : ده شغلها ي أيان

أيان بإنفعال أكتر : شغلها تسجن البريئين!!

ليا بصوت خاافت : أهدأ ي أيان

عااين ليها وقاام بغضب من الكرسي و طلع برة وهم الاتنين بعااينوا ليو ...

فهد رجع اتلفت لقى ليا بتعاين للباب بقلق ف حاول يطمنها : خمسة دقائق وح يبقى كويس

هزت رأسها بتفهم حتى سألته : هو و ضياء قرايب؟

فهد هز رأسه بلأ : لأ ، بس أصحااب شديد ، نحنا التلاتة اتلاقينا في الجاامعة ومن دااك م اتفارقنا

ليا : طيب ، ضياء أهله م سمعوا بالحصل ليو؟

فهد : ضياء م عندو أهل

ليا بإستغراب : يتيم يعني؟

فهد : م عاارف

ليا : طيب أهله وين؟

فهد قاام وقف : ده السؤال المااف واحد فينا اتجرأ يسأله ل ضياء و هسي عن إذنك

و مشى قبل م ترد وخلااها محتاارة ...

*"في مكان تاني"...*

في بلكونة في الطابق السابع ، كانت بطلتنا قاعدة في كرسيها المتحرك و بتشرب في عصير مانجو ، كانت مستمتعة بشروق الشمس أخيراً بعد م كاانت غايبة ليها فترة بسبب العاصفة الثلجية ، كان الجو بارد و أشعة الشمس بتنعكس في باقي الثلج الملصق في حواف الدربزين ، وفي نص سرحانها ده أتذكرت نظرة ضياء ليها في المحكمة ، نظرة سريعة وخاطفة كانت كفااية عشان تلخبط حواسها ، نظرة كانت بس لكسر من الثاانية قدرت تتعلق في مخها وبقت ليها ذكرى ..شوية كده هزت رأسها بـ لأ و اخدت رشفة من عصيرها وغمضت عيونا لحدي م حست بـ زول جا وقف ورااها وباس خدها ، ففتحت عيونا و رفعت رأسها بتعاين ليو ، كان راجل في نهاية الأربعينات ، طويل ، شعره أسود فيو شعيرات شيب ، عيونه واسعة و بُنية و ملامحه مريحة ، هي ابتسمت وقالت ليو ...

- صباح الخير ي ماهر

ماهر : صباح الخير ي ميرا ..و جر كرسي وقعد جنبها : كيف أصبحتي؟

ميرا : الحمدلله وأنت؟

ماهر : الحمدلله ، شايفك صحيتي بدري الليلة

هزت رأسها و رجعت تعاين للشروق : أيوة ، نمت بدري أمس

ماهر وهو بحاول يسحب منها الكلام : يمكن لأنو أول أمس م نمتي!

اتلفتت عليو : عرفت كيف؟

ماهر : جيت غرفتك بالليل و شوفتك بتراجعي الملف الأزرق أو بالأحرى مركزة في صفحة وااحدة

اتوترت واتلفتت بالإتجاه التاني : لأ لأ ، بس كنت براجع المعلومات

ماهر : ليه ، م واثقة في نفسك؟

أخدت رشفة من العصير وم ردت ...

ماهر : أنا واثق و متأكد إنك ح تنجحي وتقيفي مع الحق

نزلت عيونا وبقت تمرر سبابتها في حواف الكباية : ده المخوفني ي ماهر

ماهر : شنو؟

ميرا : أنا م حصل شوفت المتهم ولا حتى في الملف لأنو رغد الكانت مهتمة بالموضوع ، فلمن اتلاقينا في المحكمة وعيوني جات في عيونه ، حسيت.. حسيت.. ..وم قدرت تكمل وسحبت نفس عميق وسكتت

ماهر : حسيتي بشنو؟

عاينت ليو وصوتها برجف : حسيت نفسي غلطانة ، زي لمن اكسر كباية أو أضرب طفل من غير سبب أو أكون السبب في حاادث مثلاً ، من شوفت عيونه حسيت بقشعريرة ونبضات قلبي اتسارعت و ده م بحصل إلا لمن أعمل حاجة غلط

مسك يدهاا : ميرا انتِ م غلطاانة لأنو البقيف مع الحق م بغلط ..وكمل بنبرة مرحة : ده بس بداية إلتهاب بسبب تغير الجو

ضحكت : طيب

في اللحظة دي جاات بت في بداية العشرينات و وقفت جنبهم بكسل وهي بتفرك عيونا وقالت بصوت خاافت : صباح الخير

ميرا اتلفتت وراها و ماهر رفع رأسه و ردو بصوت واحد : صباح النور

ماهر للبت : قولي لي نعساانة بس

ميرا : بتكون بالغت ، فريال أمس نايمة من العشاء نعسانة شنو!

فريال ل ماهر : والله ي بابا نعسانة ، ده تعب الجامعة!

ماهر : ذاكرتي لو م خانتني ، انتِ ي بتي م اتخرجتي ليك شهرين؟

فريال وهي بتتثاءب : تعب الجامعة ده محتاج شهور عشاان يطلع

وهنا جاات بت صغيرة عمرها سبعة سنين وقعدت في رجلين ماهر وقالت بصوت عالي : ماما قالت ليكم الفطووور!!!

كانت لابسة شورت جينز وجاكيت أصفر طويل مرسوم في ظهره بطة صفراء ، كانت بيضاء وشعرها أشقر طويل وعيونا خضراء فيروزية ....

ميرا ضحكت ومسكت يدها وسحبتها من أبوها وقعدتها في رجلينها : قولي صباح الخير أول ي جُمان

اتلفتت عليها : صباح النور ي عمتو

ميرا : قصدي قولي صباح الخير

جُمان : بما إنك قلتيها مااف داعي نكرر

فريال : نستقبل جرعة اللئامة الصباحية! ..وعاينت ل ماهر : بابا أنت شكلك كملت تربيتك كلها فيني ونسيت تربي المخلوقة دي

جُمان : عاارفاك غيرانة عشان أنا أحلى منك!

فريال : أحلى مني بشنو بعيونك الزي الكدايس دي؟

جُمان اتلفتت ل ماهر : بابا شوف فريال دي!

ماهر قام وقف : أصبحنا وأصبح الملك لله ..وعاين ل جُمان : مش قلتي ماما بتنادينا للفطور ، ارح طيب ..و مد يده عشان يمسكها

جُمان ربعت يدينها واتلفتت بالاتجاه التاني ومدت بوزها : لأ ، تشيلني بس وإلا بمشي مع عمتو بالعجلة

فريال : دي م عجلة ، ده كرسي متحرك وح تتعبيها كده

ميرا ابتسمت بحسرة وهي بتعاين ل رجلينها : مااف أي تعب ، إنتِ عارفة إني فقدت إحساسي بيهم من بدري شديد فوجودهم زي عدمهم

ماهر شال جُمان من رجليها وقال بنبرة مطمنة : نحنا دايرنهم قاعدين ويمكن فجأة دعواتنا تستجاب و ترجعي تمشي

رفعت رأسها عاينت ليو وضحكت : أمشي ي ماهر م تضحكني من الصباح

ولفت كرسيها و دخلت جوة و هم براقبوها بصمت ...

جُمان سألته بصوت خافت وهي بتقرصه في خده بلطف : بابا ، عمتو بقت مشلولة كيف؟

فريال : أنا برضو نفسي أعرف!

سؤالهم ده رجع ماهر لمشهد قبل 21 سنة "عربيتين مقلوبات ، دم كتير ، شرطة و إسعاف ، صراخ وبكاء هستيري ، أخته واقعة وهي غرقانة في دمها ، جثة طفلة ملامحها مشوهة و طفل واقف في نص ده كله يده الواحدة شبه مقطووعة من قوة الحادث و دمه جاري في الأرض ، لكن من الصدمة م كان حاسي بأي شيء ، و يده التانية كان شايل فيها حلاوة مصاصة!"...

جُمان قرصت خده شديد وقطعت سرحته : بابا م رديت؟

اتنهد وعاين ليهم الاتنين : لمن أرجع من المستشفى بحكي ليكم هسي اتأخرت على شغلي واتأخرنا على الفطور و أرحم لي غضب المدير الطبي من غضب أمكم

فريال بمرح : لأنو ح تبدأ تتكلم فرنسي ..وكملوا كلهم بصوت واحد : ونحنا م ح نفهم ولا حاجة منها!

وضحكوا كلهم و مشوا دخلوا الصالة ....

"هناك أشياء في الماضي لا تُنسى ولا تُغفر، نقول إننا تجاوزناها، لكن الحقيقة أننا فقط تعلمنا كيف نعيش معها دون أن ننهار أمام الآخرين"...

يتبع .


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات