رواية لؤلؤة الدنجوان الفصل الخامس 5 بقلم نور محمد
سقطت الشوكة من يد لؤلؤ لتحدث رنيناً مكتوماً وحاداً على حافة الطبق الخزفي، وكأنها جرس إنذار يعلن نهاية عالمها الصغير.
تجمد الدم في عروقها، واتسعت عيناها برعب قاتل وهي تنظر إلى عادل، شفتيها ترتجفان وهي تهمس بصوت لا يكاد يُسمع، وكأن خروج الصوت سيجعل الكارثة حقيقة:
"أمي؟... مالها أمي؟ إنت بتكدب، صح؟ أمي كانت كويسة... كانت بتدعيلي!"
التفت عادل نحو هشام بعجز، بينما وقف هشام مشدوهاً. لأول مرة في حياته، يقف عاجزاً أمام نظرة الرعب في عيني هذه الفتاة النحيلة.
"لؤلؤ..." حاول عادل التحدث، لكن لؤلؤ لم تنتظر.
انتفضت من مكانها بعنف أسقط الكرسي خلفها على الأرض محدثاً دوياً عالياً.
جسدها النحيل بدأ يرتعش بشكل هيستيري، فقدت توازنها وكادت أن تسقط على الأرضية الرخامية الصلبة، لولا ذراعي هشام اللتين امتدتا بسرعة البرق لتلتقطاها قبل أن يرتطم جسدها بالأرض.
"سيبني! أوعى تلمسني!" صرخت لؤلؤ بقوة لا تتناسب مع حجمها، وهي تضرب صدره العريض بقبضتيها الصغيرتين، تحاول الفكاك من قبضته.
"عايزة أروحلها! أمي بتمو*ت وأنا محبوسة هنا معاك! إنت السبب... إنت السبب في كل ده!"
كانت ضرباتها على صدره ضعيفة، لكنها اخترقت قلبه كخناجر مسمومة. لم يحاول إسكاتها، ولم يغضب من إهانتها له أمام الخدم الذين تسمروا في أماكنهم برعب. بل على العكس، ضمها إليه بقوة أكبر، محكماً ذراعيه حول جسدها المرتجف ليمنعها من إيذاء نفسها. بقلم نور محمد
"عادل!" زمجر هشام بصوت كالرعد اهتزت له جدران القصر، وعيناه تشتعلان بنار الغضب والقلق. "العربية تكون على الباب في ثانية! وكلم مدير المستشفى الزفت دي، قوله هشام الشافعي في الطريق، ولو حصل للست دي حاجة، قسماً بعزة جلال الله لهد المستشفى على دماغهم كلهم! مفهوم؟!"
"أوامرك يا هشام بيه!" ركض عادل للخارج لتنفيذ الأوامر.
حمل هشام لؤلؤ بين ذراعيه رغم مقاومتها ودموعها التي بللت قميصه. ركض بها نحو الخارج، وأدخلها إلى المقعد الخلفي لسيارته الفارهة، ثم قفز بجوارها بينما انطلق السائق بأقصى سرعة متجاوزاً بوابات القصر.
كانت أجواء السيارة مشحونة بالتوتر القاتل. لؤلؤ تبكي بهيستيريا، تضع يديها على وجهها وتشهق بصوت يمزق نياط القلب. لم تحتمل المسافة، كل ثانية تمر تعني أن والدتها تبتعد عنها خطوة نحو الموت.
نظر هشام إليها، ورأى كيف تنهشها الأحزان. قلبه القاسي، الذي لطالما سخر من الضعف، كان ينبض الآن بألم غريب. دون تفكير، ودون أي اعتبارات لغروره وكبريائه، مد ذراعه القوية وجذبها نحو صدره.
حاولت المقاومة في البداية، لكنها كانت أضعف من أن تدفع هذا الجدار البشري الصلب. استسلمت في النهاية، وانهارت داخل حضنه، تدفن وجهها المبلل بالدموع في تجويف عنقه.
رائحة عطره الرجولي القوية أحاطت بها، وحرارة جسده تسللت إلى عظامها المرتجفة. لأول مرة، لم تشعر بالخوف منه، بل شعرت بأمان، أمان تشتد حاجتها إليه في هذه اللحظة السوداء.
أغمض هشام عينيه، وأسند ذقنه على قمة رأسها، يمرر يده الخشنة على خصلات شعرها الفاحم الناعم بحركة مهدئة لم يعرف أنه يتقنها يوماً.
كان يستنشق رائحتها الطفولية، ويشعر بنبضات قلبها السريعة كعصفور يحتضر. همس في أذنها بصوت أجش، دافئ، خالي من أي قسوة:
"اهدي... اهدي يا لؤلؤ. مش هسيبها تموت. صدقيني، هعمل المستحيل عشان تعيش."
لم تكن مجرد كلمات لتهدئتها، بل كان وعداً قطعه على نفسه، وعداً من هشام الشافعي الذي لا يخلف وعوده أبداً.
بمجرد أن توقفت السيارة أمام المستشفى الخاص الفاخر، الذي نقلت إليه والدتها بتعليمات من هشام، فتح هشام الباب وانطلق ساحباً لؤلؤ خلفه، محاطاً بحرسه الشخصي الذي أفسح لهما الطريق عبر الممرات المعقمة.
كان مدير المستشفى وكبار الأطباء يقفون في انتظاره أمام غرفة العناية المركزة، وجوههم مكفهرة وتنذر بالأسوأ.
"فينها؟ إيه اللي حصل؟" سأل هشام بصرامة وهو يرمقهم بنظرة قاتلة.
تقدم كبير الأطباء بتوتر: "هشام بيه... إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه. المريضة قلبها وقف مرتين، وعملنا إنعاش، بس للأسف عضلة القلب ضعيفة جداً، والحالة متأخرة. هي دلوقتي بين الحياة والموت، وفاقدة الوعي تماماً."
صرخت لؤلؤ صرخة مدوية كادت أن تمزق حنجرتها، وحاولت الاندفاع نحو باب العناية المركزة، لكن الممرضات حاولن منعها.
"أبعدوا عنها!" زأر هشام زأرة أرعبت الجميع، ودفع الممرضات بعيداً، ثم أمسك بيد لؤلؤ. "افتحوا الباب، هتدخل تشوف أمها دلوقتي حالاً."
"بس يا فندم التعقيم و..." حاول الطبيب الاعتراض، لكن نظرة واحدة من عيني هشام جعلته يبتلع بقية كلماته ويفتح الباب فوراً.
دخلت لؤلؤ غرفة العناية، وخطواتها ثقيلة وكأنها تسير في الوحل. الأجهزة الطبية تملأ المكان، وأسلاك كثيرة تتصل بجسد والدتها الهزيل الممدد على السرير. كان صوت جهاز مراقبة نبضات القلب هو الصوت الوحيد الذي يكسر صمت الغرفة، نبضات بطيئة، ضعيفة، متقطعة.
انهارت لؤلؤ على ركبتيها بجوار السرير، وأمسكت بيد والدتها الباردة والمجعدة، ودفنت وجهها فيها، تبكي بحرقة أدمت قلب هشام الذي كان يقف متسمراً عند الباب يراقب المشهد.
"أمي... قومي ياما، عشان خاطري متسبينيش لوحدي." همست لؤلؤ بصوت متقطع. "أنا مليش غيرك في الدنيا دي، لو موتي أنا همو*ت وراكي. قومي ياما، أنا محتاجلك أوي."
كان المشهد قاسياً لدرجة أن هشام، الرجل الذي لا يقهر، شعر بغصة مريرة تسد حلقه. هو السبب. هو من حاصرها في قصره، هو من منعها من رؤية والدتها في ساعاتها الأخيرة بسبب كبريائه وخوفه من الفضيحة. لقد أخذ منها أغلى ما تملك.
فجأة، تحركت أصابع والدة لؤلؤ بضعف شديد. رفعت لؤلؤ رأسها بسرعة، ورأت جفني والدتها يرتجفان ثم يفتحان ببطء شديد.
"أمي! أمي إنتي سمعاني؟" صرخت لؤلؤ بفرحة ممزوجة بالبكاء.
حركت الأم عينيها المتعبتين في أرجاء الغرفة، حتى استقرت على لؤلؤ. ابتسمت بضعف شديد، وحاولت التحدث، لكن صوتها كان مجرد حشرجة خافتة.
"لؤلؤ... يا بنتي..."
ثم التفتت عينا الأم بصعوبة نحو الباب، حيث يقف هشام بهيبته وطوله الفارع، يراقب بصمت.
لم تكن الأم تعرف هشام الشافعي، ولم تعرف حقيقة ما حدث لابنتها. كل ما قيل لها في المستشفى أن ابنتها تزوجت من رجل أعمال ثري تكفل بعلاجها وأنقذهم من الفقر.
أشارت الأم بإصبعها المرتجف نحو هشام. "ده... جوزك؟"
نظرت لؤلؤ إلى هشام، ثم إلى والدتها، ولم تستطع أن تنطق بكلمة، فاكتفت بالإيماء برأسها والدموع تنهمر كالسيل. بقلم الكاتبه نور محمد
تقدم هشام بخطوات بطيئة حتى وقف في الجهة المقابلة للؤلؤ. انحنى قليلاً نحو السرير، ونظر إلى وجه المرأة المريضة.
"أيوه يا أمي... أنا جوزها." قال هشام بصوت دافئ، مليء بالاحترام، لم تستخدمه حنجرته من قبل.
ابتسمت الأم بارتياح، وكأن جبلاً انزاح عن صدرها. مدت يدها الأخرى بضعف شديد نحو هشام. أمسك هشام بيدها النحيلة والمجعدة بيده الكبيرة والقوية.
"أمانة في رقبتك يا ابني..." همست الأم بصوت يتقطع مع كل نفس. "لؤلؤ غلبانة... ملهاش حد غيرك دلوقتي... حافظ عليها... أوعى تزعلها... خليك حنين عليها..."
شعر هشام وكأن سكيناً يمزق أحشاءه. هذه المرأة تسلمه أغلى ما تملك، تعتقد أنه المنقذ، بينما هو الجلاد الذي دمر حياة ابنتها. نظر إلى عيني لؤلؤ اللتين كانتا تنظران إليه بتوسل وانكسار، طالبة منه ألا يكسر قلب والدتها في لحظاتها الأخيرة.
ابتلع هشام ريقه بصعوبة، وشد على يد الأم بلطف. "في عيني يا أمي... أوعدك، هحافظ عليها بروحي، ومحدش هيقدر يمس شعرة منها طول ما أنا عايش."
ابتسمت الأم ابتسامة واسعة، وأغمضت عينيها بارتياح تام. "دلوقتي... أقدر أرتاح..."
وفجأة... تحولت النبضات البطيئة على شاشة الجهاز إلى خط مستقيم.
دوى الصوت المرعب في أرجاء الغرفة. انتفضت لؤلؤ، واتسعت عيناها بصدمة. "أمي؟... أمي ردي عليا! لااااااااااا!"
اقتحم الأطباء والممرضات الغرفة مسرعين.
"قلبها وقف! جهزوا الصدمات الكهربائية!" صرخ الطبيب وهو يبدأ في تدليك قلب المريضة بقوة.
"ابعدوا لو سمحتوا! لازم تخرجوا بره!" صرخت ممرضة وهي تحاول سحب لؤلؤ بعيداً عن السرير.
كانت لؤلؤ تقاوم بضراوة وحشية، تتشبث بملابس والدتها وتصرخ بهيستيريا جنونية. "سيبوني! أمي مماتتش! أمي هتصحى دلوقتي! أبعدوا عنها!"
تقدم هشام بسرعة، وأحاط خصر لؤلؤ بذراعيه، ورفعها عن الأرض تماماً ليسحبها إلى الخلف بعيداً عن الأطباء الذين يصارعون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
"سيبني يا هشام! سيبني أروحلها!" كانت تصرخ وتتلوى بين ذراعيه كسمكة تخرج من الماء، تضرب صدره ووجهه بكل ما أوتيت من قوة، لكنه لم يفلتها. سحبها بقوة إلى خارج الغرفة، وأغلق الباب الزجاجي خلفهما.
في الممر، انهارت قواها تماماً، فسقطت على ركبتيها، وسقط هو معها ليظل محتضناً لها. نظرت إليه بعينين حمراوين كالجمر، مليئتين بكراهية لم يرها من قبل.
"إنت السبب!" صرخت في وجهه بصوت مبحوح، وهي تضرب بقبضتيها المرتجفتين على صدره الصلب. "إنت اللي بعدتني عنها! إنت اللي حبستني عشان خايف على شكلك قدام الناس! إنت قاتل! قتلت أمي! قتلتني!"
توالت ضرباتها على صدره، ولم يحاول إيقافها. تقبل غضبها، ألمها، وانهيارها، لأنه يعلم في قرارة نفسه أنها محقة. هو من ظلمها، هو من أخذها من عالمها البسيط ليزج بها في جحيمه.
وعندما خارت قواها تماماً، وتوقفت يداها عن ضربه لتتدلى بجانبها، انفجرت في نوبة بكاء ممزقة، بكاء طفلة فقدت مأواها الوحيد في هذا العالم الموحش.
لم يجد هشام كلمات ليواسيها، فكل كلمات الأرض لن تعيد لها أمها. فعل الشيء الوحيد الذي أملاه عليه قلبه في تلك اللحظة المجنونة.
أحاطها بذراعيه بقوة، وسحبها نحو صدره، دافناً وجهها في تجويف عنقه، ولف ذراعيه حول جسدها الضئيل وكأنه يحاول إدخالها بين ضلوعه ليحميها من ألم العالم كله.
بكت لؤلؤ في حضنه حتى غابت عن الوعي من شدة الإرهاق والصدمة. حملها هشام بين ذراعيه، ونظر من خلال الزجاج ليرى الطبيب يهز رأسه بيأس ويعلن وقت الوفاة.
نظر هشام إلى وجه لؤلؤ الشاحب والفاقد للوعي بين ذراعيه. لقد أصبحت وحيدة تماماً. لا أهل، لا سند، لا أحد سوى هذا الرجل الذي دمر حياتها، والذي أقسم للتو أمام والدتها أنه سيحميها بروحه.
بعد مرور أسبوع على الجنازة.
عاد القصر إلى هدوئه الموحش. كانت لؤلؤ تقضي أيامها محبوسة في جناحها، ترفض الطعام، ترفض الحديث، وترفض حتى النظر في المرآة. كانت تعيش كشبح باهت، عيناها جافتان من الدموع، ولكن روحها تنزف بصمت.
أما هشام، فقد كان يعيش في جحيم من نوع آخر. ألغى كل اجتماعاته، وترك إدارة شركاته لعادل، واكتفى بالجلوس في مكتبه لساعات طويلة، يشرب بنهم، ويراقب كاميرات المراقبة الموزعة في جناح لؤلؤ.
كان يراقبها وهي تجلس بالساعات تنظر إلى الفراغ، ويشعر بأن كل نظرة من عينيها الفارغتين هي خنجر يغوص في صدره.
حاول التقرب منها مرات عديدة، حاول الحديث معها، أرسل لها أفخم الهدايا والمجوهرات، لكنها لم تكن ترد عليه، كانت تنظر إليه وكأنه هواء، وكأنها تعاقبه بالصمت القاتل.
في تلك الليلة الكئيبة، كان هشام يجلس في مكتبه، يراقبها عبر الشاشة وهي نائمة على سريرها الضخم، تبدو صغيرة جداً وضعيفة تحت الأغطية الحريرية.
رن هاتفه الخاص الذي لا يعرف رقمه سوى المقربين جداً. التقط الهاتف بانزعاج، ليجد اسم "عادل" يضيء الشاشة.
"أيوه يا عادل، في إيه؟ أنا مش قولتلك مش عايز دوشة شغل اليومين دول؟" قال هشام بصوت غاضب وأجش.
"مش شغل يا هشام." كان صوت عادل يرتجف بتوتر شديد. "أنا لسه قافل مع رئيس طاقم الأمن والمحققين اللي شغلناهم عشان يعرفوا مين اللي سرب الفيديو وحطلك المخدر في الحفلة."
اعتدل هشام في جلسته، واشتعلت عيناه بنار الانتقام. طوال الأيام الماضية، كان غضبه مكبوتاً، يبحث عن الفاعل ليمزقه إرباً.
"عرفت مين ابن الكلب اللي عمل كده؟ انطق!" زمجر هشام.
صمت عادل لثوانٍ بدت كعذاب، ثم ابتلع ريقه وقال بصوت خافت: "هشام... اللي دبرت كل ده... اللي حطت المخدر في الكاس، واللي دفعت لرجالتك عشان يحبسوا البنت دي معاك في الأوضة، واللي صورت الفيديو وسربته للصحافة... هي..."
سقط الهاتف من يد هشام ليصطدم بالمكتب محدثاً دوياً مكتوماً. اتسعت عيناه بذهول وصدمة زلزلت كيانه. ووو
السادس من هنا