📁 آخر الروايات

رواية عمر الراسني وياسمين الفصل الرابع 4

رواية عمر الراسني وياسمين الفصل الرابع 4




أعاد عمر نظره سريعًا، ووضع الملعقة جانبًا ثم نهض قائلًا: "لدي أمر أحتاج إلى معالجته، كُلوا أنتم."
لم يلتفت إلى ياسمين مرة أخرى، وصعد الدرج بخطوات واسعة.
كانت ياسمين قد التقطت للتو تلك النظرة الغامضة منه، فلم تستطع أن تفهم مقصده، لكن القلق تسلل إلى قلبها.
متى ينوي عمر أن يخبر جدته بالأمر؟
تمتمت رنا بجانبهما وهي تشد شفتيها: "حتى أخي فقد شهيته، إذن أنا أيضًا لن آكل."
ثم ذهبت لتلعب ألعاب الفيديو.
أما ياسمين فبقيت هادئة، تكمل طعامها غير مبالية بنظرات الآخرين.
فما حاجتها أن تستهلك نفسها داخليًا؟
بعد انتهاء العشاء، أمسكت الجدة بيد ياسمين وتنهدت بأسى: "يا ابنتي، عمر بطبعه هكذا، لكنني أعرف أنكِ مظلومة. اطمئني، فأنا دائمًا في صفكِ، ولن أسمح له أن يخذلكِ."
نظرت ياسمين إلى ملامح القلق على وجه العجوز، فشعرت بغصة في قلبها. لطالما عاملتها الجدة بحنان، وسعت أن تساعدها على تدفئة قلب عمر، على أمل أن يعيشا حياة مستقرة.
لكن...
لم يعد بإمكانهما الاستمرار.
فهو قد منح قلبه وجسده لامرأة أخرى. وياسمين لم تعد تريد أن تعيش على فتات علاقة باردة. وفوق ذلك، فإن مرضها كقنبلة موقوتة، ولا تريد أن تكون عبئًا على أحد.
قالت وهي تأخذ نفسًا عميقًا: "جدتي، في الحقيقة عدت اليوم لأخبركِ بأمر. أريد أن أنادي عمر ليكون معنا حين أخبركِ به."
ثم صعدت مسرعة إلى الأعلى، هاربة من مواجهة عيني العجوز المليئتين بالعطف.
وصلت أمام غرفة نومها القديمة مع عمر، وطرقت الباب بأدب.
فهي تريد أن تتحدث معه بصراحة عن مسألة الطلاق.
لكن لم يصلها أي رد.
طرقت مرة أخرى، ولا شيء.
ترددت لحظة، ثم دفعت الباب بهدوء قائلة: "عمر؟"
خطت خطوتين إلى الداخل، وفجأة وقعت عيناها على المشهد عند النافذة الكبيرة، كان واقفًا وظهره نحوها، وفي يده الهاتف، وعلى الشاشة وجه ليلى يبتسم. وكانا يتحدثان عبر مكالمة فيديو، كعاشقين في بداية قصة حب.
التفت عمر، وعلى وجهه ابتسامة دافئة وهو يكلم ليلى، لكنها اختفت في اللحظة التي رأى فيها ياسمين.
لم يحاول إخفاء مكالمته مع ليلى.
تجمدت خطوات ياسمين في مكانها، وشعرت وكأن قلبها انقبض بقوة حين التقت عيناها ببرودة عينيه. قال ببرود يصعب تمييز نبرته: "أين آدابكِ الأساسية؟ ألا تعرفين أن تطرقي الباب؟"
رغم أنها مصممة على الطلاق، إلا أنها لم تستطع أن تكون غير مبالية تمامًا أمام زوجها لثلاث سنوات.
نظرت إليه بثبات وردت بهدوء: "أتظن أنني أتجسس عليك مجددًا؟ مرة في جبل الصفاء، والآن أيضًا؟"
قطب عمر حاجبيه.
وفجأة، فُتح الباب، وأمسكت رنا بمعصم ياسمين قائلة: "لماذا دخلتِ غرفة أخي؟ تعالي معي."
وسحبتها دون نقاش إلى غرفة الضيوف المقابلة، ثم فتحت يديها على جانبي الباب لتمنعها من الدخول قائلة: "لدي مسائل صعبة أحتاج أن يشرحها لي أخي، الليلة سيكون مشغولًا جدًا، فاذهبي للنوم وحدكِ."
ثم أغلقت الباب وركضت.
بقيت ياسمين واقفة في الغرفة المظلمة لحظة طويلة، قبل أن تحرك أطرافها المتصلبة ببطء.
رنا ما زالت صغيرة، وأفكارها واضحة على وجهها.
لم يكن لديها أي مسائل دراسية.
بل كانت تحاول أن تمنعها من الاقتراب من عمر، خشية أن يكونا معًا في غرفة واحدة.
لم تجد ياسمين سوى الصمت والانتظار. لكن موضوع الطلاق لا بد أن يُطرح على الجدة، وعليها أن تعرف أولًا ما ينوي عمر فعله. عند العاشرة مساءً، حان وقت دوائها.
فتحت باب الغرفة ونزلت لتشرب الماء.
وعند منعطف الدرج، سمعت صوت رنا المرح من عند المطبخ: "اطمئني يا زوجة أخي، لن أسمح لياسمين أن تحاول الاقتراب منه، سأدافع عن حبكِ وحب أخي حتى النهاية!"
توقفت خطوات ياسمين.
ثم جاءها صوت ليلى من الهاتف، وهي تضحك بخفة، مليئة بالثقة والاطمئنان: "أخوكِ لن يفعل ذلك أبدًا، لم أقلق يومًا من هذه الأمور."
أخفضت ياسمين جفنها، وبقيت صامتة، لا تريد أن تقاطع تبادل الأخبار بينهما.
وبعد أن أخذت رنا مشروبها عادت إلى غرفتها.
أما ياسمين فسكبت الماء وتناولت دواءها، ثم توجهت مباشرة إلى غرفة عمر، وهذه المرة طرقت الباب بقوة. انطلق صوت من الداخل يقول ببرود: "تفضلي."
دفعت ياسمين الباب، فرأت عمر قد أنهى استحمامه وبدّل ملابسه، واقفًا بظهره نحوها وهو يتصفح هاتفه.
تقدمت بخطوات حذرة، فرأت على السجادة بجوار الفراش معطفه الرسمي ملقى على الأرض، فانحنت تلقائيًا لتلتقطه له.
استدار عمر في تلك اللحظة، وألقى نظرة على المعطف بين يديها، فعقد حاجبيه وقال بنبرة حادة: "لا تلمسي ملابسي بعد الآن."
كانت ياسمين في الماضي هي التي تكوي ملابسه بيديها، لذلك ظن عمر أنها تنوي أخذه لتعني به كالعادة.
عضت شفتيها، ثم ألقت المعطف على الفراش قائلة: "متى سنـ..."
قاطعها ببرود وهو ينظر إلى ساعته: "نامي أولًا." ثم غادر الغرفة بخطوات سريعة، غير مكترث بما كانت تريد قوله أو أهميته.
لم تتوقع ياسمين أن يغادر بتلك العجلة، ولم تُتح لها الفرصة لتتحدث معه بوضوح عن مسألة الطلاق.
ولم تجد سببًا لعجلته سوى شخص واحد... ليلى. فلا أحد غيرها قد يدفعه لمغادرة البيت بتلك السرعة.
وصل إلى مسامعها صوت بوق سيارة من الطابق السفلي، ثم رنّ هاتفها برسالة صوتية من وائل عبر واتساب.
"بعد غدٍ مساءً، تعالي معي إلى حفل عشاء رسمي، سيحضره كبار الشخصيات في المجال. وسيكون من الجيد لكِ أن تبني بعض العلاقات هناك."
أجابت بإيجاز: "حسنًا." ثم أخذت بعض الملابس من الخزانة وعادت إلى غرفة الضيوف لتخلد إلى النوم.

في اليوم التالي،
علمت جدة عمر أنه غادر البيت ليلًا فغضبت بشدة، ولم تهدأ إلا بعد أن هدّأتها ياسمين، ثم ذهبت الأخيرة إلى شركة الريادة للابتكار والتكنولوجيا.
كانت قد أصبحت على دراية تامة بكل ما يخص الشركة، فراجعت الملفات الضرورية ورتّبت النقاط التقنية وقدمتها لمهندس القسم الرئيسي سالم البكري.
ولم يكد يصدّق أن ياسمين أنجزت خلال ثلاثة أيام فقط قراءة أكوام من الملفات وقدمت له تقريرًا تقنيًا ذا قيمة عالية، فاندهش بشدة.
قال سالم بدهشة: "حقًّا فعلتِ هذا كله بمفردكِ؟"
ابتسم وائل ابتسامة ذات معنى وقال: "وهذا لا شيء بعد. أتدري كم كانت مطلوبة ذات يوم؟ الجامعات المرموقة داخل البلاد وخارجها كانت تتسابق عليها. لو اجتهدتْ خمس سنوات أخرى، لما بلغتَ مستواها قبل أعوام."
تجمد سالم من الدهشة ولم يصدق تمامًا، وقال بتردد: "هل تمزح يا سيد وائل؟ أنت من الصف الأول في البلاد، أنقصد أنها تفوقكِ؟ أهي خارقة؟"
اكتفى وائل بالابتسام دون تعليق.
فلولا أن ياسمين كانت موهبة نادرة في جيلها، لما أغضب والد وائل نفسه حتى اضطر لتناول أدوية ضغط الدم حين قررت الانسحاب من الأوساط الأكاديمية والزواج.
يا للأسف، فهناك دائمًا من يخلط بين اللؤلؤ والزجاج المزيف.
كان الحفل يتطلب مظهرًا رسميًا أنيقًا، لكن ياسمين لم تمتلك فستانًا فخمًا. فخلال ثلاث سنوات من زواجها السري بعمر لم تتح لها فرصة لذلك. الفستان الوحيد الذي تملكه كان هدية عيد ميلاد من الجدة العام الماضي، فستان حريري أخضر داكن بتصميم ذيل السمكة.
وكانت الجدة قد أهدت عمر أيضًا بدلة رسمية بأزرار خضراء من حجر الزمرد، لتتطابق مع فستانها كطقم ثنائي.
لكنها لم تجد مناسبة لترتديه، كما أن عمر لم يلبس تلك البدلة قط. كان وجه ياسمين يبدو شاحبًا من دون مكياج، لذا وضعت قليلًا من أحمر الخدود لتخفي إرهاقها، ثم ذهبت إلى الحفل مرتدية ذلك الفستان.
وحين رآها وائل، لم يتمالك نفسه من الإعجاب قائلًا بابتسامة خفيفة: "الليلة تبدين كأنكِ شخص آخر، أنيقة بحق."
ابتسمت ياسمين وقالت: "وأنت أيضًا تبدو وسيمًا الليلة يا وائل."
ضحك وائل بثقة وقال: "أي شخص بعينيه السليمتين سيرى ذلك. تصرفي بذكاء الليلة، فكل الحاضرين من كبار المجال. إن كسبتِ بعض العلاقات، فقد ثبتّ أساسكِ."
وضعت ياسمين يدها على ذراعه وأخذت نفسًا عميقًا قائلة: "أفهم تمامًا."
كانت تعلم أن هذا العشاء رسمي للغاية وأهميته لا تُقدّر بثمن.
فحتى وإن كانت هي العقل وراء مشروع يو إن الثاني، إلا أنها تمثّل اليوم شركة الريادة.
أما وائل فكان نجم هذا الوسط، ووالده الدكتور حازم المطيري حد أبرز علماء معهد الفضاء والطيران الوطني، لذا لم يكن أحد يجرؤ على تجاهله.
وخلال تبادل الأحاديث والمجاملات، كان يحرص وائل على تقديم ياسمين قائلًا: "هذه ياسمين الحليمي، العبقرية التقنية الجديدة التي ضمتها شركتنا مؤخرًا."
كان الحاضرون ينظرون إليها بابتسامة ظاهرها الود، وباطنها التقييم والفضول.
فالدعوة إلى هذا الحفل كانت محدودة، ولم يُدْعَ إليه سوى نخبة النخبة، لذلك رأى البعض أن حضور وائل بصحبة شابة جميلة يسيء إلى رصانته المهنية.
تساءلوا في سرهم: كيف يغامر بهذا المورد الثمين ويمنحه لامرأة؟
ولم يسمع أحد باسمها من قبل، فكيف تكون عبقرية؟ ربما وائل يرفع شأن رفيقته فحسب. قال أحد الحاضرين بأدب: "تشرفنا بلقائكِ يا آنسة ياسمين."
لكنهم لم يتحدثوا معها في أي شأن مهني؛ اكتفوا بالتحية ثم التفتوا يتناقشون مع وائل حول مستقبل الصناعة وإصلاح التكنولوجيا.
في هذا المجال يغلب الرجال، ومن الطبيعي أن يقلّ اهتمامهم بالنساء. فالتحيّز يسبق المنطق دائمًا.
كانت ياسمين تتوقع مثل هذا الموقف، فحافظت على هدوئها، واكتفت بالاستماع إلى أحاديثهم دون أن تبدي أي انفعال.
ثم قال وائل وهو يلتفت نحوها: "هل ترين ذلك الرجل هناك، الذي يرتدي بدلة رمادية؟ إنه مسؤول بدرجة مدير عام، ومعرفة توجهاته في السياسات القادمة أمر مهم جدًا، علينا أن نترك لديهم انطباعًا جيدًا الليلة."
تفاجأت ياسمين من مستوى الشخص الذي أشار إليه، وأدركت حينها مدى أهمية هذه الأمسية. سار بها وائل نحوه، وما إن رآه الرجل حتى ابتسم قائلًا: "السيد وائل، مضى وقت طويل منذ آخر لقاء بيننا."

وقبل أن يقدم وائل ياسمين، سُمِعَ صوت حركة عند مدخل القاعة.
التفتت ياسمين، فرأت ليلى تدخل وهي تمسك بذراع عمر بخطوات واثقة وأناقة لافتة، تتبادل التحية مع الحاضرين.
بمجرد ظهور عمر، تغيّر جو القاعة، وهرع كبار الحاضرين نحوه بابتسامات وترحيب واضح.
لم تستطع ياسمين إلا أن تتابع بعينيها ما يرتديانه.
كانت ليلى ترتدي فستانًا طويلًا باللون الأخضر القريب من لون فستان ياسمين، مرصّعًا بقطع ألماس صغيرة متفاوتة الحجم عند العنق، تتلألأ تحت الأضواء.
أما عمر، فكان منديل جيب سترته بنفس لون قماش فستان ليلى، في انسجام صامت وواضح بينهما. استعراض أنيق لعلاقة معلنة.
أما ذلك الطقم الرجالي الذي صُمِّم ليتناسب مع فستانها هي، فلم يرتدِه عمر يومًا.
ابتسمت ياسمين بسخرية خفيفة، وبدأ بصرها يضطرب، لا تدري أتبكي على ثلاث سنوات كانت فيها مجرد نكتة، أم على نفسها التي لم تعرف قيمتها.
نظر إليها وائل، ورغم أنها لم تُظهر أي انفعال، شعر بانقباض في صدره.
وسرعان ما لاحظ الاثنان أن عمر وليلى يتجهان نحوهما.
تجهم وائل قليلًا، وقد فهم ما ينوي عليه عمر.
عندما اقترب عمر، ألقى نظرة سريعة على ياسمين، وتوقّف للحظة حين لمح فستانها، ثم تابع حديثه بهدوء.
لاحظت ياسمين تلك النظرة، وأدركت أن لون فستانها المشابه جعلها تبدو وكأنها دخيلة على المشهد.
رمقت ليلى ياسمين بنظرة عابرة، ثم وجهت اهتمامها نحو وائل والرجل المسؤول.
قال عمر بابتسامة رسمية: "السيد رائد النصار، السيد وائل."
فسأله السيد رائد: "ومن ترافقك يا سيد عمر؟"
أجاب عمر بهدوء: "ليلى السويدي، متخصصة في أبحاث الطيران، عادت لتوّها من الخارج بعد حصولها على الدكتوراه. إنها من الكفاءات النادرة."
قدّم ليلى بثقة، دون أن يلتفت إلى ياسمين أو يوجه لها كلمة واحدة، وكأنه لا يعرفها.
وكأنه يتعمد أن يقطع كل صلة بها.
قال السيد رائد بدهشة: "بهذا العمر الصغير؟"
ابتسمت ليلى بأدب: "تبالغ في لطفك يا سيد رائد."
أبدى السيد رائد اهتمامًا أكبر وقال: "ما رأيكِ أن نجلس لاحقًا لنتحدث عن أفكاركم؟ أود أن أستمع إليها."
وبفضل توصية عمر، لم يجرؤ أحد على التقليل من شأنها.
بل بدا للسيد رائد أن من تحظى بتقدير عمر، لا بد أن تكون متميزة.
كان السيد رائد في مزاج جيد، فودّع وائل قائلًا: "سأمرّ إليكم لاحقًا لنتحدث أكثر."
أجابه وائل بابتسامة، لكن ما إن غادر السيد رائد حتى تغيّر وجهه قليلًا.
ما الذي يفعله عمر؟
هل تعمّد أن يقطع عليه الطريق؟
كان على وشك تقديم ياسمين لتكسب فرصة الظهور مجددًا، فإذا بعمر يدخل مع ليلى ويخطف الأضواء كلها!
قال عمر بنبرة هادئة: "أنت تعلم يا سيد وائل أن الكفاءات المتميزة نادرة، وما زال اقتراحي السابق قائمًا. فكر بالأمر مجددًا، ليلى لن تخذلك."
نظرت ليلى إلى ياسمين نظرة خفيفة ثم قالت: "سأحقق لك يا سيد وائل أفضل النتائج الممكنة."
لم يكن وائل يتوقع أن يُظهر عمر هذا القدر من الاهتمام بليلى، ولا أن يتجاهل ياسمين تمامًا أمام الجميع.
حينها أدرك كم هو صعب موقفها.
لكن بما أن الجميع يحافظ على المظاهر، أجاب بلباقة: "بالطبع، الآنسة ليلى متميزة، وسأنظر في الأمر بعناية."
ففي هذا الوسط، تُقال المجاملات أكثر مما تُنفّذ الوعود.
ربما فهم عمر المعنى من كلامه، فألقى نظرة جانبية نحو ياسمين، وكأنه يقول:
"ها قد جعلتِه يصغي إليكِ، أليس هذا ما أردتِ؟"

تجهمت ياسمين قليلاً، لكن عمر كان قد صرف بصره، وغادر مع ليلى نحو مجموعة أخرى من الحاضرين، حيث التف حولهما الجميع بحماس وترحيب.
ازدادت الأجواء دفئاً حولهما، بخلاف البرود الذي واجهته ياسمين.
اختلت الخطة.
فبوجود عمر، أصبحت ليلى محور الاهتمام، والكل يسعى للتقرب منها.
أما ياسمين، فمهما بلغت كفاءتها، فلن يضحي أحد بفرصة التقرب من عمر لأجل التعرف إليها.
لم تكن ياسمين تتوقع هذا الموقف، لكنها وجدته منطقياً. فمثل هذا الحفل المهم، كيف يمكن لعمر أن يفوت فرصة تلميع ليلى؟ ولكن...
قالت بهدوء: "آسفة يا وائل، أرهقت نفسك بلا جدوى."
كانت تشعر أن الخلافات بينها وبين عمر وليلى جعلت وائل يبذل جهداً بلا فائدة. فدفعها إلى الواجهة كان سيعود بالنفع على شركة الريادة للابتكار والتكنولوجيا، لكن عمر لم يمنحها تلك الفرصة.
قطب وائل حاجبيه وقال: "لا بأس، مقعدنا بجانب السيد رائد، لا تزال هناك فرصة للحديث معه، أما العلاقات الأخرى فستأتي فرص كثيرة لاحقاً."
لكن...
حين كانا يستعدان للجلوس، أبلغ أحد الموظفين ياسمين قائلاً: "نعتذر يا آنسة ياسمين، حدث تغيير في عدد الضيوف، وتم نقل مقعدك مؤقتاً إلى الطاولة الثانية، نرجو تفهمك."
رفعت ياسمين نظرها، فرأت أن المقعد الذي كان مخصصاً لها في الصف الأول قد جلست فيه ليلى بالفعل.
وبجانبها كان عمر يحتسي الشاي بهدوء، دون أن يمنحها حتى نظرة واحدة.
ذلك المقعد الذي كان من حقها، سلبه منها بسهولة ودون أي شعور بالذنب، ليقدمه لليلى.
نظرت إلى الموظف الذي كان يحمل في عينيه اعتذاراً صادقاً، فقالت بابتسامة خفيفة: "لا بأس."
أما وائل فكان في الصف الأول محاطاً بعدد من الشخصيات المهمة، ولم يعلم بما جرى، وياسمين لم ترغب بإثارة أي ضجة. فهي تعلم أن وجود وائل في الصف الأول أمر مستحق، فمكانته وقدراته تؤهله لذلك، فضلاً عن أن والده حازم المطيري هو أحد كبار علماء معهد الفضاء والطيران الوطني.
أما هي، فلم تكن سوى شخصية مغمورة أحضرها وائل معه. وكان واضحاً للجميع أن عمر تعمد وضع ليلى في الصف الأول ليُظهر دعمه لها، ومن الطبيعي أن يرضخ الجميع لرغبته.
أما ياسمين، التي ظنوها مجرد "موظفة صغيرة" في شركة وائل، فلا أحد يكترث بخسارتها.
لم تعرف ياسمين ما الذي تشعر به بالضبط.
لقد أمضت الليل والنهار تحضر لما ستقوله الليلة، وكانت تنوي الحديث مع أشخاص بمستوى السيد رائد، لكن الفرصة ضاعت.
جلست في مكانها، لتكتشف أن فارس يجلس على نفس الطاولة.
رفع فارس رأسه عن هاتفه ونظر إليها، يتفحص فستانها المشابه لفستان ليلى، ثم ابتسم بسخرية غامضة قبل أن يعود إلى هاتفه.
كان يفكر: مثير للاهتمام... ألم تأتِ ياسمين لتخريبهما، بل للانضمام إليهما؟ فليلى وعمر يرتديان ملابس متناسقة، وياسمين جاءت بفستان من نفس اللون؟ يا للسخرية!
لكن ياسمين لم تكترث لنظرته، وتجاهلته تماماً.

حين خفتت الأضواء، نهضت متجهة إلى دورة المياه.
كانت حرارة القاعة منخفضة جداً، فشعرت بالبرد، ولمست جبينها لتجد حرارة خفيفة، وكان الألم في بطنها يزداد حتى بدأت خطواتها تترنح. أرادت فقط أن تجد مكاناً هادئاً لتستريح قليلاً.
لكنها لم تتوقع أن تصادف إياد عند باب دورة المياه.
كانت متعبة جداً، فتجاهلته ومضت إلى الداخل، لكن حين مرت بجانبه، اشتد الألم فجأة حتى كادت تسقط.
مد إياد يده بسرعة ممسكاً بذراعها: "هل أنتِ بخير؟"
سحبت يدها فوراً وقالت ببرود: "شكراً."
نظر إليها متأملاً وقال: "هل لديكِ مشكلة معي؟" وكأنه لم يعد موجوداً بالنسبة لها!
توقفت ياسمين ونظرت إليه بجدية: "نعم، لا أحبكم." كانت صراحتها قاطعة.
تجمد إياد في مكانه، وقد بدا عليه الذهول.
حتى بعد أن اختفت عن ناظريه، ظل واقفاً لا يدرك ما حدث، إلى أن جاءه صوت رجل عبر الهاتف يقول بنبرة عميقة: "هل أغضبت هذه السيدة؟"
رد إياد بعد لحظة صمت: "ربما..."
تذكر حين كان يعاملها بجفاء في الماضي، لكنها آنذاك لم تكن تهتم.
أما الآن، فقد تغيرت. لم تعد تلك الفتاة الهادئة اللطيفة، بل أصبحت باردة متحفظة، تنظر إلى الجميع بلا اهتمام.
شعر إياد بضيق في صدره.
فقال الرجل عبر الهاتف: "إذن تستحق ما حدث لك."
بعد أن أنهى وائل حديثه مع الضيوف، علم أن مقعد ياسمين قد أُعطي لليلى، التي كانت تتحدث بسعادة مع السيد رائد. ورغم انزعاجه، لم يكن من اللائق أن يتدخل أو يُظهر استياءه.
بحث عن ياسمين، فاتصل بها، لكنها لم تجب.
بدأ القلق يتسلل إليه، وكان على وشك أن يطلب من الموظفين البحث عنها، حين عاد إياد وقال بلامبالاة: "ذهبت إلى دورة المياه."
شعر وائل بالاطمئنان قليلاً.
أما فارس فاقترب من عمر وهمس له مبتسماً: "ألا ترى أن اهتمام السيد وائل بياسمين مريب؟ هل هي مجرد علاقة عمل؟"
حدق عمر بعينيه العميقتين دون أي تعبير، وكأنه لم يهتم بالأمر.
لكن إياد قال فجأة: "لا أظنها من ذلك النوع من النساء."
رفع فارس كتفيه وقال ساخراً: "ربما. لكنها كانت تتعلق بعمر لسنوات، كمن لا يرى غيره، حتى لو انتهى العالم، ما كانت لتتركه."

لم تكن ياسمين في حالة جيدة.
كانت حالتها الصحية غير مستقرة أصلاً، لكنها بذلت كل جهدها لتكون جاهزة من أجل هذه المأدبة، إلا أن حضور عمر مع ليلى بعثر كل توازنها.
بدأ جسدها يسخن بشدة، فأخرجت الدواء من حقيبتها وابتلعت حبتين آلياً، محاولة كبح الألم في أسفل بطنها.
وبعد وقت لا تدري كم مضى، لاحظت أخيراً اتصال وائل الثاني.
قالت بصوت ضعيف: "وائل؟"
فأجابها: "أين أنتِ؟"
نظرت إلى انعكاس وجهها الشاحب في المرآة وقالت: "في الخارج، سأعود حالاً."
قال: "هناك اجتماع نقاشي هنا، تعالي أولاً."
قالت: "حسناً، قادمة الآن."
أصلحت ياسمين مكياجها، وتأكدت من أن مظهرها لا يثير الشك، ثم خرجت.
في الاجتماع، كان السيد رائد من الشخصيات الرئيسية الحاضرة.
وعندما وصلت، رأت عمر يتحدث مع ليلى والسيد رائد بانسجام واضح.
عادت إلى جانب وائل، وما إن وجد فرصة مناسبة حتى اصطحبها للتقدم نحو السيد رائد.
أخيراً أُتيحت لياسمين فرصة الحديث معه، فاقترب وائل من أذنه وهمس ببضع كلمات.
نظر السيد رائد إلى ياسمين بنظرة مختلفة تماماً، وقال بدهشة خافتة: "أأنتِ...؟"
لكنه تدارك نفسه بسرعة بسبب سرية هويتها، وأضاف بإعجاب: "ليس غريباً أن يولي السيد وائل اهتماماً كبيراً بالآنسة ياسمين، يبدو أنني لم أقدر الأمور كما يجب."
ابتسمت ياسمين بلطف وقالت: "يشرفني التعرف إليك يا سيد رائد."
كان الحديث بينهما يسير بانسجام، مما لفت انتباه عمر ورفاقه.
نظرت ليلى إلى تلك الجهة أكثر من مرة، متسائلة في نفسها عن ماذا يمكن أن تتحدث ياسمين مع السيد رائد؟
ضحك فارس وقال وهو يرمق ليلى: "إنها تتصنع الثقة، لكنها لا تفهم في السياسات ولا في التقنية ولا جوهر شركة الريادة، ومع ذلك تجرؤ على الحديث معه."
ابتسمت ليلى بخفة دون أن تُعلق، فقد فهمت ما يقصده؛ كان يعني أن ياسمين تقلدها، بعدما رأت مدى انسجامها مع السيد رائد.
لم تهتم ليلى كثيراً بما تفعله ياسمين، واكتفت بالقول لعمر بصوت منخفض: "يا للأسف أن السيد حازم لم يحضر اليوم."
ابتسم عمر بخفة وقال: "طالما رغبتِ بذلك، فستأتي الفرصة قريباً."
فهمت قصده، وارتسمت على وجهها ابتسامة عذبة.
في الجهة الأخرى، شعر إياد بشيء غريب. نظر إلى ياسمين مطولاً ثم سأل عمر: "ألا تلاحظ أن ياسمين تتصرف بغرابة مؤخراً؟"
مرر عمر أصابعه على فنجان الشاي، متذكراً تصرفاتها الأخيرة: لم تعد تحب العودة إلى المنزل، ولا تطهو له كما كانت، ولا تتصل به أو تراسله على واتساب كما اعتادت.
لكنه لم يبدِ قلقاً، بل قال في نفسه إن مثل هذه الأمور لا تدوم طويلاً. فبعض الناس يتمادون لأن هناك من يعتاد تدليلهم. أما ياسمين، فهي دائماً عاقلة، وستعود في النهاية كأن شيئاً لم يحدث.
قال ببرود: "هل الأمر مهم فعلاً؟"
تفاجأ إياد بصمته ولم يُكمل الحديث.

وفي تلك الأثناء، وزّع الموظفون كتيبات تعريفية بمشروعات الشركات المشاركة، ومن بينها مجموعة القيسي.
ظل السيد رائد يتحدث مع ياسمين بصوت خافت، حتى سأل أحدهم فجأة: "الآنسة ياسمين، السيد سامي الدهري هو أخوكِ، أليس كذلك؟"
رفعت رأسها وقالت بهدوء: "نعم، هو كذلك."
فقال الرجل مبتسماً: "إذاً تأكد الأمر! سمعت أن السيد سامي على علاقة قوية بابنة عائلة القيسي، حتى إن السيد نواف القيسي سلّمه أهم أعمال الشركة. ويبدو أنه يعامله كصهر مستقبلي، هل هذا يعني أننا سنحضر قريباً حفل زفاف السيد سامي؟"
ترددت ياسمين، ولم تعرف كيف ترد. فقد تغير سامي كثيراً، ولم يعد يشاركها أخباره كما في السابق، وأصبحت تسمع عنه من الآخرين فقط.
هزّت رأسها قليلاً وقالت: "أنا... لست على علم بذلك."
ضحك الرجل قائلاً: "ألا تعرفين عن أخيكِ شيئاً؟ يبدو أنكِ تخفين الأمر عنا يا آنسة ياسمين!"
لم ترغب ياسمين في الخوض في موضوع سامي، فاختصرت الكلام وغيرت الموضوع بسرعة.
ثم وضعت يدها على بطنها الذي ما زال يؤلمها، وقالت لوائل بصوت منخفض: "سأذهب إلى الحمام قليلاً."
نظر إليها وائل بقلق وسأل: "هل أنتِ بخير؟"
فأجابت بهدوء رغم الألم: "أنا بخير." سحبت الكرسي وغادرت.
كانت تشعر بدوار شديد، ورأسها يثقل أكثر مع كل خطوة.
وأثناء مرورها قرب إحدى الطاولات، فقدت قوتها فجأة، ومال جسدها ليسقط، فاصطدمت بإبريق الشاي على الطاولة.
لكن ذراعين قويتين أمسكتا بها قبل أن ترتطم بالأرض.
تبع ذلك صرخات دهشة متتالية من الحاضرين.

شممت ياسمين رائحة مألوفة حتى أعماق عظامها، فرفعت رأسها بضعف ودهشة، لتلتقي بعيني عمر الداكنتين.
كان ينظر إليها بوجه خالٍ من التعبير تقريباً، تلك النظرة جعلتها تشعر بإحراج شديد، وكأنها هي من افتعلت ما حدث عمداً.
قالت وهي تعض على أسنانها محاولة النهوض، والعرق البارد يتصبب من جبينها: "عذراً..."
لكن الألم اجتاحها، وازدادت أطرافها ضعفاً.
قال عمر بصوت هادئ، لا بارد ولا دافئ، وكأنه غريب عن الموقف: "هل تحتاجين أن أساعدك على النهوض؟"
لاحظت ياسمين نظرات الحاضرين وقد تغير معناها، وكأنها تتصنع الموقف لتلفت انتباه أكثر الرجال نفوذاً في القاعة.
ابتسم فارس بسخرية وقال بصوت عالٍ: "الآنسة ياسمين، الرجل لديه حبيبة، أأصبحتِ عاجزة عن الحركة؟"
أما ليلى فكانت تنظر إليها بهدوء، دون غضب أو انفعال، وكأنها تتابع مشهداً مسلياً.
بينما إياد عقد حاجبيه، وقد شعر أن حالة ياسمين ليست على ما يرام فعلاً.
وقبل أن يتكلم، صاح فارس فجأة: "ليلى، هل احترقتِ؟"
في تلك اللحظة، شعرت ياسمين بدفعة قوية في ظهرها، فاختل توازنها وكادت تسقط، لكنها أمسكت بحافة الطاولة بصعوبة.
كان عمر قد استدار نحو ليلى، وعبست ملامحه الهادئة: "هل احترقتِ؟"
رفعت ليلى ذراعها البيضاء وقد احمرّ جزء منها، ونظرت إلى ياسمين قائلة: "لا بأس، ليست مشكلة كبيرة، لست من النوع الذي يبالغ."
لاحظت ياسمين التوتر الذي ارتسم على وجه عمر، لكنه لم يكن من أجلها، بل من أجل امرأة أخرى.
أعادت نظرها بهدوء، وعضت على شفتيها كي لا تنهار.
اقترب إياد منها دون أن تلاحظ، وعلى وجهه الوسيم نظرة قلق وقال: "هل أنتِ بخير حقاً؟ هل تحتاجين إلى المساعدة؟"
لكنها لم تعد تسمع بوضوح، واسودّ كل شيء أمام عينيها، ثم سقطت أرضاً.
"ياسمين!"
ترددت حولها أصوات عديدة، لكنها لم تميزها قبل أن تغيب عن الوعي.
وبسرعة البرق، حملها وائل بين ذراعيه وخرج مسرعاً، ملامحه متجهمة وقلقة.
عمت الفوضى المكان.
توقف إياد وقد كان يمد يده لمساعدتها، ثم سحبها بهدوء.
أما عمر فظل ينظر نحو الباب طويلاً، وعيناه الباردتان تخفيان عمقاً لا يُقرأ.
لاحظت ليلى شروده، فترددت لحظة، لكنها سرعان ما فهمت.
ياسمين ألقت بنفسها في حضنه أمام الجميع، محاوِلةً إعلان علاقتهما على الملأ، ولا شك أن جرأتها فاجأته.
قال فارس متجهماً: "ما هذا التصرف؟ ليلى كانت هنا، ومع ذلك ألقت بنفسها عليه؟"
وأضاف باستهزاء: "أعتقد أن الإغماء تمثيل، بعد أن تجاهلها عمر ولم تجد مخرجاً، أرادت أن تكسب تعاطف وائل. إنها ماكرة فعلاً."
لم تتكلم ليلى، لكنها لم تجد في كلامه خطأً يُذكر.
أرادت ياسمين أن تصيب هدفين بحجر واحد، لكن عمر تجاهلها، بينما وائل هو من وقع في الفخ. قال إياد فجأة وهو يفكر بعمق: "إنها لم تكن تتظاهر."
التفت الجميع نحوه، حتى عمر رفع نظره قليلاً.
وحين التفت نظرات إياد بنظرة عمر المتسائلة، تذكر فجأة تلك العبارة التي قالتها له ياسمين عند باب الحمام: "لا أحبكم". ساوره شعور غريب بالانزعاج وقال:
"رأيتها قبل أكثر من نصف ساعة خارج القاعة، وكان وجهها شاحباً جداً، أظنها مريضة فعلاً."
تجهمت ليلى قليلاً، وشعر فارس بالحرج، ثم قال: "لكن من بين كل الحاضرين، كيف سقطت تحديداً على عمر؟"
ثم التفت إلى إياد مستنكراً: "إياد، ما بك؟ هل بدأت تدافع عن ياسمين؟"
أجابه إياد وهو ينظر إلى عمر: "أنا فقط أقول الحقيقة."
أما عمر، فبعد ردة فعله الأولى، عاد إلى هدوئه التام.
لم يظهر عليه أي قلق تجاه ياسمين، بل نظر إلى ليلى وسألها: "هل ما زال مكان الحرق يؤلمك؟"
ابتسمت ليلى وقد شعرت باهتمامه: "لا، الأمر بسيط."
عقد إياد حاجبيه، وشعر بشيء غريب في صدره.
1

حمل وائل ياسمين إلى قسم الطوارئ في المستشفى.
كانت حرارتها 39.2 درجة. وحين استعادت وعيها، كان يجلس بجانبها ممسكاً بحاسوبه يعمل.
قال وهو يرفع رأسه نحوها: "استيقظتِ؟"
ثم أغلق الجهاز ونظر إليها بقلق: "أجريت لكِ تحاليل دم، والطبيب قال إن هناك اضطرابات كثيرة، ماذا فعلتِ بجسدكِ؟"
توترت ياسمين للحظة، لكنها حين رأت أنه لا يشك بشيء، أدركت أن الفحوص لم تكشف أي أمر خطير. قالت بهدوء: "أنا بخير، مجرد نزلة برد سببت الحمى."
تأمل وائل وجهها الشاحب، فاختلط في عينيه الغضب بالشفقة: "هل كان يستحق الأمر أن تضيعي ثلاث سنوات من عمركِ من أجله؟"
كان زواج ياسمين من عمر نتيجة سلسلة من الأحداث التي لم تترك لها خياراً آخر.
لم تستطع أن ترد على كلام وائل.
نهض وائل وقال: "سأذهب لأشتري لكِ ماءً، انتظريني هنا!"
نظرت ياسمين إلى المصل الذي أوشك على الانتهاء، وفكرت أن تنادي الممرضة لتزيل الإبرة.
لكن قسم الطوارئ كان مزدحماً للغاية، فنزلت من السرير ومشت بضع خطوات، ولم تجد أي ممرضة متفرغة، اتكأت على الجدار لتستريح.
وبالقرب منها، كانت امرأتان تتحدثان همساً:
"تخمّني من رأيتُ للتو؟ السيد عمر الراسني من مجموعة الراسني القابضة! جاء مسرعاً إلى المستشفى!"
ظنت ياسمين أنها سمعت خطأً.
عمر في المستشفى؟
هل يُعقل أنه جاء من أجلها؟
لكنها استبعدت ذلك تماماً، فهو لم يهتم بها يوماً.
وسرعان ما أضافت إحداهما: "جاء بصحبة امرأة جميلة جداً، وكان يبدو شديد القلق عليها."
كما توقعت تماماً.
لم تشعر ياسمين بخيبة أمل ولا بأي أمل أيضاً، فهما أصبحا غريبين لا أكثر.
ثم خفضت المرأة صوتها من جديد وهي تهمس بنبرة فضولية: "سأهمس لكِ بشيء، على ما يبدو، وكأنها ذاهبة لإجراء فحص ما قبل الولادة..."
حتى وهي تدرك أنه جاء من أجل ليلى، إلا أن سماعها لعبارة "فحص ما قبل الولادة" جعلها تضع يدها على بطنها، في الموضع الذي سيُحرم من القدرة على الإنجاب قريباً.
شعرت بثقل في ساقيها، وبألم خانق في صدرها أدركت معه أن تجاوز الألم لا يعني انعدامه.
"لماذا تتجولين وأنتِ مريضة؟"
سمعت صوت رجل خلفها، نبرته مائلة إلى اللامبالاة.
التفتت ياسمين، ولم تتوقع أن ترى سامي.
كان سامي واقفاً ويده في جيبه، ينظر إليها نظرة يصعب تخمين ما وراءها، ولا أحد يعلم كم سمع من حديث المرأتين قبل قليل.
رطبت ياسمين حلقها الجاف وقالت: "ما الذي أتى بك إلى هنا؟"
قال سامي: "شخص اتصل بي وقال إنكِ أُغمي عليكِ، وأنهم بحاجة إلى بطاقتكِ الشخصية وبطاقة التأمين."
تذكرت ياسمين حينها أن رقم هاتفها لم يتغير منذ سنوات، وأن سامي في الماضي جعل نفسه جهة الاتصال الطارئة في هاتفها، قائلاً إنه سيظهر دائماً أول من تحتاجه.
أما الآن...
قالت بهدوء: "آسفة، صديقي لم يكن يعلم."
نظر إليها سامي طويلاً، ثم اقترب منها وأمسك بمعصمها، وسحب الإبرة بمهارة، وضغط مكانها قائلاً: "نزلة برد وحمى تجعلكِ تفقدين الوعي؟ ياسمين، ما زلتِ كما كنتِ صغيرة، تحاولين لفت انتباهي بهذه الحيل الصغيرة."
في الماضي، كانت تغار كلما أحاطت به الفتيات، فكانت تتظاهر بالمرض أو الأذى ليأتي مسرعاً إليها.
خفضت ياسمين عينيها نحو يده التي تمسك بمعصمها، ثم سحبت يدها بهدوء، محاوِلةً أن تضع مسافة بينهما: "لم يكن عليك أن تأتي."
نظر إليها سامي، معتقداً أنها ما زالت غاضبة.
وقال: "في المرة القادمة، يمكنكِ مراسلتي على واتساب بدل الاتصال"، أسند ظهره إلى الحائط، "حتى لا تغار نور."
أجابته بهدوء: "لن يحدث ذلك مجدداً."
لم تجادله، فالتبرير بلا فائدة، والأفعال وحدها تثبت ما في القلب.
تأملها سامي، فقد بدا رد فعلها هادئاً على نحوٍ لم يألفه منها.. في السابق، لم تكن لتتحمل أن يذكر امرأة أخرى أمامها.
لم يستطع أن يحدد إن كانت تتصرف بذكاء لتثير اهتمامه، أم أنها حقاً تغيرت.
وبعد لحظة تفكير، قرر أن يمنحها بعض الاهتمام كما اعتاد.
اقترب منها، ومد يده ليلمس شعرها برفق، وانحنى مبتسماً: "هل انتهى غضبكِ الآن؟"
رفعت ياسمين عينيها إليه، محاوِلةً إبعاد يده، لكن حين التفتت إلى الأمام رأت عمر واقفاً مع ليلى.
كان عمر ينظر إليها وإلى سامي بهدوء بارد، كما لو كان مجرد متفرج غريب.

_______________________________



تعليقات