رواية وللقلوب موعد الفصل الرابع 4 بقلم ملك عبدالله احمد
بتفكري ترجعي لواحد خـانك؟
خانك مرة واتنين وتلاتة؟
بتفكري ترجعي لواحد أول ما واجهتيه مدّ إيده عليكِ؟
_عشان أنت مش في مكاني يا يـونس.
_مجنونة أقسم بالله مجنونة. أنتِ فاكرة لو أي إنسان سوي مكانك هيكمل؟
بصيتله بهدوء، وابتسامة باهتة ارتسمت على وشي، وهزيت كتفي بخفة وأنا بقول:
_أديك قُلت إنسان سوي.
هز راسه كذا مرة، وكان واضح إنه بيحاول يستوعب كلامي. فتح بقه كذا مرة عشان يتكلم، لكنه سكت في الآخر، وكمل السواقة بصمت.
" وأنا أخيرًا قدرت آخد كام نفس ورا بعض،
أحاول أنعش كل خلية جوايا،
وأهدي الفوضى اللي مالياني."
"محدش فاهمني
الكل بيلومني، بس محدش مستوعب اللي أنا فيه."
" أنا عارفة... عارفة إن كل ده هيحصل، وإن العلاقة بيني وبين علي مش هتكمل، ومع ذلك كملت. "
"كملت ووافقت برضايا."
" مش عارفة المفروض ألوم مين...
ألوم نفسي؟
ولا ألوم اللي خانّي؟
ولا ألوم أهلي؟
ولا ألوم...
رفعت عيني وبصيت ليونس، والدموع كانت مالية عيني، وهمست بصوت ضعيف:
_اللِ غدر بيّا؟
وبعد ثوانِ، وقف العربية بهدوء وقال من غير ما يبصلي:
_انزلي وصلنا.
رديت بدهشة:
_أنت مش هتنزل معايا!؟
رد باختصار، من غير حتى ما يبصلي:
_لأ.
"سِكت
مرضيتش أتكلم، ولا حتى أسأله ليه.
فتحت باب العربية ونزلت من غير ما أودعه.
كان الموضوع تقيل على قلبي تقيل أوي."
" بس يمكن لأنه طول عمره كان بيسيبني من غير وداع، فبقيت أتعلم أمشي من غير ما أستنى كلمة، أو نظرة، أو حتى التفاتة أخيرة منه."
"قفلت الباب وراه، ومشيت من غير ما أبص إذا كان لسه واقف ولا اتحرك. لأول مرة أحس إن الفضول مات جوايا، أو يمكن اللي مات هو الأمل."
طلعت شقة خالتي، ولما فتحتلي الباب اتجمدت مكانها أول ما شافتني.
_غُفران...!
" مردتش.
دخلت بهدوء، وكل خطوة كنت باخدها كانت كأنها بتسحب آخر نقطة قوة جوايا."
" لما حكيتلها اللي حصل، فضلت ساكتة تبصلي.
كان باين في عينيها حاجات كتير صدمة، وحزن، وعجز "
" وأكتر حاجة وجعتني نظرة الشفقة.
النظرة اللي كنت بهرب منها طول عمري
والشفقة عمرها ما كانت بتهون على حد، بالعكس
كانت بتفكرني قد إيه بقيت ضعيفة في نظر الناس. "
ابتسمتلها ابتسامة باهتة وأنا بهز رأسي.
_أنا كويسة.
مقدرتش أكمل كلام.
سابتها، ودخلت أقرب أوضة، وقفلت الباب ورايا بهدوء. "
" ارتميت على السرير، وبصيت للسقف.
يمكن لأول مرة من وقت طويل أبقى لوحدي فعلًا.
غمضت عيني، لكن عقلي رفض يرحمني. "
بدأ يعيد كل اللي حصل كلمة كلمة، ونظرة نظرة، ووجع وجع.
والمرة دي الذكريات قررت تشارك.
ذكريات كنت فاكرة إني دفنتها من زمان.
ذكريات حاولت أقنع نفسي إنها انتهت، وإن الزمن مسحها.
لكن واضح إن الزمن بينسي الناس إنما القلب...
القلب عمره ما بينسى.
كل حاجة رجعت مرة واحدة
أول مرة كسرني فيها
أول مرة كدب
أول مرة خاني
وأول مرة سامحته فيها...
يمكن من ساعتها، وأنا اللي كنت بخون نفسي.
تاني يوم كنا أنا وخالتو بنفطر في هدوء.
لا أنا حاولت أفتح اللي حصل، ولا هي سألت. احترمت صمتي، وأنا كنت ممتنة لده.
كنت شاردة خايفة من اللي جاي، ومستنية اللحظة اللي هتتغير فيها حياتي تاني أي لحظة...
صوت خبط الباب خلّى قلبي ينتفض جوايا.
رفعت عيني بسرعة، وأنفاسي احتبست.
أول فكرة جت في دماغي علي.
أكيد جه ياخدني
فضلت مكاني، مش عارفة أقوم ولا أستخبى ولا أعمل إيه.
لكن بعد ثوانِ، بدأت أستوعب إن الخبط كان هادي.
وعلي عمره ما كان هيخبط بالهدوء ده لو هو فعلًا...
كان زمانه بيخبط بعنف، أو حتى دخل من غير ما يستأذن.
بصيت لخالتي وهي قامت تفتح الباب، وقلبي لسه بيدق بعنف.
_يونس!
دخل بعد ما سلّم على خالتو، وأول ما شوفته حسيت نفسي أخدت أول نفس مرتاح من ساعات.
قعد معانا على الفطار، وكان بيتكلم مع خالتو في حاجات كتير، لكن أنا مكنتش مركزة في ولا كلمة.
كل اللي كان شاغلني إمتى هخلص من الكابوس ده؟
فوقت على صوته وهو بيناديني.
كان واضح إن خالتو دخلت المطبخ، وفضلنا لوحدنا.
بصيتله بهدوء، وابتسمت ابتسامة باهتة.
_نعم.
_أنتِ كويسة؟
_الحمد لله، خالتو سماء هتنزل إمتى؟
_بعد يومين.
سِكت لحظة، و قال بجدية:
_المهم...
رفعت عيني له، وضربات قلبي زادت.
_إيه المهم؟
_ناوية على إيه يا غُفران؟ هتمشي في إجراءات الطلاق ولا لسه مترددة؟
فضلت ساكتة، لكن سؤال تاني كان بيقتلني من جوا.
_هما إزاي سابوني أمشي معاك؟
خصوصًا علي...
ليه محدش جه ورايا؟
إتنهد يونس، وسند ضهره على الكرسي.
_لأنهم عارفين كويس إنهم ميقدروش ياخدوكي مني بالقوة.
قطبت باستغراب، لكنه كمل:
_ولأن عمك أذكى من إنه يعمل مشكلة معايا وهو عارف إنها هتكبر.
_يعني إيه؟ وأنا متأكد إن علي مش هيسكت.
سِكت ثانية، وكمل:
_بس هو دلوقتي بيحاول يلم نفسه ويشوف هيقدر يرجعك بأي طريقة.
بلعت ريقي.
_يعني هيجي؟
هز راسه بالإيجاب.
_أكيد هيجي.
مال ناحيتي وقال بنبرة واثقة:
_بس المرة دي مش هيلاقي غُفران اللي كان يقدر يضغط عليها أو يخوفها.
لأنك من اللحظة اللي خرجتي فيها من البيت بقيتي مش لوحدك.
ابتسمت ابتسامة باهتة، وهزيت رأسي وقُلت:
_ليه بتقول إني مش لوحدي؟
في الآخر هكون لوحدي.
لفيت أبصله، وابتسمت بمرارة.
_أنت مش هتفضل موجود يا يونس.
أنت عندك حياتك، وشغلك، وأهلك ومسيرك هتمشي.
وأنا هفضل لوحدي زي ما اتعودت.
ضغط على إيده بعصبية، ولف وشه ناحيتي كان واضح إن كلامي ضايقه.
_إيه الكلام ده كله؟
من إمتى أصلًا وإنتِ لوحدك يا غُفران؟
لو كنتِ لوحدك فعلًا فده بسببك إنتِ.
قطبت باستغراب، لكنه كمل من غير ما يديني فرصة أرد.
_أنا كنت موجود.
وأمي كانت موجودة.
وخالتك أمنية، مهما كانت قاسية في كلامها، كانت موجودة هي كمان.
رفع حاجبه وهو بيبصلي بعتاب:
_لكن إنتِ عملتِ إيه؟
بعدتِ بمزاجك قطعتِ صلتك بكل الناس اللي كانت بتحبك.
ولما وقعتِ استحملتي لوحدك.
ليه يا غُفران؟
ليه مصممة تعاقبي نفسك؟
نزلت عيني للأرض، ورديت بصوت متعب:
_يـونس
ملهوش لازمة الكلام ده لا هيغير حاجة ولا هيرجع اللي فات.
اللي حصل حصل.
إتنهد، وهز راسه كأنه استسلم، وقال بهدوء امتزج بالضيق:
_تمام يا غُفران تمام.
لما نشوف آخرتها معاكِ.
سندت راسي على السفرة، وبصيت في عيونه للحظات طويلة.
_آخرتها...
ابتسمت ابتسامة مكسورة.
_كان في حاجة لطيفة أوي في دماغي.
"كان نفسي يبقى ليا بيت
بيت صغير هادي.
أرجعله آخر اليوم وأنا مطمنة."
"كان نفسي يبقى ليا راجل أحس معاه بالأمان، وأطفال يجروا في البيت، وأقعد أضحك من قلبي."
كان نفسي أعيش حياة عادية زي أي بنت.
لكن كل حاجة اتدمرت.
كل حاجة يا يونس.
كنت كل يوم أقنع نفسي إن بكرة هيبقى أحسن.
وأصحى على نفس الوجع.
كل مرة أقول آخر مرة وأرجع أستحمل أكتر.
عارف أصعب حاجة كانت إيه؟
إني كل مرة كنت بكذب على نفسي قبل ما أكذب على الناس.
وأقول هيتغير لكن هو عمره ما اتغير...
أنا اللي كنت بتغير أنا اللي كنت بفقد نفسي، حتة حتة، وأنا بحاول أرضيه.
رفعت عيني ليه، والدموع لمعت فيها.
_أنا تعبت يا يونس
تعبت من إني كل يوم أحارب عشان أعيش.
تعبت من إني كل يوم أصحى وأنا خايفة.
وخايفة أكتر من إني لو سبت كل ده أبقى لوحدي.
أنا أصلًا مش عارفة أنا بخاف من الوحدة ولا من الناس اللي كانوا حواليا.
إتنهد بهدوء، وقال:
_بصيلي يا غُفران.
رفعت عيني ليه ببطء.
_لاء اللِ ضاع هو السنين اللي حاولتي فيها تبني بيت مع الشخص الغلط.
لكن حلمك نفسه لسه موجود.
لسه من حقك يبقى ليكي بيت تدخلِيه وإنتِ مطمنة.
ولسه من حقك حد يحترمك قبل ما يحبك.
ولسه من حقك تنامي وإنتِ مش خايفة تصحي على خيانة وغدر
_ومتخليش غلط واحد، أو حتى عمر كامل، يقنعك إنك متستحقيش الحياة دي.
إنتِ تستحقيها ويمكن أكتر من ناس كتير.
أما قلبك سيبيه زي ما هو هييجي اليوم اللي حد يحافظ عليه، بدل ما يفضل يدوس عليه كل يوم.
وبصِ كويس يا غُفران
النجاة مش إنك ترجعي لنفس النار عشان متبقيش لوحدك.
النجاة إنك تختاري نفسك، حتى لو الطريق في أوله مخيف.
"مكنتش مركزة في كلامه قد ما كنت سرحانة في معناه."
هو فاكر إن دي أول مرة أتغدر؟
أول مرة أحب؟
أول مرة أحس بالفقد؟
هو ميعرفش إن اللي حصل مع علي، كان مجرد جرح فوق جرح أقدم.
كان بيكسر حاجة أصلًا كانت مكسورة.
عدلت قعدتي، ومسحت دموعي بسرعة، وبصيتله بهدوء.
_عندك حق...
سِكت شوية، قبل ما أسأله السؤال اللي كان بيلف في دماغي من ساعة ما شوفته.
_مـراتـك فين؟
لف يبصلي باستغراب.
كملت وأنا بحاول أبان عادية:
_معاك هِنا ولا لسه في تركيا؟
خانك مرة واتنين وتلاتة؟
بتفكري ترجعي لواحد أول ما واجهتيه مدّ إيده عليكِ؟
_عشان أنت مش في مكاني يا يـونس.
_مجنونة أقسم بالله مجنونة. أنتِ فاكرة لو أي إنسان سوي مكانك هيكمل؟
بصيتله بهدوء، وابتسامة باهتة ارتسمت على وشي، وهزيت كتفي بخفة وأنا بقول:
_أديك قُلت إنسان سوي.
هز راسه كذا مرة، وكان واضح إنه بيحاول يستوعب كلامي. فتح بقه كذا مرة عشان يتكلم، لكنه سكت في الآخر، وكمل السواقة بصمت.
" وأنا أخيرًا قدرت آخد كام نفس ورا بعض،
أحاول أنعش كل خلية جوايا،
وأهدي الفوضى اللي مالياني."
"محدش فاهمني
الكل بيلومني، بس محدش مستوعب اللي أنا فيه."
" أنا عارفة... عارفة إن كل ده هيحصل، وإن العلاقة بيني وبين علي مش هتكمل، ومع ذلك كملت. "
"كملت ووافقت برضايا."
" مش عارفة المفروض ألوم مين...
ألوم نفسي؟
ولا ألوم اللي خانّي؟
ولا ألوم أهلي؟
ولا ألوم...
رفعت عيني وبصيت ليونس، والدموع كانت مالية عيني، وهمست بصوت ضعيف:
_اللِ غدر بيّا؟
وبعد ثوانِ، وقف العربية بهدوء وقال من غير ما يبصلي:
_انزلي وصلنا.
رديت بدهشة:
_أنت مش هتنزل معايا!؟
رد باختصار، من غير حتى ما يبصلي:
_لأ.
"سِكت
مرضيتش أتكلم، ولا حتى أسأله ليه.
فتحت باب العربية ونزلت من غير ما أودعه.
كان الموضوع تقيل على قلبي تقيل أوي."
" بس يمكن لأنه طول عمره كان بيسيبني من غير وداع، فبقيت أتعلم أمشي من غير ما أستنى كلمة، أو نظرة، أو حتى التفاتة أخيرة منه."
"قفلت الباب وراه، ومشيت من غير ما أبص إذا كان لسه واقف ولا اتحرك. لأول مرة أحس إن الفضول مات جوايا، أو يمكن اللي مات هو الأمل."
طلعت شقة خالتي، ولما فتحتلي الباب اتجمدت مكانها أول ما شافتني.
_غُفران...!
" مردتش.
دخلت بهدوء، وكل خطوة كنت باخدها كانت كأنها بتسحب آخر نقطة قوة جوايا."
" لما حكيتلها اللي حصل، فضلت ساكتة تبصلي.
كان باين في عينيها حاجات كتير صدمة، وحزن، وعجز "
" وأكتر حاجة وجعتني نظرة الشفقة.
النظرة اللي كنت بهرب منها طول عمري
والشفقة عمرها ما كانت بتهون على حد، بالعكس
كانت بتفكرني قد إيه بقيت ضعيفة في نظر الناس. "
ابتسمتلها ابتسامة باهتة وأنا بهز رأسي.
_أنا كويسة.
مقدرتش أكمل كلام.
سابتها، ودخلت أقرب أوضة، وقفلت الباب ورايا بهدوء. "
" ارتميت على السرير، وبصيت للسقف.
يمكن لأول مرة من وقت طويل أبقى لوحدي فعلًا.
غمضت عيني، لكن عقلي رفض يرحمني. "
بدأ يعيد كل اللي حصل كلمة كلمة، ونظرة نظرة، ووجع وجع.
والمرة دي الذكريات قررت تشارك.
ذكريات كنت فاكرة إني دفنتها من زمان.
ذكريات حاولت أقنع نفسي إنها انتهت، وإن الزمن مسحها.
لكن واضح إن الزمن بينسي الناس إنما القلب...
القلب عمره ما بينسى.
كل حاجة رجعت مرة واحدة
أول مرة كسرني فيها
أول مرة كدب
أول مرة خاني
وأول مرة سامحته فيها...
يمكن من ساعتها، وأنا اللي كنت بخون نفسي.
تاني يوم كنا أنا وخالتو بنفطر في هدوء.
لا أنا حاولت أفتح اللي حصل، ولا هي سألت. احترمت صمتي، وأنا كنت ممتنة لده.
كنت شاردة خايفة من اللي جاي، ومستنية اللحظة اللي هتتغير فيها حياتي تاني أي لحظة...
صوت خبط الباب خلّى قلبي ينتفض جوايا.
رفعت عيني بسرعة، وأنفاسي احتبست.
أول فكرة جت في دماغي علي.
أكيد جه ياخدني
فضلت مكاني، مش عارفة أقوم ولا أستخبى ولا أعمل إيه.
لكن بعد ثوانِ، بدأت أستوعب إن الخبط كان هادي.
وعلي عمره ما كان هيخبط بالهدوء ده لو هو فعلًا...
كان زمانه بيخبط بعنف، أو حتى دخل من غير ما يستأذن.
بصيت لخالتي وهي قامت تفتح الباب، وقلبي لسه بيدق بعنف.
_يونس!
دخل بعد ما سلّم على خالتو، وأول ما شوفته حسيت نفسي أخدت أول نفس مرتاح من ساعات.
قعد معانا على الفطار، وكان بيتكلم مع خالتو في حاجات كتير، لكن أنا مكنتش مركزة في ولا كلمة.
كل اللي كان شاغلني إمتى هخلص من الكابوس ده؟
فوقت على صوته وهو بيناديني.
كان واضح إن خالتو دخلت المطبخ، وفضلنا لوحدنا.
بصيتله بهدوء، وابتسمت ابتسامة باهتة.
_نعم.
_أنتِ كويسة؟
_الحمد لله، خالتو سماء هتنزل إمتى؟
_بعد يومين.
سِكت لحظة، و قال بجدية:
_المهم...
رفعت عيني له، وضربات قلبي زادت.
_إيه المهم؟
_ناوية على إيه يا غُفران؟ هتمشي في إجراءات الطلاق ولا لسه مترددة؟
فضلت ساكتة، لكن سؤال تاني كان بيقتلني من جوا.
_هما إزاي سابوني أمشي معاك؟
خصوصًا علي...
ليه محدش جه ورايا؟
إتنهد يونس، وسند ضهره على الكرسي.
_لأنهم عارفين كويس إنهم ميقدروش ياخدوكي مني بالقوة.
قطبت باستغراب، لكنه كمل:
_ولأن عمك أذكى من إنه يعمل مشكلة معايا وهو عارف إنها هتكبر.
_يعني إيه؟ وأنا متأكد إن علي مش هيسكت.
سِكت ثانية، وكمل:
_بس هو دلوقتي بيحاول يلم نفسه ويشوف هيقدر يرجعك بأي طريقة.
بلعت ريقي.
_يعني هيجي؟
هز راسه بالإيجاب.
_أكيد هيجي.
مال ناحيتي وقال بنبرة واثقة:
_بس المرة دي مش هيلاقي غُفران اللي كان يقدر يضغط عليها أو يخوفها.
لأنك من اللحظة اللي خرجتي فيها من البيت بقيتي مش لوحدك.
ابتسمت ابتسامة باهتة، وهزيت رأسي وقُلت:
_ليه بتقول إني مش لوحدي؟
في الآخر هكون لوحدي.
لفيت أبصله، وابتسمت بمرارة.
_أنت مش هتفضل موجود يا يونس.
أنت عندك حياتك، وشغلك، وأهلك ومسيرك هتمشي.
وأنا هفضل لوحدي زي ما اتعودت.
ضغط على إيده بعصبية، ولف وشه ناحيتي كان واضح إن كلامي ضايقه.
_إيه الكلام ده كله؟
من إمتى أصلًا وإنتِ لوحدك يا غُفران؟
لو كنتِ لوحدك فعلًا فده بسببك إنتِ.
قطبت باستغراب، لكنه كمل من غير ما يديني فرصة أرد.
_أنا كنت موجود.
وأمي كانت موجودة.
وخالتك أمنية، مهما كانت قاسية في كلامها، كانت موجودة هي كمان.
رفع حاجبه وهو بيبصلي بعتاب:
_لكن إنتِ عملتِ إيه؟
بعدتِ بمزاجك قطعتِ صلتك بكل الناس اللي كانت بتحبك.
ولما وقعتِ استحملتي لوحدك.
ليه يا غُفران؟
ليه مصممة تعاقبي نفسك؟
نزلت عيني للأرض، ورديت بصوت متعب:
_يـونس
ملهوش لازمة الكلام ده لا هيغير حاجة ولا هيرجع اللي فات.
اللي حصل حصل.
إتنهد، وهز راسه كأنه استسلم، وقال بهدوء امتزج بالضيق:
_تمام يا غُفران تمام.
لما نشوف آخرتها معاكِ.
سندت راسي على السفرة، وبصيت في عيونه للحظات طويلة.
_آخرتها...
ابتسمت ابتسامة مكسورة.
_كان في حاجة لطيفة أوي في دماغي.
"كان نفسي يبقى ليا بيت
بيت صغير هادي.
أرجعله آخر اليوم وأنا مطمنة."
"كان نفسي يبقى ليا راجل أحس معاه بالأمان، وأطفال يجروا في البيت، وأقعد أضحك من قلبي."
كان نفسي أعيش حياة عادية زي أي بنت.
لكن كل حاجة اتدمرت.
كل حاجة يا يونس.
كنت كل يوم أقنع نفسي إن بكرة هيبقى أحسن.
وأصحى على نفس الوجع.
كل مرة أقول آخر مرة وأرجع أستحمل أكتر.
عارف أصعب حاجة كانت إيه؟
إني كل مرة كنت بكذب على نفسي قبل ما أكذب على الناس.
وأقول هيتغير لكن هو عمره ما اتغير...
أنا اللي كنت بتغير أنا اللي كنت بفقد نفسي، حتة حتة، وأنا بحاول أرضيه.
رفعت عيني ليه، والدموع لمعت فيها.
_أنا تعبت يا يونس
تعبت من إني كل يوم أحارب عشان أعيش.
تعبت من إني كل يوم أصحى وأنا خايفة.
وخايفة أكتر من إني لو سبت كل ده أبقى لوحدي.
أنا أصلًا مش عارفة أنا بخاف من الوحدة ولا من الناس اللي كانوا حواليا.
إتنهد بهدوء، وقال:
_بصيلي يا غُفران.
رفعت عيني ليه ببطء.
_لاء اللِ ضاع هو السنين اللي حاولتي فيها تبني بيت مع الشخص الغلط.
لكن حلمك نفسه لسه موجود.
لسه من حقك يبقى ليكي بيت تدخلِيه وإنتِ مطمنة.
ولسه من حقك حد يحترمك قبل ما يحبك.
ولسه من حقك تنامي وإنتِ مش خايفة تصحي على خيانة وغدر
_ومتخليش غلط واحد، أو حتى عمر كامل، يقنعك إنك متستحقيش الحياة دي.
إنتِ تستحقيها ويمكن أكتر من ناس كتير.
أما قلبك سيبيه زي ما هو هييجي اليوم اللي حد يحافظ عليه، بدل ما يفضل يدوس عليه كل يوم.
وبصِ كويس يا غُفران
النجاة مش إنك ترجعي لنفس النار عشان متبقيش لوحدك.
النجاة إنك تختاري نفسك، حتى لو الطريق في أوله مخيف.
"مكنتش مركزة في كلامه قد ما كنت سرحانة في معناه."
هو فاكر إن دي أول مرة أتغدر؟
أول مرة أحب؟
أول مرة أحس بالفقد؟
هو ميعرفش إن اللي حصل مع علي، كان مجرد جرح فوق جرح أقدم.
كان بيكسر حاجة أصلًا كانت مكسورة.
عدلت قعدتي، ومسحت دموعي بسرعة، وبصيتله بهدوء.
_عندك حق...
سِكت شوية، قبل ما أسأله السؤال اللي كان بيلف في دماغي من ساعة ما شوفته.
_مـراتـك فين؟
لف يبصلي باستغراب.
كملت وأنا بحاول أبان عادية:
_معاك هِنا ولا لسه في تركيا؟