رواية إلحاد عاطفي الفصل الرابع 4 بقلم رميساء عمرو
٤_ دهب.
"لا أنا مش على ما يرام حاسس
أنه كل ده سراب بحاول أخرج
من تحت الأنقاض
لما بتمشي بيبقى في ظلام
وأنا عارف إني متقل شوية في الهروب."
3
منذ إنهيارها الأخير وهي ترتدي قناع البلادة مع الجميع حتى مع نفسها، تخطت الأمر بكل سهولة و يسر والآن تجلس في صالة المنزل مُلتحفة بغطاء خفيف يلتف حولها، وتضع حاسوبها النقال أمامها وتشاهد فيلم " The fault on our stats "، وهي تبتلع المقرمشات و المشروب الغازي بشراهة بدأت الهالات السوداء بأخذ منحنى تحت عينيها وجسدها بدأ بإكتساب الدهون فقط، طرق الباب وكالعادة لم تتحرك من مكانها لتفتح والدتها وتسمعها ترحب بعمتها لتتأفف بملل وهي تحمد اللَّه أنها لا تجلس في الصالة الرئيسية وأيضًا تضاع سماعات أذنها
ولكن تهافى لمسامعها أصواتهم وضحكتاتهم لتمتزج مرارة حلقها بلذوعة الصودا في المشروب الغازي
2
_ مِيرال، تعالي سلمي على عمتك واولادها.
نهض بلامبلاة، غير مكترثة بهيئتها المبعثرة جواربها الغير متطابقة شعرها المشعش كأنه عش طيور، ملابسها الداكنة وكان أفضل ما ترتديه
3
_ يا ساتير إيه السواد ده.
كانت عمتها أول المعترضين لتجلس بلا إكتراث
_ عاملة إيه يا عمتو؟
_ كويسة يا عيون عمتو، إنتِ عاملة إيه؟
نظرت له ببعض الحزن ثم ضحكت بمرارة ساخرة
_ زي مانتِ شايفة.
أجبرت نفسها على بصق كلمات الترحيب بـ مراد ولؤي
_ إزيك يا مراد إزيك يا لؤى.
إكتفى بهزر رأسيهما، لتجلس متربعة على الأريكة بجوار عمتها بإريحية
_ إيه أخبار الجامعة؟
_ أهي، ماشي حالها آخر مرة روحت كانت من فترة طويلة الصراحة.
ثم مدت يديها للشوكولاتة التي تتوسط الطاولة في ذلك الطبق الأنيق وأخذت تبتلع واحدة تلو الأخرى تحت استغراب من الجميع ولكنها لم تأبه
11
_ ماما هو الأكل خلص؟
_ لسه يا مِيرال.
ظلت جالسة وكأنها شبح لا وجود له اكتسبت برودًا فوق برودها جعلها كأنها لوح ثلج بارد، بعد دقائق أتى والدها ناظرًا لها بشفقة
2
_ إيه ده سميرة عندنا عاش من شافك.
1
ابتسمت له أخته و أولادها
_ والله واحشني يا محسن مشوفتكش من ساعة خطوبة لؤي.
نظر لابنته نظرة خاطفة ليجد بصرها معلق بساعة الحائط ولكن فكها كان مُتشنج مما أكد له صراعها
_ الظروف بقى أنتِ عارفة.
ظل الحديث بينهم دائر حتى أعلنت سارة عن إنتهائها من إعداد الطعام وعلى غير عادتها نهضت تساعد والدتها في غياب شقيقتها، كانت تعلم امها أنها نهضت فقط للإبتعاد عن نظراتهم ولكنها لم تعلق
_ يلا يا جماعة الأكل جاهز.
جلسوا جميعًا مُتقاربين واختارت هي أبعد كرسي واستخدمته وأمامها طبق يمتلئ بالنشويات وقد عزفت على تناول أطباقهم الممتلئة بالخضروات، بعدما إنتهوا كانت سميرة أول الناهضين لغسل يديها خرجت و على ملامحها علامات الحيرة
_ هو إيه كل الأدوية إلي في الحمام دي.
_ دي أدوية مِيرال.
1
همس بها والدها بحزن
_ هي تعبانة مالها عشان تاخد كل الأدوية دي؟
_ لا يا عمتو دي مسكنات على أدوية إكتئاب معنديش حاجة خطيرة يعني.
ثم نهضت وإختبئت داخل غرفتها تختار الهروب دائمًا
_ إكتئاب؟ ده من امتى يا طنط؟
إستنكر مراد، لتجيبه وفؤادها يتمزق
_ لما كنت معانا في المستشفى الدكتور نصحني أوديها لدكتور نفسي وأقنعتها بالعافية و روحنا وقال عندها إكتئاب ده بيخليها تنام كتير وتأكل كتير وبتقعد لوحدها كتير وكل أفكارها إنتحارية و ده كان تفسير لتصرفات كتير بتعملها، الدكتور كان عايزها تحضر جلسات بس هي رفضت فأضطر يكتبلها أدوية بس قال مش هتعمل تغير جذري وليها أعراض جانبية كتير.
2
عم الصمت إلا من دموع سارة المنهمرة تتبعها دموع سميرة التي نهضت تقابلها في عدم تصديق
_ كل ده ومخبيين؟!
_ مكنتش عايزة حد يعرف، قالت مش عايزة حد يبصلي بشقفة ولا بعطف.
إنتهت جلستهم ببؤس، جلس مراد مقابل لوالدته في شقتهم وعلى يمينها لؤي
_ حد يصدق إنه مِيرال إلي طول عمرنا بنتريق عليها يحصل فيها كده؟
كان هذا لؤي متسائلاً بعدم تصديق
_ أنتَ مشوفتهاش يوم ما دخلت المستشفى كانت عاملة إزاي وحاولنا نعرف السبب معرفناش.
_ أنا السبب.
ضميره يؤنبه على ما حل لها
15
_ إنتَ السبب إزاي؟
_ كانت عايزة تبوظ علاقتي أنا و وسام فروحت لها وهي لوحدها وزعقت معاها وقلت لها كلام وحش أوي بس مكنتش حاسس بنفسي، فده إلي خلاها تقع و يجرالها كده.
3
كفكفت سميرة دموعها وهي تنهض مُبتهلة لابنة أخيها الصغيرة بالراحة.
______________
_ يا مِيرال واللهِ إطلعي الرحلة دي هتغير مودك.
توجت محاولات ملك لإقناعهم بالخروج من عزلتها بالفشل، رفضت بصوت مبحوح
1
_ لا يا ملك، أطلع الرحلة وأفضل لوحدي بردو.
فكرت بعمق لتلمع برأسها فكرة نهضت لتنفذها، طرقت الباب ببطئ وتردد
_ إزيك يا لؤي عامل إيه، مراد موجود؟
_ آه موجود.
دلفت لتجد مراد جالساً بملابس بيتية وخصلاته مبلتة، ليبتسم لها بمحبة
1
_ إزيك يا ملك عاملة إيه؟
عدلت من وضع حجابها وهي تجيبه
_ بخير يا مراد الحمد لله، كنت عيزاك في حوار كده.
إعتدل ونظر لها بإهتمام لتكمل
_ مِيرال عندها رحلة تبع الكلية تلت أيام في دهب، بحاول أقنعها تروح رافضة بتقولي هكون لوحدي أنا عارفة إنك مش بطيق مِيرال بس هي حقيقي محتاجة تخرج وتبعد عن الضغط إلي هي في، بس لو ينفع تروح معاها مسموح بمرافق من برا الجامعة و كمان أنا على حد علمي أنتَ لسه بتظبط شغلك ونقله فـ معندكش شغل دلوقتي، لو ينفع تمام مش هينفع قولي لولا إلي حصل كنت قلت لـ لؤي هما كانوا قريبين من بعض أوي لكن مينفعش للأسف.
10
لقد خطر بباله كل شئ ممكن أن تطلبه إلا هذا الطلب، رحلة مع مِيرال .. مِيرال التي لم ينفك منذ أتى أن يتصادم معها ولكنها تحتاج هذا هو مشفق عليها للغاية، لذا وافق لا يعلم لما ولكنه وافق
_ ماشي يا ملك، شوفي هحجز إزاي بس وقولي لي و التفاصيل وكده.
وفي الحال أخرجت ورقة من جيبها
_ بص دي كل التفاصيل والموضوع الحجز ده سيبه عليا، معلش يا مراد والله كنت هروح معاها بس مشروع التخرج وسنينه.
_ ولا يهمك يا ملك، ربنا معاكي وتتخرجي بقى.
_ يارب يا أخويا يارب.
صعدت تزف الخبر لشقيقتها
_ مراد مين؟
صاحت بصدمة
_ ابن عمتك.
_ لا مراد لا.
نظرت لها بخيبة أمل
_ يا مِيرال بالله عليكِ متكسفنيش معاه بقى.
التمعت بعيناها دموع حزينة لتناسب بنعومة فوق وجنتها
_ مراد بيكرهني.
_ مين قال كده بس؟
_ محدش بس أنا عارفة، كلوا بيكرهني.
3
ضمتها شقيقتها بصمت
_ يا حبيبتي مفيش حد بيكرهك إضايقنا منك شوية بس لكن محدش بيكرهك واللهِ.
1
كانت لا ترغب في التصديق هي ليست محبوبة وهي تعلم ، لكن وافقتها بنفاذ طاقة
_ خلاص يا ملك عشان خاطرك بس.
ابتسمت الأخرى بطيبة وهي تقبل وجنتيها
_ لو كل العالم كرهك إفتكري أنه ليكِ أخت بتموت فيكِ.
14
نظرت لها بإمتنان
_ يلا نشوف هنحط إيه في الشنط وعشان نروح نحجز لمراد كمان.
_ ملوش لزوم يا ملك أنا معايا الرقم هنتصل نحجز وخلاص.
كانت ترغب أن تخرجها قليلًا من عزلتها ولكنها تأبى
_ خلاص اتصلي إنتِ وأنا هروح أجيب الشنطة الجديدة من أوضتي.
رحلت ثم سمعت طرق الباب
_ ادخلي يا ملك .
_ طب مينفعش بابا .
إعتدلت إحتراماً له
_ لا طبعاً يا بابا إتفضل .
جلس قبالتها وهو يردف في عذاب إستشعرته
_ عارفة يا مِيرال أنا حاسس بإيه دلوقتي ؟
هزت رأسها بنفي ، ليكمل
_ حاسس إني أب فاشل ، إني محستش بيكي وبوجعك ده فشل مني كان نفسي أشوفك سعيدة و مبسوطة في حياتك لكن قدر الله وماشاء فعل وأنا مش عارف أساعدك إزاي ، بس عايزك تفتكري إني بحبك أنتِ بنتي وحتة مني أنا وأمك ومش بنحب حد قدك في الدنيا إنتِ وأختك ، أنا بتعذب يا مِيرال وأنا شايفك كده .
7
تحشرج صوته في ألم ليعود سير دموعها وهي تلقي برأسها في أحضان والدها
4
_ أنا آسفة يا بابا أنا آسفة .
_ أنا إلي آسف يا بنتي .
_ خيانة بتحضنوا بعض من غيري .
ثم انطلقت ملك هي الآخرى تحنضنهم بحب و دفئ .