رواية زينة اسد الصعيد الفصل الرابع 4 بقلم فادية النجار
زينه اسد الصعيد
البارت الرابع
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمداً صلى الله عليه وسلم
أشاح أسد بوجهه عن صديقه، وضغط على أسنانه قائلاً بجفاء مفتعل:
— مفيش حاجة تانية يا مروان. عاد أنت خابرني، الهواري ميرضوش بالظلم وعرض الحريم خط أحمر في نجعنا. روّح أنت، ونمشي بكرة نشوف المصالح.ونعرف هنعمل ايه في ولد الك... ده
نزل مروان من السيارة وهو يهز رأسه، مدركاً أن صديقه يخفي خلف قناعه الجامد براكين لا تقوى الكلمات على وصفها.فهو اكثرمن يعلم بتفكير اسد وانه لا يسكت عن ظلم.
---
دخل أسد سرايا الهواري بخطوات ثقيلة كالجبال. كانت السرايا هادئة، والجميع نيام، إلا من ضوء خافت ينبعث من غرفة والدته، "الحاجة رقية". سار بخطوات حذرة حتى لا يوقظها، وصعد إلى غرفته في الطابق العلوي.بهدوء.
أغلق الباب خلفه، وجلس على فراشه الواسع، ثم ألقى برأسه بين كفيه. الغرفة الواسعة الفخمة بدت له في تلك اللحظة أضيق من جحر ضيق. في اسفل الارض كانها قبر دفن فيه خلع بدلته وتوجه نحو الشرفة يتلمس نسمات الليل الباردة لعيدها تطفئ النيران التي تتأجج في صدره.
وقف يشاهد أضواء البلد الخافتة من بعيد، وحدث نفسه بمرارة وعجز:
> "جرى لك إيه يا ولد الهواري؟ عاد أنت تسهر ليلك وتضيع عقلك كرمال بت؟ وبتكون مين ؟ مرت محسن!وتذكر جلوسها تحت شجرة، مكسورة، وعيونها.. يا بوي على عيونها، مليانة قهر يهد جبال. كيف لراجل يشوف الجمال ده كله ويمد إيده بالظلم..الله لا يوفقك يا محسن الكلب ؟!"
شعر أسد بضيق شديد من نفسه. حاول أن يبرر هذا التفكير بأنه مجرد شهامة صعيدية، ونخوة رجل يرى امرأة تستغيث. لكنه في أعماق أعماقه، في تلك المساحة المظلمة التي لا يجرؤ على الاعتراف بها لأحد، كان يعلم أن الأمر مختلف. لقد لمست براءتها وكسرها وتراً حساساً في قلبه لم تلمسه أي امرأة من قبل.. وتذكر "ماهي الصواف" بكل دلالها وأناقتها في القاهرة، لم تحرك فيه شعرة واحدة، بينما زينة، بعباءتها المهترئة ووشها الشاحب، وعيونها المليئه بالهموم جعلت حصونه تتهاوى في لحظات.
قبض يده بقوة على سور الشرفة الحديدي وتمتم بقسم غليظ:
— والله يا زينة.. لرجعلك كرامتك اللي انداست، ولأخلي النطع ده يندم على اليوم اللي اتولد فيه.. بس عشان ربنا والعدل، مش كرمال أي حاجة تانية!
حاول إقناع نفسه بهذا التبرير، لكن قلبه كان ينبض باسمها في خفاء الليل.
---
في تلك الأثناء، في البيوت الطينية البسيطة على أطراف النجع، كانت زينة تجلس على حصير بسيط في منزل الخالة هيام. كانت ابنتها قد نامت أخيراً بعد أن شربت رِضعتها، واستكانت في حضن أمها.
كانت الخالة هيام تجلس بجوارها، وتقوم بعمل كمادات دافئة لوجه زينة الذي تورم من أثر ضرب محسن. كانت كلما وضعت القماش على وجه زينة، تطلق الأخيرة آهة مكتومة تنبعث من روحه المجروحة قبل جسدها.
قالت هيام بدموع حارقة وعتاب:
— لساتك هتقولي مفيش حاجة يا زينة؟ عاد ده شعر راسك شكله طلع في إيد النطع ده! ده مش بني آدم، ده غول ميعرفش ربنا! كيف تسكتي له المرة دي يا بنتي ؟
انهمرت دموع زينة صامتة، ومسحت على رأس ابنتها الرضيعة قائلة بنبرة متهدجة:
— هعمل إيه بس يا خالتي؟ كل ده علشان كنت رافضه اديله بقيت الفلوس اللي انتي اديتهالي علشان اجيب اكل للبيت ولا علبه للبن للبنت وانتي عارفه انه عارف اني ماليش حد في الدنيا دي.. وعمي مش هيعمل حاجه وهو تعود علي ضربه ليه ،محسن عارف كويس إني مكسورة الجناح ومليش ظهر اتحامى فيه. أنا كنت خايفة على البنت.. خايفة يجرى لها حاجة بين إيديه وهو سكران وغايب عن الوعي.
تنهدت الخالة هيام، ثم سألتها بنظرة حملت الكثير من الحيرة:
— طيب وأسد بيه الهواري؟ كيف لقاكي ورا الشجرة دي في نص الليل؟
احمرت وجنتا زينة رغماً عنها وسط الآلام، وتذكرت نظرات أسد الحامية، وصوته الجهوري الذي شعرها بالأمان لأول مرة منذ سنوات. قالت ببراءة:
— والله يا خالتي أنا كنت مستخبية من الكلاب والضلمة، وعربيتهم وقفت فجأة. أنا فكرتهم حراميه ، بس أسد بيه هو وصحابه شغل كشاف الموبايل وعرفني من وقت ما كان هيدوسني ساعه اللبن الصبح وبعدين صوته كان عالي وزعلان قوي لما شافني قاعده مرعوبه . وحلف يضرب بالنار لو مقمتش معاهم لبيتِهم بس انا قولت.لا يوصلوني بس لحد عندك. بس شكله كان يخوف يا خالتي اوي..
ربتت هيام على يدها وقالت بحذر:
— أسد بيه راجل وصاحب هيبة وكلمة في البلد، ومن صغره مبيحبش الظلم. بس وقفته معاكي الليلة دي أمانة كبيرة يا بنتي. ربنا يستر من بكرة، محسن مش هيسكت لما يعرف إن أسد بيه دخل في الحكاية.
نامت زينة تلك الليلة، لكن النوم لم يزر جفونها إلا لساعات قليلة، كانت تحلم فيها بفارس على حصان أسود، يقتلع جذور القهر من حياتها.
---
أشرقت شمس الصباح على النجع، لكنها لم تجلب الدفء لقلب محسن. كان، يجلس على المقهى الذي يقع على أطراف البلد، يعاني من صداع شديد وأثر السموم التي تجرعها بالأمس. كان ينظر للعشره جنيه الباقيه من ـ 160 جنيهاً الذي خطفهم من زينه ويفكر كيف سيقضي بقيت يومه.
وفجأة.. حل الصمت التام في المقهى. انقطعت الأنفاس، وارتجفت الأيادي وهي تضع أكواب الشاي.
التفت محسن بضيق ليرى سبب هذا الصمت، فتسمر في مكانه وسقطت السيجارة من بين شفتيه.
كان أسد الهواري يترجل من سيارته الفخمة، مرتدياً جلبابه الصعيدي الفاخر وعباءته السوداء التي تزيد من هيبته، ويمسك في يده عصا (شومة) غليظة من خشب الأبنوس. وبجواره مروان، وخلفهما رجلان من رجال الهوارة الأشداء.
كانت خطوات أسد على الأرض تبدو كدقات طبول الحرب. عيناه كانت كالصقر الذي حدد فريسته. سار مباشرة نحو الطاولة التي يجلس عليها محسن.
حاول محسن أن يستجمع شجاعته الزائفة، ووقف قائلاً بنبرة متلعثمة:
— أهلاً.. أهلاً أسد بيه.. نورت القهوة يا كبير..خير يا بيه اول مره تشوفك جاي قهوه دي
لم ينطق أسد بحرف واحد. وبسرعة البرق، امتدت يده الغليظة لتتشبث بياقة جلباب محسن، ورفعه من على الأرض بقوة خارقة جعلت قدمي محسن تتركان الأرض.
صاح محسن برعب:
— في إيه يا أسد بيه؟! أنا عملت إيه عشان تعمل معايا كديه صدقني انا معملتش حاجة؟!
اقترب أسد بوجهه من وجه محسن، وكانت أنفاسه ساخنه وعيونه تشتعل بنيران حارقة، وقال بصوت منخفض، كفحيح الأفعى لكنه هز أركان المقهى بالكامل:
— عملت إيه يا نطع؟! انا بقي هقولك عملت ايه سيبت الرجولة للرجالة، وقعدت تتشطر على حِرمة؟! تمد إيدك على عرضك وترميها في الشارع في نص الليل كرمال كام سيجارة وكيفك المخزي؟!
شحب وجه محسن تماماً، وأدرك أن أسد علم بما حدث لزينة. حاول المراوغة وقال بخوف:
— دي.. دي مرتي يا بيه! وأنا حر فيها، أربيها كيف ما أنا عايز! مفيش حد ليه صالح بينا وبعدينهي الي بنت كلب !
عند هذه الكلمة، شعر أسد بغيرة عمياء وغضب لم يختبره في حياته من قبل. "مرتي".. الكلمة طعنته في مقتل. ولم يتمالك نفسه، بل رفع يده الأخرى وهوى بعصاه (الشومة) على كتف محسن ضربة قوية جعلته يصرخ بلوعة ويسقط أرضاً تحت أقدام أسد.
انقض أسد عليه كـ "الأسد" الجائع، وجره من جلبابه على الأرض أمام جميع أهل النجع الذين وقفوا يشاهدون في صمت وذهول، ولم يجرؤ أحد على التدخل.
صاح أسد وهو ينهال عليه بالضرب والتأديب:
— مرتك دي بقت دلوقتي مرتك وبنتك يا كلب ترميهم في الشارع يا ضلالي يا قليل الدين في نص الشارع لكلاب السكك طيب حتي كنت خوفت علي بنتك من البرد.
بكى محسن واستغاث تحت أقدام أسد:
— خلاص يا بيه.. حرمت والله حرمت! سيبني الله يخليك!
ألقى أسد بمحسن على الأرض بقرف، وبصق بجواره، ثم التفت لرجاله وقال بصوت حاسم سمعه الجميع:
— تلموا النطع ده، وترموه قدام المركز ولو راجل ورجلك شايلك القيك اتعرضت لمرتك تاني يا كلب انت.
---
التفت أسد وركب سيارته، ومعه مروان الذي كان ينظر إليه بنظرات مليئة بالشك والتعجب. انطلقت السيارة نحو بيت الخالة هيام.
قال مروان بهدوء بعد فترة من الصمت:
— أسد.. أنت أدبته وده حقه، والبلد كلها خابرة إنك نصرت الغلبانة. بس ضربك ليه النهاردة.. مكنش ضرب شهامة وبس يا صاحبي. عيونك كان فيها غل وغيرة أول ما قال "دي مرتي".. أنت خبيت عليّ إيه يا ولد الهواري؟
شعر أسد بقلبه ينبض بعنف. قبض على المقود وقال بحدة يحاول فيها إخفاء حقيقته:
— قولتلك مائة مرة مفيش حاجة! أنا مبستحملش أشوف راجل ناقص يتبغدد على ست، وزينة دي ملهاش حد في البلد دي وانت بنفسك شوفت وهي قاعده مستخبي وراء الشجره. لازم النطع ده يعرف إن ليها ظهر، عشان مفيش كلب تاني يفكر ياذيها هي او اي حرمه اني مسول عن البلد وهي مظلومه واني لازم احامي للمظلوم يا واد عمي .
سكت مروان، لكنه علم أن أسد يكذب.. يكذب على نفسه أولاً.
بعد اذان العصر كان الخبر انتشر في البلد كلها ووصل الي بيت الخاله هيام ان اسد قام بضرب محسن علقه شديده لانه ضرب زوجته
زينه البلد مش هتسكت يا خالتي.. علشان كدا لازم ارجع والم الموضوع محسن مش هيسكت ولا هو ولا البلد
هيام.. ان شاءلله عنه ما سكت لا هو ولا البلد ما هو كده كده اسد بيه مبيرضاش بظلم وانتي ملكيش ذنب وكل البلد عارفه نطاعت محسن يا بنتي ده ممكن يجي في يوم وهو متطوح يقتلك انتي ولا بنتك ده عقله بيبقي مغيب يعني خافي حتي علي ضناكي يا حبيبتي
علي المغرب وصلت سيارة اسد أمام بيت الخالة هيام. نزل أسد ووقف بكبريائه الشامخ عند الباب. خرجت الخالة هيام على صوت السيارة، وخرجت خلفها زينة.. كانت ترتدي عباءة نظيفة، وقد لفت طرحتها بعناية لتخفي آثار الضرب، لكن عيونها الساحرة كانت واضحة، وفيها بريق من الخوف والترقب.
نظر أسد إليها، ولأول مرة في حياته، شعر بضعف شديد أمام امرأة. أراد أن يقترب، أن يطمئنها، أن يخبرها ألا تخاف بعد اليوم. لكن كبرياءه الصعيدي وترفعه عن الحرام منعه من التقدم خطوة إضافية.
وقف مكانه وقال بصوت جهوري رجولي هادئ:
— كيفك اليوم يا خالة هيام؟ وكيفها الست زينة؟
ردت هيام بدعاء من قلبها:
— الحمد لله يا ولد الأكابر.. نصرك ربنا زي ما نصرت الغلبانة دي الليلة اللي فاتت. البلد كلها بتتحدث عن اللي عملته بمحسن الصبح.
نظرت زينة إلى أسد.. التقت عيناه بعينيها في مشهد طويل هادئ، يملأه صمت المشاعر القوية المتضاربة. كان أسد ينظر إليها ولسان حاله يقول: "ليتكِ لم تكوني لغيري"، بينما كانت زينة تنظر إليه بامتنان خالص، وبداية مشاعر أمان لم تذقها من قبل.
أشاح أسد بعينيه بصعوبة، وأخرج مظروفاً مغلقاً به مبلغ كبير من المال، ومد يده به نحو الخالة هيام وقال:
— الفلوس دي.. كرمال مصاريف الست زينة وبنتها، لحد ما الأمور تتصلح والمحكمة تفصل بينهم. ومش عايز أي نقاش يا خالة.. ده حقها ورقبتي سدادة.
تقدمت زينة بخطوات بطيئة، وقفت بجوار هيام، ونظرت للمظروف ثم رفعت عينيها بعزة نفس برغم انكسارها، وقالت بصوت ناعم ممتزج بالدموع:
— شكراً ليك يا أسد بيه.. جميلك ده فوق راسي وعمري ما هنساه. أنت حمتني من الكلاب والضلمة، وجبت لي حقي من محسن.. بس الفلوس دي كتير، وأنا مش هقدر اخد حاجة مش تعبت فيها. أنا هنزل اشتغل في الأراضي أو في البيوت، وأصرف على بنتي بعرق جبيني.. ربنا يخليك لأهلك يا بيه.خد فلوسك ربنا يذيدك من فضله. اني مش محتاجهم.
تسمر أسد في مكانه. عزة نفسها ورفضها للمال رغم حاجتها الشديدة زادتها في عينه جمالاً وفخامة. شعر برغبة عارمة في أن يصرخ بها ويقول: "أنتي مش هتشتغلي في بيوت حد واصل وأنا عايش!"، لكنه كتم مشاعره بقوة، ونظر إليها بنظرة حادة حملت أمراً لا يقبل النقاش:
— الفلوس دي أمانة للبنت الصغيرة يا ست زينة، ومش أسد الهواري اللي يمد إيده بحاجة وترجع له. خلوها معاكم، وبكرة إن شاء الله الحديث هيكمل.
التفت أسد وسار نحو سيارته بخطوات سريعة، وكأنه يهرب من سحر عيونها الذي بدأ يقتلع جذور جموده وكبريائه. ركب السيارة وانطلق، بينما ظلت زينة واقفة عند الباب، تراقبه حتى اختفت سيارته وسط الغبار، وقلبها ينبض بنبضات جديدة غامضة لم تعهدها من قبل.
الخامس من هنا