📁 آخر الروايات

رواية لؤلؤة الدنجوان الفصل الثالث 3 بقلم نور محمد

رواية لؤلؤة الدنجوان الفصل الثالث 3 بقلم نور محمد


ترددت الكلمة في أرجاء الصالون الواسع وكأنها طلقة رصاص اخترقت صمت المكان، لترتد في أذن لؤلؤ مرات ومرات. "نتجوز؟"
همست لؤلؤ والكلمة تحرق شفتيها، قبل أن تنفجر ضاحكة بمرارة ممزوجة برعب خالص، ضحكة هستيرية جعلت عادل يتراجع خطوة للخلف، بينما ظل هشام ثابتاً كتمثال من الجليد، وعيناه تراقبان انهيارها ببرود ظاهري يخفي خلفه عواصف من التخبط.
"إنت أكيد مجنون!" صرخت لؤلؤ والدموع تتطاير من عينيها، وتراجعت للخلف حتى اصطدمت بحافة الطاولة الزجاجية.
"أتجوز الجلاد بتاعي؟ أتجوز اللي دمر حياتي وكسرني؟ ده إنت لو آخر راجل في الدنيا دي أنا أفضل أموت ولا إني أكون على ذمتك يوم واحد!"
تقدم هشام نحوها بخطوات بطيئة، كل خطوة كانت تزيد من دقات قلبها المذعور. لم يصرخ، ولم يغضب، بل تحدث بصوت خافت، أجش، يحمل فحيح أفعى سام.
"صوتك ميعلاش، إنتي هنا في بيتي." قالها وهو يقترب حتى حاصرها بين جسده الصلب والطاولة.
"إنتي فاكرة إني دايب في دباديبك وعايز أتجوزك عشان سواد عيونك؟ فوقي يا شاطرة. الجواز ده ورقة... حبر على ورق، مجرد صفقة بيزنس عشان أنقذ اسمي وشركتي من الفضيحة اللي إنتي كنتي الطعم فيها."
"وأنا مالي ومال شركاتك؟" بكت لؤلؤ بقهر، رافعة وجهها الأسمر المبلل بالدموع نحوه. "أنا عايزة أمي... سيبني أروح."
رفع هشام يده ببطء، وبإصبعيه القاسيين أمسك بذقنها، مجبراً إياها على النظر في عينيه المظلمتين. ملمس بشرتها الساخن أرسل تياراً غريباً في عروقه، لكنه تجاهله تماماً.
"أمك اللي إنتي بتعيطي عشانها دي، مش مريضة ومحتاجة عملية غالية؟" سأل هشام بابتسامة قاسية.
"أنا هتكفل بكل مصاريف علاجها، هسفرها أحسن مستشفى في العالم لو لزم الأمر. وفي المقابل، إنتي هتمضي على قسيمة الجواز دي. هنطلع قدام الصحافة ونقول إننا بنحب بعض، وإن اللي حصل في الفندق ده كان سوء تفاهم وإننا كنا بنحتفل بجوازنا في السر."
اتسعت عيناها بذهول من قسوته وقدرته على التلاعب بكل شيء. "إنت شيطان... إنت بتشتريني بمرض أمي؟"
أفلت ذقنها ببطء، وتراجع خطوة للخلف، ليعود إلى قناعه الجليدي. "سميها زي ما تسميها... بيع، شرا، إنقاذ. قدامك لحد بكره الصبح تظبطي دماغك. عادل هيوديكي أوضتك، ومش عايز أسمع صوتك لحد ما المأذون يوصل."
أعطاها ظهره مستعداً للمغادرة، فصرخت خلفه بيأس: "ولو رفضت؟"
توقف هشام دون أن يلتفت، وقال بصوت جليدي: "لو رفضتي، هرميكي للصحافة بره، وهخلي البوليس يلبسك تهمة دعا*رة وابتزاز... وساعتها، أمك مش هتلاقي اللي يجيبلها قرص الدوا، وتموت بحسرتها عليكي."
غادر الغرفة تاركاً إياها تنهار على الأرض، تبكي حظها العاثر وشر*فها المهدور، في حين تقدم عادل بشفقة واضحة ليقودها إلى إحدى غرف القصر الفارهة.
في جناحها الواسع، الذي يفوق في مساحته وفخامته منزلها بأكمله، جلست لؤلؤ على حافة السرير الحريري، تضم ركبتيها إلى صدرها، وترتجف من البرد رغم دفء الغرفة. الليل يزحف ببطء، حاملاً معه أثقالاً من القهر.
نظرت إلى نفسها في المرآة الكبيرة المقابلة للسرير؛ فتاة نحيلة، سمراء، لا تملك من مقومات الأنوثة ما يجذب رجلاً عادياً، فكيف برجل يركع له الجمال نفسه؟ لماذا هي؟ لماذا اختارها القدر لتكون ضحية في حرب لا تفهمها؟
تذكرت والدتها المريضة، وجهها الشاحب وسعالها الذي يمزق سكون الليل في حارتهما الفقيرة.
أغمضت عينيها بقوة، وابتلعت غصتها المريرة. لقد حُسم الأمر. هي الآن مجرد سلعة، قطعة شطرنج في يد هذا المغرور.
ستبيع حريتها ونفسها لتنقذ والدتها، لكنها أقسمت في سرها أنها لن تبيع كرامتها، ولن تسمح له بأن يكسر روحها.
على الجانب الآخر من القصر، في مكتبه المظلم، كان هشام يقف أمام النافذة الزجاجية الضخمة، يراقب حديقة القصر الغارقة في الظلام، وبيده كأس من المشر*وب.
كان غاضباً، محبطاً، ومشتتاً. كيف يقع هشام الشافعي في فخ رخيص كهذا؟ كيف يُجبر على الزواج من فتاة لا تلفت انتباهه حتى لو كانت الفتاة الوحيدة على وجه الأرض؟
لكن، وسط هذا الغضب العارم، كانت هناك تفاصيل صغيرة تقتحم عقله رغماً عنه. رائحتها البسيطة التي علقت بسترته... ارتجاف جسدها النحيل عندما لامسها... ونظرة عينيها الواسعتين اللتين تشعان براءة وتحدياً في آن واحد.
شرب ما تبقى في كأسه دفعة واحدة، محاولاً إخماد تلك الأفكار السخيفة. هي مجرد أداة، ورقة لعب سيستخدمها ليعبر هذه الأزمة، ثم يلقي بها في سلة المهملات عندما ينتهي دورها.
أشرقت شمس الصباح الباكر، حاملة معها بداية حياة جديدة لم تخترها لؤلؤ. استيقظت على طرقات خفيفة على باب غرفتها. دخلت مجموعة من النساء يحملن حقائب ضخمة وفساتين وأدوات تجميل. نظرن إلى لؤلؤ بنظرات تحمل مزيجاً من الاستغراب والتعالي، وكأنهن يتساءلن:
"أهذه هي عروس هشام الشافعي؟".
"هشام بيه باعتنا عشان نجهزك يا هانم." قالت إحداهن بعملية تامة.
استسلمت لؤلؤ لهن كدمية خشبية فاقدة للإرادة. حاولن وضع طبقات كثيفة من مساحيق التجميل لإخفاء سمرة بشرتها، لكنها انتفضت فجأة، وبصوت حازم لم تتوقعه من نفسها قالت:
"امسحي كل ده... أنا مش هحط ألوان على وشي، ومش هغير خلقة ربنا عشان أعجبه."
تبادلت النساء النظرات بصدمة، لكنهن رضخن لطلبها أمام إصرارها. اكتفين بلمسات بسيطة جداً أبرزت اتساع عينيها، وصففن شعرها الفاحم ليصبح كشلال من الحرير ينسدل على ظهرها، وألبسنها فستاناً أبيض بسيطاً للغاية، ضيقاً من الأعلى وينسدل بنعومة، خالياً من أي تطريز مبالغ فيه.
عندما نظرت لؤلؤ في المرآة، لم تعرف نفسها. الفستان الأبيض البسيط عانق جسدها النحيل بطريقة غريبة، مبرزاً رقة خصرها، واللون الأبيض جعل بشرتها السمراء تتوهج بلمعة برونزية ساحرة ومختلفة تماماً عن معايير الجمال التقليدية المبتذلة.
لم تكن فاتنة صارخة، بل كانت لوحة فنية نادرة، تنطق بالبراءة والغموض.
انفتح باب الجناح فجأة ليدخل هشام. كان يرتدي حلة سوداء مفصلة بعناية فائقة، تزيده هيبة ووسامة طاغية. دخل والغضب يسبقه، يريد أن ينهي هذه المهزلة بأسرع وقت.
"خلصتوا ولا لسه؟ المأذون..."
توقفت الكلمات في حلقه، وتسمر مكانه بالقرب من الباب. وقعت عيناه عليها. صمت طال لثوانٍ بدت كالدهر. وفجأه حدث ما لم يتوقعه أحد...



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات