📁 آخر الروايات

رواية مروان وفاطمة الفصل الثالث 3 بقلم القلم الذهبي

رواية مروان وفاطمة الفصل الثالث 3 بقلم القلم الذهبي


الفصل الثالث: خيوط الشمس والظلال

مرت ليلة العاصفة تاركة وراءها أثراً لا يُمحى في قلبَي مروان وفاطمة. ورغم الدفء غير المتوقع الذي تسلل إلى نبرة مروان تحت ضوء الشمعة، إلا أن هدوء الصباح التالي أعاد فرض الواقع الصارم. في المحترف الأثري، كانت خيوط الشمس الذهبية تتسلل عبر النوافذ الخشبية القديمة، لتكشف عن ذرات الغبار المتطايرة وتضفي على المكان هالة من السحر، لكن الأجواء بين البطلين كانت مشحونة بالترقب الحذر.

وصل مروان مبكراً كعادته، مرتدياً بذلة كحلية رسمية، وبدا وكأنه نفض عنه تماماً عباءة الرومانسية الليلية، ليعود إلى شخصيته العملية الجادة. وضع حاسوبه المحمول فوق الطاولة الخشبية الكبيرة بحدة، ونظر إلى فاطمة التي كانت تراجع إحدى النوتات والمخطوطات الورقية، وقال بنبرة هادئة لكنها خالية من المشاعر: "فاطمة، لقد وصلتني اليوم الموافقات النهائية من الجهات المعنية لبدء المرحلة الأولى من صيانة قصر الغوري. الجداول الزمنية لم تعد تحتمل أي تأخير أو مراجعات عاطفية للأوراق. أريد تقرير المعاينة مكتملاً على مكتبي قبل نهاية هذا الأسبوع."

رفعت فاطمة رأسها ببطء، وعيناها الواسعتان تحملان مزيجاً من العناد والملامة. لم يعجبها هذا التحول السريع، وشعرت بأن تقربه بالأمس كان مجرد لحظة ضعف يحاول الآن التغطية عليها بزيادة صرامته. وقفت بكل كبرياء، وشبكت يديها قائلة بصوت واضح وقوي: "العمل الأثري يا باشمهندس مروان لا يسير بـ 'أوامر' الاستثمار. البردية التي بين يدي تعود لقرون، وإذا تعجلنا في ترميمها أو كتابة تقريرها لمجرد إرضاء جداول شركتك العقارية، فقد نفقد تفاصيل لا تعوض. أنا لا أعمل في مصنع لإنتاج الإسمنت، أنا أرمم تاريخاً.. والتقرير سيجهز عندما ينتهي الفحص العلمي بدقة، وليس قبل ذلك."

ضيق مروان عينيه واقترب منها ببطء، واضعاً يديه في جيبي بنطاله، ونظر إليها بنظرة حادة اخترقت دفاعاتها: "أنتِ تعاندين لمجرد العناد يا فاطمة. بالأمس تحدثتِ عن الروح وحماية الماضي، وظننت أننا وصلنا لنقطة تفاهم. لكن يبدو أنكِ تخافين من التغيير، وتختبئين خلف هذه الجدران القديمة لأنكِ تخشين مواجهة العالم الخارجي وصخبه."

لامست كلماته وتراً حساساً وجرحاً لم يكن يريد لمسه. شعرت فاطمة بـ حرارة الغضب تصعد إلى وجهها، واقتربت منه خطوة إضافية لتصبح المواجهة بينهما مباشرة وشرسة: "أنا لا أختبئ! بل أحمل رسالة. أما أنت، فتحاول هدم كل ما هو جميل وتحويله إلى كتل خرسانية صماء لتثبت لنفسك أنك تملك السيطرة والنفوذ. النفوذ والمال لا يصنعان قيمة للإنسان يا مروان، إذا كان يفتقر للقدرة على تذوق الجمال والأصالة."

ساد الصمت الثقيل في المحترف، وكأن النسمات الدافئة قد تجمدت فجأة. تلاقت أعينهما في تحدٍّ صارخ، يمتزج فيه الغضب بالشغف الكامن الذي يحاول كلاهما إنكاره. وقبل أن يقطع مروان الصمت برد حاسم، رنّ هاتف فاطمة بشكل مفاجئ، ليعلن عن اتصال طارئ من إدارة دار الأوبرا، حيث طلبوا حضورها فوراً لوجود مشكلة في بعض المخطوطات الموسيقية النادرة التي تعرضت للتلف الجزئي نتيجة تسرب مياه الأمطار في الليلة الماضية.

نظرت فاطمة إلى هاتفها ثم إلى مروان، وقالت وهي تلملم أشيائها بحزم: "أنا مضطرة للمغادرة الآن.. هناك حالة طارئة في الأوبرا تخص مخطوطات موسيقية أثرية. وتذكر.. التقرير لن يصدر إلا بحسب رؤيتي الفنية."

تأملها مروان وهي تتحرك بسرعة وثقة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفية حملت إعجاباً كبيراً بـ كبريائها وعنادها الشرس الذي لا ينحني أمام أحد. ورغم غضبه من تأخر العمل، إلا أنه وجد نفسه يسير خلفها قائلاً بنبرة قاطعة: "لن تذهبي بمفردكِ في هذا الطقس المتقلب.. سيارتي في الخارج وسأقوم بتوصيلكِ، ليس من أجلكِ، بل لأتأكد أنكِ ستعودين لإنهاء عملي في أسرع وقت."



الرابع من هنا

مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات