رواية إلحاد عاطفي الفصل الثلاثون 30 بقلم رميساء عمرو
٣٠_ بدايات مُتأخرة.
_ يعني أنا مش همشي تاني يا أدهم.
رأسها مُستندة على صدره تراقب الغرفة حولها بملامح مشوشة وهو يشعر بدموعها و تخبطها
_ يا حبيبتي لأ ، دي مجرد نسبة صغيرة تكاد تكون معدومة لكن بالعلاج إن شاء الله هتبقي زي الفل.
لم تعلق سوا بِـ
_ إحضني جامد يا أدهم أنا خايفة.
ضمها بقوة آلمتها و لكن خوفها كان أكبر من أن تتأوه ، صمت لم يقطعه سوا صوت طرق الباب ودخول سُهيلة بعد أن أذن لها أدهم بالدخول
_ صباح الخير يا ميرو ، عاملة إيه يا حبيبتي.
نظر أدهم لجسدها المُحاط بالجبائر و الضمادات بحُزن جعله يقبض على كفها أكثر ، شعرت بحركته لتلتفت لهُ متسائلة ، إبتسم لها بلُطف لا ينتمي سوا لهُ
_ أدهم في واحد برا عايزك.
قالت سُهيلة بصوتٍ خافت لينظر لها بإستغراب ، نهض بهدوء خارجًا من الغرفة حتى لمح شاب هزيل الهيئة.. يداه ترتجفان و يبدو متوترًا
_ أقدر أساعد حضرتك إزاي؟
تسائل أدهم بفضول ليتوتر الشاب بصورةٍ ملحوظة ، شبك يداه المرتجفتان ببعضهما
_ أنا إلي خبطت مرات حضرتك.
توسعت عيناي أدهم بغضب ولكن الآخر تدراك الأمر
_ إديني فرصة أشرح لحضرتك بس ، أنا زي مانتَ شايف عندي مشكلة في الأعصاب وكنت سايق عشان أمي كانت في المستشفى وحصل إلي حصل ، صدقني أنا عندي إستعداد أعوض حضرتك عن أي ضرر أو حتى أتكفل بصاريف عِلاجها كلها ، أنا كنت باجي وبطمن على حالتها بس كنت مستني لحد ما الأمور تهدى عشان نعرف نتفاهم.
نظر لها أدهم بتعابير غامضة غير مريحة ليحك عنقه بحرج
_ خلاص يا أستاذ ..
_ ساهر.
_ خلاص يا أستاذ ساهر ، الأمر مش مستاهل هي كده كده كان مكتوبلها تتعرض لده سواء بيك أو من غيرك ، وإنتَ إنسان محترم وذوق فملوش داعي التعويض كلنا معرضين نتحط في موقف زي ده.
1
إبتسم ساهر بعدم تصديق
_ بجد!
سرعان ما تدارك نفسه
_ مش على التعويض واللهِ بس الدكتور قالي أنه الخبطة ممكن تعملها عاهة مستديمة وفي الحالة دي هيبقى معاك حق إنك تحبسني أو ترفع عليا قضية ، و ماما ملهاش غيري مكنتش هتستحمل.
مر على باله والدته ليبتسم بحنين متألم
_ ربنا يبارك لك فيها.
_ يارب يا أستاذ أدهم.
لم يتعجب لمعرفته اسمه فبالتأكيد عرفه من الطبيب ، رن هاتف ساهر ليُجيب بنبرة مرحة
_ Hello my princess.
ظل يتحدث بحماس متناسيًا أدهم دون قصد ، قرر الابتعاد ولكنه أستمع لنبرة ساهر التي إستحالت للغضب
_ تاخد البنت ده إيه يا ماما هي مش راحت إتجوزت و إتنازلت عن حضانتها! خلاص يا ماما أنا جاي حالًا.
إلتفت لأدهم سريعًا يصافحه
_ أنا مضطر أمشي لكن إن شاء الله لينا كلام تاني.
جائت ملك تزامنًا مع إلتفته ليرحل ، تخطتهما ودخلت للغرفة بملامح مصدومة
_ مين المُز إلي برا ده؟!
_ مُز مين؟
هتفت سهيلة بفضول
_ كان واقف مع أدهم برا ، عيون خضرا و ملامح أجنبية لولا بس إنه رفيع كان بقى شبه الممثلين الأتراك.
نظرت لها مِيرال بحدة
_ يا بت إتلمي إحنا نعرف مين ده أصلًا!
_ مش مهم المهم إنه جامد.
ضحكت سهيلة معقبة
_ بأمانة هي صح الواد فظيع يا مِيرال إنتِ مشوفتيهوش.
_ تشوف مين؟
إنتفضوا جميعًا بفزع مع صوت أدهم الحاد ، نظرت لهُ سهيلة بتوتر ثم ابتسمت بسماجة
_ تشوف الكوڤر الجديد بتاع الموبايل ، جيباه بِـ ٩٠ جنية أون لاين واللهِ.
8
نظر لهم بنفس التعابير الغامضة لتنهض سهيلة ساحبة ملك خلفها
_ يلا تعالي نشوف إحنا الجراب ، سلام يا أدهم.
ثم فرا سريعًا من أمامه ، إستدار لمِيرال القابعة بسكينة وإبتسامة هادئة تزين شفتيها
_ الواد فظيع؟! هو أختك وصاحبتك دول إيه! ده الراجل إلي خبطك وهما بسم اللَّه ما شاء اللَّه حبوه من أول نظرة.
_ عملت معاه إيه طيب؟
جلس مقابل لها ثم تنهد قائلًا
_ واللهِ كنت محتار لحد ما شرحلي ظروفه عذرته ما كلنا بنغلط يعني.
_ ده أدهم حبيبي.
إبتسمت بحب بادلها إياه و الحزن القابع بعينيها لم ينحسر.
__________________
_ إنتِ تقلتي كده ليه يا مِيرال؟
سأل بمشاكسة وهو يحملها نحو شقتهما ، عبست بإستياء
_ بقالي أسبوعين في المستشفى طبيعي أتخن يعني.
_ ملبن يا إخواتي.
5
ضحكت وهي تعانق رقبته بذارعيها ، دلفا للشقة وقام بفتح الباب ليصدر صريرًا بعث في روحها سكينة غريبة ، كانت الأضواء جميعها مغلقة إلا من فرع رفيع يشع نورًا خافتًا
بدأت الرؤية تظهر لها أكثر حيث الشموع المعطرة و طاولة مليئة بكل ما تحبه من حلوى ، حاسوبه النقال موضوع على الطاولة في إنتظار إختيارها لإحدى الأفلام ، بعض الموسيقى الناعمة تسللت من مشغل الموسيقى في زاوية الصالة ، نظرتُ له بصدمة ودموع متأثرة قبل أن يحملها متجهًا لغرفة نومهما وقد وضع على الفراش فستان كلاسيكي قصير أحمر اللون ، ساعدها في إرتداء الفستان وتمشيط خصلاتها ، همس بجانب أذنها مخاطبًا إنعكاسها في المرآة وهو يقوم بتصفيف شعرها
7
_ كان أغبى قرار خدته في حياتي إني أسيبك و أسافر ، كنت بتعذب وأنا بعيد عنك وأنا بس بحلم إني أتنفس نفس النفس إلي بتتنفسيه أو أنام في حضنك ، كنت لوحدي و مش مبسوط ولا حاسس بأي نجاح
كان ناقص حاجة كبيرة أوي و الحاجة دي هي إنتِ ، أنا مفيش حاجة بتكمل في حياتي من غيرك يا مِيرال ، ويوم ما قررت أرجع بعد ما خلصت التدريب و قلت بلاها سفر و كانوا رجعولي الفلوس إلي دفعتها عشان تفوقي حسيت إنك هتضيعي مني و كأن ربنا بيعاقبني عشان سبتك ، كنت أناني و أنا بكره الأنانية بس من انهاردة مفيش بُعد تاني هنعوض الأيام إلي بعدتها وكأننا بنبدأ من جديد ، موافقة؟
وهل تملك غير الموافقة؟ أمام عاطفته و كلماته الدافئة الناعمة التي تربت على قلبها المكدوم ، كيف ترفض بداية جديدة برفقته هو؟
_ موافقة طبعًا.
إتسعت إبتسامته بحب وهو يقبل عنقها المكشوف من فتحة الفستان ، حملها للخارج مرة آخرى و أجلسها على الأريكة تحاوطها الشموع و الضوء الخافِت ، عرض إحدى الأفلام الكرتونية على حاسوبه النقال الذي يعلم بحبها لهُ
_ مولان! my favorite بجد ، بتفكرني بيا.
1
ضحك بخفوت لتكمل بنبرة مرحة فقدت حزنها
_ تعرف وأنا في ثانوي كان نفسي أدخل الجيش زيها كده وأبقى دكر بقى ، بس الحمدلله بقيت دكر من غير جيش.
سخرت في جملتها الأخيرة ليسند رأسه على كتفها هامسًا بحرارة
_ قُطع لسان إلي يقول عليكِ دكر ، باللَّه في دكر قمر كده و كيوت كده و جميل كده.
لم تخجل ولكنها كانت مُمتنة لكل ما يفعلهُ ويقولهُ ، كلماته تُحي بداخلها أشيائًا لم تكن تُدرك وجودها من الأصل
_ قُلت لك قبل كده إني كل يوم بقع في حبك من جديد؟
رفع حاجباه بدهشة
_ لا فسري أكتر.
تنهدت براحة ورقة هامسة برقة أذابتهُ
_ يعني كل ما بكتشف فيك جانب معين أو حتى عيب معين بقع في حبك من تاني ، كلامك..شخصيتك.. ردود أفعالك كل حاجة فيك محتاجة تتباس بجد.
ضحكت في آخر كلماتها ليُبادلها بعبث
_ واللهِ الواحد ما عارف يقولك إيه على الإطرائات اللطيفة دي!
وجهت بصرها ناحية الحاسوب تُتابع أحداث الفيلم الذي تكاد تحفظه
_ متقولش أحضني بس.
عناق بمثابة مساحتها الأمانة و وطنها الذي لا يضيق بها أبدًا
«ذلك الضيق بين كتفكَ و قلبكَ يعد أكثر أوطاني إتساعاً.»
5
_______________
_ بشبه على التيشيرت ده أنا.
نظر لها بشك لتبتسم ببلادة
_ لا مش بتاعك خالص.
_ مِيرال.
نداها بنبرة خافتة لتستدير بمرح
_ استر يا رب.
لن يفقد جديته وهو يتطرق لموضوعه الأساسي
_ بكرة هتبقى أول جلسة في العلاج الطبيعي ، إنتِ عارفة صح؟
هزت رأسها إيجابًا بسلام نفسي أذهله
_ مش خايفة؟
أجابت بصدق وشجاعة
_ ربنا معايا ده أولًا وإلي مكتوب لي هيكون وثانيًا إنتَ جمبي ولا هتخلع؟
_ عيب عليكِ تقولي كده.
لم تخلوا نظراتها من الإمتنان المُشفق فهو صار يعمل في إحدى الشركات بعد أن أتم ذلك التدريب ، يعود من العمل يحضر هو الطعام و يغسل ملابسه وهي تجلس طوال اليوم في مكانها لا تتحرك ، لم يمر على حادثها سوا بعض أسابيع ولكنها تشعر كأنها مُقيدة أو محتجزة داخل إحدى الفقعات المطاطية
_ إنتِ معايا؟
سألها بنبرة حانية
_ معاك يا حبيبي.
عاد يثرثر وهو يقص عليها تفاصيل يومه وهي تستمع بكل تفاني و حب.
1
_______________
داخل إحدى شركات الأدوية ، اليوم هو أول أيام تدريب ملك في تلك الشركة الكبيرة كانت خائفة قليلًا ومتوترة
قبل أن تدلف للشركة بثقة وبعد تسجيل بيانتها و إتمام كل شيء صعدت لإحدى القاعات التي سيكون بها تدريبها.
جلست في إحدى المقاعد الأمامية تنتظر دخول المحاضر ، بعد دقائق وفي تمام ميعاده دخل للقاعة بخطوات واثقة رزينة وابتسامة مشرقة
_ صباح الخير يا دكاترة ، أنا دكتور ساهر وإن شاء الله هشرحلكم الجزء النظري من التدريب.
17
ارتفعت الهمهمات حولها وهي كانت قد تعرفت عليه بعد دقائق ، هو ذات الوسيم صاحب الجسد الهزيل والعينين الخضروتين الذي صدم شقيقتها متسببًا بها بشلل مؤقت كما يزعم الأطباء ، تفحصت هيئته ببطيء قميص سماوي و بنطال باللون الزيتي .. حذاء كلاسيكي أسود و خصلات مصففة بعناية كان يبدو مدهشًا رغم رجفة يديه المبالغ فيها.
1
بدأ الشرح بكل تركيز حتى سمع همسات إحدى الفتيات
_ وهو ماله ده إيه عماله تترعش كده ليه؟
تحفز جسده قليلًا قبل أن يسترخي مُقتربًا من مقعد الفتاة المتنمرة
_ هقولك يا دكتورة ، أنا عندي مرض اسمه مرض باركنسون بيأثر على جزء معين في المخ ، فده بيخلي الأطراف تترعش في حالات الإسترخاء أو التوتر
أتمنى تكوني فهمتِ و دلوقتي ممكن نركز مع الشرح مش
مع ايدي.
2
إحمر وجه الفتاة وهو يعود أدراجه نحو شاشة العرض الذي يقوم بالشرح عليها ، وملك كانت تتأمله بإعجاب حول شجاعته وثقته الشديدتان و بدون وعي إلتقت عيناها لوهلة قبل أن يبعدها هو مستكملًا الشرح وقد ترك في صدرها أثر لا يُنسى.
_______________
_ أدهم أنا عايز أتجوزها بجد!
صاح ياسر بنفاذ الصبر
_ إنتَ جايبني كل ده عشان تقولي الكلام ده؟!
سأله بدهشة لينظر له الآخر بجنون
_ مانا جاي من زفت سفر عشان أقولك الكلام ده ، على الأقل إنتَ ساعة وهتكون في البيت أما أنام تلت ساعات رأيه وتلت ساعات راجع.
نظر له أدهم بشفقة
_ غريب الحب مين فاهمه.
_ بطل تخرج أسوء ما فيا.
نظر لهُ أدهم بإعتذار مستكملًا بجدية
_ طب فهمني عايز إيه و أنا هعمله.
_ عايزك تساعدني عشان في في دماغي حتة فكرة إنما إيه عنب.
نظر لهُ مرة أخرى لكن بتوجس
_ أنا قلقان منك.
_ عيب عليك.
نفى بثقة مبالغ فيها زادت من قلق أدهم
_ أي نتائج سلبية إنتَ هتتحملها آمين؟
_ آمين.
إتسعت ابتسامة ياسر بظفر و كأنه على وشك الإمساك بأكثر أحلامه أهمية.
الحادي والثلاثون من هنا