رواية غيوم تحجب القمر الفصل السادس والعشرين 26 بقلم مني السيد
الفصل السادس والعشرون
فغرت قمر فاهها وهي غير مستوعبة تردد في غير وعي " ملك... ملك أخت... أخت أدهم... ازاي؟؟
وضربت على جبهتها
" انا من اول ما شوفتها وانا حاسة اني شوفتها قبل كده لاني شوفت صورتها وهي صغيرة في الفيلا بس كانت بشعرها ومراهقة وكده، اكيد ملامحها اتغيرت بس ازاي انا ماخدش بالي من حاجة زي دي؟ انت متأكد يا ماجد؟ دا موضوع كبير اوي؟ يعني هي مامتش؟ ولا مامته كمان؟ لانها بتقول ان مامتها عايشة ويوم عيد ميلادها جبتلها سلسلة عليه اسمها "
التفت ماجد اليها بحدة
" اسمها ايه امها؟ اسمها ايه؟"
أجابت قمر وهي تتذكر
" اسمها... ليلى"
ضرب ماجد رأسه على المقود وهو يردد
" هي يا قمر هي.. هما يا قمر"
- قمر وهي لا تستطيع التفكير بتعقل
" طب بس اطلع بينا نكمل طريقنا ونقول لأدهم وهو يتأكد بنفسه"
- ماجد " لا يا قمر مينفعش نقول لأدهم قبل ما اشوفها بعنيا واتأكد بنفسي"
- قمر " طيب يا ماجد سيب الموضوع دا عليا وانا هاظبطه بس اطلع دلوقتي خلينا نلحق أدهم"
- ماجد " احنا لحد ما نوصل هيبقا الوقت اتأخر أوي خلينا الصبح بدري عشان يبقا كمان علي المحامي معانا ولو كده نخرجه معانا لأن بالليل متأخر كده مش هينفع يخرج"
- قمر بعصبية " يعني انا يبقا معايا دليل براءته واروح انام وارتاح وهو في الحبس انت بتتكلم ازاي يا ماجد انا لازم اشوفه دلوقتي"
- ماجد" تشوفيه دلوقتي ايه؟ طبعا مينفعش"
توسلت قمر إليه
" ارجوك يا ماجد انت عرفت تجيبني من صورة بطاقتي مش هاتعرف تشوفلينا واسطة تخليني اشوفه"
زفر ماجد " طيب يا قمر هحاول بس ما اوعدكيش "
هزت رأسها في أمل وأخرج هاتفه ليقوم ببعض الاتصالات. وعلى بوابة القاهرة كان يغلق الهاتف شاكراً أحدهم، ثم نظر إليها مبتسماً
" خلاص ياستي هاتشوفيه النهاردة بس خمس دقايق بس عشان متوديناش في داهية" كادت تقفز في مكانها فرحة وهي تشعر بطول الطريق وكأنه تريد أكل الطريق بأسنانها علّها تقصره قليلا.
دلفت قمر إلى القسم بصحبة ماجد وهي تتلفتت يمينا ويسارا تبحث عنه بعيناها. تحدث ماجد مع أحدهم في خفية ثم وجهها نحو إحدى الغرف قائلا
" انا هاستناكي هنا "
فتحت قمر الباب ودلفت وقلبها يضرب في جنبات صدرها بعنف ورأته من ظهره جالسا على إحدى المقاعد الجلدية منتظرا زائره الغريب. فهو لا يزوره إلا محاميه علي صباحا وماجد ايضا صباحا من عساه يكون هذا الزائر الليلي؟ لم يشعر بالباب وهو ينفتح من تشتت أفكاره، ولكنه اشتم رائحتها ورفّ قلبه لذكرى هذه الرائحة. نهر نفسه ألهذه الدرجة يشتاق إليها ويجتر ذكرياتها؟! تنهد بحسرة ولكنه انتفض حين وجد يدها الناعمة تتمسك بكتفه وكأنها وجدت جزيرة غنّاء تطأها قدماها بعد طول إبحار.نظر إليها غير مصدق. فهب واقفاً ودون ان يفكر أغلق يديه حولها وكأنه يطوقها ولن يخرجها من بين ذراعيه أبدا. لا يصدق انه أخيرا وجدها وأنها بين ذراعيه كما هي بين جنبات قلبه. ظلا متعانقين لوقت لم يعدّانه ولم يحسبانه. ثم ابتعدت عنه قمر ببطء وتعلقت بعض خصلات شعرها الطويل بذقنه غير الحليقة وكأن شعرها يأبى التراجع والابتعاد عنه. أمسك بخصلات شعرها يرجعها مكانها ويريحها خلف أذنها وهو ينظر لداخل عينيها متمتعاً بتلك اللحظات الغالية. بدأت قمر بالكلام
" انت هاتطلع بكرة بإذن الله"
نظر أدهم لداخل عينيها ولم يعبأ بما تقول وهمس لها
" وحشتيني"
احمرت وجنتاها وأرخت جفنيها في خجل فوضع أدهم اصبعيه تحت ذقنها رافعا رأسها إليه مجبرا عيناها على النظر إليه
" من هنا ورايح عينك دي متهربش مني انا عاوز اشبع منها ومنك"
دفعته برقة " أدهم... انا بقولك ايه وانت بتقولي ايه !! بقولك هاخرجك وبكرة كمان" أدهم وهو مازال متيما في عينيها " هانت عليكي اوي كده يا قمر تسيبيني وتمشي ومتسأليش عني كل الفترة اللي فاتت دي"
-قمر" أدهم خلينا من اللي فات دلوقتي بقولك هاخرجك من هنا"
-تساءل أدهم"ازاي؟؟ هو علي لقى طريقة" هزت رأسها نافيه وعيناها لا تفارق خاصته
" لا.. انا معايا دليل براءتك؟ عقد أدهم حاجبيه
" انتي؟ ازاي يعني؟"
- قمر وهي تستند بيديها على صدره "فاكر لما ميرا جت عندك وباتت انا كنت فين؟" -أدهم "ايوة كنتي في الدولاب"
-قمر " ايوة وساعتها انا لميت كل حاجة تخصني من الأوضة وكان موبايلي ف ايدي ولما لقيتك نمت يعني وهي ب ... بت.. بتقلعك هدومك يعني حسيت انها هاتعمل حاجة غريبة وطلعت موبايلي وصورت كل اللي حصل فيديو وصورتها وهي بتطلع سرنجة فيها دم وبتفضيها ع الملاية وبعدها هي قلعت ونامت جنبك ساعتها علقت الموبايل في الشماعة يكمل تصوير لوحده ونمت لحد ما سمعت صوتك الصبح وانت بتزعق والحمد لله الموبايل مصور كل ده لحد ما صحيت"
احتضنها أدهم وأخذ يلف بها الحجرة وهي تنهره بلطف
" بس يا ادهم بدوخ بجد يا أدهم بس" توقف وأنزلها وهي تقف على ساقيها بصعوبة " قولتلك بدوخ"
- أدهم " بعد الشر عليكي من الدوخة انتي فعلا شكلك تعبان اوي، المهم دلوقتي تروحي الفيلا تريحي وتعملي اللي هاقولك عليه وتجيلي بكرة الصبح يا أحلى حاجة حصلت في حياتي كلها"
احمرت وجنتاها من هذه الكلمات فأمسك وجنتيها بأصبعيه يشدهما
" يسلمولي انا الخدود اللي بيحمروا دول" قبلها على وجنتيها بقوة وأخذ يتحدث معها بسرعة ثم ودعها قائلا
" على اد ما انا كنت بتعذب الايام اللي فاتت عشان مش عارف اوصلك ولا اطمن عليكي على أد عذابي النهاردة هيكون أضعاف لأني عارف انك جنبي ومش قادر اكون معاكي" ترقرقت دمعتان من عينيها التي لا تحيد عن خاصته وهي تشعر أن قطعة من قلبها تنخلع مع تفارق ايديهما.
************
في اليوم التالي استيقظت قمر باكرا جدا على اعتبار انها نامت من الأساس، فالحماس يقض مضجعها ولم تستطع الصبر وفعلت كما وصاها أدهم بالأمس، ثم ارتدت ملابسها وخرجت لتجد ماجد ينتظرها وتوجها إلى القسم على موعد مع علي المحامي. دخلت قمر إلى الضابط المسئول وأدلت بأقوالها وسألها الضابط
" وانتي بقا كنتي بتعملي ايه عنده يا... يا آنسة"
ولأول مرة وبشجاعة وفخر قالت:
" انا مدام.. مدام أدهم الصاوي"
وأخرجت له قسيمة زواجهما التي حمدت الله انها مكتوبة بثلاثة شهور سابقة. هز الضابط رأسه"
ولما انتي مراته استخبيتي ليه في الدولاب؟ ولا هو كان ناوي يبتز ميرا بقا وانتي عارفة ومسعداه"
- قمر وهي تشعر بشيء مريب في أسئلة الضابط التي لا تنتهي وكأنه يبحث عن ثغرة ما. فأجابت قمر:
" والله انا حرة في بيتي اقعد في الدولاب اقعد في الحمام براحتي اصل احنا بنحب نلعب استغماية"
ومطت شفتيها في شبه ابتسامة سمجة
" اتفضل حضرتك هاتشوف الدليل ولا ايه" وشاهد الضابط الدليل كله ببطء دون أن يسرع المشاهد وكل من قمر وعلي المحامي يزفر بغضب والضابط يشاهد بهدوء وكأنه يشاهد فيلمه المفضل
"يافندم حضرتك هما هيناموا ويصحوا الصبح حضرتك هاتفضل تتفرج لحد ما يصحوا؟ وبعدين ما الحتة المهمة موجودة في الاول مفيش داعي لكل دا"
الضابط ببرود " ايوة طبعا هاتفرج عليه كله، هو عشاني دى عشانكم، 

دا دليل لازم اتأكد بنفسي كويس، وبعدين هيروح للمختصين للتأكد اذا كان أصلا سليم ولا ملعوب فيه" رفعت قمر حاجبيها
" يعني ايه أدهم مش هيخرج النهاردة" وقبل أن تنفلت الكلمات الغاضبة من فم قمر أكثر تدخل علي المحامي
" يافندم انا بطالب بإخراج موكلي بضمان محل إقامته لوجود دليل جديد ممكن يغير مسار القضية كلها"
- الضابط وهو ينظر في الساعة " لا والله النهاردة مش هينفع الوقت اتأخر وانا لازم اتأكد م الفيديو دا مشهد مشهد"
زفرت قمر وهي تكاد تهجم على ذاك الشخص المستفز
- علي "بس يا باشا فيه دليل جديد و..."
- الضابط بحدة "بكرة... قولت بكرة، هو كده كده هيتعرض ع النيابة بكرة"
خرجت قمر وعلي المحامي الذي توقف ليتحدث مع رجل تبدو عليه الهيبة، قصير قليلا، سمين كثيراً. بدأ علي بالحديث
" ياريت بقا يا أستاذ محسن حضرتك تبقا مستعد للدليل الجديد عشان قضيتك هتبقا فشنك وهنرجع للبداية من تاني"
رفع محسن إحدى حاجبيه في عجرفة
" انت لسه صغير يا علي بس شاطر وعشان انت شاطر هاقولك متفرحش اوي كده انت متعرفش انت بتتعامل مع مين"
عرفت قمر من خلال الحديث ان هذا هو محامي المدعوة ميرا. وقررت ان تنتظره في الخارج أملا منها في أن تقنعه بالعدول عن تمثيل ميرا في هذه القضية لأنه حسب ما علمت عنه ذئب مكير في عالم المحاماة وأن تقنعه ان بعد هذا الدليل الجديد قد يكون من المسيء إليه وإلي مسيرته المهنية وسمعته الرنانة أن يستمر في هذه القضية.
- علي " اتفضلي معايا اوصلك يا 'مدام قمر' "
اطربت الكلمة أذنيها فابتسمت وقالت لا انا ورايا مشوار اتفضل حضرتك وانا هابقا اروح. استأذن علي وتركها، توقفت بعيدا تنتظر خروج المحامي.
انتبهت حين خرج هذا الرجل الدائري وهو يتحدث في الهاتف ويلتقط أنفاسه بصعوبة نظرا لهرولته" ايوة يا أستاذة فيه دليل جديد جه ودليل قوي كمان.... لا مش هينفع الكلام في التيلفون"
ثم نظر إلى ساعته وأردف" خلاص هقابلِك كمان نص ساعة في ال... وذكر اسم مقهى مشهور وشعرت قمر ان هذه فرصتها لتنتف شعر ميرا وهذا ما تمنته منذ أول يوم رأتها فيه. هذه فرصتها لتقصف جبهتها هي ومحاميها علّه يختار الحفاظ على اسمه وسمعته من الاستمرار في هذه المهزلة. تتبعت المحامي الشهير هو بسيارته وهي بإحدى سيارات الأجرة إلى أن وصلت أمام المقهى المشهور وانتظرت قليلا بالخارج حتى يقص المحامي دليل وقاحة ميرا إليها، لتشعر انها حُشرت في الزاوية ولا تستطيع الرد عليها. دقائق قليلة ودلفت قمر إلى المقهى. بحثت بعينيها قليلا وسريعاً ما وجدت المحامي ولكنه لا يجلس مع ميرا ولكن أمامه فتاة محجبة واقتربت قمر قليلا وهي تسمع صوت الفتاة المألوف والمعروف إليها وهي تتساءل" دليل ايه وفيديو ايه دا اللي بتتكلم عنه، انا بصراحة كنت بفكر نعيد التفكير في الموضوع كله يا استاذ"
وقفت قمر على رأس الطاولة وكأنها وقفت على رؤوسهم وعيناها وفمها مفتوحان على وسعهما ،وهي تنظر لملك غير مستوعبة أو مصدقة
" انتي؟؟؟ انتي يا مريم ... ولا اقولك يا ملك؟ انتي تعملي كده ف اخوكي"
ارتبكت ملك وجسدها ينتفض كضربات قلبها " ق...قمر انتي ... انا... افهميني بس.. انا" صرخت قمر ولم تعبأ بالناظرين إليها
" افهم ايييييه ...انتي ايه يا شيخة انتي ايه، انتي مش اكتر من حيوانة غبية، انا عاوزة افهم انتي بتعملي كده ليه ولفيتي علينا وصاحبتينا ليه عشان تعملي كده ف اخوكي؟؟ بتيجي في صف اللي دمروا حياتك وحياة عيلتك كلها قصاد أخوكي" صرخت ملك هي الأخرى
" هو السبب هو اللي دمر حياتنا كان يقدر يقف قصاد بابا وساعتها كان بابا عمره ما هيقدر يعمل اللي عمله، كان ع الاقل يقدر يقف جنبنا ، دا حتى مسألش فينا ولا حتى حاول يدور علينا بعد ما مشينا مع انه عارف ومتأكد اننا أكيد هنروح عند خالي في انجلترا"
انسحب محسن المحامي بخفة لا توافق جسده حين علا الصراخ وأصبح لا يهدأ من الطرفين. انتفخت عروق قمر في رقبتها وهي تصرخ مرة أخرى
" انتي عبيطة ولا هبلة يدور عليكوا ازاي وهو فاكركم ميتين"
اضطربت نظرات ملك وهي تردد بخفوت " ميتين ؟!! ميتين ازاي يعني؟!!"
اقتربت قمر وبلهجة آمرة
" انتي هتاخديني عند مامتك دلوقتي عشان لو هي موافقة ع اللي بيحصل دا يبقا فعلا كان الأحسن لو كنتوا موتوا بجد"
نهرتها ملك
" قمر الزمي حدودك انتي أصلا مالك بكل دا، دا موضوع عائلي"
تهدجت انفاس قمر
"مالي؟؟ ومسألتيش مالي ليه لما دخلتيني انا ونور في لعبتك القذرة دي وع العموم ياستي حتى لو موضوع عائلي انا بردو من العيلة يا ملك انا مرات أدهم اخوكي، ودلوقتي تعالي معايا وديني لمامتك حالا" أمسكتها من ذراعها توجهها نحو سيارتها وملك تُخرج مفاتيح سيارتها بارتباك وارتعاشة يديها تدمر ما تبقى من أعصابها وهي لا تفهم أي شيء.
وصلتا الفتاتان إلى باب شقة ملك ووالدتها، وملك مازالت ترتعش وهي تفتح الباب وكأنها أرنب مذعور. دلفت قمر بكل ثقة وهي تنتظر ملك حتى تخبر والدتها وحين خرجت ليلى توقفت أنفاس قمر وفكرت انها تشبه الصورة إلى حد كبير بل وتشبه أدهم بشدة كيف ستخبر أدهم عنها وهي نفسها لا تستطيع السيطرة على أعصابها. استجمعت شجاعتها ثم مدت يدها أخيرا بتجهم
" اهلا وسهلا بحضرتك انا قمر مرات أدهم" اندهشت السيدة ليلى وارتبكت قليلا لدخول قمر الصارم في الموضوع مباشرة، ثم مدت يدها هي الأخرى وبابتسامة بسيطة
" أهلا وسهلا يابنتي، بس انا أعرف ان أدهم اتجوز ميرا من كام يوم وهو دلوقتي في شهر العسل امال اتجوزك انتي ازاي وامتى " نظرت قمر إلى ملك نظرة نارية وقابلتها نظرات ملك المتوسلة وحينها عرفت قمر ان والدتهما لا علم لها بشيء فتحدثت بلهجة محتقرة وهي تنظر إلى ملك
" والله يافندم أدهم مش في شهر عسل ولا حاجة ابنك في الحبس"
ثم أشارت إلى ملك وأردفت
" والفضل في دا يرجع لبنتك "
انعقد حاجبي ليلى وبيانها وهي تُتأتئ
" ايه الكلام اللي انتي بتقوليه دا، أدهم في الحبس ليه ايه اللي حصل وملك ايه علاقتها بالموضوع"
جلس الجميع وقصت قمر على ليلى كل ما حدث وملك تطأطئ رأسها وتفرك يديها في بعضهما وهي لا تستطيع التحدث وتختبيء من نظرات والدتها الحارقة. وحين انتهت قمر من سرد ما حدث وقفت ليلى بعنف وملك تنظر إليها بعينين مرتعبتين وحاولت التحدث " صدقيني يا ماما انا كنت هاخليه يسيب القضية خلاص انا كنت ها ...."
لم تستطع إكمل جملتها لأن الصفعة القوية على وجنتها أسكتت كلامها ولكن لم تسكت نحيبها الذي علا. وصرخت ليلى
"يظهر اني معرفتش اربيكي ايه الغل اللي جواكي دا ؟ ايه الكره دا؟ حتى لو كانوا طلعونا من حياتهم واتخلوا عنا فأنا قولتلك ميت مرة انهم بردو هيفضلوا ابوكي واخواتك، متوصلش لدرجة انك تدخلي اخوكي الحبس يا حيوانة"
هنا تدخلت قمر
" أصلا هنا مربط الفرس فيه سوء تفاهم جامد في الموضوع دا"
التفتت الاثنتان إليها بعيون مستفسرة فأردفت قمر
" هما يا جماعة فاكربن ان انتو ... انكم يعني اتوفيتم"
انعقد حاجبيهما وانفتحت افواهمها في بلاهة ثم تحدثت ليلى أخيرا
" اتوفينا ازاي يعني ما احنا ادامك اهو " التفتت إليها قمر
" الطيارة اللي طلعتوا ببها وقعت وجالهم الخبر انكم اتوفيتم لأن اساميكم كانت موجودة مع بقية الضحايا اللي كانوا ع الطيارة، وطبعا مفيش جثث اتسلمت ولا حاجة لأن دي حادثة طيارة يعني صعب يلاقوا جثث أصلا "
وهنا تدخلت ملك من بين دموعها
" ايوة بس احنا مركبناش الطيارة دي انا مش قولتلك ان بعد ما عملنا chech in بابا بعتلنا ناس يمنعونا من السفر عشان انا متمتش ١٨ سنة فمركبناش الطيارة دي ولحسن الحظ كان عيد ميلادي بعد اسبوع او عشر ايام تقريبا كنا مستخبينهم عشان محدش يعرف يوصلنا ويضايقنا تاني، وبعدها خالو بعتلنا تذاكر السفر وسافرنا على طول" هزت قمر رأسها وقد فهمت كل ما حدث ثم تحدثت وهي تحثهم على عجلة
" طيب ممكن لو سمحتم تتفضلوا معايا" - تساءلت ليلى
" على فين؟" أجابت قمر :
" مشوار صغير حاجات لازم تشوفوها بعنيكم".
ضغطت ملك على نفير السيارة بتردد وهي أمام بوابة منزل طفولتها ومراهقتها. قلبها ينتفض، وأطرافها ترتعد وتتشنج كالجليد. وليلى بجانبها تنحدر دمعتان هاربتان من احمرار عينيها في أسى.
توقف عم عوض وهو يفتح البوابة فاغراً فمه وهو ينظر إلى السيدة ليلى ويردد
" لا إله إلا الله. سلام قولاً من رب رحيم" ترجلت قمر من السيارة تهدئ من روعه
" اهدى يا عم عوض دول هما حقيقي الحمد لله محصلهمش حاجة كانوا مسافرين ورجعوا اهدى"
انحنى عم عوض على يدي السيدة ليلى يحاول تقبيلها وهو يبكي بحرارة فسحبتها بسرعة وتحدثت بغصة عالقة بحلقها تؤلم من يسمعها أكثر من قائلها
" انا هنا يا عوض اهو ادامك وحشتنا ياراجل ياطيب"
أنهت جملتها وهي تنظر للمنزل الكبير بمزيج من الألم والحنين. فتحت قمر الباب ولازالت ملك مطأطئة الرأس وكأنها تخشى رفع عينيها واستعادة أجمل ذكريات عمرها، واستعادة تلك المشاعر التي أخفتها في كهف مظلم في إحدى غرف قلبها الأربعة! توجهت قمر إلى غرفة ملك أولا وهي تشير إليهم باتباعها. وليلى وملك يسيرون حرفيا كالموتى الذين عادوا للحياة. فتحت باب الغرفة ودخلت ملك تستنشق هواء غرفتها المحببة، غرفتها الوحيدة التي شعرت انها تنتمي لها. لم تشعر بأي غرفة تنقلت إليها فيما بعد بذات الشعور شعور الانتماء والسكن. وبكل شغف وشجن تحدثت قمر " عارفة يا ملك أدهم كان قافل كل الادوار اللي فوق بجدار خشب وكأنه بيقفل على عذاب ضميره اللي مكانش مخليه عارف يعيش، مكانش قادر يشوف حاجاتكم، وهدومكم، وصوركم. بنى حيطة وهمية يمكن عذاب ضميرة يخف لكن للأسف انتي انتقمتي منه بصورة أبشع م اللي هو كان بيعمله في نفسه وهاتخليه يكره نفسه اكتر مما كان بيكرهها الأول
" ثم التفتت إلى الهدايا الموضوعة بعناية في كل مكان
" عارفة دول ايه يا ملك دول هدايا عيد ميلادك وتخرجك م الثانوي ودخولك الكلية وتخرجك منها، كان بيحسب كل حاجة ويجري يجبلك هدية ويجي يعيط هنا جنبها افتحي يا ملك الهدايا المقفولة اللي محدش شافها افتحي يمكن تحسي ان دا من دمك ولحمك وانه حتى لو عمل حاجة غلط فهو ندم وجلد نفسه سنين بسببها" كانت دموع ملك لا تتوقف عن الهطول كأمطار نوّة سكندرية عاصفة. وتوجهت لإحدى العلب وفتحتها ووجدت مجموعة ألوان كانت دائما ما تتمناها وتحدث أدهم عنها ومعها ورقة صغيرة 《الالوان اللي كان نفسك فيها يا ملوكة جبتهالك يا حبيبتي .. الالوان هنا وانتي مش هنا》 ثم توجهت لصندوق آخر وأخرجت فستان رائع ورقيق ومعه ورقة صغيرة مطوية 《النهاردة كان هيبقا يوم تخرجك كل اللي أدك اتخرجوا صحابك وقرايبنا. واثق انك كنتي هتبقي أحلى منهم كلهم... الفستان هنا وانتي مش هنا يا ملك》 وصندوق آخر وصندوق آخر وكلما فتحت أحدهم انهمرت دموعها وازداد نحيبها وهي تضم الهدايا إلى قلبها والوريقات الصغيرة ااتي تنتهي دائما بنفس الجملة
" انا آسفة انا آسفة يا أدهم سامحني... سامحني"
هزأت قمر وأكملت بكل قسوة كجلاد لا يرحم
" يسامحك على ايه على قهرة قلبه وهو بيعيط على موتك انتي ومامتك ، هنقول أن دي ملكمش يد فيها لكن الله أعلم انتي عملتي فيه ايه بقربك مننا قبل ما توقعيه في المصيبة اللي هو فيها دلوقتي وتعرضي حياته ومستقبله للضياع وهو كان بيتمنى يتمرغ في تراب رجليكم وحتى لما غلط زمان هو للأسف كان واثق في والدكم ومكنش متوقع ان اللي مامتك بتتهمه بيه صحيح غير لما بابكي اتجوز مديحة بالفعل وساعتها هو سابهم وعاش لوحده لأنه مقبلش الوضع دا، يعني لو كان اكتشف قبلها كان وقف جنبكم انتم قصاد والده. ولسه الدور اللي فوق خالص اللي مليان برسوماتكم اللي متأكدة انه رسمها بنفسه ومستغربة من نفسي انا ازاي معرفتكيش رغم الصور دي كلها بس عارفة انا معرفتكيش ليه لأن الغل والكره غيروا ملامحك البريئة الجميلة انا مش عارفة ازاي صاحبتك ومشوفتش دا في عنيكي وتصرفاتك الكدابة"
صرخت ليلى:
" بس كفاية كفاية اسكتي" صرخت قمر بدورها هي الأخرى
" لأ مش كفاية تعالي اتفضلي تعالي" وتوجهت تفتح باب حجرة ليلى لتشاهد هداياها هي الأخرى
" ادخلي شوفي ابنك كاتبلك ايه كمان يمكن تحسوا انه بني آدم ومن دمكم ولحمكم" استعطفتها ملك بتوسل من بين دموعها
" ارجوكي يا قمر كفاية ماما ملهاش دعوة انا اللي عملت كل دا انا اللي غبية، انا اللي حيوانة، انا ابليس انا... انا ...انا " والتفتت الاثنتان على صوت صدمة قوية بالأرض وصرخت ملك بهلع " مامااااااا"