رواية إلحاد عاطفي الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم رميساء عمرو
٢٥_ إمتنان.
شعور بالبرودة تملكها ، تشعر و كأنها تجلس أمام القطب الجنوبي ، حاجباه معقودان شفتاه مزمومتان ملامحه جامدة و جادة
_ وبعدين يا مِيرال هتفضلي ساكتة؟
رفعت عيناها لهُ ببطيءٍ قاتل
_ أقول إيه يا أدهم ، عايزني أقول إيه وأنا هقوله واللهِ.
إقترب يركع أمامه ، سند رأسه على فخذها بتعب لتتخلل أصابعها خُصلاته برعاية
_ إنتِ عارفة إني بحبك صح ؟
همس باعثًة راجفة ناعمة في جسدها
_ صح.
قالت و دموعها تنهمر
_ و عارفة إني تعبت صح؟
صوته مُختنق باكي جعل أنفساها تتسارع ببكاء
_ صح.
شعرت بدموعه فوق فخذها فضمت رأسه بين ذراعيها
_ أنا مش زعلانة يا أدهم ، إنتَ بس هتوحشني أنا بقيت بتونس بيك ومش كلام أغاني و خلاص أنا لو لوحدي في مكان ومعرفش حد بكون بدور عليك إنتَ ، لو حسيت إني ضعفت أو زعلت ببقى بدور عليك عشان أحضنك ، أنا بس لما بتخيل إني مش هعرف أشوفك غير في الموبايل ولا هنام في حضنك لما نتجوز قلبي بيوجعني ، واللهِ قلبي بيوجعني ومش عايزة أبقى أنانية.
رفع رأسه لها عقب إنتفاضة جسدها الباكية ، سحبها أرضًا ضاممًا إياها لصدره هامسًا بعذاب
_ وإنتِ فاكرة إنه سهل عليا أنا كمان؟! أعيش لوحدي بعد ما بقيت عايش بيكِ ، محضنكيش وقت ما أحب ولا أبص لعيونك وإنتِ فرحانة ، أنا كنت باني أحلام كتيرة واقفة على جوازنا بس الحياة مش عادلة يا حبيبتي يإما أكون جمبك على طول يإما أشوف مستقبلنا وأأمنه و الإتنين أهم من بعض ، بس أنا مش هعرف أحس إني سعيد طول ما شغلي على كف عفريت مُحتمل إني أطرد في أي يوم ، و هيجي يوم و أكبر مش هقدر أقف على رجلي بالساعات ولا أتنطط من شغلانة لشغلانة و لا أرجع بيتنا مشي عشان أوفر فلوس المواصلات ، عايز لما يبقى عندي ولاد أقدر أصرف عليهم محسسهومش إنهم أقل من حد ، صدقيني قراري دي مش متهور ولا أناني قراري ده عشانا و عشان ولادنا فيما بعد مش عايز أحس إني عاجز وأقول ياريتني.
سند جبتهته على جبهتها وقد تركزت أنظاره عليها هي فقط ، مد يداه ماسحًا دموعها برفق لتدفن رأسها في عنقه و صوت بكائها قد إرتفع
_ مش قادرة يا أدهم مش قادرة أقولك سافر يا حبيبي مع السلامة ، صدقني مش قادرة قلبي واجعني أوي أنا متألمتش كده غير ساعة موت بابا لما حسيت إني خلاص خسرته ، إنتَ هتبعد و هخاف أخسرك بردو ، مراد زمان سافر و قال لعمتو أنه هيرجع قريب بقت تعدي سنة ورا سنة و محدش بيشوفه غصب عنه عجبته العيشة هناك عن القرف هِنا ، ولو إنتَ عملت كده هيكون ليك عذر بس أنا مش هستحمل يا أدهم.
ضمها بعجز قائلًا بصوتٍ خافت
_ أوعدك إني مش هبعد ، ولو في يوم قررت أستقر هناك هاخدك معايا إنتِ بقيتِ جزء مني مقدرش أعيش من غير أساسًا.
طوقت عنقه بعنف و أغمض عيناها بقوة
_ ولا أنا ، عملت إيه في الإجراءات قولي؟
إعتدلت تسئله بإهتمام ، أجاب و مازال يضمها
_ مفيش جديد إنتِ عارفة الإجراءات بطيئة إزاي هِنا.
هزت رأسها بتفهم
_ بتروحي للدكتورة ؟
سألها بتركيز لتهزُ رأسها بالإيجاب
_ بروح و عندي جلسة بكرة ، ممكن تيجي معايا؟
_ أكيد.
إبتسمت بخفوت ، حدق بها لثواني ثم أخرج من جيبه علبة صغيرة فتحها فـ تهافت لأنظارها قلادة فضية غاية في الرقة و تحمل صورتهما يوم عقد القران ، نظرت للصورة بحنين و قد كان كليهما يضحكان بسعادة خالصة ، أعينهما مغمضة و أيديهما متشابكة ، إقترب يبعد خصلاتها عن عنقها و ألبسها القلادة لتددلى فوق جيدها برقة
_ إخترت الصورة دي تحديدًا عشان دي كانت أكبر فترة مبسوطين فيها ، يوم الخطوبة بالنسبة لي كنت حاسس إني إنتصرت على كل حاجة وحشة ، مش قادر أعبرلك أوي بس أنا بحب الصورة دي جدًا حتى حاططها wall paper وكل ما بشوفها بضحك لضحكتك تلقائيًا.
أغروقت عيناها بدموع متأثرة وهي تعانقه بقوة
_ أنا بحبك.
_ وأنا بحبك.
همس بتأثر حتى سمع طرق الباب ، إبتعدت عنه لتفتح الباب لوالدتها التي لاحظت الدموع في وجنتي ابنتها ، أشارت مِيرال للقلادة بحب
_ شايفة يا ماما أدهم جابلي إيه؟
إقتربت ترمقهما بسعادة مُبتهلة
_ ربنا يديمكوا لبعض و يجعلكوا سند لبعض طول العمر.
آمنا خلفها بتضرع و عيناي كل منهما تحكي قصة مختلفة.
_______________
_ حكمت المحكمة على المدعو وائل عبد الرحيم بالسجن لمدة ست سنوات مع الشغل والنفاذ.
5
مشاعرها لا توصف مزيج من إنتصار و تشفي و قليل جدًا من الخوف لكن سعادتها كانت طاغية على كل شيء ، و في زاوية بعيدة نسبيًا تعلقت أنظارهُ بها بإعجاب جاهد لإخفائه أُعجب بقوتها و شجاعتها حتى ضعفها و بكائها لامسه لأقصى حد
1
_ كفياك بحلقة يا ياسر ، نظراتك مفضوحة أوي.
لم يكترث بل ظل ينظر لإبتسامتها بوله
_ إزاي أبطل أبص لها بس يا أدهم شايف نظراتها عاملة إزاي ، مزيج غريب بين قوة و ضعف و فرح مع لمحة شماتة ، أنا عمري ما إتشديت لحد كده.
قال بعد أن زفر بتعب ، لينظر لهُ أدهم بجدية
_ سُهيلة إتئذت كتير يا ياسر ، لو إنتَ مش متأكد من مشاعرك لسه متحاولش ولو محاولة إنك تلفت نظرها حتى لو بنظرات عفوية ، خرجت من تجربة فاشلة و مؤذية مش هتتحمل وجع تاني.
نظر لهُ ياسر بحدة غاضبًا
_ محسسني إني مراهق ، إيه يا أدهم في إيه ما إحنا الإتنين عارفين إني مش كده ولا عمري هكون كده مالك بتتكلم و كأنك عارفني أول إمبارح.
عاد أدهم ينظر لهُ ببرود
_ ملهاش علاقة يا ياسر ، أنا حبيت أفكرك علشان حتى لو مشاعرك جادة من ناحيتها فـ أنتَ قدامك مشوار طويل و مُتعب فلو مش هتقدر عليه متمشيهوش من الأول.
صمت قليلًا مُبتسمة ببلادة قبل أن يتقرب من أدهم مُربتًا على كتفه
_ مبحبش الحاجة السهلة أساسًا ، سلام يا أدهوم القطر هيفوتني.
رحل بغموض ليبتسم أدهم بخبث بعد أن ألقى بالكرة في ملعب ابن عمه.
_________________
_ حاسة إنه قلبي هيقف من الفرحة يا مِيرال واللهِ.
إبتسمت مِيرال بـِ حماس و سعادة
_ وأنا واللهِ فرحنالك أوي يا حبيبتي الحمدلله ربنا نصرك.
رن هاتفها برقم أدهم لتعتدل من نومتها
_ أيوة يا حبيبي؟
_ مِيرال فرحنا كمان أسبوعين.
نظرت للهاتف بدهشة تعقد حاجبيها بعدم إستيعاب
_ فرح إيه؟!
سمعت ضحكاته التي تُربك حواسها
_ فرحنا يا روحي ، و عشر دقايق تكوني لابسة عشان في مشوار هنروحه قبل ما نروح للدكتورة.
أغلق الهاتف ومازالت تحت أثر الصدمة و عندما إستوعبت ما قال صرخت بسعادة غامرة ، قفزت من على الفراش منادية والدتها
_ ماما .. ماما ، يا ماما.
خرجت والدتها من المطبخ بفزع وما أن رأت سعادتها أدركت أنه أخبرها
_ أكيد قالك مش كده ؟
هزت رأسها وركضت بسعادة تحتضن و الدتها
_ مبسوطة أوي يا ماما.
_ يا بت إتقلي كده الواد يقول عليكِ إيه.
خرجت سُهيلة تتبعها بجهل
1
_ هي مالها يا طنط بتصرخ كده ليه.
_ فرحها كمان أسبوعين.
قفزت سهيلة نحوها تحتضنها
_ يا روحي ما شاء الله ربنا يتمملكوا على خير يارب.
_ يارب يا سُهيلة يارب.
وذكرت موعدهما لتهرع نحو الغرفة صائحة
_ يلاهوي ده قالي عشر دقايق وألاقيكِ لابسة.
_____________
بعد نصف ساعة كانا يسيران متجاوران ، تأبطت ذراعه مُصفرة بإعجاب
_ إيه الحلاوة دي.
1
إرتدي قميص أزرق اللون و بنطال سماوي اللون و حذاء ذو عنق أسود
1
_ من بعض ما عندكم يا حياتي.
ضحكت بسعادة غامرة وصارت بجواره جاهلة وجهتهم ، مر الوقت و قد إتضح لها وجهته نظرت لهُ بإشفاق و شددت على عناق ذارعه بدعم ، جلسا أمام قبر والدته و قد تحول لشخصٍ مختلف خالي من المرح و الحياة ، قرأ لها الفاتحة و دعى لها بالرحمة ثم عاد يمسك يد مِيرال
_ عارف إنك كنتِ هتبقى مبسوطة لو كنتِ وسطينا انهاردة ، ابنك هيتجوز خلاص فاكرة لما كنتِ بتقوليلي يوم إنك هتدلعي ولادي أكتر مني وقلت لك مش هجيب ولاد ، وقعدتِ تقولي لي بعد الشر.
ضحك دون مرح وعينان دامعتان ، ربتت مِيرال على كتفه وقلبها يتمزق من أجله
_ خلاص يا حبيبي كفاية ، هي في مكان أحسن وحاسة بيك و فرحنالك.
نظر لها بعجز وهو يعتدل ، وقفت تعانق ذارعه و مشت لجواره مُتجهين للطبيبة.
______________
_ أظن يا مِيرال إنتِ مبقتيش محتجاني خلاص ، شايفة إنك متقبلة سفر أدهم و قادرة تتعايشي مع الظروف إلي حواليكِ عكس ما جيتي أول مرة ، قدرتِ تقفي مع صاحبتك وتدعميها و تقربي من أهلك وتتغلبي على وحدتك ، شعورك بالحزن لسفره شيء طبيعي لأنه قطع معاكِ شوط كبير ومهم في حياتك ، لكن هقولك نصيحة مش كوني دكتورة لأ إعتبريها نصيحة أخوية
متعلقيش حياتك بحد مهما كان علاقتك بي عاملة إزاي ، متوقفيش علاجك و حياتك ودراستك عشان حد مهما كان الشخص ده قدملك إيه ، أوقات الإنسان بيبقى محتاج يتخطى كل إلي بيقابله ولو هما أشخاص العيشة من غيرهم صعبة لكنها مش مستحيلة ، عايزة سفر أدهم يكون داعم ليكِ نقطة قوة مش ضعف متشيلهوش همك وتحسسيه إنك ضعيفة ، خلي يرجع يلاقيكِ أحسن بس غيابه فارق في نفس الوقت خليكِ ذكية و إستغلي أمورك صح ، و خلاص إنتِ مش محتاجة علاج نفسي تاني إنتِ ساعدتي نفسك بنفسك بشكل كبير أوي و الباقي هيكون أسهل كتير مِن إلي فات ، وده ميمنعش إنك لو إحتاجتي أي مساعدة هتلاقيني معاكِ.
خرجت بعد قليل من الوقت و وجدته بإنتظارها ، لفت قبض على كفه بين كفها ومشت دون حديث
_ الدكتورة قالت لك إيه؟
لمعت عيناها ببريق لامع قوي
_ قالت لي مفيش علاج نفسي تاني.
هزت كتفيها بحماس ليبتسم بإتساع قابضًا على كفها أكثر
_ كنت واثق إنك هتنجحي وتتخلصي من إكتئابك ده ، إنتِ قوية أكتر مما تتخيلي يا مِيرو.
سندت رأسها على كتفه هامسة برقة
_ لولاك مكنتش قدرت أكون هنا ، الدكتورة قالت لي إني نجحت بسبب عزيمتي بس إنتَ زي الجندي المجهول إلي في حياتي لولا وجودك كان زماني إستسلمت من فترة ، إنتَ مصدر قوتي يا أدهم.
صمت أمام إمتنانها ، ومشاعرها البريئة قد بخرت الكثير من سلبيته