رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل السابع عشر 17 بقلم تقي حامد
أعطيته ما سألا، حكمته لو عدلا
وهبته روحي فما، دري به ما فعلا
أسلمته في يده، عيشه أم قتلا
قلبي به في شغل، لا مل ذاك الشغلا
قيده الحب كما، قيد راع جملا
1
صوت صفير طن أذنيه..
ووقف كالتمثال يحدق بأعين متسعة في جثمان أخيه الذي انحنى نور مسرعًا يجس نبضه عن طريق رقبته..
صرخ بعلوٍ:
-حد يساعدني نشيله للعربية.
وقف رعد محدقًا فيهم وهم يحملونه إلى السيارة، التفت ببطءٍ إلى فهد، وناظره بغضبٍ مستعر.
أكل الخطوات الفاصلة بينهما وجذبه من ياقة قميصه صارخًا بتهديد:
-إنت اتجننت!!! عايز تقتل أخوك يا إبن الكلب.
صفعه صفعة تلو الأخرى لعله يفيق، وجذبه مجددًا إليه صارخًا بعنفٍ:
-إبني لو جراله حاجة مش هيكفيني فيك عمري كله سجن!
1
ثم دفعه بعيدًا مشمئزًا منه، فضحك بعدم تصديقٍ مشيرًا على نفسه بانكسارٍ:
-ما أنا كمان إبنك! هو إبنك وأنا إبنك!!! مش أنا إبنك؟؟؟ بتحبه أكتر مني ليه؟؟؟ ليييه!!
1
صرخ بعلوٍ:
-عشان هو أحسن منك! هو...أحسن...منك
6
التقط أنفاسه وتابع بصياحٍ:
-مليون مرة!!
ظل يناظره بخواءٍ..
اختنقت عبراته مع أنفاسه بصدره، وازدرد لعابه الذي علق بحلقه مع غُصة قاسية لم يبتلعها..
تراجع عدة خطواتٍ للخلف وهو يراهم يسعفونه..
أمه تبكي..
أبوه قلِق..
وهو؟
هو حزين..
منبوذ..
للأبد!
-فادي أحسن مني!
همس بها في خواءٍ وهو ينظر للفوضى الذي أحدثها..
لقد كانت العائلة هادئة ..
كانوا يضحكون! حتى خربها هو بطلقة مقصودة من مسدسه صوب أخيه!
بل توأمه!
لقد قتل توأمه!!!!
1
انحنى رعد على فادي الساكن في المقعد الخلفي لسيارة نور ومسد على وجهه يسأله:
-إنت كويس يا فادي؟ كويس يا حبيبي؟
1
فأومأ الآخر على مضضٍ متأوهًا وهو يُمسك المنطقة المجروحة، وبلا وعي كان يغيب بصره ثم يعود لبؤرةٍ ما، فاحتضن رعد رأس إبنه إلى صدره برهبةٍ..
ودخل معه وكذلك شهد التي لم تكف عن البكاء لحظة!
ووقف فهد بعيدًا يرمقهم بخواءٍ...وضياع!
حتى أتته سارة وجذبته معه إلى الداخل هامسة بحنوٍ:
-تعالى يا حبيبي.
5
ناظرها بتيهٍ، بدى كالطفل التائه وهو يشير على السيارة:
-فادي...
مسدت على وجنته بحنانٍ:
-هيبقى كويس، تعالى.
جذبته معه للداخل، أجلسته على الأريكة ونادت:
-زنوبة هاتي ماية.
انحنت تربت على ظهره، فألقى برأسه على صدرها لتحتويه بلمستها الحانية:
-هيبقى كويس...كل حاجة هتبقى كويسة.
2
هرولت زنوبة من المطبخ بكوب الماء وهي تقول:
-يا ساتر استر يا رب، مين اللي اتقتل يا ست سارة؟؟ بيقولوا فهد قتل أخوه مين فهد؟؟
2
حذرتها سارة بعينيها هاتفة من بين أسنانها:
-خشي جوا دلوقتي.
أعطته المياه فارتشفها كاملةً، التقطت الكوب منه ووضعته على الطاولة، ثم جلست جواره مربتة على ظهره صعودًا وهبوطًا في احتواءٍ..
***
خرج الطبيب من غرفة فهيم، ناظره بعملية وقال:
-محتاجة تعمل تحاليل وتتنقل المستشفى ضروري، عايزة غسيل معدة، عمومًا أنا كلمت عربية الإسعاف وزمانهم في الطريق.
1
كانت وفاء وسناء تبكيان جوار فهيم الذي سأل الطبيب بقلقٍ:
-غسيل معدة ليه؟ هي مكلتش من أسبوع!
-واضح، أعتقد إنها خدت دوا سببلها انفجار في الشعيرات الدموية للعين والأنف، هي عمومًا مش هتقدر تستحمل الوجع كتير أنا ادتيلها مسكن على ما الإسعاف توصل.
استند فهيم بجسده على الحائط من خلفه وهو يتنهد بتعبٍ وإرهاق، رفع عينيه للطابق العلوي فتقابلت عيناه بعيني ابنه الشبيهة بخاصته، بلونهما والجبروت الكامن بهما، بتلك النظرة الباردة المتشفية...
لن يكتفي شاهين بهذا..
صبر كثيرًا...
وحان وقت الحساب!
فليتقي كلُ فردٍ شر شاهين إذا غضب!
ولم تفعل فضيلة ذلك؛ فستنال من عقابه وتتجرعه كاملًا.
***
دخل الغرفة المعتمة ببطءٍ، تحسس خطواته حتى تابع تسلل الضوء الخافت من الشرفة المفتوحة على مصرعيها، وكانت هي بالداخل..
تجلس على مقعدها المتحرك ساكنة، تنظر للشارع بشرودٍ وصمتٍ..
تنهد ودخل الشرفة، فالتفتت ببطءٍ له، سرعان ما اتسعت عينيها لبرهة، رأته فيها ينحني أسفل قدميها فيتربع هناك، ويميل برأسه يُريحه على فخذها هامسًا:
-وحشتيني يا فجر.
3
ظلت ترمقه بصلابةٍ، فتابع بنبرة مهتزة:
-أنا كده قتلته؟ ولا هو عايش؟ طب لو عايش...هيكرهني أكتر؟ ولو مات...حياتي هتتدمر أكتر من كده إيه!
تنهد بحُرقةٍ:
-أنا خسرت أهلي، خسرت مراتي، بيتي، إبني! وصاحبي...خسرت أخويا...وأختي، وأبويا وأمي...اتهمتوني ونبذتوني عمري كله، بعدتوني عنكم عشان ذنب أنا معملتوش....
2
رفع رأسه إليها وحملق بعينيه الحمراوتين في عينيها الدامعتين هامسًا:
-أنا مقتلتوش يا فجر! مقتلتش شريف، ومقتلتش فادي..أنا بريء...والله بريء!
سقطت دمعة حية من عينيها على كفها المرتاح على فخذها، تلتها دمعة ميتة من عينيه الذابلتين وتساؤل تائه من فمه خرج كالشوكة نغزت صدرها:
-هو أنا وحش أوي كده يا فجر؟
ازدرد لعابه وتساءل بتيهٍ:
-كلكم كارهيني فأنا أكيد وحش...أنا وحش يا فجر؟؟ أنا شرير؟؟ ولا إنتو اللي فاهميني غلط! طب لو أنا وحش ليه بتقربوني منكم؟ ولو فاهميني غلط ليه مش عايزين تفهموني صح! ليه كل ما أحاول أقرب ألاقيكم بتزقوني وكأني مكنتش!
1
لمس كفها برفقٍ يستعطفها بنظرة عينيه الدامعة:
-انا مقتلتش شريف..والله ماقتلته!
انسابت دمعة أخرى من عينيها فمال برأسه يريحها في حجرها وتابع بلوعةٍ:
-أعمل إيه يا فجر! أعمل ايه بس.
وصوت يمنى الأجش يأتي صارخًا:
-انت بتعمل ايه في أوضة ماما ! جاي تخلص عليها هي كمان! ما انت بقيت سفاح بقا
1
نهض يعدّل ثيابه وتساءل بوجعٍ:
-فادي عامل إيه؟
قهقهت ساخرة:
-يا بجاحتك! تقتل القتيل وتمشي في جنازته!
2
دفعته خارج الغرفة صارخة:
اطلع برا والبيت ده معدتش تعتبه تاني!
وهو يُصر على سماع إجابة تُرضي قلبه المكلوم:
-همشي، بس بالله عليكِ قوليلي فادي عامل إيه؟
1
رمقته بجمودٍ لبرهة، ثم ابتسمت متهكمة:
-تعرف؟ مش هقولك...هسيبك عايش في تأنيب الضمير ده لحد ما تكتشف بنفسك عملت إيه في أخوك..يا واطي!
3
ثم صفعت باب الغرفة في وجهه، فمسح على وجهه وسار كالمُشرَد ناحية باب القصر وفتحه، سار لسيارته بتيهٍ..
بمظهره المُزري وشعره المبعثر وعينيه الحمراوتين..
ولج سيارته واستند برأسه على المِقود، سرعان ما تحرك بسيارته ناحية مكانٍ واحد..
هي فقط من ستُسكِت اضطراب عقله!
1
دقائق ووصل لأسفل منزلها، رن عليها وبعد لحظاتٍ كان يقف أمامها كالمُذنب، فلوت شفتيها بشفقةٍ..
اقترب خطوتين ورفع عينيه الحمراوتين الذابلتين لها، فارتعبت من منظرهما الصعب، وسمعت همسه المبحوح:
-أنا تعبان أوي يا حسناء.
تنهدت بقلة حيلةٍ وابتسمت مشفقة:
-وأنا سامعاك يا فهد.
2
فليتعب وتداويه..
فليتحدث..وتُنصِت!
1
***
لهث بصوتٍ عالٍ مضطرب وهو يصيح بقلقٍ:
-سيبها يا نزار، سيبها أنا هعملك اللي إنت عايزه بس سيبها!
وقف أمامه يبتسم بشرٍ:
-اركع قدامي.
وبالفعل، انحنى شاهين راكعًا أمامه طالبًا الإفراج عن يُسرا الكامنة بين ذراعي نزار القويتين تتلوى بألمٍ والمسدس صُوب نحو رأسها:
-سيبها.
ابتسم باتساعٍ وضحك:
-لأ.
ثم..
أطلق الرصاصة وأمام عيني شاهين المتسعتين سقطت يُسرا جثة هامدة، مع صرخة خرجت من فمه تمزقت لأجلها أحباله الصوتية!
انتفض من نومته صارخًا:
-يُسرا!!!
1
تقلبت جواره بانزعاجٍ وأعطته ظهرها، فنظر ببطءٍ إلى جسدها القابع جواره، وتنهد بارتياحٍ وهو يبسط كفه على صدره، ثم ألقى بظهره وتسطح مجددًا ينظر للسقف بأعين جاحظة برهبةٍ..
ثم التفت إلى جانبها وضم جسده إليها ضامًا جسدها إليه بكلتا ذراعيه..
ثم دفن أنفه في ظهرها وداعب النوم جفنيه فانصاع له بطاعةٍ.
3
***
سار بتؤدة حتى وقف أمام غرفة أخيه في المستشفى، مصادفةً كانت قدر قد خرجت منها وبجوارها آيات، ابتسمت آيات له بتعبٍ، وناظرته قدر بلومٍ، ليس بكراهية..
ليس بغضبٍ..
لومٍ!
تنهدت بتعبٍ وقالت:
-معدتش لاقية كلام يوصفك يا فهد! بس ممكن تبعد عننا؟ إنت ملاكش مكان هنا، أرجوك...ابعد!
2
سحبتها آيات هامسة:
-يلا يا قدر.
وقف لبرهة أمام غرفة أخيه، مكسور الخاطر..
مهشم القلب..
راجف الجسد واجل القلب..
دخل الغرفة ببطءٍ ليجده جالسًا يستند بظهره على فراشه بملابس المستشفى، والمحلول موصل بيده، بوجهٍ شاحب قابله، وناظره بجمودٍ..
لا بلومٍ..
لا بعتابٍ..
لا بكراهية..
فقط...بجمود!
جلس جواره على مقعدٍ مخصص، وعمّ الصمت بينهما للحظاتٍ، قطعه فهد حين تحدث بصوتٍ مبحوح:
-فاكر لما كنا صغيرين؟ كنت بتحب تعصبني.
1
ابتسم فادي ساخرًا:
-وكنت بتحب تضربني!
ناظره فهد بخواءٍ، تكالبت هموم الدنيا كلها على عاتقيه، والآن...أخيه ينبذه!
-عمري ما حبيت أضربك.
بادله فادي النظرة بأخرى جامدة، فاستطرد فهد ببسمة تحن إلى ماضٍ ولّى:
-عمري ما كرهتك؛ لأنك دايمًا كنت توأمي.
1
-وإنت دلوقتي...حاولت تقتل توأمك!
-أنا...آسف.
قالها بإحباطٍ وقد تهدل كتفيه ونكس رأسه بتعبٍ، فتنهد فادي هامسًا وهو يعبث بالغطاء ناظرًا إليه:
-مش زعلان منك..
رفع فهد عينيه إلى أخيه بذهولٍ، ليناظره الآخر مبتسمًا بخفة:
-بس عايزك تبعد عننا، أنا وقدر...لو سمحت، ملاكش دعوة بعلاقتنا!
فتح فمه ليحذره..
مرة أخرى؟
لا..لن يفعل.
ففي كل مرة يحذره فيها يخسره أكثر..
هو الآن بين نارين..
نار تحذيره لأخيه فيخسره، ونار تركه لأخيه يعاني من حب فتاةٍ لا تحبه من الأساس!
-حاضر.
ونقل بصره لكتفه الأيسر:
-كتفك كويس؟
أومأ على مضضٍ:
-مخترقتش العضم، جرحت الجلد بس.
ازدرد لعابه بارتياحٍ، وابتسم:
-الحمدلله.
نهض ولآخر مرة قال:
-أنا آسف.
التفت ليرحل وربما تلك المرة للأبد..
حتى ناداه فادي قبل أن يغادر فالتفت له:
-إحنا أخوات..وهنفضل أخوات.
3
أومأ فهد على مضضٍ وابتسم بحسرةٍ:
-أخوات.
أخواتٍ أم أعداء؟
لا يدري..
ولم يعد يُهِم..
فليظل منبوذًا للأبد..
ليش بسلامٍ، بعيدًا عنهم جميعًا.
***
صباح جديد وقد استعدوا لمدارسهم في جوٍ من الكآبة المتناهية بسبب حادثة البارحة..
تأكدت شهد من ذهابهم إلى مدارسهم وعادت تجلس جوار رعد الذي يرتشف قهوته في هدوءٍ، التفتت تنظر إليه لعله يحادثها أو يطمئنها بكلمة...إلا أنه لم يفعل!
-أنا أم وحشة مش كده؟
سألته بقلة حيلةٍ، فقال بهدوءٍ:
-ليه بتقولي كده؟
هزت منكبيها ببساطةٍ وقد التمعت الدموع بعينيها:
-مش عارفة أحمي ولادي من بعض، ومش عارفة أقف في صف مين فيهم، بدل ما أجمعهم ببعض فرقتهم، ووقفت بينهم عاجزة أحمي مين فيهم!
تنهد رعد بعمقٍ وترك فنجانه على الطاولة أمامه، ثم نهض يحمل سترته قائلًا:
-سيبيها على الله.
3
ضحكت بعدم تصديقٍ:
-إنت اللامبالاة اللي إنت فيها دي طبيعية؟؟؟ إبنك حاول يقتل أخوه امبارح!!! عادي بالنسبالك؟؟؟
-شهد أنا فيا اللي مكفيني ومش ناقص.
نهضت تقابله بجرأة:
-وإيه اللي فيك يا رعد بيه؟؟؟ قولي يمكن يكون فيه حاجة أهم من ولادك عندك!
ناظرها بجمودٍ، قبل أن يرحل من المنزل بأكمله تاركًا إياها تقف كالتمثال جامدة لا تدري لماذا يحدث كل هذا لعائلتها التي كانت يومًا ذات ترابط قوي!
***
في المدرسة، كانت نغم في فصلها تكتب شيئًا في مذكرتها، حتى جاءها يزن وجلس أمامها على الطاولة متحدثًا بمرحٍ:
-نغنوغة معاكِ لبان؟
هزت رأسها بإيماءٍ، وأشارت له على الحقيبة القابعة أسفل قدميها ناحية الخارج:
-طلّع واحدة من الشنطة، بس واحدة بس.
رفع حقيبتها وبدأ يعبث بها:
-عيب عليكِ.
فرأتهما ساندي من موقعها، وعقدت حاجبيها باستغرابٍ متسائلة:
-هو مش ده الولد الجديد؟ بيعمل إيه في شنطة نغم!
هزت رفيقتها رأسها:
-إنتي متعرفيش؟؟ مش طلعوا قرايب.
اتسعت حدقتيها:
-بجد؟؟؟ قرايب إزاي؟؟
-هو وأخوه التوأم يبقوا ولاد خالها.
عبثت بخصلة من شعرها وابتسمت بمكرٍ وعينيها متركزة على يزن تحديدًا:
-بجد؟!
فيما أنزل يزن حقيبة نغم لمكانها، وعبث بخصلاتها بمشاكسة فزفرت حانقة وهي تزيح كفه متمتمة:
-بس يا بارد.
ضحك بمرحٍ وهو يمضغ العلكة متحركًا لمقعده حيث أخيه الجالس جواره يقرأ كتابًا جديدًا فجلس على المقعد بالعكس حيث ظهره لشاشة الفصل ووجهه للحائط واستند بكوعيه على ظهر المقعد هاتفًا بمللٍ:
-ولا يا يزيد، ما تيجي نزوغ؟
رمقها يزيد بنفورٍ وعاد بنظره لكتابه:
-مبزوغش.
-طب نتمرقع في المدرسة.
قلب يزيد الصفحة:
-مبتمرقعش.
-يا أخي ده أنت سخيف، فينك يا إسلام فينك يا صاحبي.
ثم نهض يسير خارج الفصل تمامًا فنهضت ساندي ولحقته لتجده قد وقف خلف مبنى المدرسة وأخرج عُلبة سجائرٍ أخرج منها واحدة ووضعها في فمه مستعدًا لتدخينها، فابتسمت واقتربت أكثر حتى وقفت خلفه تراه ينظر حوله بحذرٍ وقالت:
-مش قد الشُرب وخايف بتشربها ليه!
التفت سريعًا مخبئًا السيجارة خلف ظهره، فابتسمت وهي تطمئنه بعينيها:
-متقلقش مش هقول لحد.
مرر عينيه عليها، فتاة طويلة بجسدٍ ممشوق وقميصها الأبيض مهندم وثيابها المدرسية لا غبار عليها، تصفيفة شعرها ثابتة رُغم تناثر خصلاتها الشقراء هنا وهناك، وعينيها العسلية تناظره برقةٍ وشفتيها الرفيعتين تقولان:
-أنا ساندي.
1
فابتسم بعبثٍ، وعرّف عن نفسه بدوره:
-يزن.
-عارفاك، مش إنت إبن خال نغم؟
أومأ على بسمته، فمالت برأسها هاتفة:
-أنا ونغم أصحاب أوي، بس عمرها ما قالتلي إنكم ولاد خالها يعني.
-أصلنا لسه جايين قريب.
سألته بفضولٍ:
-جايين منين بقا؟
-النرويج.
اتسعت حدقتيها بانبهارٍ:
-Really?!
أنا كان نفسي أسافر النرويج جدًا، بس شغل بابي كله يا هنا يا في لندن.
-ليه وإنتي باباكي شغال إيه؟
قلّبت عينيها:
-He's a business man.
أومأ على مضضٍ فسألته:
-وإنت باباك شغال إيه؟
-أنا أبويا مهندس وعمي مهندس إحنا عيلة كلنا يا مهندسين يا دكاترة.
-واو! دي حاجة تحفة، يا بختك بجد، على الأقل مش مُجبر تقعد كل يوم مع ناس متعرفهمش عشان تجاملهم.
نظر لخيبة الأمل في عينيها، وابتسم بخبثٍ:
-واضح إنك مقفول عليكِ بالترباس.
عقدت حاجبيها متسائلة:
-يعني إيه ترباس؟
رفع حاجبيه بدهشةٍ:
-لأ ده إنتي مقفول عليكِ بالضبة والمفتاح مش ترباس بس.
ورغم سخافة الأمر، راحت تضحك كالمجنونة..
وقضوا الكثير من الوقت يتعرفان على بعضهما..
وقضوا الكثير من الوقت...معًا.
***
تسللت لارا من غرفتها بعدما نسيت أمها إغلاق الباب بالمفتاح، فبعد أسبوعًا من الحبس قررت التحرر والهرب!
فتحت باب الشقة وهرولت لتخرج منها صافعة الباب خلفها وعلى إثر ذلك خرجت أمها من المطبخ متسائلة:
-إنت جيت يا يوسف؟!
ولم تجد يوسف! فهرولت إلى غرفة إبنتها لتجدخا أيضًا خالية، حتى ملابسها...لم تجدها أبدًا!
فيما ولجت لارا أول سيارة أجرة قابلتها، وأعطته عنوان مخبئهما السري، وترجلت منها ثم دخلت الشقة بالمفتاح الخاص بها، قابلها عند الدخول رائحة الأرجيلة مختلطة برائحة سجائر وخمر..
مالت على الفراش جوار جسده النائم، وهزته بنبرة باكية:
-صابر..اصحى يا صابر.
استيقظ مفزوعًا، ورمقها بقلقٍ:
-لارا!!
ارتمت في أحضانه وبكت بنحيبٍ عالٍ، فربت على ظهرها صعودًا وهبوطًا متمتمًا:
-بس..بس اهدي، كل حاجة هتبقى تمام.
العائلة أم زوجها؟
وضعها القدر في اختيارٍ بينهما..
وهي..اختارت الهرب.
***
-الماية دافية أوي يا فهد، تعالى.
نادته من المياه، فهز رأسه نافيًا:
-لأ أنا مش عايز.
-عشان خاطري!
ولأجل خاطرها، خلع سترته العلوية واقترب منها بجذعٍ عارٍ، وظلا يلعبان في مياه البحر بحُرية..
لا واجبات..
لا تقاليد..
لا عادات..
لا نبذ أو ظلم..
فقط...هو وهي!
انتفض مستيقظًا على صوت رنين هاتفه الحاد، نظر فيه ليجده إياد فأجاب بصوتٍ أجش:
-عايز إيه ع الصبح!
-إنت فين يا عم مش ورانا شغل إحنا!!!
1
-وإنت يا مهزأ اللي جاي تقولي ورانا شغل!
سمع ضحكته السمجة وقوله:
-الحق عليا بفكرك يا فهود!
-ولا...اقفل..اقفل بدل ما أقفلها في وشك.
3
ثم أغلق الهاتف في وجهه، ومسح على وجهه بنعاسٍ، ثم نهض ليتحمم ويرتدي ثيابه متوجهًا إلى مكان عملها ليفطر.
***
دقت قدر على باب غرفة فادي، ودخلت بعدما سمعت الإذن، لتجده مسطحًا على الفراش مبتسمًا في إنتظارها، فدخلت وجلست أمامه:
-عامل إيه انهارده؟
-بقيت كويس لما شوفتك.
ازدردت لعابها بتوترٍ، وراحت تفرك كفيها بارتباكٍ هامسة:
-فادي أنا عايزة أقولك حاجة.
رفع حاجبه بحدة:
-حد قالك حاجة؟
هزت رأسها سريعًا:
-لأ...بس عايزة أتكلم في علاقتنا شوية.
-مالها علاقتنا؟
أتخبره أنها تريد الإنفصال عنه بعد كل شيء؟؟
كيف ستخبره إذن أنها تحب آخر! أنها تريد هجره لأجل آخر!
كيف ستخبره بعد تلك اللمعة بعينيه أنها لا تحبه! وأنها تريد فسخ الخطبة!
1
-علاقتنا زي الفل يا قدر وعمومًا هفوق بس ونتفق على معاد الفرح كمان.
3
اتسعت حدقتيها وناظرته بذهولٍ:
-بـ...بسرعة كده؟!
ابتسم وهو يلتقط كفها بين كفيه:
-متقلقيش يا حبيبتي، كل حاجة هتبقى كويسة.
عضت شفتها السفلى بقلقٍ...
هي لا تقلق لأجل زواجهما!
أبدًا لا تهتم إلا لمشاعره التي ستوضع على المحك إذا فعلت ما يدور برأسها حاليًا!
وهي البتة لا تريد أن تفعل شيئًا يكسرهم جميعًا!
خرجت من عنده بعد دقائقٍ لتسحبها أمها لغرفتها هاتفة:
-قدر تعالي، أنا نقيت فستان فرحك، خشي البسي يلا ننزل نقيسه ونجيبه.
وضعتها أمام غرفتها وهي تدور حول نفسها بتوترٍ:
-يلا عشان نرجع نحدد معاد للفرح، وكمان عايزين الجزمة، أنا هنقيهالك والميكب أرتيست كمان هجيبهالك لحد عندك وكمان الـ..
-ليه؟
سألتها بضيقٍ، فسألت بدورها بعدم فهمٍ:
-ليه إيه؟
هزت منكبيها:
-ليه إنتِ اللي بتنقي كل حاجة؟ هو مش أنا اللي المفروض أختار برده!
لوت يمنى شفتيها بضيقٍ:
-ماشي يا أبلة الناظرة، ابقي اختاري في حاجة تانية ده فرحك لو مطلعتيش فيه شكلك بيرفكت هيبقى في وشي.
ضحكت بعدم تصديقٍ وهي تشير على نفسها:
-شكلي أنا هيبقى في وشك إنتِ؟؟؟ ماما إنتِ امتى ادتيني فرصة أختار!
عقدت يمنى حاجبيها بغرابة:
-فيه إيه يا قدر لازمته إيه الكلام ده دلوقتي!!!
-إنتِ مش شايفة إن مفيش حاجة في حياتي أنا اخترتها؟؟؟ يعني كُليتي قولتيلي خُشيها خسارة مجموعك في كلية إعلام مع إن كان نفسي أبقى مذيعة! دخلتيني علمي وأنا عمري ما حبيت لا فيزيا ولا كيميا ولا أحياء! خطبتيني لواحد مبحبهوش عشان خاطر مصالحك إنتِ ...
كممت يمنى فمها ودفعتها للغرفة تصفع الباب خلفها وصرخت:
-إنتِ اتجننتي؟؟؟ بتقولي إيه! أنا بختارلك الصح..اللي يناسبك! بختارلك اللي إنتِ محتاجاه مش اللي إنتِ عايزاه!
وبدورها صرخت بعدما انفجرت تمامًا:
-أنا عمري ما احتاجت حاجة من دول! عمري ما احتاجت لا راجل ولا كلية قمة عشان أبقى حاجة يا ماما!
اتسعت حدقتي يمنى بصدمة:
-إنتِ كلامك ده جيباه منين!!! هو فيه إيه مالكم! ولا يكونش الواد ده عداكِ بحقده وهتجيبي رشاش وتخرميلي جسمي زي ما عمل مع أخوه!!!!!
1
-إنتِ ليه بتحشريه في أي كلام!! هو عملك إيه؟
ضحكت ساخرة:
-عملي إيه؟ لأ هو معمليش حاجة الحقيقة، بس عملك إنتِ! عملك لما سابك مرتين!! وأنا حذرتك بدل المرة ألف منه وقولتلك إنه زيه زي عمك وإنتِ مصدقتنيش !
أن تدافع عنه قدر؟؟؟ مستحيل..
لن تقبل يمنى بذلك..فتظل دومًا تُذكرها كيف هجرها فهد..
لن تجعلها تحن له أو تخضع لتأثيره!
ستفعل قدر ما تُمليه أمها عليها حتى لو كلف ذلك يمنى أن تلعب بعواطف ابنتها..
اقتربت منها بعدما هدأت قدر وأدركت أنها تدافع عنه!
احتضنت وجنتيها وناظرتها بحنوٍ هامسة:
-حبيبتي! أنا خايفة عليكِ! إنتِ وأخواتك في رقبتي، بحبكم ومقدرش أسيبكم تختاروا حاجة وحشة! فهد مكانش مناسب ليكِ، فادي هو اللي مناسب، متربي معاكِ...بيحبك! وفوق كل ده...مستعد يدمر الدنيا عشان خاطرك!
1
اهتزت حدقتي قدر بتوترٍ، ودققت النظر في عيني أمها الباسمة والتي استأنفت:
-اوعي تفكري يا قدر إني أذيتك بإختياراتي ليكِ، بكرا هتعرفي إني اخترتلك الصح..ماشي يا حبيبة ماما؟!
وبضعفٍ...أومأت قدر..
فقبّلت يمنى جبينها وهمست:
-البسي عشان نشوف الفستان.
وتركتها وغادرت الغرفة تزفر بارتياحٍ، فيما انهارت قدر أرضًا..
جاحظة العينين تحدق في الفراغ بانهيارٍ..
تدور حدقتيها في الفراغ بصدمةٍ..
تضيق أنفاسها..
تختنق!
تزداد ضربات قلبها..
ويضيق صدرها مع ذلك!!!
ارتعش كفيها المرتخيين جوارها..
ولم تقوى على النهوض..
فتسطحت أرضًا..
وتكورت على نفسها كالجنين..
وراحت ترتجف بهلعٍ، وتهتز للأمام وللخلف!
4
***
-متأكدة يا شادية؟ يعني مرتاحة بجد؟
قالتها فادية الجالسة أمام أختها في الإستقبال بمنزل الحاج فهيم الحلواني، فابتسمت شادية ببهوتٍ:
-أيوه والله، أنا كويسة متقلقيش عليا، أختك تفوت في الحديد.
ابتسمت فادية وربتت على فخذها:
-الحمدلله يا حبيبتي.
وراحت تبحث بعينيها عن شخص بعينه، وعادت تنظر لأختها متسائلة:
-أومال فين العريس؟ عايزة أسلم عليه.
ازدردت شادية لعابها بقلقٍ وابتسمت بتوترٍ:
-أصله...نايم!
وعلى ذِكر النائم..
هرول على الدرج صارخًا باسمها في ذعرٍ:
-شادية..شادية إنتي فين...شادية.
نهضت بارتباكٍ ومعها نهضت أختها تنظر إليه وهو يهرول إلى أحضان شادية بجسده الضخم، فضمته الأخيرة وربتت على ظهره هامسة:
-مالك؟
-كابوس وحش.
ضمها إلى أحضانه أكثر، فيما نظرت فادية له بأعين جاحظة، تتأمل اختلال عقله وحديثه الشبيه بحديث طفل في التاسعة من عمره!
ظل متشبثًا في عنق شادية التي حاولت إبعاده هامسة:
-طب استنى بس...عندي ضيوف.
ابتعد عنها على مضضٍ، وظل متشبثًا بكتفها ناظرًا لفادية بتوجسٍ، فقالت زوجته ببسمة مرتجفة:
-دي فادية أختي.
اتسعت بسمته السعيدة ومال ليضمها فأوقفته فادية وهي تبتعد صارخة:
-إيه ده فيه إيه!!!
جذبته شادية عنها هاتفة:
-لأ عمار مينفعش.
زم شفتيه حانقًا:
-ليه؟؟ أنا بحب كل الناس.
-بس مينفعش تحضن أي ست كده حرام...
ناظرها باستعطافٍ، فابتسمت وهي تُربت على وجنته بلطفٍ:
-اطلع استناني فوق أنا هخلص وأطلعلك.
تشبث بكفها:
-مش هتتأخري؟
-مش هتأخر.
فهرول لأعلى كطفلٍ سعيد، فيما تحركت شادية بعينيها إلى أختها التي رمقت الوضع بعدم ارتياحٍ وهمست:
-هو ده اللي تعبان تعب عادي؟؟؟ ده متخلف يا شادية!!!
تنهدت بتعبٍ:
-بس أنا مرتاحة يا فادية.
لوت شفتيها بسخرية:
-لأ يا أختي واضح الراحة، ده إنتي تحت عينك أسود كُحل وعينك حمرا ولا جمر من جهنم!
-مش عشان تعيشوا عيشة سوية في شقة محترمة ولا كلن عاجبك الأوضة المنتنة بتاعت حِبو وتفعيصه في أختك نادية في الطالعة والنازلة!!!
التقطت طرحتها وحقيبتها وهتفت:
-أنا غلطنالك...
ثم ربتت على كتف أختها قبل أن ترحل:
-بس خليكِ فاكرة إن الراجل ده ممكن لا قدر الله يقتلك في يوم ولا يدبحك وأهله ناس واصلة يعني هيداروا عليه.
-يدبح إيه إنتِ كمان هو بيعرف يقتل صرصار؟!!!
قهقهت متهكمة:
-ده قدامك بس، عمومًا أنا ماشية، خدي بالك على نفسك وابقي تعالي زورينا وطمنيني عليكِ بألو حتى .
قبلتها على كلتا وجنتيها وودعتها ورحلت، فيما تنهدت شادية بتعبٍ وصعدت إلى غرفته، فتحت الباب فوجدته ينتظرها على الأرض وسط ألعابه، انحنت جالسة أمامه، وابتسمت حين ناظرها بسعادة وأعطاها لُعبة، فالتقطتها وراحت تناظره وهو يلاعبها ببسمة باهتة..
1
***
كانت قدر تستعد للذهاب مع أمها، وأثناء وقوفها أمام المنزل تعبث بهاتفها جاءها صوت فتاة رقيق فرفعت عينيها لتجد أنثى بالغة الجمال ترتدي فستانًا صيفيًا بحمالاتٍ ذو ورودٍ وخصلاتها البنية ثائرة حولها ونظرة عينيها باهتة، وتحمل بين ذراعيها ورودٌ بمختلف أنواعها استشفت قدر أنهم من الحديقة.
-إنتِ قدر مش كده؟
ابتسمت لها قدر وأومأت، فمدت يسرا كفها لتصافحها ببسمة بشوشة:
-أنا يُسرا.
1
صافحتها الأخرى بدورها فاستطردت:
-شاهين قالي إن إنتِ اللي ودتيني المستشفى، حبيت أشكرك بنفسي.
-لا شكر ولا حاجة، ده واجبي.
ابتسمت وهي ترمق الدبلة باصبعها الأيمن وعادت تنظر لها قائلة:
-مخطوبة؟
أومأت قدر بعينيها، فمالت يُسرا برأسها بلطفٍ:
-أول ما تحددي معاد الفرح كلميني، أنا هصمملك فستان فرحك بنفسي.
1
-مالوش لزوم تتعبي نفسك
-اتعب نفسي ازاي، ده واجبي!
قالتها بعبثٍ، فضحكت قدر والتقطت البطاقة من يد يسرا، وودعتها؛ إذ دخلت يُسرا المنزل وبقت قدر تنتظر أمها أمام المنزل.
فيما قابلت يُسرا شاهين الذي انحنى يلثم ثغرها بخفةٍ، فابتسمت هامسة:
-يلا؟
أومأ بعينيه، وتابع نزول الحقائب من الأعلى على يد الخادمات، فاقترب فهيم متسائلًا وهو يستند على عصاه ذات رأس الأفعى:
-رايحين على فين كده؟
1
رمق شاهين فضيلة الواقفة بجوار فهيم ترتعد، فاختبأت خلف فهيم بخوفٍ، واعتلى ثغر شاهين بسمة ساخرة:
-مسافرين نستجم أنا ومراتي شوية، طبعًا مش محتاج أقول إني مش عايز تيلفونات ولا إزعاج واللي هيفكر يكلمني هولع فيه هو والتيلفون.
2
تنهد فهيم بارهاقٍ:
-ماشي يا ابني براحتكم.
-براحتنا فعلًا أومال براحة الحرباية اللي مستخبية وراك.
ناظرها متهكمًا:
-بتستخبي يا أختي؟؟ متتنفضيش كده أنا لو عايز أطحنك هطحنك بس هسافر أريح شوية وأرجع أكمل عليكِ استنيني.
2
سحب زوجته بحرصٍ للسيارة، فأعطته وردة ليلتقطها مبتسمًا، فتح لها باب السيارة وقبل أن تدخل شهقت بخضة:
-شاهين نسيت المايوه!
-نشتري غيره.
زمت شفتيها بضيقٍ:
-ليه أنا بحبه.
قرص ذقنها بعبثٍ:
-يا حبيبتي مايوه إيه أنا مش عايزك بهدوم خالص.
1
هزت رأسها يمنى ويسرى بقلة حيلة وهي تلج السيارة:
-نفسي تتربى!!!
1
تعالت ضحكاته بمرحٍ وتحرك بالسيارة مغادرًا البلد التي عانى فيها مع زوجته أشد المعاناة.
***
تنهدت حسناء وهي تخلع ردائها الطبي، خرجت من مكتبها تتجه للخروج، حتى أوقفها رجل عند باب الخروج بقوله:
-دكتورة...ماما عاملة إيه؟
رمقته من أعلاه لأسفله وقالت:
-ماما مين؟
-المريضة اللي إنتي لسه مخلصة كشف عليها.
أومأت متذكرة:
-آه مدام شيماء؟ الحمدلله بخير ركبنالها محاليل وتقدر تخرج دلوقتي.
ابتسم ومد كفه ليصافحها:
-أنا كامل العدوي، ملازم أول جيش.
ابتسمت بمجاملة:
-أهلًا وسهلًا، مبسلمش متأسفة.
سحب كفه بحرجٍ، فاستأذنت لترحل لكن أوقفها بـ:
-طيب...إحنا تعبنا حضرتك معانا، ممكن أعزمك على الفطار كشُكر؟
-لأ متشكرة.
والتفتت لترحل فأمسك ذراعها مانعًا، لتلتفت له مسرعة صارخة وهي تنفض ذراعها منه:
-إيه ده!
رفع ذراعيه جواره باستسلامٍ:
-آسف آسف، أنا بس كنت حابب أتعرف عليكِ!
-تتعرف عليا ليه!!! أنا مش عايزة لو سمحت وسع كده.
وبالخارج، وصلت سيارة فهد وبجواره إياد الذي نظر للمستشفى مستغربًا:
-ايه ده أنت عيان؟؟؟
1
ناظره فهد بطرف عينه ولم يُجب، هبط من السيارة يستند بظهره عليها فنهض إياد بدوره وسأله:
-مستني مين طيب؟
-بقولك إيه إنت لازقلي زي اللبانة وقولت هعديها لكن تقعد تسألني وتستفسر هرميك في أقرب سلة زبالة!
لوى شفتيه بحنقٍ، فيما التقط فهد هاتفه ليتصل بحسناء، لينظر إياد في الهاتف بفضولٍ ويبتسم:
-آآه، جايين نشوف المزة بتاعتك يعني؟
1
رمقه فهد بحدة:
-ولا لم نفسك!
رفع فهد عينيه إلى ذلك الجسد المتشح بالسواد يتشاجر مع رجلٍ ما، عرفها على الفور فهرول إليها مناديًا:
-حسناء!
التفتت له سريعًا وتنهدت بارتياحٍ، فوقف أمامها ينظر للرجل بصرامة:
-في حاجة يا باشا؟؟؟
-إنت مين إنت كمان!! أنا بكلمها بتتحشر ليه؟!
رفع فهد حاجبه بحدة وهو يناظره بقوة:
-تعرفيه يا حسناء؟
أخرجت رأسها من وراء ظهر فهد وصاحت:
-لأ.
1
ثم عادت تختبئ خلف ظهره كطفلٍ صغير، فمال فهد برأسه ينظر للرجل بقسوة:
-يبقى كلامك معاها عبارة عن إيه يا برطمان العسل!!!
1
-ملاكش فيه!
جذبه فهد من تلابيبه بقسوة صارخًا:
-ولا أنا ماسك نفسي عنك بالعافية!
فصاح الآخر في المقابل وهو يتململ بين يديه:
-إنت إزاي تكلمني بالشكل ده إنت متعرفش أنا مين!! أنا ملازم أول كامل العدوي!!
وبنفاد صبرٍ وضيق، لقد طفح به الكيل فصاح:
-طُـــــــز!!!!
2
فيما لاحظ إياد أن زميله يتشاجر، فهرول إلى ادخل المستشفى صارخًا باسمه:
-فــهــد
رمقه فهد بتعجبٍ، حتى وصل إليه ووقف متأهبًا ينظر لكامل بتحفز:
-حد اتعرضلك؟؟؟؟
رفع فهد حاجبه ساخرًا:
-وهو أنا لو حد اتعرضلي هطلب مساعدتك إنت يا أهطل ياللي بتخاف من خيالك!!!
1
تنحنح بحرجٍ ثم فرد ذراعيه ليوحي بجسدٍ أضخم للماثل أمامهم:
-أنا بقول بس يبقى ليك ضهر.
-بس يالا اخرس يالا!
ثم عاد ببصره لكامل يهزه بين يديه صارخًا:
-طلعلي بطاقتك يالا
نفض كامل نفسه من بين يدي فهد الذي رفض أن يتركه وصاح:
-ده أنت اللي تطلعلي بطاقتك! ده أنا هحبسك!!!
قهقه فهد ساخرًا:
-يا سلام! عنيا.
وجه حديثه لإياد ولا زال ينظر لذلك البغيض بنظرة واثقة:
-طلعله الكارنيه يا اياد محفظتي في العربية.
رمقه إياد بغرابة:
-كارنيه ايه؟
همس له فهد من بين أسنانه:
-كارنيه الداخلية يا زفت!
أدرك إياد فجأة، وراح يتحسس جيوبه:
-اه...استنى
تنحنح بحرجٍ، وتوقف عما يفعله ناظرًا لفهد بتوجسٍ:
-مش معايا!
احمرت عيني فهد غضبًا وصاح:
-نعم يا روح أمك! مش معاك ازاي؟؟؟
ابتلع لعابه:
-نسيته في عفريتة شلبي سولفان
3
-نسيته فين يالا؟؟؟؟
ترك كامل واتجه بكفيه يقبض على ياقتيّ قميص إياد بعنفٍ يهزه بين يديه فهمس إياد برعبٍ:
-في عفريتة شلبي سولفان.
-ده انا اللي هعمل منك خيطين سولفان دلوقتي.
وبالخلف تأففت حسناء مستغفرة وقالت:
-خلاص يا فهد سيبه إحنا في مستشفى وفيه مرضى ميصحش كده!
عض على شفته السفلى متوعدًا لإياد:
-ماشي، هقتلك بس اصبر.
ازدرد الآخر لعابه متوترًا، فيما سحب فهد كامل من ياقة قميصه لخارج المستشفى، وفتح السيارة وجلب منها محفظته مخرجًا الكارنيه منها، ألقاها في وجهه فنظر فيها لبرهة ثم ازدرد لعابه وشد جسده محييًا، فحذره فهد:
-لو لمحتك تاني هساوي وشك بالأسفلت.
أومأ بسرعة وأعطاه الكارنيه، فأشار لحسناء:
-يلا جعان.
ابتسمت بمرحٍ وسارت خلفه يعبران الطريق ناحية عربة الفول، فيما وقف إياد يصيح:
-طب وأنا!!
-شوفلك اي داهية.
فزم شفتيه متذمرًا...
وبعد لحظاتٍ عاد فهد لحسناء الجالسة على المقعد أمام عربة الفول وبيده كيسًا من الطعام، وضعه جوارها وأعطاها شطيرتها، فسألته بقلقٍ:
-أخوك عامل إيه؟
أومأ وهو ينظر لشطيرته:
-كويس.
-الحمدلله.
تنهد فهد بحُرقة:
-بس قالي أبعد عنه، وهي كمان قالتلي أبعد، بس في نفس الوقت خايف.
عقدت حاجبيها بغرابة:
-خايف من إيه؟ منها ولا عليها؟؟
-عليهم، موضوع الشطرنج اللي بيتبعت ده مقلقني، خايف عليها وخايف منها على فادي! أنا كده كده معادتش تفرق معايا، أنا بس مش عايزها تتأذى بسببي.
-إنت بجد مقتنع إنك معدتش بتحبها؟ طب بتحميها ليه؟ هل ده واجب عليك؟ لأ..خدمة إنسانية؟ لأ برده قدر لوحدها تقوم بجيش!!!
زفر حانقًا، فاستأنفت تفضحه أمام نفسه كما تفعل دومًا:
-متنكرش إنت لسه بتكنلها مشاعر.
-دي خطيبة أخويا!!!
أشارت عليه بصرامة:
-قول لنفسك الكلام ده، وأي شعور جواك تمحيه لأنها زي ما قولت...خطيبة أخوك.
-أنا خايف عليه! حاسس إنها...إنها هتخزوقه!
ناظرته بطرف عينها في حدة، فضم شفتيه وكأنه يعتذر عن كلمة "هتخزوقه" ..
فلقد أصبحت حسناء كالمُعلمة له، تمنعه من التفوه بكلماتٍ بذيئة!
3
-سيبهم لبعض، سيبها تجرحه، صدقني ده اللي هيخليه يفوق لنفسه.
2
بالنظر في الأمر..
حسناء مُحقة تمامًا!
دومًا ما تكون حسناء محقة!
-وبعدبن إنت ليه بتاكل دماغي بمشاكلك؟؟؟
مضغ ما قضم من الشطيرة:
-أهو..توفير
-توفير لإيه بالظبط؟؟
-للألفين جنيه اللي هدفعهم لجلسة ثيرابيست واحدة.
تنهدت بيأس:
-لازم أبدأ آخد منك تمن آذاني الصاغية.
ضحك..وضحكت..
ثم تنهد حين تذكر بكاؤه ليلة أمسٍ في أحضان فجر:
-قدر كانت دايمًا تقول إن العياط للضعاف.
-قدر دي تحسها قادرة من برا بس والله هي من جوا غلبانة.
هز رأسه نافيًا ظنها:
-لأ مش قدر دي...قدر الراوي.
-مين قدر الراوي؟
ناظرها بلمعة في عينيه وبريق ذكر اسم أمه الثانية:
-أمي.
-مامتك اسمها قدر!
-لأ اسمها شهد.
-أن امش فاهمة حاجة!
اعتدل في جلسته ليشرح لها بمنتهى الحماس:
-قدر الراوي دي أمي التانية، اتجوزها أبويا عشان يساعدها تاخد حقها من فهد.
-فهد ده اللي هو أكيد مش أنت!
وبدأ يشرح لها ما مضى من ذكرى:
-طبعًا...التاني فهد المسيري، خالي...أكتر شخص مغرور ونرجسي شوفته في حياتي، ولحد دلوقتي مش قادر أسامحه ع اللي عمله فيها، بس هي سامحته.
سألت بتوجسٍ:
-هي...اللي هي قدر؟
أومأ فاستأنفت:
-واضح إنك بتحبها أوي، ربنا يخليهالك.
-ماتت.
اتسعت حدقتيها بصدمة وغصت بالطعامٍ، فأكمل:
-اتحرقت معاه في مخزن الشركة
1
شهقت وهي تبسط كفها على صدرها بخضةٍ:
-يا لطيف!
صمت، فهونت عليه:
-هما في مكان احسن، ادعيلهم بالرحمة.
ابتسم بمرارةٍ:
-وحشتني أوي! كانت بتحبني...زي ما أكون إبنها وأكتر! لو كانت لسه عايشة...مكانش كل ده حصل.
5
لوت شفتيها بشفقةٍ، وقررت أن تستمع منه حتى النهاية، فتركت شطيرتها وجلست تُصغي له:
-اوصفهالي.
ابتسم بحنينٍ، يتذكر ضحكتها..
نظرتها..
رقتها..
صرامتها.
-المعنى الحرفي لملاك ماشي ع الأرض، رقتها..قوتها..كانت بكلمة واحدة منها تخلي رجالة بشنبات يقف عليها الصقر تخرس، بس كانت رقيقة..زي البحر..حلوة بس تخوف..
وكانت بتعزف كمان، وبتحب اللون الأسود..
بس ده بعد ما اتجوزت خالي، قبل ما تتجوزه كانت ضعيفة جدًا، حرفيًا لو نفختي فيها تُقع.
-كانت محجبة؟
سألته بشكٍ، فناظرها ببسمة مستغربة وسألها:
-أيوه، عرفتي إزاي؟
تسمرت مكانها وشحب لونها فجأةً، الحُلم لم يكن لقدر ...
بل كان لقدر!!!
ابتسمت وهي تهز منكبيها ببساطة:
-خمنت.
ازدرد لعابه وأكمل بوجعٍ:
-خسرتها...زي ما خسرت كل اللي حبيتهم، زي ما خسرت بلال...وحلم!
تألمت لنظرته، وتألمت لذكر اسم زوجته تحديدًا..
1
-حلم كانت شبه قدر القديمة، رقيقة، وهشة جدًا، بس حبيتني!
تبسمت حسناء وهي تتأمل ملامحه المُتعبة:
-وواضح إنك كنت بتحبها أوي برده.
تنهد بعمقٍ، وشردت عينيه في نقطةٍ مل:
-لقيت فيها اللي ملقتهوش في قدر.
-اللي هو؟
زم شفتيه لبرهة مفكرًا، وأجاب بصراحةٍ:
-احتوتني، حسستني إن هي محتجاني بجد، قدر مكانتش محتاجاني.
-اومال؟
-كانت عايزاني، زي لعبة عندها أو علبة مكياچ، لكن حلم كانت محتاجاني بجد.
تنحنحت وهي تلتقط من حقيبتها عُلبة القرنفل وأخرجت منها واحدة، أعطتها له فالتقطها بين ضروسه، ووضعت واحدة لها في فمها تلوكها وهي تقول:
-بس حسب كلامك قدر كمان كانت محتاجالك، بس إنت اتخليت عنها.
1
ناظرها بحدة:
-أنا متخليتش عنها!!
رفعت حاجبها بحرصٍ:
-طب ليه متقولهاش الحقيقة؟ ليه سايبها تكرهك وتهاجمك وهي فكراك اتخليت عنها وده محصلش؟!
-كده أحسن...ليها وليا.
قالها شاردًا، فتنهدت حسناء:
-الحقيقة مش فاهمة وجهة نظرك بس أكيد دي حاجة إنت محكيتهاش، بس أعتقد قدر لو عرفت إيه اللي خلاك تسيبها زمان هتسامحك.
التقطت شطيرتها لتكملها، فيما ناظرها فهد بصمتٍ لبرهة، ثم قال:
-طب اخلصي عشان شغلي.
التهمت شطيرتها وحدجته بنظرة نارية:
-طفحني اللقمة بقا!
مضغتها وابتلعتها ثم قالت متذكرة:
-صحيح، هو الأهبل اللي كان معاك ده إياد صقر؟
أومأ، فضحكت بمرحٍ:
-يخلاصي والله عسل، وهو خايف منك كده وإنت بتقوله الكارنيه.
1
-عشان تعرفي إني مُبتلى.
ضحكت بشدة وهي تضع كفها أمام فمها حتى لا يتطاير الطعام، فضحك فهد على ضحكها.
2
***
خرجوا من المدرسة جميعًا إلى الحافلة التي تنتظرهم، وكانت أريچ في نهاية المجموعة تسير وهي تنظر حولها برهبة...
تشعر به حولها..
أنفاسه تخنقها!!
ما إن خرجت من باب المدرسة حتى ألقى سيجارته يدهسها أسفل قدمه، والتقطها من ذراعها ساحبًا إياها بعيدًا عنهم فشهقت وكادت تصرخ فقال:
-متصوتيش لا أحسن أرزعك بوسة قدامهم دلوقتي!
أخذها لمكانٍ مهجور خلف المدرسة، حاصرها بينه وبين الحائط فأصابتها نوبة هلع من رؤيته وهمست برجفةٍ:
-إنت عايز إيه!! البودي جاردز لو شافوك هيـ...
-بودي إيه يا أختي؟؟ قصدك هيثم وعماد؟؟؟ دول ما شاء الله عليهم بيضربوا كشري عند الراجل اللي على أول الشارع ومزاجهم عنب.
1
اتسعت حدقتيها بهلعٍ، فيما مرر عينيه على جسدها صعودًا وهبوطًا متأملًا مظهرها في ملابس المدرسة وابتسم:
-كل مرة بتثبتيلي إني عرفت أختار صح، إيه الحلاوة دي كل يوم كده يعني!
3
هزت رأسها بعدم فهمٍ وصاحت:
-إنت بتعمل كده ليه!
اعتلى ثغره بسمة ماكرة، تبعت نظرته الخبيثة، وتحسس خصلاتها فجذب خصلة منها ولفها حول إصبعه برفقٍ هامسًا:
-مزاجي كده.
نفضته عنها باشمئزازٍ كارهة للمسته:
-أنا بكرهك!
-وأنا مش عايزك تحبيني.
جذبها من ذراعها إليه بقسوةٍ فالتصقت بصدره لتجده يهمس بهسيسٍ:
-لأنك كلك على بعضك بتاعتي، فمش هيفرق أوي حُبك من عدمه.
زفرت بضيقٍ، وربعت ذراعيها أمامها وأشاحت ببصرها عنه إلى نقطةٍ ما، فوجدته يهمس بتخابثٍ:
-ما تجيبي بوسة مشبك!
1
التفتت ترمقه بصدمة:
-بوسة إيه!
-مشبك..ملقاط يعني.
1
تململت وهي تدفعه من صدره متمتمة من بين أسنانها بضيقٍ:
-ممكن تسيبني!
زم شفتيه بتذمرٍ:
-بوسة طيب!
1
نفخت في وجهه حانقة، فتحدث بهمسٍ:
-طب بصي، تجيبي بوسة هسيبك مش هتجيبي هنفضل كده وعليا وعلى أعدائي.
-عيب كده على فكرة!!
-هنتجوز
قالها ببراءة فقالت بحدة:
-بس أنا مش عايزة أتجوزك!
تأفف بنزقٍ:
-مش بمزاجك بكرا تعوزي إنتِ صغيرة ومش عارفة مصلحتك فين.
هزت رأسها بعدم فهمٍ:
-فين!!!
ابتسم بمكرٍ:
-أقولك ومتزعليش؟
عقدت حاجبيها باستغرابٍ من طريقته العجيبة، فقال بمكرٍ:
-في طيـ....
3
كممت فمه سريعًا بأعين متسعة وصرخت:
-بس إيه ده!
لثم كفها المكمم لفمه فأبعدته سريعًا:
-إنت قليل الأدب!
أشهر سبابته محذرًا بجدية:
-أنا مش قليل الأدب أنا عديم الأدب لما تيجي تشتميني اشتميني صح.
2
-يا سلام فرقت!!!!
أومأ بجدية:
-طبعًا، وبعدين أنا كنت هقول في طيبة قلبك إنتِ ليه دماغك حادفة شمال كده!
-طب ممكن تسيبني قبل ما الباص يفوتني!!! وإلا هصرخ وأفضحك!!
هز منكبيه ببساطة:
-صرخي.
وابتسم بتسلية:
-واهربي..كل ما تهربي هجيبك.
مال عليها فوصلت رائحته النافذة إليها فاشمئزت:
-اهربي..اجري على قد ما تقدري...
استطرد وهو يبتسم بدهاءٍ:
-هتلفي تلفي وتُقعي في حضني تاني!
-إنت مريض!!
صرخت بانهيارٍ، فتنهد بارتياحٍ:
-بيكِ.
فك أسرها، حررها فهرولت بعيدًا عنه إلى الحافلة، تلتفت بين الفنية والأخرى لتراه برعبٍ، فيبتسم بمكرٍ ويرفع كفه مودعًا إياها..
سرعان ما أنزله متمتمًا بعد تنهيدة عميقة:
-مُزة.
2
***
وصلت سيارة شاهين إلى شاليه الساحل، هبط منها ونادى على البواب الذي جاء محييًا:
-يا أهلًا وسهلًا بسيادة القائد شاهين الحلواني.
1
بحلق شاهين فيه بأعين متسعة بتحذيرٍ، فتنحنح بحرج والتقط منه الحاجيات:
-عنك يا باشا.
هبطت يُسرا من السيارة هاتفة بغرابة:
-هو قال قائد؟؟؟؟
ابتسم لها بهدوءٍ:
-لا يا حبيبتي مقالش.
هزت منكبيها بلا مبالاةٍ، ودخلت معه الشالية هاتفة:
-تصدق أول مرة أجي هنا، ريحة البحر مختلفة عن إسكندرية.
-أكيد يا يُسر ده الساحل يعني.
التفتت له بحماسٍ:
-نعمل چيت سكي بقا.
-چيت سكي إيه ببطنك المفتوحة دي.
تحسست جُرح بطنها بخفة وهمست:
-معادش بيوجع.
احتضن كتفها وانحنى يُقبّل جبينها هامسًا:
-إحنا هنا هنستجم شوية، نلعب في البحر ده آخرك، وأوعدك هنيجي تاني.
وقفت أمام البحر تنظر له بشرودٍ، فيما قال لها:
-خليكِ هنا هروح أفتح الشالية وأوصي عماد يجيب حاجات من السوبر ماركت، متتحركيش.
ابتسمت له مُطمئِنَة، ووقفت تحتضن نفسها ناظرة لتموجات البحر الصافي بشرودٍ، وتنهدت عدة مراتٍ مستنشقة أكبر قدر من الهواء النقي.
انحنت تلتقط تلك الصدفة أسفل قدميها، تلاعبت بها بين يديها باسمة الثغر، حتى جُرحت بسببها فتأوهت..
-خدي بالك.
التفتت سريعًا على ذلك الصوت، كان رجلًا لم يتخطى الخمسون عامًا يبتسم بطيبة:
-أي حاجة حتى لو شكلها حلو ومريح، ممكن تعورك في ثانية.
التقط كفها وأخرج منديلًا ليصد الدماء:
-ابقي خدي بالك بعد كده يا بنتي.
ابتسمت له بلطفٍ، وعلى بعد مسافة، عاد شاهين يحمل أحد الحقائب من السيارة، وتصنم على وضع زوجته الواقفة أمام رجلٍ غريب يمسك بكفها!
فألقى الحقائب وصاح بنبرة جهورية:
-فيه اييه!!!
أبعدت يسرا كفها ببطء عن الرجل مُدركة ما سيحدث تاليًا، فيما اقترب شاهين جاذبًا ذلك الرجل من تلابيبه صارخًا بعنفٍ:
-انت ماسك ايدها ليه يا جدع انت!
التفت ينظر لزوجته هادئة الملامح وصاح:
-هو انا كل ما أسيبك لوحدك أرجع الاقي واحد ماسك ايدك؟؟؟؟
1
همست له بحرجٍ:
-ده قد أبويا يا شاهين!
وتحدث الرجل بخوفٍ:
-اه والله قد ابوها!
هزه بين يديه هادرًا:
-أيوه صح لأ ماليش حق، أقولك خدها بالحضن، ولا بوسها بقا ما إنت قد أبوها!!!
برر الرجل بهلعٍ:
-اسف والله أنا بس شوفتها متعورة قولت اساعدها.
-لا شكرا خليك في نفسك، وانتي اتفضلي خشي جوا
ضحكت بدلال وهمست له بصوتٍ ناعم رقيق ومُغوي:
-حاضر يا سي شاهين.
1
ناظرها وهي تسير للداخل بكبتٍ، ثم زفر وهو يمسح على وجهه عدة مراتٍ وعاد ينظر للرجل:
-عجايب الدنيا كام؟؟؟
عقد حاجبيه بغرابة وأجاب:
-سبعة!
-هيبقوا تمانية لو شوفتك قريب من مراتي تاني!
ارتبك الرجل:
-اشمعنا؟
حدجه شاهين من أعلاه لأسفله بغضبٍ:
-هسخطك نسناس.
1
واستدار يلتقط الحقائب ويهرول للداخل، كانت يُسرا قد سبقته، فدخل موصدًا الباب وألقى الحقائب ثم جذبها يحصرها بينه وبين الباب فشقت بهلعٍ..
كانت نظرته قاتمة، والعرق يتصبب من جبينه، فتنهدت وهي تُخرج محرمة ورقية تجفف بها عرقه في رقةٍ، أسفل نظراته المتفحصة، والتي هدأت تدريجيًا عندما لمست هي وجهه مبتسمة:
-أنا بحبك.
وبذلك...
هدأ تمامًا..
بل انحنى يُلقي برأسه فوق صدرها بتعبٍ، ويلقي معها همومه بأكملها، فعبثت بخصلاته المتعرقة تُبعدها عن وجهه، وتحتويه كأمه التي لم تفعل يومًا.
انحنى يحملها بين يديه فشقت بخضة:
-شاهين...مينفعش!
-عارف، متقلقيش هبوس بس.
1
ضحكت بمرحٍ ولكمته في صدره:
-اتربى.
صعد بها الدرج هامسًا:
-ربيني.
ولتُربيه كما أراد...تطلب ذلك منهم الليل بأكمله.
***
-إنتِ بتقولي إيه يا أريچ!!
نبس بها نور في ذهولٍ، وأمامه تقف هي مطأطأة الرأس، تخبره بمنتهى الخوف أنها:
-أنا موافقة نتجوز يا نور.
1
فبعد لقائها اليوم مع عز، لن تقبل أن تكون زوجة له أبدًا..
فإن وُضعَت بين خيارين هو أو نور...فستختار أطيبهم بالتأكيد.
-بس توعدني إنك هتحميني منه.
ناظرته بتوجسٍ، وتبادلا النظرات الصامتة، ولم يجد بُدًا سوى أن يقول بقلة حيلة:
-أوعدك.
6
وبين نار عز وجنة نور..
ستختار بالتأكيد...جنة نور!
2
***
هرولت سلسبيل إلى حديقة منزلهم الخلفية، حيث قابلها حِبو بعناقٍ استنق فيه عبقها، فابتسمت له برقةٍ ليقول:
-وحشتيني أوي يا سُلس.
-وإنت كمان، بقالك فترة مختفي روحت فين؟!
سألته بقلقٍ، فتنهد بتعبٍ:
-الديون عليا قد كده، وواحدة بنت حرام اتبلت عليا إني حاولت اغتصبها عشان تنهب مني قرشين.
1
شهقت بخضة:
-بجد؟!
-آه والله، الدنيا بقت لبش مش عارف أسلك فيها بطيبة قلبي ورقته يا سُلُس.
1
ربتت على ذراعه صعودًا وهبوطًا بيدها الحانية:
-حصل خير يا حبيبي ربنا يعينك ويبعدهم عنك.
تنهد بارهاقٍ، سرعان ما ناظرها بحماسٍ:
-وبعدين البت زيزي أختي نفسها تشوفك، عشان لما نيجي نتقدم وكده.
1
لمعت عينيها بحماسٍ:
-بجد يا حِبو كلامك؟؟ هنتجوز؟
أومأ ممسكًا بكفيها في كفيه ومشددًا عليهما:
-طبعًا نتجوز، ولو إني مش قد المقام.
قالها بإحباطٍ، فهزت رأسها نافية بشدة:
-متقولش كده، أنا هفضل مصممة عليك، وهما أكيد هيشوفوني كده وهيرضوا.
-تفتكري؟
أومأت بهستيرية:
-طبعًا يا حبيبي.
وبعد دقائق، عادت سلسبيل إلى منزلها متسللة، حتى قابلتها أمها دولت تعقد ذراعيها أمامها وترمقها بغضبٍ:
-مين اللي كنتِ واقفة معاه ده!
-د...د...ده...ده زميلي في الكلية!
رفعت حاجبها بحدة:
-وزميلك في الكلية جايلك الساعة عشرة بليل ليه؟؟؟؟
-كان..كان جايبلي ورق
نظرت دولت في يدي ابنتها الفارغتين وابتسمت ساخرة:
-وهو فين الورق ده؟؟؟
ازدردت سلسبيل لعابها بقلقٍ وعجزت عن الرد! فيما صرخت دولت:
-أنا مش هناقشك، كلامك مع أبوكِ.
والتفتت لتغادر فهرولت سلسبيل وراءها تترجاها:
-لأ يا ماما بالله عليكِ إلا بابا...أنا هحكيلك كل حاجة!
فتوقفت دولت، واستدارت تنظر لإبنتها بحاجبين معقودين بشدة، تنتظر التفسير..والشرح!
***
بعد مرور أسبوعين..
كان جالسًا أمام البحر على الكورنيش ، شاردًا في كل الأحداث المتتابعة التي تلت عليهم، إبن أخيه الذي لم يتكلم منذ وفاة أبيه..
زوجة أخيه التي أصبحت منهكة الجسد نحيلة، أمه التي زادت أمراض جسدها..
وأخته التي هربت ولا يعلم أين ذهبت!
تنهد بخيبة أملٍ ونكس رأسه، حتى أتاه صوتها:
-يوسف.
التفت لوجودها، تفاجئ لا يُنكر..
ولكنه...فَرِح بشدة لرؤيتها بعد كل تلك الأيام!
جلست جواره، وظلا صامتين لبرهة، قطع الصمت بقوله الحزين:
-عاملة إيه؟
-الحمدلله.
-فرحك إمتى؟
صمتت، ولم تُجِب، فابتسم متهكمًا:
-متنسيش تعزميني، هفرحلك والله.
ناظرته بوجعٍ ولوعة، وقالت:
-هتفرحلي وأنا مع واحد تاني غيرك؟
3
-هفرحلك وإنتِ مع اللي بتحبيه، حتى لو كان الشخص ده مش أنا.
تنهدت بلوعةٍ، واعترفت بما ظل يلوع صدرها لسنواتٍ عدة:
-أنا بحبك يا يوسف.
11
فلتختار لمرة..
هي بنفسها..ليس أمها..ولا أبوها..
فلتختار هي!
-أنا بحبك إنت!
1
بصر إصبعها الفارغ..
فناظرها بعدم تصديقٍ..
وابتسمت له!
فإن كان للحياة قدر..
فقدر قدر هو بالطبع... يوسف.
***
وقف أمام المرآة عاري الصدر، يتأمل كل نُدبة حُفرت على جسده، وندبة أخرى برزت عند صدره، وأخرى...على طول ذراعه الأيسر!
فشردت عيناه عندها لمدة طويلة..
"-سيب البنت، البنت صغيرة مش فاهمة حاجة!
ضحك بخبثٍ وهو يحرك الصغيرة الصارخة بالبكاء بين يديه :
-أسيبها والمقابل؟
أشار على نفسه بلهفةٍ:
-خدني أنا بدالها، اقتلني، اعمل فيا اللي تعمله بس سيب أهلي.
ترك تالا بالفعل، فصرخ فهد بها:
-اجري على أمك.
ناظره نزار بخبالٍ، تلك النظرة تعني شيئًا واحدًا...
أنه جُن فعليًا!
-الباب مقفول، وأصحابي في كل مكان، وهما اللي هيخلصوا على أهلك..وأنا وأنت هنا...اللي هيخرج من الأوضة دي عايش هو اللي كسبان.
ترجاه بقوله:
-هعملك اللي إنت عايزه، بس سيب أهلي في حالهم!
اعتلى ثغره بسمة ماكرة، وأطلق عينيه إلى شاشة المراقبة، شاشة أظهرت شابًا يجلس جوار تالين الصغيرة يقرأ لها قصة، وشاشة أظهرت شابًا مع سارة وشهد ويمنى بالمطبخ يعاونهم، وشاشة أظهرت شابًا آخر مع قدر في المخزن يعاونها على حمل چوال بصل، وشابين مع شريف ورعد وزهد ويامن في غرفة الجلوس!
لقد حاصر نزار المنزل بأكمله..ولن يخرج من هنا إلا بإراقة الدماء!
-هسيبهم بشرط.
انتظره فهد ليكمل بلهفةٍ، فابتسم الأخير بخبالٍ ومال برأسه في جنونٍ مستطردًا وهو يُلقي إليه الخنجر:
-احفر كلمة آسف على دراعك الشمال.
حدجه ليرى ردة فعله وتابع:
-ولو خطك معجبنيش...هتعيدها تاني ع طول دراعك لحد ما تعجبني فيهم واحدة!
رفع فهد عينيه لنزار، وتبادلا النظرات لبرهة من الزمن..
لُخصت كل ذكرياتهم بها..
مجيئهم..
ذهابهم..
حتى تلك الكلمة التي قالها له نزار ذات مرةٍ:
-لو الدنيا كلها ضدك إحنا معاك يا فهد، إحنا أخوات يا أهطل!
لماذا أُحيلت حياته في لحظة إلى جحيم؟
لماذا فقد صديقه في غمضة عينٍ؟
لماذا فقد صداقتهم في لحظاتٍ معدودة!
لماذا...يخسر...كل شيءٍ!!!
-لو عملت كده...هتسيب أهلي؟؟؟
ابتسم باتساعٍ حتى ظهرت أسنانه المتراصة:
-أكيـــــد.
وليس...
كل رجلٍ يعِد..يفي."
2
***
زفرت يمنى بضيقٍ وهي تُنزل هاتفها بعد المكالمة الخامسة لقدر التي لم تُجب..
فاقتربت شهد منها ترتدي فستانًا ناصع البياض وتلف حجابها برقةٍ حول وجهها:
-لسه مردتش؟
هزت يمنى رأسها برفضٍ:
-لأ، بكلمها من الصبح! المأذون وصل يعني هيتكتب كتاب أخوها وهي مش موجودة يرضي مين ده!
ربتت شهد على كتفها:
-اهدي زمانها جاية، تعالي بس نشوف دارين عشان متلخبطة أوي.
سارت معها لدارين الواقفة تتآكل قلقًا وتقول ليمنى:
-نور مجاش ليه يا يمنى!!!
-كلمته والله من خمس دقايق قالي جاي أهو.
وشهد تُهدئهما معًا:
-اهدوا بقا وترتوني!
فيما رفعت ميرا الكاميرا استعدادًا للتصوير، حيث تجلس أريچ بفستانها الزهري ووجهها ذو مساحيق التجميل الخفيفة وعقدة شعرها البسيطة، تفرك كفيها ببعضهما في توترٍ، ويجلس المأذون جوارها متسائلًا بهدوءٍ:
-أين العريس يا جماعة؟؟؟
وجاء صوته البغيض يهتف:
-موجود يا شيخنا.
3
رفعت حدقتيها لتتسع بصدمة حال رؤيته يقف بحُلته السوداء كاملةً حتى قميصها، يضع يده في جيبي بنطاله ويصفف شعره المشعث بطريقة منمقة، ويده الأخرى تمسك باقة ورود سوداء تمامًا ..
اقترب منها فوقف أمامه يامن مدافعًا، ليبتسم بخبثٍ ويزيحه هامسًا:
-وسع يا عمي هديها الورد، ما هي عروسة برده!
اقترب منها، وانحنى عليها فتراجعت في مقعدها بخوفٍ وتشبثت بكف أمها الواقفة خلفها ترمقه بغلٍ، وضع الورود على حجرها هامسًا بمكرٍ:
-جوازة مُباركة إن شاء الله...يا روچا!
سألته دارين من بين أسنانه بغضبٍ:
-بتهبب إيه هنا!
انتصب واقفًا، ونظر لهم جميعًا بسخرية:
-جاي أتجوز! مش إنتو هنا بتجوزوها برده؟؟؟
رمقه رعد بجمودٍ، ورفع هاتفه ليحادث نور فأوقفه عز:
-متحاولش، مش هيرد عليك.
ناظره رعد بغضبٍ دفين، فيما صاحت يمنى:
-عملت فيه إيه!!!!
وقف في منتصف الساحة، وعلا بنبرته باستهزاءٍ:
-هو إنتو فاكرين، إنكو لما تهربوها برا إسكندرية، ولا لما تمشوها بمليون ضلفة ، ولا حتى لما تجوزوها لعيل أهبل زمانه دلوقتي مرمي في الطريق، هتبعدوها عني؟؟؟؟؟
لطمت يمنى على صدرها بهلعٍ:
-مرمي ع الطريق يعني إيه!!! نور فين!!!!
-واحد صاحبي كان راكب عربية لوري وشارب لما طفح، مشي ع الطريق عكس السير عمل حادثة! ويا عيني خبط عربية بيك أب سودا، نقرالهم الفاتحة بقا.
ثم رفع كفيه ليقرأ الفاتحة، وتأملهم بعينيه الخبيثتين وكلًا منهما ينظر للآخر بصدمةٍ..
فابتسمت عيناه بدهاءٍ، ومال يغمز لأريچ التي ترمقه بذعرٍ!