رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل الخامس عشر 15 بقلم تقي حامد
مال رعد يحمل زوجته بين ذراعيه، وخرج من الشرفة ليصطدم بالمشهد الآتي..
حيث ينحنى كلًا من زهد وحسام ونور وحولهم الأولاد والفتيات يحاولون جميعًا إفاقة يامن الذي فقد وعية في الحال حين سمع خبر حمل زوجته للمرة الخامسة!
نظر نور لرعد ولشهد بين ذراعيه وهتف بذهولٍ:
-هي كمان!
صاح رعد آمرًا:
-صحوه وحصلوني ع البيت.
فيما تركزت جميع الأنظار عليهم بتعجبٍ، فاستأذن زهد بلباقة من فكرت غيث ورحلوا جميعًا، فيما بقى فهد الذي خرج للتو من الشرفة بوجهٍ مقتضب ومكفهر الملامح ينظر أمامه بشرودٍ، فصادفه شاهين..
ليقفا أمام بعضهما البعض لبرهة، يتناقلان النظرات بصمتٍ دفين بينهما..
-سيادة الرائد.
حياه شاهين ببسمة ساخرة، فيما ناظره فهد نظرة مبهمة:
-أقولك يا سيادة القائد ولا يا شاهين عادي؟
1
-مش هتفرق.
اعتلى ثغره بسمة متهكمة:
-كنت زمان بتفضحنا لو حد نادى اسمك حاف.
-زمان..دلوقتي أنا شاهين..شاهين وبس!
هتفها بتحذيرٍ، في إشارة مبطنة له أن يكف عن التلميح بما مضى، بكونه كان قائده!
التقط شاهين هاتفه من جيب بنطاله ووضعه على أذنه يجيب:
-خير؟
فإذا بصوت مرتجف للخادمة يخبره:
-شـ..شاهين بيه...الست يُسرا كانت واقعة قدام باب القصر غرقانة في دمها..
وعند ذكر يُسرا..
انتفض شاهين مهرولًا لسيارته وفي كل خطوة يفكر..
يُسر؟
ما بها؟
ما معنى "غرقانة في دمها"..
ما معنى "واقعة أمام الباب"..
ما بها يُسر خاصته!
وصل لسيارته بصعوبة، فلحقه شفيق بقلقٍ وما إن لمحه يركب سيارته حتى ركب معه بسرعة دون أن يسأله..
***
انتفضت قدر صارخة:
-دي مش هتستحمل، نارين خليكي جنبها.
وهرولت إلى جراچ السيارات لتخرج إحدى السيارات التي فازت بها حديثًا، خرجت بها لأمام المنزل في المسافة بين القصرين، عاونتها نارين والخادمة في حمل يُسرا التي كانت في حالة يُرثى لها بين الوعي واللاوعي..
وقادت قدر السيارة بكل ما تملك من سرعة..
فوصلوا المشفى في وقتٍ قياسي وصرخت قدر بالحارس:
-بسرعة يا محروس نادي حد.
فهرول الحارس ملبيًا الأمر، وخرج بعد لحظاتٍ معه الدكتورة إبتسام التي اقتربت وخلفها ممرضين يجران فراشٍ، فحملا يُسرا إليه وركضا بها في الممرات إلى غرفة العمليات واستعدت إبتسام للدخول، ثم أضاءت اللمبة الحمراء!
3
***
هدهدت ابنها الكامن بين ذراعيها حتى غفى، فوضعته على فراشه بحذرٍ، وهزت فراشه الصغير حتى لا يستيقظ، فأتاها صوت ابنة عمها هاتفًا:
-نام؟
أومأت، فدخلت نجدة غيث تخلع عنها مجوهراتها اللامعة وجلست طرف الفراش، فاقتربت منها نيرة وقالت متنهدة:
-وزينة كمان نامت قتيلة، اتبسطت انهارده أوي.
سرعان ما جلست جوار إبنة عمها وقالت بجدية:
-ها...إيه حكاية شاهين الحلواني ده كمان؟ صيدة جديدة؟؟؟
قلّبت عينيها بضجرٍ:
-نيرو بجد إنتِ فصيلة.
ربعت نيرة ذراعيها أمامها وقالت بصرامة:
-نجدة إنتِ مقولتليش إنه متجوز وإنتِ بتحكيلي عنه!
استندت بمرفقيها على الفراش خلفها وهي تضع ساق فوق الأخرى من أسفل فستانها الضيق وابتسمت بمكرٍ:
-هتفرق؟
-إنتِ أكيد بتهزري! مش هتخطفي راجل من مراته يا نجدة!!!
زفرت بحنقٍ:
-متبقيش خنيقة، أنا مبخطفش حد، هما اللي بيجولي برجليهم!
2
رفعت حاجبها بحدة:
-زي مُهاب كده؟!
-إيه جاب سيرته دلوقتي!
جلست نيرة جوارها تردف باستعطافٍ:
-يا نجدة...يا نجدة فوقي بقا، إنتِ عشتي عمرك كله بتنتقمي من عمي في كل راجل علقتيه بيكِ وكسرتِ قلبه!
رمقتها نجدة ببسمة متلاعبة:
-كلهم صنف واحد، بيجروا ورا أي عضمة تترميلهم، وبعدين أنا مكسرتش قلب حد، أنا عملت زي ما هما بيعملوا...مش عمك ده عشم أمي وسابها وخلع؟ مش عمك ده كسر قلبها وقلبي؟ مش الرجالة دول اللي بيتحرشوا بأي حاجة قدامهم! صدقيني الرجالة أقذر مما إنتِ متخيلة.
-مكانش ربنا خلقهم يا نجدة! وبعدين..طب مهاب ذنبه إيه؟ عملك إيه عشان تجرحيه كده!
خلعت أقراطها وهي تقول بلا مبالاةٍ:
-أنا مجرحتوش، هو اللي عبيط واتعلق، إحنا كان بينا اتفاق هو أخل بيه، فدي بصراحة مشكلته هو مش أنا.
نهضت تنصب ظهرها وتقف بقامتها الممشوقة أمام ابنة عمها ذات الجلباب الواسع:
-وكفاية كلام في مواضيع ملهاش لازمة، تصبحي على خير عندي شغل بكرا.
-نجدة استني!
أدارت لها ظهرها وهي ترفع كفها محيية وتسير بتؤدة لخارج الغرفة، فيما تنهدت نيرة بإحباطٍ.
***
هرول شاهين في ممرات المستشفى يلحقه شفيق، توقف أمام غرفة العمليات حيث أشارت له الممرضة حلا، بصر فتاة قصيرة عنه ببضع سنتي مترات حافية القدمين مشعثة الخصلات تنتظر أمام الغرفة، فاقترب وهو يزدرد لعابه بتوترٍ، وقف أمامها وأمام خادمتهم التي قالت بنبرة باكية:
-شاهين بيه، ست يُسرا بقالها ساعة جوا.
وسأل بنبرة جافية تحمل بين طياتها قلقٍ دفين:
-إيه اللي حصل؟
تحدثت قدر فنظر لها:
-شوفتها بتنزف قدام بيتكم، ومحدش كان جوا يساعدها.
وعاد ببصره للخادمة التي استرسلت الحكاية:
-أنا كنت ناسية كيسة جوا في المطبخ، دخلت من الباب الوراني آخُدها وخرجت سمعت صوت حد بيتوجع، جريت عليها لقيتها الست يُسرا واقعة جنب الزرع غرقانة في دمها، جريت على طول على بيت العمرانية استنجد بيهم وكتّر خيرها الست دي ساعدتنا.
وقف شاهين يستند بظهره على الحائط، يتخذه درعًا حتى لا يسقط، مرت نصف ساعة أخرى أثناء انتظارهم فخرجت الدكتورة إبتسام تتنهد بتعبٍ..
اقتربت من قدر:
-دكتورة قدر.
اعتدلت تنظر لها بتساؤلٍ قلِق:
-إيه الأخبار يا إبتسام!
هزت رأسها بأسفٍ:
-الطفلة نزلت بالفعل، بس نزلت ميتة، للأسف فقدناها.
2
شعر شاهين بالأرض تميد تحت قدميه، وكاد يسقط، لولا ذراع شفيق الذي أسنده، إلا أنه سأل بعدم إهتمامٍ سوى بها:
-ويُسرا؟؟
-حاولت أفوقها بكل الطرق، بالإضافة لإن المجهود كان صعب عليها أوي، لدرجة إنها غالبًا في شبه غيبوبة، كنت قلقانة لا نضطر نشيل الرحم كمان، بس الحمدلله جت على قد كده.
3
نقلت بصرها إلى شاهين الذي ينظر للفراغ بخواء وجمود مخيف:
-بعتذر جدًا، حاولنا بكل جهودنا ننقذ الجنين.
سألها بنبرة خاوية:
-هي...كويسة؟
أومأت:
-زي ما سمعت، هي في شبه غيبوبة، بس أنا هبذل قُصارى جهدي معاها والله المستعان.
ثم نظرت لقدر نظرة أخيرة آسِفة وقالت:
-قدر تعالي عايزاكِ.
سارت قدر معها حتى وقفتا في مكانٍ قصي:
-إنتِ عارفة إيه مضاعفات وفاة الطفل بعد الولادة صح؟
أومأت على مضضٍ:
-أيوه.
-أنا كنت حابة أقوله، بس حسيته مش في وعيه فمش هيستوعب دلوقتي، أول ما يفوقوا شوية قوليلي لأنهم هيعانوا فترة من الموضوع ده ولازم تحذير.
أومأت وهي تربت على ذراعها مع بسمة:
-أكيد يا دكتورة، شكرًا.
ابتسمت لها قبل رحيلها:
-العفو.
فعادت قدر لتقف أمام شاهين الذي سألها:
-أقدر أشوفها إمتى؟
-أول ما تتنقل أوضة عادية والدكتورة تتطمن عليها تقدر تخش.
أدرك شاهين ضرورة إمتنانه لتلك الفتاة، فرفع بصره لها هاتفًا بجدية:
-شكرًا على اللي عملتيه.
-ده واجبي يا فندم.
ثم استدارت لتسير في الممر ذهابًا فأوقفها قوله:
-هو فعلًا كان معاه حق.
1
التفتت له على مضضٍ بحاجبين معقودين في غرابة:
-هو مين؟
رأته يبتسم بشحوبٍ، وبلحظة فُتح باب غرفة العمليات وخرجت منه ممرضتين تجران السرير المتنقل بجسد يُسرا المتهالك عليه، فاندفع شاهين يطمئن عليها متحسسًا وجهها الشاحب وعينيها المنغلقتين برهبةٍ، ثم مال يقبل جبينها وعاونهن على دفع السرير للخارج..
***
ارتشفت شهد من كوب الماء وأعطته لرعد الذي وضعه جانبًا وهو يمسد بكفه على ساقها متسائلًا:
-عاملة إيه دلوقتي؟
أومأت على مضضٍ:
-الحمدلله، إيه بقا اللي أنا سمعته ده؟ فهد رجع ظابط؟؟؟ واتجوز امتى وكمان خلف؟!!
هدأها رعد بنبرته التحذيرية:
-اهدي وبطلي جنان دلوقتي، العيلة كلها تحت بيفوقوا يامن.
-طب رد عليا! متسيبنيش كده! قلبي بيتقطع على عيالي يا رعد!
زفر حانقًا، ثم نظر لها:
-عايزة تعرفي حاجة اسألي ابنك، أنا زيي زيك.
رفعت حاجبها بحدة:
-متكدبش!
رمقها بحدةٍ:
-شهد! أنا مش فايق للكلام ده دلوقتي! عايزة تعرفي حاجة اسأليه.
ونهض يخلع رابطة عنقه ويحرر أزرار قميصه ثم دخل المرحاض صافعًا بابه خلفه، فيما بقت شهد حزينة تتأمل ما آل إليه وضع أطفالها!
وبالغرفة المجاورة استيقظ يامن من غيبوبته ونظر لزوجته مبتسمًا:
-ياه، حلمت حلم وحش أوي.
نظرت سارة لآيات بتوترٍ، وكتم ساجد ضحكته هاتفًا:
-لأ ما هو مكانش حلم.
وكزته آيات وصاحت وهي تطردهم الخارج:
-يلا برا، برا سيبوا الراجل يرتاح يلا.
نظر لسارة بغرابة وتحدث بصوتٍ به غصة البكاء:
-سارة أنا كنت بحلم صح؟؟؟
عضت على شفتها السفلية، وهزت رأسها يمنى ويسرى، فانتفض جالسًا على الفراش وصارخًا بصدمة:
-إيه؟؟؟؟؟ يعني إنتي حامل بجد!!!!
أومأت على مضضٍ بحرجٍ، فشد خصلاته بعنفٍ حتى كاد يقطعهم تمامًا:
-يا نهار أسود!
-أسود ليه بس يا يامن مش نعمة من ربنا!
نهض يُشرف عليها بقامته الطويلة صارخًا:
-نعمة؟؟؟؟ نعمة؟؟؟؟؟؟؟ نعمة إيه يا سارة! نعمة إيه ده العيل الـ...
توقف لبرهة وبدأ يعد أبناؤه على أصابعه غير متأكدًا من أي رقم سيُطلقه:
-تالا وتالين وإسلام وفارس ونغم وفريد وفرح..
توقف عن العد شاهرًا سبعة أصابع أمامها:
-سبعة يا سارة!!!! وده العيل التامن!!!! ليه هنفتح سيرك!!!
ابتسمت لتُلين الأجواء ورفعت كفها تربت على صدره:
-ربنا يخليك ليهم يا حبيبي تعيش وتربي.
نفض كفها صارخًا:
-أربي إيه بقا! أربي إيه ده هما اللي يربوني بعددهم ده!
أشار على نفسه متحسرًا:
-طب إنتي بتعاقبيني طيب؟؟؟ بتربطيني جنبك بالعيال؟ يا حبيبتي أنا جنبك من غير عيال أبوس إيدك كفاية خِلفة!
1
رفعت حاجبها بحدة:
-يا سلام! وهو أنا بجيبهم لوحدي!!!
1
علت نبرته بقسوةٍ:
-أنا مش قولتلك خدي زفت حبوب! وبعدين إنتي واحدة زيك في الخمسين إزاي لسه بتحمل أصلًا!
تخصرت:
-لا والله يا أستاذ يامن مباخدش حبوب، الحبوب مُضرة بصحتي وأنا مش هبهدل نفسي عشان خاطرك!
3
-تقومي تبهدلي نفسك أكتر وتحملي وتخلفي مش كده؟
-متكلمنيش بالأسلوب ده يا يامن! وبعدين قولتلك إنت خد احتياطاتك فيه حاجة اسمها condom يا أستاذ! لكن تلبسني أنا في حبوب توقعي شعري وتلخبطلي هرموناتي وتتعبني ليه؟!
1
أشار على نفسه صارخًا بغضبٍ:
-يعني برده بتجيبي الغلط فيا!
وقفت صامتة، ترمق هيئته الغاضبة بأعين خاوية تلتمع بها العبرات المحبوسة، وحين رؤيته لتلك الدموع الخانقة زفر بحنقٍ بعيدًا عن وجهها، ثم عاد ينظر لها مقتربًا وهو يحاوط وجنتيها بحنوٍ متحدثًا برفق:
-إنتي ليه مش بتخافي على صحتك يا سارة!! إنتي ناسية اللي حصل يوم ولادة نغم!
يوم خسرت توأمًا لإبنتها..
يوم لم تستطع تحمل ولادتهما معًا فتخلى الأخ عن حياته حتى يسمح لأخته بالنجاة!
تحسس وجنتيها بلينٍ مستطردًا:
-ورغم ذلك ركبتي دماغك وحملتي في فرح وفريد!
صرخت بغصة البكاء حتى احمرت وحنتيها:
-إنت السبب!
أشار على نفسه:
-أنا؟ أنا اللي قولتلك احملي؟ مش أنا اللي قولتلك خدي احتياطاتك! والدكتورة كمان قالتلك كـ..
قاطعته بانهيارٍ وقد نفد صبرها وطفح كيلها بعدم إحساسه بما تمر به من ظروفٍ قاسية:
-وليه متاخدش إنت احتياطات! ولا أنا بس اللي لازم أسف شرايط منع الحمل واركب لولب واشيل الرحم كله عشان ترتاح! إنت فاكر إني ببقى قاصدة أحمل! إنت حاطط ايدك في الماية الباردة يا يامن وجاي تلومني! انا بربي سبع عيال وشعري كله وقع ومناخيري بتكبر وهرموناتي بتضرب ولا انت حاسس بيا! وبتقولي ببساطة خدي احتياطات!
سهلة هي؟؟؟؟ إنت عارف أضرار الاحتياطات اللي بتقول عليها دي ايه؟؟؟ ليه اخد احتياطات لوحدي؟؟؟ ليه دايما الحِمل كله عليا وانت لأ! ليه مش حاسس بنعمة وجودي أنا جنبك أربيلك عيالك وأكبرهملك وإنت ولا تعرف هما في سنة كام أصلًا! ليه مش حاسس بنعمة عيالك اللي غيرك بيتمنى ضُفر عيل منهم! ليه مش حاسس بيا يا يامن ليـــــه؟؟؟؟؟
انا تعبت والله تعبت..
1
ثم انهارت باكية وهي تغطي عينيها بكفيها، فاقترب يدفع جسدها الصغير لأحضانه بندمٍ، وضمها مواسيًا بكلمة وتربيته على خصلاتها برفق:
خلاص انا اسف، اسف بقا وطي صوتك لا احسن أخواتك يطلعوني من تخت الأرض هما مش طايقني اصلا.
ضحكت من بين دموعها، فربت على ذراعها هاتفًا:
-طب يلا روحي جهزي الشُنط.
ابتعدت عنه تمسح دموعها وتقول:
-مش قادرة جهزهم إنت.
-آه بدأنا بقا دلع الحوامل.
رمقته شزرًا، فأومأ بقلة حيلة:
-حاضر.
***
أسفل العمارة التي يقطن بها الهدف، وفي تمام الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، استقرت سيارة فهد وبجواره جلس صادق والخلف اياد الذي يرتدي ملابسه بأكملها فأصبح كالدب القطبي
حثه فهد قائلًا:
-يلا يا اياد، اتأكد السماعة شغالة؟
ارتجف بدنه إثر نداؤه، وازدرد ريقه بخوفٍ متحسسًا السماعة في أذنه:
-شغالة آه، طب..طب ما تتطلعوا معايا!
تأفف صادق وصاح:
-يلا يا ابني نطلع فين إحنا هننط من الشباك ونفتش المكتب وانت إلهيه ولو عرفت تكتفه واحنا هنقرره مش هنخليه يلمسك يلا بقا.
وعقب فهد ساخرًا:
-وبعدين مش كفاية الدولاب اللي انت لابسه ده فيه حد يلبس كل ده!
صرخ فيه إياد بحسرةٍ وهو الذي على وشك أن يتخلى عن شرفه الآن:
-اسكت، اسكت انا لابس كل حاجة عشان ميعرفش يعمل حاجة فاسكت بقا محدش حاسس بيا حسبي الله ونعم الوكيل فيكم، منكم لله
1
زفر صادق حانقًا واستطرد فهد:
-كمل حسبنة علينا جوا، الوقت بيجري
وعقب صادق محفزًا:
-سمعة الداخلية بين ايديك يا اياد
-ادعولي أنا اللي أنزل بهدومي الداخلية.
قالها بصوتٍ باكٍ، فاعترض صادق:
-مش مهم إنت، المهم سُمعة الداخلية يا إياد!
1
أشار أياد على نفسه بانهيارٍ:
-طب وسُمعتي؟؟ محدش فكر في سُمعتي؟
2
-يا عم اخلص إنت داخل بيت دعارة!
صرخ إياد بحرقة:
-أنيل! انا داخل قرية قوم لوط.
تنهد فهد وهو ينظر في ساعة السيارة:
-هننجز ولا إيه؟
استعد إياد للنزول متمتمًا:
-وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون، الله لا إله إلا هو الحي القيوم...
قاطعه صادق بحدة:
-ما تخلص يا إبني إنت هتختم القرآن كله في العربية!
رمقه الآخر شزرًا:
-طبعًا ما أنا هستنى إيه من واحد زيك بيحض ع الفسق والفجور واللوطية، منكم لله.
فتح باب السيارة، وكاد يهبط ثم عاد يقول:
-فهد..
زفر فهد بنزقٍ وضرب صادق كفيه في بعضيهما بنفاد صبرٍ فتابع إياد:
-أبويا ميعرفش يا فهد بالله عليك.
-عيب سرك في بير، يلا يا قطة بقا الفجر هيدن وإحنا لسه في العربية!
وبالفعل ترجل من السيارة تمامًا، واقترب من المنزل ولسانه ينطق بكل ما حفظه من قرآن طوال حياته، وقف أمام الباب وقبل أن يطرق شجع نفسه بقولٍ:
-دي تضحية يا إياد، كله في سبيل الداخلية يا صقر الداخلية، يا رب...يا رب يتحرق قبل ما يفتح الباب يا رب.
وبأنامل مرتجفة رن الجرس، وما هي إلا لحظاتٍ حتى فتح مومو الباب مرتديًا روبًا أحمر اللون تداخلت فيه ألوان متعددة، يبرز من أسفله صدره العاري وسلسال معلق بعنقه على شكل مفتاح، ويبدو أنه لا يرتدي شيئًا سوى ذلك المعطف!
-أخيرًا وصلت بقالي ساعة مستني!
تمتم إياد:
-إلهي تستنى على باب جهنم.
أشار له ليدخل وكاد يقترب ليحتضنه فانتفض إياد مبتعدًا عن مرماه وصرخ:
-ايه؟ ايدك دي رايحة فين؟ نزلها..بقولك نزلها!
2
فأنزلها باستسلامٍ متعجبًا، فدخل إياد يضم سترته لصدره، واختار أبعد أريكة وجلس عليها، فوقف مومو جوار البار وهتف:
-ويسكي؟
-كمان ويسكي؟ إنت كده عملت كل الموبقات اللي في الدنيا ناقص...ولا معادش ناقص حاجة إنت ختمتهم كلهم.
ابتسم مومو وهو يقترب من إياد هاتفًا:
-انت هتقعد هنا؟ تعالى نطلع فوق!
ابتسم إياد بعظم ارتياحٍ:
-لأ معلش انا مرتاح هنا، الكنب بيغرز.
-بيغرز!
أوما اياد ببسمة سمجة متوترة، فجلس مومو جواره ليبتعد إياد عنه حتى جلس في آخر الأريكة، ليهتف مومو متعجبًا:
-طب قاعد بعيد ليه ما تقرب!
-انت اللي بتقرب ليه ما تبعد!
تأفف الأخير بمللٍ وقال:
-يا حبيبي ما أنا قولتلك تعالى نطلع فوق!
صاح إياد مرتعبًا:
-حبيبك؟ لأ أنا مش حبيب حد.
وظل يضم مئزره لصدره فسأله مومو:
-طب مش حران؟ اقلع الجاكت ده.
وكاد يلمس السترة ليخلعه عنه فانتفض إياد واقفًا وصرخ:
-قولتلك متلمسنيش، وبعدين الجو برد أنا بردان.
-ما أنا قولتلك نطلع فوق!
جلس على مقعد بعيد:
-مش عايز أطلع فوق أنا حُر!
استطاع إياد من خلال السماعة أن تصله ضحكات فهد وصادق، فعض على شفته السفلى متوعدًا..
وظلا يجلسان لدقائق في صمت، حتى زفر مومو واقفًا:
-طب هنفضل كده؟ ما يلا نطلع فوق!
رمقه إياد شزرًا صارخًا:
-هو انت ليه عايز تطلع فوق؟؟؟ فيه إيه بقا فوق أنا عايز أفهم!!!!
عض مومو على شفته السفلى بإغواءٍ:
-شمع وورد وكده يعني
-كده يعني؟ استغفر الله العظيم يا رب ..أعوذ بالله من غضب الله، يا اخي اتقي الله هتروح من ربنا فين!
رفع الآخر حاجبه بسخرية:
-إنت جاي تتوب هنا!
-على الأقل أنا واحد عارف ربنا.
قالها وهو يرمقه بنظرة ذات مغزى، فيما صاح صوت فهد من السماعة قائلًا:
-اطلع معاه يا ابني خلينا نعرف نخش المكتب!
تأفف إياد ونهض:
-يلا نتنيل نطلع فوق.
1
أشار له مومو ليصعد فرفض إياد رفضًا قاطعًا:
-لأ اطلع إنت الأول.
وصلا للغرفة وفتحها مومو مشيرًا لإياد بالدخول، فدخل وكأنه على وشك الذبح ينظر إلى الغرفة المزينة بورود عدة والقليل من الشموع، فكاد مومو يغلق الباب ليصرخ إياد مانعًا:
-إيه؟ هتقفل الباب ليه؟
-وليه مقفلوش!
فتحه إياد على مصرعيه هاتفًا:
-معلش سيبه مفتوح مينفعش أبقى لوحدي في أوضة مع راجل غريب.
1
هز الأخير منكبيه بلا مبالاة:
-براحتك.
تنحنح مستطردًا:
-مش يلا بقا؟
ضم إياد سترته ناظرًا له بتشككٍ:
-يلا إيه؟
-بوسة حضن أي حاجة تولع الجو.
-إلهي يولعوا فيك بجاز وسخ، متقربش مني يالا!
2
زفر مومو بضيق:
-لأ كده مش هينفع بقا!
وصادق يصرخ في أذن إياد:
-إنت يا زفت كده هتبوظ العملية!
كاد إياد أن يبكي في تلك اللحظة، وهو يرى فم مومو الممدود له يحاوط تقبيله فرفع كفه سريعًا استعدادًا لضربه صارخًا:
-سد بوزك بدل ما اديك بالقلم على بوزك!
توقف الآخر صارخًا:
-هو فيه إيه!!!!
أشهر إياد إصبعه أمامه محذرًا:
-عيب كده أقعد بأدبك يا بابا.
تخصر الآخر متنهدًا بنزقٍ، ثم لمس كتف إياد يقوده للفراش:
-طب تعالى نقعد.
انتفض إياد من لمسته وتراجع هادرًا:
-لأ، بقولك ايه ايدك دي متلمسنيش أنا متوضي!
رفع حاجبه حانقًا:
-اومال انت جاي هنا ليه!
-جاي؟ والله ما حد هنا gay غيرك يا واطي يا لوطي يا كافر
-أنا مقدر أنك متوتر، هي أول مرة؟؟
انقلبت ملامح إياد للإشمئزاز وكاد يبصق عليه إلا أنه تماسك وهمس:
-جاتك البلا في شكلك.
علا بنبرته:
-أيوه يا أخويا أول زفت.
غمغم مومو وهو يشير له ليجلس:
-طب تعالى أقعد.
-لأ مش هقعد على سراير أنا، هقعد ع الكنبة دي.
ضحك مومو بمرح:
-إنت إيه حكايتك مع الكنب!
-بحبها يا سيدي انا حُر!
غمزه الآخر بعبثٍ:
-يا بختها.
كاد إياد في تلك اللحظة أن يتقيئ على الأريكة وعلى ذلك الشاذ، فيما اقترب الآخر ليجلس جواره فصرخ إياد منتفضًا:
-مش قولتلك متتنيلش تقرب!
اقترب منه أكثر:
-أنا استحملتك كتير قولت يمكن محروج بس الموضوع زاد عن حده!
كبله مومو وكاد يُقبله رغمًا عنه فصرخ إياد وهو يدفعه بقوة متفوقًا عليه بقوته الجسمانية، وبتلك الحركة وبين الشد والجذب بينهما تمزقت سُترة إياد وتبعثرت خصلاته فبات بحالة مزرية وتحرك يقف فوق الأريكة ضاممًا السُترة الممزقة لصدره:
-اقسم بالله لو قربت مني لا أصوت وألم عليك الناس وأقول بيتحرش بيا!
زفر مومو بغضبٍ:
-طب أنا داخل استحمى، مش عايز؟
أشاح إياد بكفه مشمئزًا:
-مش عايز غور في داهية
-بس انت ريحتك نتنة!
2
-وإنت ريحتك أنتن ده أنت شاذ يالا!
4
هز منكبيه بلا مبالاة واستدار ليدخل الحمام المواجه لإياد:
-براحتك بس كل ما تتأخر كل ما الداتا اللي إنتو عايزينها هتتأخر برده.
وصفع الباب في وجهه، فعاد إياد يجلس على الأريكة هامسًا بغلٍ وعينين تُطلقان الشرر ناحية الباب في رغبةً منه بأن يحترق هو ومن به:
-إلهي السخان يمسك في روب فيفي عبده اللي إنت لابسه يولع فيك وفي الشقة النجسة دي، منك لله يا فهد إنت وصادق منكم لله، حسبي الله ونعم الوكيل فيكم
4
-إياد إحنا في المكتب.
قالها فهد من السماعة، فاعتلى ثغره بسمة ساخرة وهو يستند بكوعه على فخذه واضعًا كفه أسفل خده:
-يا فرحتي يا أخويا.
1
-الخزنة بمفتاح!
اعتدل إياد عاقدًا حاجبيه بغرابة:
-بمفتاح ! لسه في حد بيعمل خزنة بمفتاح! أنا مستغرب ليه ده شاذ عن أي حد في الدنيا أصلًا!
صاح صادق:
-اتصرف يا اياد دور ع المفتاح عندك!
1
فنهض يدور حول نفسه في الغرفة باحثًا عن المفتاح في كل دُرجٍ وخزانة وحتى أسفل الفراش حيث لم يترك إنشًا، فوقف محتارًا في وسط الغرفة، سرعان ما اتسعت عينيه مدركًا!
-المفتاح عليه!
تساءل صادق بغرابة:
-ايه؟
-المفتاح متعلق في رقبته !
صاح فهد على عجلة:
-طب ما تجيبه يا ابني!
عقد حاجبيه بانزعاجٍ:
-بيستحمى.
-اتصرف يا إياد
ازدرد لعابه متوترًا:
-طيب طيب اخرسوا، منكم لله.
استدار يقترب من باب المرحاض ووقف أمامه رافعًا رأسه للسقف داعيًا بتحسر:
-سامحني يا رب، سامحني يا رب...كله عشان الداخلية...منك لله يا فهد إنت وصادق.
ثم فتحه إياد على مصرعيه فانتفض مومو الذي كان يقف أمام الحوض بسرواله الداخلي متسائلًا بغرابة:
-بتعمل ايه؟
أغلق إياد الباب ودخل متوجهًا لحوض الإستحمام:
-شششش اخرس خالص
أغلق الصنبور حين امتلئ الحوض ووضع القليل من السائل المجاور، ملتقطًا كل ما تطاله يداه من عُلب يفرغها في الحوض هامسًا بصوتٍ خفيض:
-ياكش تبقى علبة منهم ماية نار تخلصني منك.
1
انتهى والتفت لمومو الذي ينظر له بتشككٍ فابتسم قائلًا:
-يلا اتنيل تعالى هعملك مساج
-بجد؟
سأله الأخير متوجسًا، فأومأ إياد مبتسمًا باصفرار، فاقترب مومو وكاد يخلع سرواله فصرخ إياد:
-إيــه ! انت بتعمل ايه!
-هقلع عشان أخش!
-ما تخش من غير ما تقلع!
ضحك بمرحٍ:
-فيه حد بيستحمى بهدومه!
-معلش خدني على قد عقلي أصلي...أصلي مكسوف يا سي...اسمك ايه؟
ابتسم بخفةٍ:
-مومو.
جعد إياد حاجبيه مشمئزًا:
-لولو!
ثم رسم بسمة مزيفة من جديد:
-أصلي مكسوف يا سي لولو
زم شفتيه واستسلم، ودخل الحوض بسرواله معطيًا ظهره لإياد الذي هبط بكفيه صافعًا كتفي مومو وبدأ يفرك كتفيه في عنفٍ فتأوه الآخر:
-براحة!
اتسعت حدقتيه هاتفًا من بين أسنانه بغلٍ:
-يقطعني يا سي لولو معلش مخدتش بالي
مرت لحظاتٍ خفف فيها إياد الضغط، فأغمض مومو عينيه باسترخاءٍ متمتمًا:
-ايدك حنينة.
حرك اياد شفتيه بلا صوت:
-حنينة يا إبن الكلب.
2
ثم بصق عليه بدون أن يصدر صوتًا، واستغل استرخاؤه في أن يحاول سرقة السلسال بحرصٍ دون أن يشعر، ولكنها كانت من النوع الذي يُنتشل عن طريق العنق وليس بقفلٍ يستطيع فتحه وغلقه!
فانتظر حتى غرق ذلك الأحمق في استرخاءه وسحبها ببطءٍ وحذر حتى لم يشعر به، ووضعها سريعًا في جيبه ففتح مومو عينيه متعجبًا من توقف التدليك:
-إيه فيه ايه؟؟؟
نهض إياد مرتبكًا:
-مفيش، أنا هقوم استناك برا.
-ليه ما تخليك!
هرول للباب قائلًا بتلعثم:
-أصلي سايب الرز ع النار هيشيط.
خرج صافعا الباب خلفه، فزم مومو شفتيه وهز منكبيه بلا مبالاة ثم أغمض عينيه باسترخاءٍ..
فيما سار إياد كالزوبعة ليخرج من الغرفة، حتى أنه لم ينتبه لتلك الشمعة المجاورة للباب والتي ارتطمت بذراعه فسقطت وراحت تأكل الستائر شيئًا فشيئًا!
1
استغل وجود المفتاح بالباب فأوصد الباب عليه بإحكامٍ متحدثًا بصوتٍ خفيض حانق:
-لوطي نجس.
1
وهرول لرفيقيه بالأسفل حاملًا مفتاح الخزنة.
رمقه كلاهما بتوجسٍ من هيئته المزرية وخصلاته المبعثرة ناهيك عن سُترته الممزقة! فحذرهما من الحديث شاهرًا سُبابته:
-محدش ينطق ! خد الزفت أهو.
وأعطاه لصادق ليفتح الخزنة فيما همس له فهد:
-إيه نقول صباحية مباركة ولا أيه؟
2
رمقه إياد بحدة فكتم الآخر ضحكته، بينما حاول صادق فتح الخزنة، فإذا بالمفتاح لا يفتح!
-المفتاح مبيفتحش!
دفعه فهد ليحاول هو:
-مبيفتحش يعني إيه اوعى كده.
حاول فهد فتحه فيما صرخ إياد:
-يعني إيه مبيفتحش! طب وشرفي اللي بقا في الأرض ده!!!!
فيما كان فهد يحاول بجهده كاملًا فتحه..
وأيضًا...لا فائدة.
-ومش هيفتح.
وقف مومو أمام باب المكتب مرتديًا ذلك المئزر الحريري الخاص بفيفي عبده في مسلسل الحقيقة والسراب، وأخرج مفتاحًا آخر تدلى أمام أنظارهم:
-ده اللي بيفتح.
نقل بصره لإياد الذي ازدرد لعابه بتوترٍ وضم سُترته الممزقة لصدره برهبةٍ، وابتسم:
-أنا وثقت فيك! وإنت خذلتني!
زفر إياد مختنقًا وهو يُشيح بكفه:
-يا عم بلا خذلتك بلا نشرتك بقولك إيه الواحد على آخره منك أصلًا.
1
-إنتو وعدتوني هتنفذولي طلبي مقابل الداتا! بس ده محصلش! مش كده يا سيادة الرائد؟
ونظر لصادق الذي سأله بصرامةٍ:
-إنت كده كده مسجون، هات الداتا يمكن ده يخفف عنك العقوبة! إنت اتعاونت مع الظافر!
هز منكبيه بلا مبالاةٍ:
-وإيه اللي يثبت! الخزنة ومفتاحها اللي معاكم بلح، الداتا ومش هتطولوا منها شعراية لأن guess what؟ الفلاشة في الخزنة دي.
وفرد ذراعيه جواره:
-والشقة دي كلها قدامها ربع ساعة وتولع بينا، الأوضة فوق بتولع، والنار نازلة على هنا ومحدش هيعرف يهرب منها!
1
وإن كان يقصد النيران حرفيًا ففهد متأكدًا من أنه لا يقصد سوى نار الظافر ونزار!
-هات المفتاح يا مُهيب!
ضحك إياد بهستيرية:
-إنت اسمك مُهيب؟ وعاملي فيها قطة ومسمي نفسك مومو!
1
صك صادق على أسنانه حانقًا واقترب بخطواتٍ تطوي الأرض تحتها لينتشل المفتاح من كف مومو الذي ابتسم بخبثٍ:
-مش هتلحق، الخزنة مش عايزة مفتاح بس.
رمقه صادق بغضبٍ وألقى بالمفتاح لفهد الذي حاول فتح الخزنة، وما إن فتحت حتى فوجئ بخزنة أخرى إلكترونية لا تفتح إلا ببصمة اليد!
فيما همهم إياد:
-صحيح، يوضع سره في أنتن خلقه، مش سهل برده النجس ده.
1
صاح فهد غاضبًا وهو يهرول لذلك الحقير:
-بصمة إيد؟؟؟ وحياة أمي لا أقطعهالك خالص.
قيّده صادق ولكمه فهد، ولكنه ظل يعافر وتتعالى ضحكاته المستفزة في كل مرة يتصدى فيها لضربة منهما، فيما وقف إياد عاجزًا ينظر للمعركة القائمة أمامه بقلة حيلة!
إلا حينما رأى صادق يسقط أرضًا إثر ركلة من مومو وقد فاجئه ذلك بأن يكون رجلًا في ضخامة صادق لا يستطيع التصدي لمثل ذلك المومو!
إلا أن فهد قد تغلب عليه وجره من ثيابه إلى الخزنة ورفع كفه قسرًا ليضعها على مكان البصمة ولحسن حظه فتحت الخزنة، وما إن كاد ينظر لما بها حتى انتفض مومو وهو يركله في بطنه وعادت المعركة تشتعل من جديد!
التمعت عيني إياد حال رؤيته النيران التي بدأت تُمسك في ستائر الطابق السُفلي وقد أوشكت على الدخول إلى المكتب!
فيما نهض صادق ينفض غباره ويعاون فهد على التغلب على الأرعن الذي لا يهدأ!
-يا جماعة النار بتقرب.
صرخ إياد مرتعبًا فلم يسمعه أحد، وقد تسلل إليه خيطٌ من النيران جعله ينتفض فيقف على المقعد المجاور للمكتب صائحًا:
-يا جماعة حد يلحقني هموت مولع!!
1
وراح يهدر برهبةٍ:
-ده عقاب ربنا ده ولا إيــــه، الحقونااااي.
فيما كان صادق وفهد يحاولان التغلب على مومو حتى سقط الأخير أرضًا منهكًا بوجهٍ دامي، واندفعا ليخرجا من الغرفة حيث جذب فهد إياد من المقعد ليسقط أرضًا وقد التوت قدمه أسفله، فتوقف فهد ينظر إليه ثم إلى الباب الذي قد خرج منه صادق للتو، فلم يبقى سواهما في غرفة وصلت النيران فيها إلى أصغر مكانٍ، وقد اشتعلت النيران أكثر أمام الباب!
هرول فهد إليه يعاونه على النهوض ساندًا ذراعه ولاففًا إياه حول عنقه، ثم هرولا إلى الخارج يتفاديان النيران المأججة حتى خرجا تمامًا من المنزل بأمانٍ وسقط الإثنان أرضًا يلهثان بتعبٍ، وصادق خلفهما يستند بمرفقه على ركبتيه لاهثًا ويرمق المنزل بصدمة!
1
نظر إياد المسطح أرضًا لفهد المسطح جواره وابتسم:
-شكرا
أومأ الآخر بعينيه مجيبًا:
-العفو
بعد لحظاتٍ، جلس ثلاثتهم جوار بعضهم البعض ينظرون لشروق الشمس، مغبرين بالرماد أمام المنزل المحترق، حيث احترق...بمن كان فيه!
أخرج صادق علبة سجائره وعرض عليهما، فرفض إياد بينما التقط فهد وأشعلها له صادق ليتساءل اياد بغرابة:
-انت بتدخن من امتى؟
-من زمان.
أومأ إياد على مضض، فيما تساءل فهد متنهدًا:
-وهنعمل ايه؟
هز صادق منكبيه بحسرةٍ:
-هنكتب تقرير للوا جمال طبعًا، الواد اللي جوا ده لو اتحرق بجد إحنا التلاتة مش هيطلع علينا صبح.
وكان فهد يفكر في شيءٍ آخر تمامًا حيث قال بلا وعي:
-يعني كده الداتا كلها اتحرقت؟؟؟ بالفلاشة؟؟؟
تنهد ثلاثتهما بإحباطٍ، زم إياد شفتيه بقنوطٍ يومئ عدة مراتٍ بضجرٍ:
-هو كان شاطر أوي.
وسرعان ما ضحك بعلوٍ فناظره فهد وصادق بغرابة، ليفتح قبضته المغلقة على الفلاشة غامزًا لفهد بعبثٍ، مقتبسًا قوله الأسطوري:
-بس أنا أشطر أوي أوي أوي.
4
أطلق صادق صفيرًا عاليًا، بينما انقض فهد يحتضنه حتى سقطا للخلف ضاحكين سويًا بانتصارٍ..
فيما رمقهما صادق ببسمة هادئة، وعاد ينظر للأمام واضعًا سيارته بين شفتيه يمتص منها ما يشاء.
***
خرجت الطبيبة من غرفة يُسرا، واقتربت من شاهين الذي نهض منتفضًا ينتظر منها كلمة:
-هي الحمدلله بقت أحسن، شوية وتفوق، بس محتاجة اتكلم مع حضرتك شوية.
أومأ لها محفزًا، فابتسمت بأسفٍ لعله يخفف عنه قليلًا:
-أولًا ربنا يعينكم، ثانيًا أنا شوفت تحاليل المدام، لقيت في دمها مادة مسببة للإجهاض، بتتاخد في الشهور الأخيرة لتسهيل الولادة، بس واضح إنها خدتها بكمية كبيرة، وأنا معتقدش إنها وخداها لتسهيل الولادة لأنها كانت في الشهر التامن وكده كده حالتها كانت تستحمل ولادة من غير تحفيز.
-إجهاض!
أومأت واستطردت:
- ثالثًا بقا وده الأهم المدام دلوقتي تُعتبر ولدت خلاص، يعني كل التغيرات الفسيولوجية عندها بتحصل طبيعي، نزول اللبن ودم النفاس واكتئاب ما بعد الولادة، ده غير إنها فاقدة للطفل نفسه، أتمنى تكون فاهمني بس هي دلوقتي اكتئابها هيبقى الضعف لأنها مش بس هتتعرض لإكتئاب ما بعد الولادة ولكن كمان لإكتئاب فقدانها لطفلتها، حالتها هتبقى صعبة فياريت يبقى فيه حد جنبها دايمًا وميفارقهاش أبدًا احتياطي لأنها ممكن تأذي نفسها.
تنهدت بأسى:
-ناهيك عن انتفاخ الحلمات طبعا وده هيوجعها جدًا، الفترة دي هتبقى صعبة عليها أوي بس عامةً أنا هكتبلها أدوية تقلل نزول اللبن وتسكن ألم الثدي ومع الوقت هتبقى كويسة بأمر الله.
ازدرد لعابه متحاملًا على نفسه حتى لا يسقط أرضًا بانهيار:
-شكرًا يا دكتورة.
-العفو على إيه، تقدر تيجي تاخد الروشتة عشان تصرفلها الدوا.
أومأ مشيرًا لها لتتقدمه:
-أكيد اتفضلي.
وسارا سويا لمكتبها، فيما دخلت العائلة بأكملها المستشفى وهرولوا في الطُرقات إلى حيث غرفة يُسرا حيث أشارت لهم الممرضة، وقف فهيم جوار إبنه الذي يقبض بين يديه على ورقة العلاج وربت على ظهره:
-هي كويسة؟
تحدث بصوتٍ مبحوح:
-بيقولوا.
ربت عمه على كتفه وكذلك شاكر، بينما وقف أمجد جواره هامسًا:
-هتبقى كويسة، متقلقش!
ابتسم شاهين بسمة خفيفة وهو يومئ عدة مراتٍ، فتأمل أخوه حاله المُزري برابطة عنقٍ مُحررة وقميصٍ مفتوح منه أول ثلاث أزرار، ناهيك عن خصلاته المشعثة والسواد أسفل عينيه وانتفاخهما واحمرارهما الشديد! لطالما كان شاهين الجبل الذي لا ينهار، والآن انهار لمجرد خسارته لإبنته وضرر وصل لزوجته!
أدرك أمجد حينها أن دُرة لم تكن تبالغ حين قالت أن شاهين لا يملك سوى يُسرا، وأنها كل حياته!
خرجت حلا من الغرفة وكادت تسير متجاهلة هذا الكم من الرجال حتى أوقفها شاهين بعجلة:
-أقدر أخشلها؟
نظرت لهم بدقةٍ:
-آه اتفضلوا هيا فاقت من البنج يُعتبر، بس متطولوش عشان مناعتها ضعيفة دلوقتي.
لم يكمل شاهين سماعها إذ هرول للداخل ليجدها مسطحة على الفراش وقد اتصل بجسدها العديد من الأسلاك، تمزق قلبه لأشلاءٍ حين رآها على هذا الحال، فاقترب مائلًا ليُقبل جبينها برقةٍ معهودة، وعلى إثر ذلك فتحت عينيها ببطءٍ متمتمة:
-شاهين!
وفورًا رد بحُرقة:
-يا قلب شاهين.
1
التقط كفها ورفعه لفمه ليلثمه، وإن طال أن يلثم كل إنشٍ فيها فسيفعل!
تحسست بكفها الآخر بطنها الفارغة وذلك الوجع الذي يضربها بين الحين والآخر، والتفتت برأسها بلهفة تسأله:
-يُسرنا فين يا شاهين؟؟
2
نكس رأسه ولم يجب، فاعتدلت بقوة أدت لتأوهها المتألم فرفع رأسه سريعًا يسندها بقلقٍ:
-حاسبي.
استندت بكفها على ذراعه، ونظرت بداخل عينيه في ترجٍ وهمست همسة بصوتها المبحوح مزقت قلبه لأشلاءٍ حين سألته بعينيها المليئتين بالعبرات:
-بنتنا فين؟!
-العمر قدامنا طويل يا يُسر، هنجيب غيرها.
2
هزت رأسها يمنى ويسرى نافية بهستيرية وهي تسأل بعنفٍ:
-يعني...إيه!
بماذا سيجبها وهو عاجز تمامًا جوارها! فإذا بها تنتفض متجاهلة ألمها أو جُرح بطنها الحديث وهتفت ببسمة مرتجفة:
-إنت بتضحك عليا يا شاهين صح؟؟ إنت مخبيها مني عشان مقموص! خلاص والله أنا آسفة معدتش هعمل حاجة من غير ما أقولك، بس بالله عليك طلعلي بنتي، عشان خاطري يا شاهين...أنا عايزة بنتي!
بكت..
انتحبت..
انفجرت عبراتها ونحيبها يصم أذنه..
يجلد قلبه..
ويقتله ألف مرة.
سحبها لأحضانه وهي تقاومه..
وبلوعة قلبٍ وألم الهجر يأكلها صرخت صرخة نابعة من قلبها المكسور..
فضمها إليه بشدة وحاوط جسدها الصغير محتويًا صرخاتها العنيفة وبكاءها الذي صم آذان الجميع..
ولم تجد الطبيبة بدًا سوى من حقنها بمهدئ، فسقطت غافية بين يدي زوجها..
فاقدة لكل معاني الحياة.
***
وقف بملابسه المغبرة أمام الشاهد المحفور عليه اسم أعز أصدقاؤه..
الشهيد/ الرائد بلال كمال الشامي
1
تربع أرضًا أمام الشاهد، وابتسم بوهنٍ:
-مكنتش عايز آجي وأنا مش جايبلك حقك، بس مقدرتش...
تنهد بلوعةٍ وقد حرقته الدموع المحبوسة في عينيه:
-إنت وحشتني أوي يا بلال...وحشتني أوي!
سمح لعبراته بالإنسياب في تسارعٍ واستطرد:
-الدنيا ملطشة معايا يا صاحبي، ومش لاقي اللي يواسيني! بس لقيت اللي أحكيله من بعدك..
فتح هاتفه وأخرج صورةً لهما قد التقطها على حين غفلة وقتما كانا يتناولان الإفطار، وأراه صورتهما مبتسمًا كالأبله:
-اسمها حسناء، حلوة صح؟ وقلبها أبيض ونضيف كمان.
2
أنزل هاتفه إلى حجره متابعًا:
-هي اللي مهونة عليا، بتقولي اعمل ده ومتعملش ده والغريبة إني بسمعلها زي ما كنت بسمعلك بالظبط..
مسح عبراته سريعًا:
-بس تعرف، مهما جيه بعدك عمره ما هيبقى زيك يا بلال، عمري ما أنسى وقفتك جنبي وأهلي مش طايقني، عمري ما أنسى بيتك اللي أول ما اتطردت من بيتي كان مفتوحلي، عمري ما أنسى الحضن اللي حضنتهولي لما أبويا طردني، عمري ما أنسى القلم اللي خدته بدالي لما القائد اتعصب مني..
تنهد بحُرقةٍ ونكس رأسه لبرهة، ثم رفعها بأعين ممتلئة بالعبرات وابتسم بخفةٍ:
-عمري ما هنساك يا بلال!
كان أخًا..
صديقًا..
أبًا..
كان بلال كل ما يملكه فهد!
وكان فهد أغلى ما يملكه بلال!
-فطرت؟
التفت على إثر صوتها المبحوح، فابتسم ناهضًا وهو ينفض الغبار عن ثيابه مقتربًا منها وانحنى ليلثم كفها محييًا:
-ازيك يا أم بلال.
ابتسمت بلوعةٍ مستشعرة مذاق اللقب:
-يـــاه، وحشني الإسم ده!
1
ربتت على وجنته بحنوٍ:
-تعالى نفطر، إنت شكلك هفتان.
-نفسي، بس عندي معاد.
لكمته بخفة في صدره:
-معدتش بتزورني ليه طيب؟ ولا عشان بلال يعني راح...تروح إنت كمان!
وسريعًا هتف:
-متقوليش كده، أنا وبلال واحد!
لمع الرجاء في عينيها تناجيه بتوسلٍ:
-وعشان إنت وهو واحد ابقى تعالى.
-حاضر.
قالها مبتسمًا، فإذا بها تتنهد بحُرقة وتسترسل بوجعٍ:
-ابقى اسأل عليا يا فهد، إنت اللي باقيلي بعد حمزة من ريحته!
أومأ عدة مراتٍ، فاحتضنته بحبٍ وكأنها تحتضن بلال تمامًا، ابتعد عنها فربتت على صدره وقالت:
-وابقى سلملي على حسناء.
ضحك بخفةٍ وهو يمسح عبراته:
-واضح إنك هنا من بدري.
ابتسمت، وابتسم...
وتفرقا...
ظلت هي تروي الزرع أمام قبر ابنها، فيما وصل فهد إلى المستشفى ليجدها تقف أمامها تنتظره فهرول إليها معتذرًا ليجدها تقول بضيقٍ وهي تُشير على معصمها:
-متأخر ربع ساعة! عندي شيفت يا حظابط!!!
-آسف والله آسف.
أشارت له بالذهاب أمامها:
-اتفضل قدامي أنا على لحم بطني من إمبارح.
سارا سويًا فنظرت حسناء له بغرابة:
-إنت ريحتك حريقة ليه! مين اللي ولع فيك؟!
ضحك بمرحٍ:
-دي كانت ليلة مش معقولة.
تحمست:
-لأ ده إحنا نجيب فول وطعمية وتحكيلي بقا.
أشار عليها بحرصٍ:
-القصب عليكي!
عضت شفتها السفلى بتوعدٍ:
-ماشي يا طِفس، يلا احكي.
وبدأ يقص عليها كل تفاصيل اليوم بمنتهى الحماس وكأنه لا يعاني من أرقٍ مزمن أو يُوشك على أن يسقط في دوامة نُعاس!
***
-هلا شرم!
صاح بها ساجد وهو يفرد ذراعيه جواره محتضنًا هواء البحر العليل، فإذا بيزن يصفعه على قفاه صارخًا:
-شيل معانا يا حيوان.
1
تأفف بحنقٍ وهو يدبدب على الأرض بقدميه مستديرًا له بغيظ:
-يا أخي حسبي الله في الفصلان!
مدت آيات يدها بالحقيبة له تقول وهي تلهث بتعبٍ:
-خد يا ولا مني يا ولا دراعي اتخدل.
التفتت لابنتيها اللتان تحملان حقائبًا أيضًا وصرخت بغيظٍ:
-أنا عايزة أفهم، سفرية أسبوع جايبين فيها الشنط دي كلها ليه!!!!
هزت سيرا منكبيها ببساطة:
-الله يا مامتي! مش هننزل البحر ونبلبط وهدومنا هتتبل! لازم هدوم وصن بلوك وموسترايز و...
-شششش اسكتي، اخواتك الولاد جايين بلباسين وفرشة سنان اختياري.
1
وقف يزن مبتسمًا باتساع أمامهن حاملًا بذراعيه حقيبتين ثقيلتين حتى برزت عضلات كتفيه:
-أيوه أنا جايب فرشة سنان.
أشارت آيات عليه ضاحكة بسخرية:
-شوفتي؟ فرحان عشان جايب فرشة سنان.
2
دخلوا الشاليه الخاص بالعائلة، وانطلق كل واحد إلى غرفته، فيما صعدت قدر مع نارين ونور الدرجات حتى أوقفها فادي بنداؤه:
-قدر..
التفتت له مبتسمة ببشاشةٍ، فابتسم بدوره:
-تعالي عايزك.
أومأت ونظرت لنور الذي التقط منها الحقيبة فهرولت إلى فادي بتساؤل في نظراتها لتجده يشهر كفه أمامها فشبكت كفها بخاصته وخرجا سويًا إلى الحديقة.
سارا متشابكين الأيدي جنبًا إلى جنب، حتى أوقفته ووقفت أمامه تسأله بقلقٍ:
-مالك يا فادي؟
نظر لعسليتيها بوجعٍ، وتحدث بصوتٍ مبحوح:
-مفيش مخنوق شوية.
هزت رأسها تسأله بحنوٍ:
-كنت فين إمبارح؟
-روحت قعدت ع البحر شوية.
وبلحظة واجهته بالحقيقة التي يختبئ منها بين طيات نظراته المتوجعة:
-إنت زعلان على فهد مش كده؟
صمت..وفي صمته الكثير من الأحاديث..
فرفعت كفها وحاوطت وجنته برقةٍ:
-إنت اتخانقت معاه ليه؟
-عشان عايز يفرقنا!
قالها بخواءٍ، فأنزلت كفها وناظرته بدهشةٍ، سرعان ما قالت برفضٍ قاطع:
-لأ يا فادي اوعى، اوعى تبوظ علاقتك بأخوك أكتر من كده عشاني! شوفت عمتو كانت عاملة إزاي؟ إنتو وجعتوها أوي! عشان خاطري حاول تصلّح علاقتك بيه ومتبوظهاش عشان خاطر مامتك على الأقل!
3
ضحك ساخرًا:
-ده مكانش رأيك وإنتي بتحكيلي إنه قد إيه وجعك بكلامه عننا!
-بس ده مش مُبرر يخليك تطحنه بالشكل ده!
لا تدري قدر لماذا أظلمت عيناه..
ولا تدري أيضًا لماذا خاطبها بتلك الجدية والعدوانية حين قال:
-أنا ممكن أعمل أي حاجة عشان أفضل معاكِ!
تسارعت نبضات قلبها برجفةٍ وهي تنقل عينيها بين عينيه المظلمتين برهبةٍ، سرعان ما ضحكت ضحكة خافتة:
-فادي إنت بقيت تخوف!
1
فتحولت نظرته لعابثة مرحة وهتف:
-بس لسه بضحك زي ما أنا.
فضحكت، وجذبها ليحتضنها في عناقٍ طويل، حيث دفن أنفه في رقبتها، وشبّت على أطراف أصابعها لتصل إلى عنقه، وبداخلها خوفٍ كبير!
***
أوشكت الشمس على الغروب، وعادت يُسرا إلى دارها، حيث أسندها شاهين وسُعاد الكبيرة، وبدخولها هاتفتها فضيلة:
-حمدلله على سلامتك يا غالية.
فرمقتها لبرهة بصمتٍ، بنظرة خاوية، خاوية ولكنها تحمل من الكراهية أطنانًا..
فبجسدها المنهك وعينيها المنتفختين لم تكن في صحة تؤهلها لضرب فضيلة! ولكنها بشكلٍ أو بآخر تملك من سيفعل.
وقف فهيم أمام زوجته مهمومًا من خسارته احفيده هاتفًا بصوتٍ ضعيف:
-إحنا هنروح الأرض نشوف الإيراد، وسعاد وتماضر ورقية هيروحوا معانا هما والعيال، لو حابة تيجي اطلعي البسي.
ابتسمت وهي تربت على صدره:
-لا يا حج تسلملي، أنا هريح هنا شوية، خُد وفاء وسناء وعيالهم يشموا هوا.
أومأ، وبعد ساعة كانوا جميعهم يغادرون المنزل..
وبالأعلى..
كانت بين أحضانه غافية، يمسد على خصلاتها برقةٍ، شارد الذهن حزين القلب مهموم..
ينظر لها بقلبٍ مكلوم..
انحنى يقبّل رأسها..
يخفف بشفتيه أوجاعها..
ولكن هيهات إصلاح رحمٍ ينزف بعد مخاضٍ عسير، استنزف الطاقة والجهد..والبنون!
ارتجف جسدها فجأةً فأجفل، أمسكت بصدرها متألمة، فسألها بقلقٍ:
-مالك؟
تأوهت صارخة بألمٍ، فنظر لها بعجزٍ لا يدري كيف يعالجها..
كيف يخفف عنها الألم!
يتمنى في تلك اللحظة لو كان ألمها ألمه! لو كان يستطيع أن يسحب كل أوجاعها لجسده لفعل!
وفجأةً انفجرت في البكاء، وصرخت بإنهيارٍ:
-أنا عايزة بنتي.
رفعت عينيها الحمراوتين بنظرة راجية إليه وهي تتشبث بقميصه:
-هاتلي بنتي يا شاهين.
جذب رأسها إلى صدره مهدهدًا بلوعةٍ، فصرخت وهي تنتفض بين أحضانه بانهيار:
-هاتلي بنتي، عايزة بنتي....عايزة أرضعها!
انتحبت بقوة، بألمٍ، ظلت تصرخ بين أحضانها صرخاتها المكتومة..
ومع كل صرخة كان يتمزق جزءًا من قلب شاهين..
مسد على خصلاتها بحنوٍ هامسًا بصوتٍ مرتجف:
-أنا آسف ...أنا آسف.
صاحت حتى تمزقت أحبالها الصوتية، وذكرى ذلك اليوم لا تغادر ذهنها البتة..
انهيارها أمام باب القصر..
ألمها الشديد..
وفضيلة الواقفة ترمقها بشرٍ مستطير!
2
ازدردت لعابها وهدأت، ظلت في أحضانه جاحظة العينين تداهمها الذكرى ببشاعة، ومع مرور الدقائق والثواني همست:
-شاهين!
وشاهين يُلبي النداء بكل ما يقدر عليه من جهدٍ:
-اؤمري، اؤمري واللي إنتِ عايزاه في ثانية يبقى تحت رجلك.
تشبثت بقميصه وكأنه مرساة النجاة، وسمحت لعبراتها بالهطول كالشلالات وهي تدفن وجهها أكثر فأكثر في صدره، فتسمعه يهمس بما يعزز ثقتها به أكثر:
-أنا عندي استعداد أحرق الدنيا كلها عشان خاطرك يا يُسر، عشان أشوفك ضحكتك تاني!
همست بصوتٍ مبحوح، وعبراتها تغزو عينيها فتنساب بلا رحمة، وصورة الستارة التي تحركت وفراغ بطنها يؤلماها كثيرًا:
-فـ...فضيلة!
2
همسة واحدة..
همسة واحدة كانت كفيلة بأن تسود عينيه، وتقتل آخر ما تبقى من رحمة في قلبه..
-مالها؟
رفعت عينيها ونظرت له بانكسارٍ، فسأل سؤالًا تيقن منه في الحال:
-فضيلة هي اللي سقطتك؟؟
لم تُجب، وإنما ظلت تتذكر بشاعة الموقف التي تعرضت له بكسرةٍ..
فانفجرت باكية بنحيبٍ عالٍ، ليضمها إلى صدره وهو يربت على ذراعها صعودًا وهبوطًا، وعينيه الزرقاوتين قد احتلهما السواد.
6
***
خرجت لارا من الغرفة تحادث والدتها الجالسة في الصالون:
-أنا نازلة.
التفتت لتجد يوسف بوجهها يمنعها بصرامة:
-مفيش نزول.
رفعت حاجبها بحدة:
-يعمي إيه مفيش نزول؟؟؟؟
-يعني مفيش نزول! هتقعدي هنا في البيت لحد ما يا تتجوزي وتخرجي من هنا على بيت جوزك.
ضحكت بعدم تصديقٍ:
-إنت مصدق نفسك! كبرت وبتعمل راجل عليا يا يوسف!
انتفضت أمها من خلفها تصيح بغضبٍ:
-اخرسي قطع لسانك، اخوكِ راجل غصب عنك
التفتت لأمها تضحك باستهزاءٍ:
-الله الله! إنتو عاملين رُباطية عليا بقا!
ثم عادت تنظر لأخيها باستفزازٍ:
-طب إيه رأيك بقا إن أنا هنزل! وهبات برا كمان!
ربع ذراعيه أمامه بهدوءٍ:
-وريني هتخرجي إزاي.
عقدت حاجبيها بتعجبٍ، وهرولت إلى باب الشقة لتفتحه إلا أنه كان موصدًا بإحكام، فأخرجت مفتاحها لتديره به وأيضًا لم يفتح! فالتفتت لهم صارخة بجنونٍ:
-إنتو اتجننتوا! مغيرين الكالون وقافلين عليا! حابسيني!!!
-أيوه، ولو كتّرتي كلام هتتحبسي في أوضتك من غير زاد ولا ماية!
1
اتسعت حدقتيها بخبالٍ وصرخت بغضبٍ:
-إنت متخلف يالا!!! أنا أختك الكبيرة بتحبسني في البيت!!! فاكر نفسك مين!!!
وقف أمامها صامدًا بمنتهى الهدوء يواجهها بقوله الصارم:
-فاكر نفسي أخوكِ، ولو الكبير مكانش قادر عليكِ الصغير يقدر.
-الكبير مات، مات وشبع موت...إنت بقا من إمتى بقيت كبير!
1
-من دلوقتي يا لارا.
جزت على أسنانها بقوةٍ حتى كادت تهشمهما، ودخلت إلى غرفتها صافعةً للباب، وألقت حقيبتها على الفراش ثم جلست عليه وأطلقت صرخة مجنونة غاضبة!
وبالخارج تنهد يوسف بتعبٍ وهو يفرك عينيه، فيما ربتت أمه على كتفه بحنوٍ هامسة:
-معلش يا حبيبي، استحمل...معادش لينا غيرك من بعد ربنا وبلال!
ابتسم، وانحنى يقبل رأسها محتضنًا كتفها بخفةٍ
***
ترجل فهد من سيارته وتبعه إياد من سيارته أيضًا، تقابلا عند الباب فحياه إياد مبتسمًا باتساعٍ:
-مش هقبل بأقل من شهر أجازة مكافأة!
رمقه فهد باستخفافٍ، وأثناء دخولهم توقف إياد متسمرًا برهبةٍ وهمس:
-بابا!
توجه فهد بنظره حيث ينظر إياد إلى أبيه اللواء السابق أحمد صقر الذي يقترب منهم بتؤدة وخطواتٍ متثاقلة وواثقة! في حين كان إياد يرمقه بعدم ارتياحٍ وخوف.
وقف فهد جواره إياد أمام أحمد صقر الذي نظر لفهد تحديدًا بفخرٍ:
-اللوا جمال بلغني بآخر عملية، والله براڤو عليك يا فهد طلعت مش سهل.
ابتسم له الآخر مجاملًا:
-مُتشكر يا سيادة اللوا.
واختطف نظرة لإياد الذي تنهد بخيبة أمل ثم احتضن ذراعه مربتًا عليه بخشونة:
-وبعدين العملية دي كانت بايظة لولا إياد، تخيل إنه دخل وسط النار عشان يجيب الفلاشة وكان له دور مهم أوي في العملية.
1
فغر إياد فاهه بصدمة وهو يسمع إشادة فهد بذهولٍ، بينما رفع أحمد حاجبه بانبهارٍ طفيف:
-فعلًا؟!
ونظر لإبنه:
-إنت عملت كده؟؟؟
ارتبكت نظرات إياد أمام حدة نظرات أبيه، فأنقذه فهد بقوله:
-أيوه طبعًا ده من أمهر رجالة الداخلية.
ناظره إياد بأعين جاحظة:
-أنا من أمهر رجالة الداخلية؟؟؟؟؟
رمقه فهد بتحذيرٍ وهمس من بين أسنانه:
-أيوه!
فتحدث أحمد مبتسمًا باستهزاءٍ:
-أيوه أيوه مفهوم، أما نشوف شطارته اللي مخلياه لحد دلوقتي لسه نقيب.
تهدل كتفي إياد بإحباطٍ، بينما ربت أحمد على كتف فهد هاتفًا:
-عن إذنك بقا أنا مروح.
وأشهر سبابته في وجه إياد:
-متتأخرش.
ثم تنحنح مستطردًا:
-أمك عاملة بامية.
2
التمعت عينيه بسعادة، وأومأ عدة مراتٍ كطفلٍ متحمس، فتحرك أحمد من أمامهم والتفت إياد يتابعه وهو يتحرك، ثم قال لفهد بغرابة:
-إنت قولت كده ليه؟!
-مش دي الحقيقة! وبعدين يلا متقفش كده خلينا نشوف وصلوا لإيه.
وسار مبتعدًا إلى الغرفة، فيما وقف إياد مبتسمًا كالأبله وهو يحك عنقه باندهاش.
***
انحنى يلثم جبينها بحبٍ حين تأكد من استقرار نومها، وخرج من الغرفة يوصد الباب خلفه برفقٍ، استدار وقد استحالت ملامحه الرقيقة إلى غضبٍ مستعر..
وهبط درجات السُلم صارخًا:
-فـضيـــــلة!!!
3
انتفضت من على الأريكة حيث كانت ترتشف شايها فتساقطت بضع قطراتٍ على ثوبها، وضعت الكوب ونهضت ترمقه بقلقٍ، فإذا به يهبط الدرجات بأعين حمراء ووجهٍ تراه لأول مرة منذ زمنٍ!
3
-إنتي سقطتِ يُسر!!!
1
كان مظهره مرعب! تمامًا كوحشٍ يقف أمام عرينه يدافع عنه بضراوة بعروقٍ نافرة وزئير قوي وتعصُب!
-أنـ...أنا..
قبض على كتفها بقوة حيث غرز الوحش مخالبه في لحمها فتأوهت بألمٍ وهي تنظر داخل حدقتيه المشتعلتين بنظرة لم ترها من قبل:
-انطقي إنتِ سقطتِ مراتي!! قتلتِ بنتي يا فضيلة!!!
ازدردت لعابها بتوجسٍ فكان كالأشواك تنغرز في حلقها:
-أنا معملتش حاجة!!
جذبها من خصلاتها المعكوصة صارخًا:
-إنتِ هتستهبلي يا روح أمك! ده إنتِ ليلة اللي جابوكِ سودا...أقسم بالله لا أتاويكِ في مكان الجن الأزرق ميعرفلوش طريق جُرة، أنا هخليكِ تعيطي بدل الدموع دم...سكتلك كتير وفاض بيا يا فضيلة، وغلاوة يُسر عندي لا أسففك التُراب.
3
ثم جذبها بقوة وهي تصرخ وتتأوه وتستنجد بأي احد! ولكنها الآن بمفردها في العرين، رحلوا جميعًا وبقت هي!!
خرجت الخادمات على صوت صراخها، وشاهين يسحبها من خصلاتها ثم صُفع باب القصر بقوةٍ انتفضت لها أبدانهم..
-هو فيه إيه!
ضربت كفٍ في الآخر:
-هببت إيه فضيلة العقربة دي!
والأخرى تهمس بقلقٍ:
-استر يا رب !
وخرج خيري السفرجي يستفسر:
-هو فيه هاجة؟
-ادعي ربنا يسترها يا خيري شكل البيت داخل على مرار!
***
انتفض عمّار برعبٍ على صوت الصراخ بالأسفل، وترك ألعابه وهرول يختبئ أسفل المكتب الموجود بالغرفة، فيما تركت شادية الهاتف التي كانت تلعب به مسطحة على الفراش، ونهضت بجزعٍ:
-يا ساتر يا رب فيه إيه الصويت ده!
ارتدت وشاح رأسها وكادت تفتح الباب لتخرج فهرول عمّار إليها ممسكًا بكفها ومانعًا إياها من الخروج هادرًا برعبٍ:
-متسيبينيش، متمشيش! هتموتي زيها...متمشيش.
ارتبكت حال رؤيتها لحالته المزرية، وأغلقت الباب حين رأت دموعه تنساب، وانحنت بتوترٍ أمامه:
-مش همشي.
1
ناظرها بأملٍ..
وكأن بها إحياؤه من جديد!
لم يكتفي بنظرة بل ارتمى في أحضانها كطفلٍ يرتجف في شتاءٍ قارص، ذُهلِت شادية ولن تُنكر، ولكنها لم تجد بُدًا سوى من إحتواءه، فاشتد عناقه لها، وسمعت تنهيدته المرتاحة، فتنهدت هي الأخرى باختناقٍ..
من العناق ربما...أو ربما من الوضع الذي أصبحت فيه!
***
كانت أسيل تدرس جوار صديقتها آلاء في مقهى مخصص، تركت آلاء القلم بضجرٍ وعادت بظهرها للخلف:
-أنا زهقت، ما تيجي نتمشى.
ركزت أسيل على الورق:
-لأ لسه مخلصتش الـ To do list.
2
زفرت صديقتها بضجرٍ:
-To do list إيه يا أسيل!
أنا زهقت عايزة أشم هوا.
ظلت تكتب على الأوراق بلا مبالاةٍ:
-لو عايزة قومي اتمشي شوية وارجعي، أنا هكمل.
-دحيحة!
قالتها وهي تنهض لتخرج، وبالفعل اختفت لبرهة ثم عادت راكضة تلهث وهي تفتح أحد كُتبها بعجلةٍ فناظرتها أسيل بتعجبٍ:
-إيه ده فيه إيه!!
لم ترفع آلاء عينيها عن الكتب وقالت من بين اسنانها:
-دكتور علي دكتور علي.
رفعت أسيل عينيها حيث رأته يدخل المقهى حاملًا حقيبة عمله ويتحدث في هاتفه، فعادت بنظرها لآلاء هامسة بمكرٍ:
-آه ده الحُب ولع في الدُرة خالص.
-اتكتمي!
نكست أسيل رأسها وصبت جام تركيزها في مذاكرتها، وهي تضحك بين الفنية والأخرى بمرحٍ.
***
فتح شاهين باب الغرفة متنهدًا بتعبٍ، دخل المكان المعتم وكاد يقترب ليطمئن عليها، لكنه توقف حال رؤيته لجسدها المتداعى أرضًا بوهنٍ، اقترب منها مهرولًا بعدما فتح الأنوار فتسنى له رؤيتها تجلس القرفصاء أرضًا، وذراعيها ساقطين جوارها باستسلامٍ ونظرتها للفراغ خاوية!
فيما أصبح صدرها مبللًا تمامًا وقد انتشرت بقعتين على ملابسها من منطقة الحلمتين بسبب إفراز حليبٍ من ثدي ينتظر صغيرتها لتلتقمها!
1
انحنى عليها هامسًا:
-يُسر!
أدارت له رأسها بآلية، فرأى نظرتها الخاوية، ضمها من كتفيها إلى صدره، فسمعها تهمس بخواءٍ:
-عايزاني أرضعها! عايزة تآكل!
أغمض عينيه يعتصرهما بقوة وهو يشدد على ضمها، ويسمعها تقول بألمٍ:
-عايزة لبن! عايزة ترضع يا شاهين! وأنا..
انفجرت باكية بوجعٍ وانتحبت بأسى، واستطردت بصوتها المبحوح:
-وأنا عايزة أحضنها!
هدهدها كطفلةٍ، واستند بذقنه على قمة رأسها هامسًا بصوتٍ حاني:
-هي في مكان أحسن، هي مع باباكِ...باباكِ هياخد باله منها.
رفعت عينيها إليه بتوسلٍ:
-بجد؟
أومأ عدة مراتٍ مبتسمًا بسمة خلفها الأوجاع، ومد كفه يمسح على وجهها ويعيد خصلاتها بعيدًا عن وجهها المتعرق:
-طبعًا بجد، هي مش حفيدته؟ وأمانة عنده لحد ما نروحلها؟
ازدردت لعابها فكان كالأشواك تنغز حلقها نغزًا! انحنى شاهين وحملها بين ذراعيه برقةٍ، فتشبثت بعنقه ومالت برأسها تستند على كتفه باستسلامٍ، وسار بها إلى المرحاض، ليحممها عوضًا عن إبنته المفقودة.
وبعد لحظاتٍ..
خرج يحملها وقد لفها بالمنشفة الكبيرة، وضعها على الفراش برفقٍ، واختار لها ملابسها بعنايةٍ..
أزاح عنها المنشفة وعاونها على ارتداء ملابسها القطعة تلو الأخرى، فكانت تستند على كتفه تارة وتجلس بتعبٍ تارة وتتأوه من جُرح بطنها تارة! فما كان عليه سوى أن يحتضنها، أو يلثم جُرحها بشفتيه لعل ذلك يخفف عنها القليل!
2
عاونها على النهوض فأحكمت أناملها حول سبابته،
سطحها على الفراش، ولا زالت أناملها تحاوط سبابته كطفلة متعلقة بأبيها، فلم يجد بدًا من أن يتسطح جوارها، متأمًلا حالتها المزرية ووجهها الشاحب، غمازتيها اللواتي اندثرن، وخصلات شعرها التي بدأت تتساقط، ناهيك عن ألم صدرها الذي لم تعد تشعر به!
ظلت مسطحة على الفراش تنظر للفراغ بخواءٍ..
-يُسر..
همس باسمها، فلم تستجب، إلى أن لمس وجنتها بأنمله هامسًا بحنوٍ:
-يُسر..يا عمري كله، وغلاوتك عندي لا أجيبلك حقك وحقها.
رفعت عينيها بضعفٍ تنظر إليه، سرعان ما انكمشت ملامحها حين غزا الألم نهديها مجددًا، فتأوهت ليضمها إلى صدره بقوةٍ، فاهتزت بين ذراعيه بأنّاتٍ البكاء والألم.
***
سارت بتؤدة في ذلك المكان الواسع، لا يصلها سوى زقزقة العصافير وتغريدها، تبسمت حال رؤيتها لزهرة حمراء، فاقتربت تتلمسها برقةٍ...
ولأنها لم تنتبه لأشواكها، غُرزت إحداها في إصبعها، فتأوهت بألمٍ وهي تزيح يدها كاملةً بوجعٍ.
نظرت لإصبعها لبرهة، ثم التفتت سريعًا على صوتٍ ناداها:
-حسناء!
وكانت أمامها، بخصلاتها المسترسلة بنعومة، وعينيها الجميلتين، وبسمتها الرقيقة، لم تقل سوى:
-قوليله يسامحني!
مدت كفها إليها مستغيثة:
-سامحيني يا حسناء...سامحيني!
3
وصرخت صرخة ثم سقطت من أعلى تلٍ لا تدري حسناء من أين ظهر فجأةً! إلا أنها صرخت على إثرها وانتفضت..
وانتفض جسدها مفزوعًا من ذلك الكابوس البشع!
مسحت على وجهها عدة مراتٍ واعتدلت على الفراش تستمع لصوت آذان العِشاء برهبةٍ وهي تضع كفها على صدرها بخوفٍ!
***
في تلك الحفلة التي خرج إليها الصغار، كانوا يرقصون بمرحٍ، حيث ساجد وسيرا وميرا ويزن وإسلام يرقصون على الأنغام، وقدر ونارين تجلسان مع نغم وتالا وتالين وأريچ، فيما خرج فارس ويزيد ليشتريا لفرح وفريد المثلجات.
نهضت نارين حين رن هاتفها، وابتعدت عن الصخب لتجيب، فيما أكلت قدر المسافة بينها وبين أريچ وانحنت تحتضنها بحنوٍ، فابتسمت لها الأخيرة ومالت في أحضانها..
أغلقت نارين الهاتف وأثناء عودتها ارتطمت بجسدٍ صلب، رفعت عينيها إليه معتذرة فإذا بعينيها تتلاقى مع عينين سوداوتيين لشابٍ ابتسم لها برقةٍ:
-إنتِ كويسة؟
فغرت فاهها بذهولٍ وإنبهار، وراحت تومئ ببلاهة:
-أنا آسف مخدتش بالي.
ظلت ترمقه بانجذابٍ، حتى مد كفه لها ليصافحها:
-أحمد بدر.
وكالمجذوبة مدت كفها إليه، وصافحته، فابتسمت..وابتسم بلطفٍ!
نهضت أريج بعيدًا عنهم، تستنشق بعضًا من هواء الخارج، وقفت تتأمل المارة بشرودٍ، تُفكر في أبيها الغائب وأمها قليلة الحيلة وورطة وُرطت فيها هي وأمها وسببها أبٍ ترك كل شيءٍ واختفى!
تنهدت بتعبٍ واستدارت لتدخل حتى سمعت صوت تألفه جيدًا، جيدًا جدًا!
-حلوة شرم.
تسمرت مكانها برعبٍ وهي تسمعه يُكمل:
-لأ ومكان هايل للهروب.
التفتت ببطءٍ وهي تزدرد لعابها بخوفٍ، فرأته أمامها بهيئته التي تكرهها، بابتسامته اللعينة ولفافة التبغ التي لا تُفارق فمه!
-هاي روچا.
تلعثمت وهي تسأل برهبةٍ:
-إنننـ...إنت...بتعمل إيه هنا؟!
راقبت سيجارته التي امتص منها ما تبقى وألقاها أسفل قدميه داهسًا إياها بحذاؤه ذو الرباط الأسود، ثم اقترب خطوتين، فتراجعت مثلهما حتى وصلت للحائط فالتصقت به في خوفٍ، وعنه فمال عليها حتى نفث دخان سيجارته في وجهها وبأنفاسه الكريهة همس:
-جاي أشوف خطيبتي اللي هربت مني، أصلها وحشتني أوي!
-عـ...عـز...لو...لو سمحت، ابعد عني، أنا ماليش ذنب، والله ما ليا ذنب!
قالتها بنبرة باكية، وهي تتوسل عينيه بخاصتيها، فابتسم، ومال برأسه متأملًا هيئتها المرتجفة، إذ رفع أنامله يتحسس وجنتيها:
-حاطة مكياچ؟
1
سأل بهدوءٍ، فهمهمت بذهولٍ:
-ها؟
كرر سؤاله بصيغة أكثر مرحًا مع بسمة بسيطة تلاعبت على شفتيه:
-بقولك حاطة مكياچ؟
أومأت على مضضٍ، فنزل بأنامله إلى شفتيها يتحسسهما مما أسرى الرجفة في بدنها، وصب بصره عليهما هامسًا بانجذابٍ:
-ده روچ!
قالها متعجبًا، واستطرد وهو ينظر لعينيها بعمقٍ:
-حاطة روچ يا روچا؟!
2
عقدت حاجبيها بخوفٍ، لماذا يبدو وكأنه مختل عقليًا هرب من المصحة للتو!
ابتعد عنها تاركًا لها المجال لتتنفس، وقال:
-شكلك حلو.
حسنًا...هو..مختل عقليًا!
-أريچ!
صرخ نور باسمها من بعيد حين رآها تقف معه، فيما نظر عز له وعاد ينظر لها مبتسمًا:
-هدم اللحظة، عمومًا..
1
انحنى ممسكًا بذقنها وطابعًا قبلة رقيقة على خدها فاتسعت حدقتيها وشهقت، ليبتعد غامزًا لها:
-مُزة..عليا الطلاق مُزة!
2
وهرول كـ لصٍ سرق ما سرق وهرب! رفعت كفها تضعها على وجنتها الحمراء بصدمةٍ، وبلحظة كان نور أمامها يصيح:
-مين ده؟؟ ده عز الدين؟؟؟
نظرت له بذهولٍ، وأومأت!
***
-يعني دخل من وسط كل الجاردز دول، ووسط أخواتك!!!!
1
قالتها دارين بهلعٍ منتفضة من مكانها برعبٍ، ونظرت لرعد:
-الواد ده مش هينفع معاه حاجة!
والآخر شرد، وعن شروده تخلى حين قال:
-الواد ده...عايز راجل زيه، ينافسه عليها.
تساءلت دارين بتوجسٍ:
-يعني إيه؟؟
نظر لنور، مردفًا:
-إنت فسخت مع شاهندا صح؟
2
اتسعت حدقتي يمنى بصدمة ونظرت لنور:
-إنت فسخت خطوبتك!
ارتبكت بين نظرات رعد ويمنى، ووقف حائرًا حتى قال رعد بحزمٍ:
-احميها يا نور.
رفع حاجبه بدهشةٍ:
-نعم!!!
-اتجوز أريچ يا نور، احميها منه!
12
حملق نور برعد في ذهولٍ، بينما نظرت له دارين بتوسلٍ وابتسمت وكأنها توافق رعد، وكأن به الأمل نظر له الجميع!، فيما اتسعت حدقتي أريچ في هلعٍ!
_________________
بصراحة التفاعل ع الفصل اللي فات كان كويس حاجة وستين واحد بالنسبالي حاليًا رقم كبير فأتمنى تفضلوا كده ولا أنا لازم أموتلكم حد كل فصل عشان تتفاعلوا؟!!!
ومكافأةً ليكم قفلت الفصل قفلة عادية اهو🥰❤️
كل ما التفاعل يقل كل ما عدد الأموات هيزيد، علاقة عكسية🫰
2
صحيح قولت لجيميناي يعملي صور الأبطال..
(يُسر الزهدي)
(يُسر الزهدي)
5
شاهين الحلواني (شهشوهة يُسر)
شاهين الحلواني (شهشوهة يُسر)
شاهين الحلواني (شهشوهة يُسر)
شاهين وهو راجع شقيان ومرمي على رجل يُسر وبتلعبله في شعره زي ما كنت بتخيلهم وأنا بكتب بالظبط😭❤️❤️❤️❤️
شاهين وهو راجع شقيان ومرمي على رجل يُسر وبتلعبله في شعره زي ما كنت بتخيلهم وأنا بكتب بالظبط😭❤️❤️❤️❤️
شاهين وهو راجع شقيان ومرمي على رجل يُسر وبتلعبله في شعره زي ما كنت بتخيلهم وأنا بكتب بالظبط😭❤️❤️❤️❤️
قدر المسيري
قدر المسيري
فهد العزاوي
فهد العزاوي
1
فهد العزاوي
وأخيرًا فادي العزاوي🥰
وأخيرًا فادي العزاوي🥰
لو عايزين تخيل لإياد اتفاعلوا ع الفصل ده زي الفصل اللي فات وأنا اعملهلكم😂🫰
لو عايزين تخيل لإياد اتفاعلوا ع الفصل ده زي الفصل اللي فات وأنا اعملهلكم😂🫰
إنتو عارفين أصلًا إياد صقر بيفكرني بمين؟ بيفكرني بمحمد سلّام أوي بحس محدش غيره ينفع يبقى إياد صقر😂😂🫶
#دمتم_بخيـࢪ🕊