📁 آخر الروايات والقصص

رواية وشم الرمل الفصل التاسع عشر 19 بقلم ميدانو

رواية وشم الرمل الفصل التاسع عشر 19 بقلم ميدانو



الشيخ راشد ملامحه متجهمة يتقلب بين الغضب والذهول.. الى جواره وجهاء القبيله ووجوههم مشدودة
قطع الصمت احد الشيوخ :" حيّ؟ سطّام حيّ؟ بالله عليكم وش جالس يصير؟!”

دخل زياد كعادته بخطوات محسوبة وصدر مرفوع ..
وقف امام الجميع والقى بنظره على الوجوه المتربصة ثم قال بثقة يخفي فيها سمّه:" واضحة مثل الشمس سطّام كان حبيس عند حمدان وهو اللي اخفاه من شهور "

سرت همهمة بين الرجال قبل ان يعلو صوت غاضب من طرف المجلس:" وش تقول يا زياد؟! سطّام؟ حبيس عند حمدان؟ ليه؟!”

زياد اومأ بعينيه يدعي الحكمة:" يمكن حمدان طمع بالزعامة وخلى سطّام تحت يده لكن سطّام ذيب ورجع للديار وحمدان لحقه عشان يسكته بس الله سلط عليه البتول وربك ما يضيع الحق "

دارت الوجوه بين بعضها .. نظرات سريعة
اسم حمدان لم يخرج من دائرة الاتهام منذ فقد سطّام وكلمات زياد بدت كأنها تقفل الدائرة

الشيخ راشد رفع يده.. بحزم :" ما نحكم بشي لين يصحى سطّام ونعرف العلم الصحيح "
ثم التفت نحو رجال المجلس .. وقال بنبرة ثقيلة حازمة: " عينكم على حمدان وبنت صباح لايهربون من المغارة واذا صحى سطّام وسألناه وعرفنا الصدق وقتها نحكم عليهم "

صمت الجميع .. حتى زياد الذي شعر لوهلة ان كلماته لم تصب ما أراد تمامًا والشرر لم ينطفئ من عينيه..

*
*

دخل حمدان الى المغارة يجوب المكان بعينيه بلهفة يبحث عنها
ثم رأها ..
صورة لم تمنح قلبه السلام .. هناك جلست سلمى يديها مربوطة بإحكام .. جرح على جبينها وخط دم جاف على جانب وجهها .. شماغ يكمم فمها يمنع كلماتها من الانطلاق ..
قفز الخوف الى صدره ..
مالذي حدث لها؟ كيف وقعت في قبضتهم؟ هل آذوها؟

كانت اول نظرة له كالصاعقة تزلزل اعماقها .. قلبها يختلج بالخوف والارتباك.. لم تكن تتخيل ان يأتي وهو مكبل مقيد اليدين .. !!
ما الذي حدث له؟ ولماذا يترك نفسه مقيدًا بينما كان من المفترض ان يكون المنقذ؟واين سطام ؟!
تنظر اليه وهو يساق مع الرجال جلسوه عند العمود الحجري المقابل لها وربطو جسده بإحكام .. بدا غير مبالي بما يحدث .. نظراته معلقة بها فقط .. كأنها العالم كله
تلاقى نظرهما في صمت مليء بالأسئلة غير المنطوقة
هي تسأله بعينيها :" مالذي حصل ؟"
وهو يسألها بعينيه :" ماذا فعلو بك ؟"

خرج الرجال تاركينهم في الصمت الموحش للمغارة .. بينما وقف الحارسان عند بوابة المدخل

همس حمدان بتبلد :" الظاهر انها النهاية .. دخلت انا وسطام بعدك ولما كشفونا القوم طاح سطام ومسكوني "

همهمت سلمى بكلمات غير واضحة بسبب الشماغ الذي كان يكمم فمها مجرد اصوات مضطربة تعكس قلقها

اشار بذقنه نحو جرحها بغضب مكتوم :" من اللي اذاك "

في تلك اللحظة .. ظهر قيس عند المدخل خطواته ثابتة.. نظر سريعًا الى حمدان ثم الى سلمى و خفض نظره احترامًا لها .. وقال بهدوء :" سقط الحكم عنك لين سطام يقوم ويعلمنا باللي صار "

اقترب ببطء من سلمى دون ان ينظر اليها وازاح اللثام المكمم عن فمها.. اخذت نفسًا عميقًا وهمست بصوت مبحوح :" اريد ماء "

حمدان ابقى نظره منخفضًا الى الارض .. يشد على اسنانه ثقته بقيس كبيرة لكنه شعر بحريق يغلي في صدره .. سمعها تقول "فك قيد يدي ابي أتلثم بنفسي"
ثم تسأل قيس :" سطام بخير ؟! "
ويجيبها قيس :" الطبيب سليم قال انه مجرد اغماءه ارهاق وبس يرتاح يصحى بااذن الله "

كانت لحظات ثقيلة على حمدان .. لم يتنفس الا عندما خرج قيس
رفع نظره بعدها ورآها كما اعتادها دومًا .. متلثمة بشماغ ابيض تنظر اليه بعينيها ويغرق فيهما بصمت
سمعها تقول بثقة :" بكرة يصحى سطام ويظهر الحق"

حمدان ضحك ساخرًا :" بعدك تثقين فيه "

سكتت وشتت نظراتهاا .. لاتستطيع ان تنكر باتت تشعر بالقلق من سطام ..
قطع حمدان الصمت .. عاد لسؤاله الذي يشتعل في صدره :" من اللي اذاك ؟!"

سلمى وهي تشعر باالام في جسدها من سقوطها ودحرجتها على الصخور :" زياد الغدر يمشي بدمه عمره ماواجه بشرف "

ارتسم على ملامح حمدان قسم صامت وقال ببطء :" الله يطول بعمري واهدر دمه "

******

في صباح اليوم التالي ارتفعت الشمس لتغمر ديار السراة بدفئها ..

جلست شادن تنظر الى الافق قلبها مطمئن بعد ان اخذت قرارها.. وافقت على خطبة جلوان وهدأت مخاوفها .. وعقلها يدرك ان الحياة تمضي وانها على موعد مع مرحلة جديدة
سرى خبر موافقتها في ارجاء الديار بسرعة الريح..
وارتسمت الفرحة على وجوه الجميع فرحة هادئة محافظة على احترام فقد الجدة
النساء والرجال يتداولون الترتيبات التقليدية للعرس البسيط الهادىء بلا صخب ..

وقف جلوان بجانب عمه عيناه ترمقان الافق بقلق :" احس اننا استعجلنا كان المفروض انتظر رجعة حمدان "

عتيق ربت على كتفه بحنان مبتسمًا :" لاعاود حمدان نسوي عرس ثاني "

ضحك رباع وهو يضع البشت على كتف جلوان وهمس له :" ماتدري يمكن حمدان يعاود عريس "

ابتسم جلوان رغم القلق الذي يثقل قلبه .. وهو يتذكر جنون حمدان من فكرة فراق سلمى وكيف لحق بها دون ان يخبره وأوصى رباع ان يخبره بعد رحيله

******

عاد فهيد مع خيوط الشمس الاولى.. غبار الطريق يعلو ثوبه ووجهه متعب من بحث لم يثمر ..
كان قد قضى الليل كله يتنقل بين الوديان والشعاب بعد ان ارسلته سلمى يبحث عن حمدان لكن الأرض بدت وكأنها ابتلعته
ما ان بلغ مشارف الديار احس حركة غير معتادة
الجميع في نشاط وسعادة وكأنه صباح العيد ..!!
توقف شد لجام فرسه ونظر باستغراب الى الزحام امام بيت أم سطّام ..
رجل عجوز مر بجانبه فسأله بقلق:" وش العلم؟”

ابتسم العجوز عينيه دامعتان: “سطّام حي رجع لنا من بعد ما فقدناه "

فهيد تجمد مكانه كأن الأرض اهتزت تحته : “حيّ؟ سطّام حيّ؟” الكلمات خرجت متقطعة غير مصدق !!..

سار بخطوات متسارعة حتى لمح رجال القبيلة متجمعين واصواتهم تتناقل الخبر
" سطام كان حبيس عند حمدان وهرب للديار "
" حمدان في المغارة "
" ينتظرون استيقاظ سطام "

تسارعت انفاس فهيد رأسه امتلأ بضجيج..
سلمى .. حمدان .. سطّام

حدث نفسه : “سطّام حي سطام رفيقي عاود "
يريد ان يراه الان ليصدق .. فاندفع بخطوات سريعة نحو بيت ام سطّام

******

في بيت أم سطّام كان الجو مهيبًا..
القلوب كلها معلقة على الفراش حيث يرقد سطّام

البتول لم تفارق مكانها .. وجهها شاحب وعينيها ممتلئتان بالرجاء
اما أم سطّام .. فكانت تقرأ الادعية بصوت خافت ترفع يديها ثم تمسح بهما وجه ولدها .. دموعها تنزل رغم ابتسامة صغيرة ارتسمت على محياها لاول مرة منذ شهور..

النساء يترددن على البيت بالهمس واحدة تدخل لتضع ماء واخرى تأتي بالفطور ..
وخارج البيت .. وقف رجال من القبيلة يتناقلون الاخبار بصوت خفيض كلهم يترقبون ان يفتح سطّام عينيه

وقف فهيد بعيدًا .. يراقب سطّام بصمت
دموعه لمعت في عينيه وقلبه يخفق بسرعة يردد لنفسه بصوت مبحوح .. هل حقًا أراك؟ هل عدت يا رفيقي.. ؟
يشعر بالغضب يتدافع بصدره .. هل كنت في قبضة حمدان !!؟
التفت فجأة بعينين ملتهبتين واندفع نحو المغارة

*

دخل فهيد المغارة بخطوات سريعة وعيناه ملتهبتان بالغضب..
“حمدان وش يفكك من يدي هالساعة؟!” صرخ فهيد صوته يتردد بين جدران المغارة

كان حمدان مربوطًا الى العمود .. رأسه ارتفع ببطء ونظرة عينيه لم تهتز .. فيها كبرياء يغيظ وكأن القيد ما مسّه
اندفع فهيد وقبض على عنق حمدان وهو يحاول رفعه ثم سدد لكمة طاحنة لوجهه..

شهقت سلمى وعيناها تتسعان بدهشة !!..

حمدان ابتسم بتهكم و بنبرة باردة:" حي الله فهيد الفارس اللي يترك الغزاه تنهب ديرته وهو همه قلبه الجريح "

كلماته صبت الزيت على نار الغضب.. انفجر فهيد من الداخل ولكمة اخرى ارتطمت بشفة حمدان حتى ادمتها وسال الدم على ذقنه

صرخت سلمى بغضب وقلق :" فهيد وووقف حمدان مو هو اللي غدر بسطام كله كذذب "

التفت حمدان اليها بنظرة حادة غيورة :" أنتِ اسكتي "
ثم رفع عينيه لفهيد والشرر يتطاير منهما : “خلك رجال وواجهني وأنا حر "

فهيد التفت نحو الحارسين عند المدخل صرخ فيهم بأمر غاضب:" فكو وثاقه "

ارتبك الحارسان لحظة.. تقدما وفكا القيود عن يدي حمدان..
فهيد كان متحفز عروقه بارزة .. تقدم خطوة قابضًا كفيه ينتظر هذه اللحظة منذ زمن بعيد ..
اندفع الاثنان معًا .. تبادلا اللكمات بسرعة كل ضربة يقابلها رد .. كل حركة توازيها اخرى.. الارض تحت اقدامهم ارتجت وصوت انفاسهم الثقيلة ملأ المكان..

سلمى المربوطة الى العمود .. عيناها تتسعان مع كل حركة.. وصوت قيودها يصرخ وهي تحاول عبثًا ان تتحرر..
كلاهما نار .. اي نار ستأكل الاخرى؟

فهيد قبض على كتف حمدان ودفعه نحو الصخر فارتطم ظهره بالجدار الحجري.. صرخة مكتومة خرجت من صدره لكنه لم يسقط .. مد يده بسرعة وامسك بوجه فهيد دفعه بعيدًا والشرر يتطاير من عينيه
“وش بقى عندك يا فهيد؟” قالها حمدان وهو يلهث ويبتسم بتحدي
ضحك فهيد بمرارة وانقض عليه مرة اخرى .. قبضته تخترق دفاع حمدان وتصيب فكه ..
تمايل حمدان للحظة .. ثم رفع يده بقوة سدد لكمة قوية مباشرة الى وجه فهيد..
جسد فهيد تمايل بعنف ثم هوى أرضًا
حمدان وقف فوق فهيد صدره يتنفس بعنف .. الدم يسيل من شفته .. عروقه مشدودة وعيناه مليئتان بنظرة انتصار قاتمة.. انتصار لاتعلم سلمى هويته

اندفع الحارسان نحوه بسرعة.. قبضو على ذراعيه من الخلف شدو وثاقه .. وأُعيد الى العمود الحجري مكبلًا كما كان
نهض فهيد ببطء .. يده تمسح الدم الذي سال من فمه وانفه وعيناه مشتعلة .. لم يقل شيئ تقدم بخطوات ثقيلة نحو حمدان
رفع قبضته فجأة .. وانهمرت اللكمات على حمدان المكبل.. ضربة تلو اخرى

سلمى شعرت بأن قلبها يكاد ينفجر.. صوت انفاسها يتسارع .. عيناها واسعتان ..كل عضلة في جسدها تتوتر وهي ترى حمدان يُنهال عليه الضرب بهذه الوحشية..
صرخت بصوت يختلط فيه الخوف بالغضب :" وووقف فهيد يالخسيس يالنذل اتركه "
لم يتوقف.. يصب غضبه وغيظه ووجعه دفعة واحدة..
صرخت مجددًا والدموع تغشى عينيها :" اتركه يا قليل المرجله اتركه الله لايوفقك "

تجمدت قبضته في الهواء .. ارتجف صدره بأنفاس متلاحقة ثم فجأة انزل يده وابتعد خطوة للخلف.. ولم يلتفت اليها استدار وخرج من المغارة بخطواته سريعة

رائحة الدم انتشرت بين الصخور.. حمدان رأسه مال على كتفه والدم لطخ وجهه وقطرات حمراء سالت على صدره.. عينيه نصف مغمضتين وفي داخله ما زال بريق الكبرياء لم ينطفئ
سلمى صرخت صوتها مبحوح وتضرب بكتفيها الحبال وتحاول الفكاك: “ساعدوه تكفوون "
صرخت عليهم بغضب .. ودموعها تطفر من عينيها :" فكووني انا اجييه فكوني ارجااككم "

الحارسين تبادلا نظرة مترددة .. وتحرك الاول بخوف من غضبها بخطوة ثقيلة وفك قيد جسدها عن العمود

زحفت على ركبتيها يديها المقيدة ترتجف .. واقتربت من حمدان .. دموعها سالت وهي تهمس باسمه
ثم وضعت يدها المرتجفة على كتفه..
حمدان شعر بها .. احس دفء يدها يصل الى صدره .. رفع عينيه بصعوبة .. نظر اليها من تحت جفونه المثقلة الدم يثقل وجهه .. رأى دموعها تنهمر عليه .. همس بعناد لاينكسر :" لا .. تترجينهم "

رفعت رأسها نحو الحراس عيناها تقدحان شررًا .. دموعها لم تخفف حدة صوتها زادته قوة: “جيبو لي قطعة نظيفة وماء بسرعة "

ارتبك الحارسان لم يعرفا هل يطيعانها ام ينتظران أمرًا من غيرها.. لكنها لم تنتظر جواب صرخت بهم مرة اخرى : “قلت لكم جيبو ماء وقطعة نظيفة ماتسمعون "

حمدان رغم الدم والضعف ظل يحدق بها.. لم يتكلم لكن داخله امتلأ بدهشة .. اهي تبكي علي !؟ تصرخ لأجلي؟!
ورغم ألمه شعر ان كل ضربة تلقاها تلاشت امام هذه اللحظة

******

في هدوء الظهر بعد ان فضى بيت أم سطّام من جموع الناس عم السكون المكان..
تحركت اصابع سطّام قليلًا.. لمحة خفيفة
شهقت البتول بصوت مكبوت واندفعت تمسك يده بكلتا كفيها:" تحرك سطّام تحرك "

تجمعت حوله نساء البيت بلهفة وارتجاف .. أم سطّام والهنوف ومناصف .. كل واحدة منهن تحمل مزيجًا من الخوف والفرح.. حتى الصغيران راكان وصقر اقتربا بحذر يراقبان تحركاته بعيون متسعة
ثم .. تأوة سطّام
صوت واهن ضعيف اخترق القلوب كالسهم .. جفناه ارتعشا وانفرجت عيناه قليلًا قبل ان تغلقا ثانية بتعب واضح
بعد لحظات .. فتح عينيه من جديد نظر حوله ببطء كل شيء يبدو غريب تمتم بصوت خافت : “وين .. أنا ؟؟"

انهمرت دموع أم سطّام .. مسحت على خده برفق فرحة وسرور يغمرهما معًا وقالت بصوت مرتجف : “أنت في دارك يا وليدي رجعت "

سطّام حاول جمع ذاكرته .. وعيناه تبحثان عن علامات مألوفة هل هذه أمه؟ .. رفع نظراته لتلتقي بالهنوف ومناصف واقفتان خلف أم سطّام قلوبهن معلقة بخوف وارتياح معًا.. نظر الى الصغيران راكان وصقر يراقبانه بصمت
من هؤلاء ؟..
لف نظره يمينًا .. شعر بيد تمسك بكتفه وصوت شهقتها وصل الى أذنيه كنسمة ..
نظر الى عينيها الدامعتين ارتبك .. دق قلبه بعنف .. حاول ان يصد تيار الشعور الغريب وهو لا يعرفها بعد
اغمض عينيه وتذكر ماحدث البارحة .. وعده لحمدان .. وصاحبة هذة العينين وهي تطلق في السماء

قطعت مناصف الصمت بضحكة خفيفة امتزج فيها الفضول بالتهكم :" وشو يابناخي ماشبعت نوم "

لكزتها الهنوف بخفة وهي تزم شفتيها:" اسكتي لا تضغطين عليه "

أم سطّام تكفف دموعها بسرعة ثم لفت نظرها نحو راكان :" رح ياركان ناد على الطبيب سليم "

همس سطام دون ان يفتح عينيه :" مايحتاج "
اخذ نفس عميق وفتح عينيه ببطء نظر الى والدته :" انا بخير "
ام سطّام عادت لتبكي بحرارة احتضنته والدفء الذي غاب عنه طويلا اغشاه .. شعور غريب يسكب الطمأنينة في قلبه .. هذا الدفء الذي احتاجه كثيرًا وأراد ان يبقى هنا فقط

ابتعدت أم سطّام قليلًا .. ثم نظرت الى البتول الباكية اخذت يدها برفق:" قربي يالبتول "
البتول بقيت في مكانها ترتجف غير قادرة على المبادره

سطّام ادرك هويتها .. اذًا هذه البتول .. زوجته
اخذ نفس عميق وهمس لهم :" انا فقدت ذاكرتي بالغدر ماعاد اعرف احد بهالديار "
نظر اليهم واحدًا واحدًا وتحاشى النظر للبتول .. :" وين حمدان وسلمى "

تجمدت أم سطّام في مكانها الصدمة ألجمت لسانها..
اما مناصف فتنحنحت محاولة السيطرة على الموقف
:" حبسوهم في المغارة اللي مايخافون الله والشيخ ينتظرك تقوم وتعلمنا بالحقيقه ثم يحكم عليهم "
ترددت قليلًا ثم اضافت وهي تميل برأسها :" هو صحيح حمدان غدر فيك وكنت كل هالفترة حبيس عنده ؟"

رفع سطّام نظره نحوها بهدوء :" وين زياد ؟"

مناصف تحاول ان تلقط خيط :" زياد وكل رجال الديره ينتظرونك "

اغمض سطّام عينيه من جديد كأن الأرض بكل ثقلها وُضعت على صدره همس:" خلوني بروحي "
يحتاج ان يرتب افكاره ان يستعيد نفسه ويجد الطريق بين ما فقده وما حدث حوله

*******

الشيخ راشد ووجهاء القبيله جاؤ لرؤيه سطّام .. بعد خبر استفاقته وفقدانه للذاكره ..
جلسو والانظار كلها على سطّام.. كان مسندًا الى الوسادة .. ساكن الملامح .. يتأمل وجوههم واحد واحد يحاول ان يفتش في ملامحهم عن خيط من ذاكرة ضائعة

الشيخ راشد بهدوء :" علمنا ياسطّام وين كنت بهالشهور الفايته "

سطّام بصوت منخفض حذر :" ذاكرتي ماهي مستقره هالحين واريد ارتاح ولاحقين على السوالف "

ارتفعت همهمة خفيفة وكاد بعض الرجال يلحون بالسؤال .. لكن زياد سبقهم كان يحاول ان يخفي ارتعاشة الفرح في صدره كان قد نوى التخلص من سطّام ولكن الان تغير الوضع .. فرسم ابتسامة ممزوجة بمرارة مصطنعة :" صحيح اهم شي صحتك كل شي ملحوق عليه يالرفيق "

التفت اليه سطّام بعينين هادئتين .. نظرتهما أربكته حتى غص بالكلمة في حلقه قبل ان يكمل :" حمدان في قبضتنا وننتظر حكمك اللي ماخيبنا في يوم تذكر ؟.. اول حكمت على حمدان بالنفي ولاتاب كمل اذيته "

عقد سطّام حواجبه :" نفيت حمدان !!؟"

ابتسم زياد وهو يحاول ان يذكره بما يريد له ان يتذكر :" اييه اذكرك يارفيقي حمدان قال قصيدة في البتول يومها خطيبتك وثرت وثارت القبيله معك وحكمت عليه بالنفي "

ساد المجلس صمت ثقيل الجميع ينتظرون اي كلمة منه..
عندها قام الشيخ راشد وربت على كتف سطّام بحنان :" خلاص يارجال كثرتو عليه الهروج بس ارتاح مجلس الرجال ينتظرك ياابن طراد "

اطرق سطّام برأسه يخفي ما يعتمل في صدره..غليان داخلي لا يهدأ
أحقًا هذا سبب شعوره الدائم انه لايحب حمدان؟ قصيدة في البتول؟ وانه لم يكن يومًا رفيقه.. هل تم خداعه ؟
رفع رأسه وقال بصرامة :" حمدان وبنت صباح لحد يقرب صوبهم انا اخذ حقي بيدي "

لم يجرؤ احد على مجادلته .. فانفض الجمع على مضض وكل واحد منهم يهمس للآخر بما سمع

وما ان خلا المجلس حتى اندفعت نساء البيت .. يتلهفن لإعادة الذاكرة اليه .. ليذكر ماضيه وهناءه .. ليعود اليهن كما كان..
سطّام لم يلتفت صوته خرج متعبًا حازمًا :" اريد امي لحالها "

كأن خنجرًا انغرس في قلب البتول .. كانت تنتظر ان يمد يده اليها .. يناديها باسمها .. يلتفت ولو لحظة لدموعها .. لكنه أبى حتى ان يمنحها نظرة
انكسرت لهفتها وسقطت دمعة حارة على وجنتها وهي تدرك ان الغربة بينهما اكبر من بعد المسافات .. غربة في القلب والذاكرة

جلست أم سطّام الى جانبه.. وربتت على حجرها .. سطّام مال رأسه حتى استقر على فخذها وتسللت اصابعها فوق شعره تمسح عليه بحنو
تنهد بعمق ثم خرج صوته واهنًا مليئًا بالخذلان:" أنا ما عاد أثق بأحد يمه كل واحد يقولي هرج على مصلحته "

ام سطام ارتجف قلبها وبصوت تخنقه العبرة :" روحي فداك علمني واسألني واكون ذاكرتك "

اغمض سطّام عينيه ..بدأ يروي لها بهمس :" عشت في السراة عند جلوان وحمدان وسلمى.. عالجوني يوم كنت بين الموت والحياة بس أخفو عني الحقيقية شهور ويوم كشفتهم وواجهتهم قالو زياد هو اللي غدرني وان أهل الديرة يظنون حمدان هو اللي ذبحني .. ما عاد أدري كل واحد له وجه وكل كلمة تجر غيرها أنا ضايع بينهم يمه "

رفع رأسه قليلًا ونظر اليها بعينين ممتلئتين حيرة وخوف:" قولي لي صحيح زياد هو اللي غدرني؟ ولا حمدان يوم نفيته رجع ينتقم وغدرني ويلبسون التهمة لزياد؟ "

ارتجفت أناملها وهي تمسح جبينه .. وفي قلبها غصة لا يطيقها صدر .. ابنها الذي كان جبلًا بين الرجال يجلس الان طفلًا ضائعًا بين روايات متناقضة يبحث عن خيط نجاة
تماسكت وابتلعت وجعها لتمنحه القوة.. همست: " اسمعني زيين .. "

*****

حل المساء على ديار السراة ..
الرجال الجالسين في حلقة عريضة..والحديث بينهم هادئ يغلب عليه الوقار فليلة العرس هذه مختلفة .. ليلة فرح يطل بخجل من بين ظلال الفقد..
جلوان في صدر المجلس والبسمة تتردد على شفتيه بوقار

اقترب العم جابر وجلس الى جواره بصمت يمسح على ذقنه بيده ثم مال عليه وهمس :" يا شيخ اريد أستأذنك بكره بمشي لديار بني طراد ومعي بنتي من يوم رحل سطّام وهي ما عاد تاكل ولا تنام "

اطرق جلوان رأسه لحظة .. ثم قال بهدوء :" لا تستعجل سطّام قال اذا استقر يرجع... "

العم جابر قاطعه بانفعال مكبوت:" ما عاد أقدر أصبر وأخاف بنتي تروح من يدي الهم أكل قلبها "

لم يجد جلوان ما يرد به فاكتفى بهزة رأس ثقيلة ..

مرت فترة قصيرة .. ضحكات الرجال تتناثر في المجلس
لكن ذهن جلوان ظل مشغولًا بكلام جابر.. أدار وجهه نحو رباع وطلبه بنظراته..
وحين اقترب مال عليه وقال بصوت خافت:" العم جابر ماشي لبني طراد أبيك تروح معه وتجيب لي الأخبار وتطمني على حمدان "

أومأ رباع برأسه وعينيه تلمعان بجديه :" أبشر يا شيخ ما يصير خاطرك الا طيب "

*

تقدم بخطوات متزنة بشته الأسود ينسدل على كتفيه وهيبته لا تفارقه .. كان قلبه يخفق بخفة غريبة يسأل نفسه: هل سيجد الراحة والطمأنينة هنا؟
وقف عند باب الخيمة ورفع طرف الستار بيده بتردد هادئ..

في الداخل .. كانت شادن تجلس بسكون يديها في حجرها ورأسها مطأطأ لم ترفع بصرها اليه .. مزيج من الحياء والخوف يعلو ملامحها ..

ظل جلوان واقف لحظة ينظر اليها بصمت .. ثم هزه شعور غريب .. كأنه يعود بالزمن الى تلك الأيام التي كان فيها صبيًا تركض خلفه شادن اينما ذهب ..
هل تشعر بالخوف الان !؟..
لاجديد لطالما كانت تخاف حتى من ظلها وهو يستمتع بخوفها واخافتها .. ويضحك
اشتاق للضحك معها .. بعيد عن المسؤوليات والهموم ..
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه وبدون مقدمات رفع صوته فجأة :" شادن العقرب "

قفزت شادن من مكانها برعب نسيت حياءها كله في لحظة .. عيناها تتفحصان اطراف الخيمة بارتباك .. يداها ترتجفان وهي تتلفت حولها تبحث عن العقرب
لكن ما لبثت ان سمعت صوته ينفجر ضاحكًا
رفعت بصرها اليه .. مزيج من الغضب والارتباك ارتسم على وجهها .. لكن ابتسامة صغيرة قاومت وتسللت الى محياها.. هل خُدعت بمظهر جلوان الكبير الشيخ الوقور؟
ها هو يعود امامها كما كان .. صبيًا لا يتغير يسخر من خوفها ويستمتع برؤيتها ترتبك

جلس قريبًا منها خفض صوته وهو يقول بنبرة تمزج الجد بالمزاح:" بعدك مثل ما كنتي تخافين حتى من ظلك "

اطرقت رأسها خجلًا ثم همست بصوت خافت :" وأنت بعدك مثل ما كنت تضحك على خوفي "

ابتسم جلوان ووضع يده برفق فوق يدها فسكنت بعد ارتجاف .. في تلك اللحظة تلاشت المسافة بينهما .. كرفيقين قديمين عاد بهما الزمن الى جنون الصبا

****

في هدوء الليل ..
اقتربت البتول من سطّام.. بخطوات مترددة بعد ان هدأت دموعها في حضن امها ..و اعادت ترتيب شجاعتها لتقف امامه من جديد..

كان سطّام جالس وحيد يرتب افكاره بعد حديثه مع امه
رفع رأسه ورآها مقبلة ..
فاضطربت انفاسه.. اغمض عينيه برهة محاولًا ان يلجم خفقان قلبه.. هل يحبها فعلًا مثلما قالت سلمى؟
لا يتذكرها ..!! ولا اي تفاصيل بينهما .. ولكن قلبه الذي يقفز عند رؤيتها والشعور الحارق لرغبة ضمها يتملكه بقوة
البتول توقفت امامه عيناها تتلألأان في ضوء المصابيح الخافتة .. ترتجف .. تحاول ان تبدي الشجاعة

شعر بكل ارتباكها .. بكل خوفها ..وكل شوقها الصامت ..
كل ذلك جعله يشعر بالرغبة القوية في ان يكون قريبًا منها .. ان يشعر بها .. حتى لو لم تسعفه الذاكرة بصورة واحدة تجمعهما
جلست يمينه وهمست :" ليه مانمت ؟"

سطّام ينظر امامه يخشى من نظرته اليها.. :" مابي نوم "

البتول بشجاعة وهي تخفي غصة قلبها :" اجل قوم اخذك لمكان تحبه بالحيل "

وافق سطّام وفي داخله شيء يلح عليه ان يتبعها دون نقاش.. خرج معها وكانت الديار غارقة في هدوء الليل
سارا جنبًا الى جنب لم يكن بينهما كلام ..
كان سطّام يرمقها من طرف عينه .. يراقب كيف تخفي ارتجافها وكيف تتألق عينيها تحت ضوء القمر .. فيما قلبه يزداد اضطرابًا كيف لا يعرفها وهو يشعر انها قطعة من روحه
همس بصوت منخفض ليبعد توتره :" الظاهر المكان بعيد ليه مامشينا بالخيل "

ابتسمت البتول ابتسامة حزينة وهي تخفي السر الذي تحمله بداخلها .. بطنها الصغير حياة جديدة بينهما .. لم تجرؤ على الإفصاح عنها بعد.. همست بخفوت:" احب امشي بالليل "

تتالت خطواتهم ومع كل خطوة كانت التلة تلوح في الأفق
وحين بلغوها ..
توقف سطّام جانبها يتأمل الامتداد الرحب من حوله .. والهواء البارد يلسع وجوههم
مدت البتول يدها بخفة وانزلت لثامها عن وجهها ثم التفتت اليه بابتسامة باهتة :" هذا مكانك الي عرفتني عليه وسميته تلة البتول "

تأملها سطّام طويلًا .. عيناه تتنقلان بين ملامحها والمرتفع الذي يقفان عليه .. قلبه اهتز بعاطفة جارفه وكأن شيئًا خفيًا يربطه بهذا المكان وهذه المرأة..
تنفس بعمق والريح تعبث بأطراف ثوبه :" ما أذكر لكن صدري ارتاح هنا كأنه عرف المكان "

اغرورقت عينا البتول بالدموع .. لكنها اصرت على الثبات وقالت بحسرة وقوة :" يمكن قلبك يتذكر أكثر من عقلك يكفيني انك تحس الذاكرة بترجع بس القلب لو ضاع ما يرجع "

اقترب خطوة متردد ثم رفع وجهها بيده ونظر في عينيها الدامعتين :" ماضاع واحس ان مقامك بقلبي كبير "

ارتمت على صدره دموعها تبلل ثوبه وبصوت مختنق :" مت بعدك يا سطّام متت وحييت ما صدقت موتك كنت أنتظرك كنت متأكدة انك بترجع أنت روحي ونفسي بهالحياة "

رفع ذراعيه ببطء ثم احتواها بين ساعديه بقوة .. مستمعًا الى نحيبها المتقطع

رفعت رأسها قبضت على يده برفق وبسطتها على بطنها قالت من بين دموعها :" هنا تعيش روح منك هنا ثمرة حبنا ياسطام تعبت انا وياه ننتظرك "

توقف قلبه لوهلة شعر بالدهشة تتسلل الى صدره يشعر باانتفاخ بطنها الصغير تحت كفه ..
رأسه يدور من الدهشة والفرح والخوف..
لكنه ما لبث ان شعر بموجة من الغضب تتسرب الى اعماقه.. غاضب من كل من أخفى عنه الحقيقة طوال شهور من كل من تركه يتيه في السراة ويبتعد عن أهله


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات