رواية عمر الراسني وياسمين الفصل الخامس عشر 15
لم تستوعب ياسمين الموقف فوضعت يدها على خصرها ورفعت بصرها بذهول، كان الدم قد سال من زاوية فم إياد، واكفهر وجهه الوسيم.
على الجانب الآخر، ارتسمت القسوة في نظرات سامي الجامحة، واندفع دون مقدمات ليمسك بياقة إياد صائحاً: "ما الذي تفعله معها؟ ألا تعرف هويتها؟ كيف تجرؤ على ذلك؟"
لم يعتد إياد على مثل هذه الإهانة، فرد له اللكمة على الفور.
"أرجو أن تلتزم الاحترام معي ومع الآنسة ياسمين!"
مرر سامي طرف لسانه على زاوية فمه، وأطلق ضحكة باردة، ثم اندفع نحوه مجدداً.
أ يحترم؟
ألم يكن المشهد قبل قليل مليئاً بالريبة؟
لقد احمرت أذنا إياد خجلاً!
عندما رأت ياسمين أن الشجار سيحتدم، تقدمت بوجه شاحب للغاية وصاحت: "سامي! توقف عن الجنون!"
توقف سامي حينها والتفت لينظر إلى ياسمين، ثم سخر منها بنظرة ذات مغزى: "إذن، أنتِ راضية بذلك؟"
لوى شفتيه ساخراً: "كان عليكِ قول ذلك مبكراً، يا ياسمين، ما شاء الله عليكِ، حتى القريبون تنالين منهم وتستمتعين، ألا تخشين أن يتبادل زوجكِ المحترم وصديقه هذا سرّاً ويتلذذا بتذكّر ما جرى بينكما..."
امتقع وجه ياسمين في تلك اللحظة، وارتجفت أسنانها، غير مصدقة أن سامي قد يتفوه بمثل هذا الكلام.
بام!
وجه إليه إياد لكمة مباغتة: "سامي، كف عن إهانة الناس!"
ربما شعر سامي بالألم، فعقد حاجبيه، وبينما كان يهم بالانفجار غضباً، تناهى إلى مسامعهم صوت صفارات الإنذار يقترب شيئاً فشيئاً—
عندما جلست ياسمين في مركز الشرطة، شعرت بصداع يكاد يفجر رأسها بسبب هذا الموقف الفوضوي، وازداد وجهها بروداً.
لم تكن طباع سامي سهلة أبداً، وربما أساء فهم الموقف في تلك اللحظة، وتصرف بدافع غريزة الحماية القديمة تجاهها، لكن الكلمات التي قالها لاحقاً... كان يهينها بكل استخفاف، مما جعل ياسمين تشعر بالاختناق والسخرية في آن واحد!
تم تدوين الإفادات، لكن كان لا بد من حضور شخص للتوقيع على الكفالة.
هرعت نور إلى المكان وارتمت في أحضان سامي وعيناها محمرّتان، تتحسس بأسى زاوية فمه المجروحة: "ماذا حدث؟ كيف انتهى بك الأمر في شجار؟"
ضمها سامي إلى صدره، واستعاد لا مبالاته المعهودة: "لا شيء يستحق الذكر."
شعرت نور بالغضب والقلق، وجالت ببصرها في المكان لتلمح إياد المصاب أيضاً، وياسمين التي تجلس في الخلف بملامح باردة.
احمرت عينا نور فوراً وصاحت بحنق: "ياسمين، أنتِ هنا أيضاً؟ لماذا لم تمنعي أخاكِ عما حدث؟ ما القصة بالضبط؟"
كانت تعرف إياد، لكنها لم تستوعب الموقف، ففي دائرتهم الاجتماعية، حتى لو كانت العلاقات فاترة، لا تصل الأمور إلى حد الشجار العلني!
نظرت إليها ياسمين دون أي تعبير، لم تكن في حالة تسمح لها بالتعامل مع نور الآن.
مشت ياسمين نحو إياد، وسألته وهي تطبق شفتيها: "هل اتصلت بأحد ليأتي؟"
لاحظ إياد حالتها النفسية السيئة رغم هدوئها الظاهر، فتنحنح بخفة قائلاً: "أجل، سيصل فارس بعد قليل."
أومأت ياسمين برأسها.
ترددت للحظة ثم قالت: "أعتذر."
مهما كان الأمر، فلها يد فيما حدث، وسامي لم يلجأ للعنف إلا بسببها. ورغم توتر علاقتها بسامي حالياً، إلا أن عادات الطفولة لا تتغير بين ليلة وضاحاها، فتدخله عندما رآها في وضع مريب كان نابعاً من غريزته، وليس بنية سيئة، مما أدى إلى هذا الموقف المحرج للغاية.
نظر إياد إليها نظرة عميقة ثم هزّ رأسه: "لا شأن لكِ بالأمر."
وفكر في نفسه أن سامي، ما دام أخاً لياسمين، فمن الطبيعي أن يكون أكثر حساسية.
في تلك اللحظة كان سامي قد هدّأ نور، فتقدم وهو يُدخل يده في جيبه وأطلق زفرة قصيرة، وكأنه استعاد وعيه وشعر بالحرج: "السيد إياد، الأمر كان سوء فهم، أرجو ألا تكون قد تأذيت. ما رأيك أن نتعشى يوماً ما؟ وسأعتذر لك كما ينبغي."
لم يكن إياد ممن يفتشون عن المشاكل، ثم إن أهل الأعمال يعرفون أن لا بد من ترك هامش يحفظ الود، فأجاب بهدوء: "يكفي أن تتضح المسألة، لقد أسأت الفهم فعلاً يا سيد سامي، والآنسة ياسمين وأنا... لسنا مقربين."
لم يكن يريد أن يورط ياسمين في أي حرج.
رمقه سامي بنظرة تحمل نصف ابتسامة: "هذا صحيح، ياسمين مخلصة لزوجها إخلاصاً أعمى، لم يبقَ إلا أن تخدم عشيقته في النفاس، يبدو أنني بالغت في القلق."
كانت عبارة قاسية... جارحة على نحو فاضح، كأنها تقول علناً إن ياسمين لا كرامة لها ولا حدود في الحب.
شحب لون شفتي ياسمين، لكنها لم تكن تملك طاقة لتجادل أو تشرح من جديد.
حتى إياد عقد حاجبيه، وكاد يقول شيئاً، لكنه لم يجد رداً جاهزاً، فالجميع كان يرى، على مدى السنوات الماضية، كم كانت ياسمين متسامحة مع عمر، وكم قدمت له، وكان فارس يصفها غير مرة بأنها تتذلل لعمر وتلاحقه بلا كرامة.
أما نور، فبدت أنها لا تعرف ما يدور، فلم تستطع كتمان فضولها وسألت: "ماذا تقصد؟ هل زوج ياسمين على علاقة بامرأة أخرى؟"
ثم نظرت إلى ياسمين بعينين ممتلئتين شفقة، وانفلت لسانها أكثر مما ينبغي: "حتى لا يحاول أن يخفي عنكِ؟ إذن هو لا يعاملكِ كزوجة أصلاً، لا عجب أنكِ لم تنجبي... هل لأنه لا يريد أصلاً...؟"
تجمدت ياسمين لحظة، ولم تعرف كيف تشرح، لكن لحسن الحظ، باتت قادرة على سماع مثل هذه الكلمات ببرود، فهي في النهاية حقيقة، ثم إنها طلّقت، ولم يعد لديها ما يدفعها لمحاسبة أحد، إلا أن...
مرت أصابعها بخفة على أسفل بطنها دون أن يشعر أحد، كان الجميع يشك في كونها لم تُنجب طوال سنوات زواجها، وكأنهم يذكرونها مرة بعد مرة... باحتمال أن تكون قد فقدت قدرتها على الإنجاب بسبب العلاج.
التفتت نور إلى سامي، وتدللت: "سامي، أنت بالتأكيد ستحبني وحدي طوال حياتك، وحتى بعد الزواج ستظل وفياً لي، أليس كذلك؟ أريد منك وعداً!"
ألقى سامي بنظرة خاطفة من طرف عينه على ياسمين، التي كانت مطرقة الرأس لا يُعرف بماذا تفكر، ثم ضحك وقال: "بالطبع، أنتِ مختلفة عن غيركِ."
لم تكن ياسمين تريد أن تهتم بما بين سامي ونور من مودة، ذلك شأنهما، أما هي فلم تكن تريد سوى أن ينتهي ما يحدث هنا بأسرع وقت.
.
رفعت رأسها لتسأل عن شيء، لكن قبل أن تنطق، دوى عند المدخل صوت سيارة، وترافق معه صوت تحية يقول: "السيد عمر، سامحنا على هذه الفوضى ومع ذلك اضطررنا أن نتعبك وتأتي بنفسك."
التفتت ياسمين بدهشة، ودخلت إلى مجال رؤيتها هيئتان من الخارج، إحداهما أطول من الأخرى، وكانا يبدوان متناسقين على نحو لافت، وعندما رأت ليلى أن ياسمين موجودة أيضاً، عقدت حاجبيها بخفة.
أما عمر، فمرّت عيناه السوداوان بفتور على المكان، وحين استقرّ نظره على ياسمين، بدا وكأنه توقّف لثوانٍ—
حدق عمر في ياسمين للحظات وكأنه يعيد ترتيب أفكاره ويحلل الموقف، قبل أن يشيح بنظره عنها ببرود، ليوجه بصره في النهاية نحو إياد وسامي.
ومع ذلك، شعرت ياسمين بنبرة من الغرابة والارتباك في نظرته تلك لم تستطع تفسيرها.
"ما الذي جاء بكم إلى هنا؟" سأل إياد بدهشة.
أوضحت ليلى قائلة: "اتصل بنا فارس فجأة ليخبرنا بأن لديه أمراً طارئاً، وطلب منا الحضور مكانه، ما الذي يحدث هنا حقاً؟"
بدت نبرتها تحمل شيئاً من الانزعاج، فما الذي يفعله ياسمين هنا؟ لقد تكررت لقاءاتهما مؤخراً بشكل لافت، والأدهى من ذلك أن ياسمين بدت وكأنها تتسلل إلى دائرتهم الخاصة بهدوء ودون ضجيج.
شعر إياد بضيق طفيف، لم يتوقع أن تسير الأمور بهذا الشكل، وبدا له أن فارس لم يكن يعتمد عليه أبداً في مثل هذه المواقف!
دخل عمر بخطواته الواثقة، وسأل بجبين مقطب: "سيد سامي؟ ما القصة بينكم؟"
قطب إياد حاجبيه، فكيف يمكنه شرح الأمر؟ هل يخبره أن الشجار وقع بسبب ياسمين؟ ألن يفتح ذلك باباً للظنون؟
لمعت في عيني سامي مشاعر غامضة وهو يضم نور إلى جانبه، وقال بنبرة مستهترة: "مجرد سوء تفاهم بسيط، احتكاك لم يكن مقصوداً، لا تشغل بالك."
أدرك عمر أن سامي لا ينوي الخوض في التفاصيل، فقال بجمود لم يظهر أي انفعال: "حسناً، هذا جيد."
ولم يكلف نفسه عناء السؤال أكثر من ذلك.
لم تتفاجأ ياسمين بموقفه، فهي تعلم أن هناك الكثير من الأشخاص والأمور التي قد يهتم بها عمر، لكنها بالتأكيد ليست واحدة منهم.
ومن الواضح أن سامي لاحظ هو الآخر موقف عمر تجاهها، فرمق ياسمين بنظرة ساخرة تحمل في طياتها شماتة، فأن يتم تجاهلها هكذا أمام ليلى أمر محرج للغاية!
قالت نور مودعة ليلى: "سأخذ سامي لتضميد جرحه أولاً، نلتقي لاحقاً يا ليلى."
أومأت ليلى بالموافقة، بينما انصرف سامي دون أن يلتفت خلفه، وكان يضم نور إليه ويلاطفها وهو يبتعد بخيلاء.
نظرت ياسمين نحو أثرهما ثم قالت: "بما أن المشكلة حُلّت، سأرحل أنا أيضاً."
في تلك الأثناء، أخرجت ليلى من حقيبتها منديلاً ورقياً ومدته لإياد قائلة: "امسح هذا، زاوية فمك تنزف."
تناوله إياد قائلاً: "لا بأس، جرح بسيط."
نظر عمر إلى ساعته وقال: "فلنتحدث بالخارج."
لم يعترض الاثنان، وتبعتاهم ياسمين في الخلف وكأنها غريبة تماماً عنهم.
عندما وصلوا إلى السيارة، رمق عمر ياسمين بنظرة عابرة وقال بهدوء: "سأقوم بتوصيل ليلى إلى الشركة بعد قليل."
ثم صمت لحظة قبل أن يوجه كلامه لياسمين: "وأنتِ، إلى أين وجهتكِ؟"
فهمت ياسمين تلميحه فوراً، وردت بهدوء وثبات: "سأستقل سيارة أجرة."
كان عمر قد قرر بالفعل توصيل ليلى، ولكنه وجد نفسه مضطراً لسؤال ياسمين لوجودها في المكان، وقد عرفت هي أنه ينتظر منها أن تقول إنها ستذهب بمفردها، حتى لا يضعهما في موقف محرج.
مال إياد بجسده قليلاً، وشعر للحظة أن ترك ياسمين تذهب وحدها ليس تصرفاً لائقاً، لكنه رأى أيضاً أن توصيله لها قد يكون أغرب، ففي النهاية عمر هو زوجها.
لم تبالِ ياسمين بما يدور في رؤوسهم، بل خفضت رأسها لتطلب سيارة عبر تطبيق الهاتف.
في هذه الأثناء، رن هاتف عمر.
رأى أنها الجدة، فأجاب: "أهلاً يا جدتي، هل تأمرين بشيء؟"
قالت الجدة: "انتهيت من عملك، أليس كذلك؟ خذ ياسمين معك وعودا إلى منزلكما. أنا هنا اليوم، وقد سألت حليمة وعرفت أنكما لا تعودان للمنزل إلا نادراً، البيت بارد والمطبخ مهجور، ما هذا الحال؟!"
لو لم تأتِ الجدة بنفسها، لما عرفت أن هذين الاثنين لا يريدان العودة إلى بيتهما!
أغلق عمر فداحته وعبث بها قليلاً وهو يرد بدبلوماسية: "العمل كثير هذه الأيام."
"وهل يعني العمل أن تهمل حياتك؟ كفاك مراوغة، اذهب واستقبل ياسمين من عملها و..."
قالت ياسمين وهي ترى أن طلبها قد قُبل: "لقد طلبت سيارة، سأرحل الآن." رفعت رأسها وودعتهم ببرود وهي تستعد للمغادرة.
سمعت الجدة صوت ياسمين من الطرف الآخر وقالت بسرعة: "أليست معك الآن؟ حسناً، أحضرها معك فوراً."
ظل تعبير عمر جامداً وهو يلتفت نحو ياسمين قائلاً: "جدتي تطلب منكِ العودة إلى بيت الزوجية."
قطبت ياسمين حاجبيها ونظرت إلى شاشة هاتفه التي لا تزال تظهر مكالمة قيد التنفيذ.
أرادت الرفض، لكن ليلى كانت واقفة هناك، هل تعترض الجدة وتخبر الجدة أن ليلى موجودة وأن عمر يريد توصيلها هي؟
لكن الجدة كانت تلح بصرامة على عمر ليعود بها.
وقبل أن تتردد ياسمين في الرد، كانت الجدة قد أغلقت الخط.
نظرت ياسمين إلى عمر، فمع مدى تقديره لليلى، هل سيتركها حقاً؟
في تلك اللحظة، لم يتغير تعبير ليلى ولم يظهر عليها أي استياء، بل نظرت إلى عمر وقالت: "سأذهب أنا مع إياد إلى الشركة، فصحة الجدة أهم، اذهب أنت واطمئن عليها."
جاءت نبرتها في غاية اللباقة وسعة الصدر، حتى بدت تماماً كحديث زوجين يتشاوران ويتفاهمان، ومن دون أي ضيق، تركت لها الفرصة ومنحتها لياسمين.
كان ذاك هدوءاً صنعته ثقة راسخة.
ثقةٌ مصدرها ذلك التحيز الفريد الذي يكنّه عمر له وحده.
أطرقت ياسمين برأسها بابتسامة ساخرة خفية.
منذ متى أصبحت حقوقها كزوجة شرعية تُمنح لها كصدقة من امرأة أخرى؟
قررت ألا تتدخل في هذه المهزلة وقررت الذهاب وحدها.
رفعت عينيها لتتحدث، لكن عمر كان قد استدار نحوها وسبقها بالرفض القاطع: "بما أنكِ طلبتِ سيارة بالفعل، فاستقليها وعودي إلى البيت، لا داعي للتعقيد، هل هناك مشكلة؟"
اتخذ قراره دون أدنى ذرة من التردد.
أدركت ياسمين أن سيارته ليست ضيقة لتسعهما، ولم يكن عاجزاً عن توصيل ليلى أولاً ثم أخذها، لكنه ببساطة لم يُرد لها أن تُفسد عليهما مزاجهما وأجواءهما.
ولا يريدها أن تتدخل فتقطع عليهما اللحظة.
ولم تُفاجأ، فأجابت بهدوء: "نعم."
رمقها إياد بنظرة خاطفة، وشعر لأول مرة وهو يراقب الموقف من الخارج بشعور من الاختناق لا يوصف، فكيف هو حال ياسمين نفسها؟
ولكن مهما راقب، لم يجد في ياسمين أي أثر لغضب أو رغبة في افتعال مشكلة.
كان هدوؤها مريباً.
في مثل هذا الموقف، كان من الطبيعي لأي امرأة أن تثور أو تصرخ أو تفقد أعصابها دفاعاً عن كرامتها، لكن ياسمين كانت هادئة فوق الحد—
لم تعد ياسمين تهتم بترتيباتهم، فقد وصلت سيارتها، انصرفت دون أن تلتفت لأي منهم.
وعندما ركبت السيارة، نظر إياد إلى عمر مرة أخرى، الذي سحب نظره ببرود عن أثر سيارة ياسمين وكأنه لا يهتم بقرارها، ثم انحنى بكل رقي وفتح باب السيارة لليلى...
في تلك الثانية، أدرك إياد تماماً لماذا وصلت ياسمين إلى هذه الحالة، فأي مشاعر سلبية لا تجد صدى أو اهتماماً، تنطفئ في النهاية ويحل محلها العجز واللامبالاة.
2
عندما عادت ياسمين إلى بيت الزوجية، كانت الجدة توجه العمة حليمة لإعداد الحساء.
تناهى إلى الأسماع صوت غليان القدر الفخاري من المطبخ، وانتشرت رائحة شهية في الأرجاء.
رأت الجدة ياسمين تدخل، فاستقبلتها بحنان قائلة: "لماذا أنتِ وحدكِ؟ أين عمر؟ هل يوقف السيارة بالخارج؟"
أجابت ياسمين بهدوء: "لديه بعض الأشغال، فسبقته أنا بالمجيء."
عبس وجه الجدة على الفور وقالت: "أي أمر جلل هذا الذي يؤخره حتى بعد انتهاء دوام العمل!"
اكتفت ياسمين بابتسامة صامتة ولم تقدم أي تفسير.
"هل العمل شاغلكم إلى هذا الحد مؤخراً؟" طلبت الجدة من العمة حليمة أن تسكب كوباً من عصير الخوخ، ثم أردفت: "تقول حليمة إنكِ وعمر نادراً ما تأتيان إلى هنا، ما الخطب؟"
ترددت ياسمين في الكلام هذه المرة وبدت كمن يود البوح بشيء ثم يتراجع.
كان من الواضح أن الجدة لا تعلم شيئاً، وظنت أنهما مشغولان بالعمل، فنظرت إليها بعين القلق والشفقة.
شعرت ياسمين بشيء من العجز والاستياء، فهي لا تدري ما الذي يخطط له عمر، وإن لم يتحدث هو، فكيف لها أن تصيغ الكلمات؟
فكرت قليلاً ثم أجابت: "إنها نهاية العام، ولا يمكننا الانفكاك من التزامات المشاريع."
تربّت الجدة على ساقها وقالت: "صحتكِ هي الأهم، وعليكِ أن تعملي بقدر استطاعتكِ، لقد قررتُ أن أجعلهم يعدون لكِ الحساء المقوّي والأعشاب المفيدة خلال هذه الفترة، أنتِ دائماً تقولين إنكِ بخير، لكني أرى أن نشاطكِ ليس على ما يرام، صحة المرأة ودمها هما الأساس، فابدئي بتناول الوصفات المقوية للدم، فهي مفيدة في كل الأحوال."
كانت ياسمين تدرك أن الجدة تحبها بصدق، فلم يطاوعها قلبها لرفض لطفها.
ثم قالت الجدة باستياء مجدداً: "وعمر، لم يعد حقاً الآن! ياسمين، اتصلي به واستعجليه، هذا تصرف غير مقبول!"
فكرت ياسمين قليلاً ثم هدّأت من روعها قائلة: "لا بأس يا جدتي، لنبدأ بالأكل، فربما يقود السيارة والرد على الهاتف ليس آمناً."
اختلقت ياسمين عذراً، خشية أن تتصل به فتجيب ليلى على الهاتف.
لم تصرّ الجدة على رأيها.
وظنت ياسمين أن الاحتمال الأكبر هو عدم عودة عمر إلى المنزل الليلة، لكن ما إن وُضِع الطعام على المائدة حتى دخل بخطواته الواثقة.
رفعت ياسمين رأسها، رمقته بنظرة عابرة ثم شاحت بنظرها بعيداً.
وبدأت تفكر في الموعد الذي ستغادر فيه الجدة الليلة لترحل هي الأخرى.
رأت الجدة عمر يعود في موعد العشاء تماماً، فهدأت ملامحها قليلاً وتلاشت حدة غضبها.
أثناء تناول الطعام، خطرت للجدة فكرة فجائية فقالت: "ما رأيكم أن نلتقط صورة عائلية هذا العام؟"
توقفت يد ياسمين وهي تهمّ بالإمساك بكوب الماء.
بجانبها، وضع عمر الكوب بهدوء عند طرف يدها، ثم قال بنبرة فاترة ورزينة: "لقد التقطنا واحدة في العام الأول، لا داعي لتكرار الأمر."
نظرت ياسمين إلى الكوب بجانب يدها، ولم تتحرك في أعماقها أي ذرة من المشاعر.
ربما في الماضي كان قلبها ليخفق لمثل هذه اللفتة، لكنها الآن، بعدما استفاقت من أوهامها، أدركت فجأة حقيقة الأمر.
النساء يملن فعلاً إلى العاطفة، فحتى لو كانت تصرفات الطرف الآخر بسيطة ونابعة من مجرد الذوق العام، يضعن عليها فلتر الحب ليخدعن أنفسهن.
أما بشأن الصورة العائلية، فقد رفضها.
لم تتفاجأ ياسمين، بل رأت هي الأخرى أنه لا داعي لها، خاصة وأن عمر رفضها غالباً لأنه يضع في حسبانه طلاقهما الوشيك.
رأت الجدة البرود في عيني عمر الجميلتين، وأدركت أنه لا مجال للنقاش معه، ثم نظرت إلى ياسمين ووجدتها هي الأخرى غير مهتمة، فلم يسعها إلا التنهد.
"إذاً لم يكن لديكما وقت الآن، فلنؤجل الأمر."
سكتت الجدة قليلاً، ثم وقع نظرها على يد ياسمين وقالت: "يا صغيرتي، أين خاتم زواجكِ؟"
كانت قد لاحظت منذ فترة أن ياسمين لا ترتديه، لكنها لم تعر الأمر اهتماماً حينها، أما الآن وقد رأت يدها مجردة منه مجدداً، كان لزاماً عليها أن تسأل.
في تلك اللحظة، التفت عمر قليلاً ونظر هو الآخر إلى يد ياسمين الطويلة والبيضاء.
قالت ياسمين بكل هدوء: "ارتداؤه يضايقني أثناء العمل."
في الحقيقة، عندما أرسلت اتفاقية الطلاق إلى عمر، وضعت خاتم الزواج بداخلها.
ولا تدري ماذا فعل به.
ربما طلب من مساعده كريم التصرف فيه.
علاوة على ذلك، منذ يوم زفافهما، كانت هي الوحيدة التي ترتدي الخاتم، بينما لم يرتدِ عمر خاتمه لمرة واحدة، وظل يظهر للناس دائماً بمظهر الرجل الأعزب.
لقد استمرت مسرحيتها الفردية لوقت طويل حقاً.
بالنسبة للجدة، كيف يمكن لخاتم أن يضايق أحداً؟
نظرت فوراً إلى أصابع عمر الخالية هي الأخرى، وفهمت أن برود قلب ياسمين لم يكن وليد اليوم.
رمقت الجدة عمر بنظرة حادة، وأومأت له بعينيها ليقول شيئاً، فكلمة طيبة أو تطييب خاطر خير من هذا التجاهل التام.
لاحظ عمر إشارات الجدة، لكنه تظاهر بعدم الفهم، ولم يسأل ياسمين عن سبب خلعها للخاتم، بل وضع قطعة من الروبيان في طبق الجدة وقال: "لماذا تغمزين بعينكِ هكذا يا جدتي؟ هل تريدين مني أن أقشرها لكِ؟"
لقد كان بارعاً في تغيير مجرى الحديث، ولم تكن لديه أدنى نية ليكون قدوة ويرتدي خاتمه.
استشاطت الجدة غضباً، وفتحت فمها لتقول شيئاً ثم سكتت بقلة حيلة، وقررت ألا تتدخل أكثر من ذلك.
تظاهرت ياسمين بأنها لم تلحظ شيئاً وتابعت طعامها بصمت.
كانت تدرك أكثر من أي شخص آخر أنه لو أراد عمر ارتداء الخاتم لما امتنع عن ذلك لثلاث سنوات كاملة، بل لعل الخاتم قد ضاع منه في مكان ما ولا يذكر مكانه حتى.
ظنت ياسمين أن الجدة ستغادر لاحقاً، لكنها فوجئت بها تقرر المبيت في غرفة الضيوف.
لم يجد اليأس نفعاً، فاضطرت للصعود إلى الطابق العلوي.
عندما دخلت الغرفة، وجدت عمر جالساً على أريكة التاتامي وهو يراسل أحدهم على هاتفه.
كان عليها أن تمر من أمامه لتصل إلى وجهتها، وما إن استشعر اقترابها حتى قلب شاشة هاتفه للأسفل.
3
خمنت ياسمين أنه يتحدث مع ليلى، وأن هناك تفاصيل لا يودّ أن تراها، لكنها لم تكترث، وتجاوزته لتبحث عن الشاحن.
كان يومها حافلاً وطويلاً، وقد فرغت بطارية هاتفها وانطفأ قبل أن تسنح لها فرصة شحنه.
بينما كانت تجلس على طرف السرير تشحن الهاتف، مدّ عمر ساقيه الطويلتين وسألها بنبرة عارضة: "هل أرسل لكِ الصور والفيديو؟"
رفعت ياسمين رأسها وعلى وجهها علامات الحيرة: "ماذا؟"
عندما رأى تعبيرها التائه، توقف عن إشعال سيجارته وأعاد القداحة إلى جيبه: "الصور التي التقطتها لنا الجدة في المرة السابقة."
تذكرت ياسمين الأمر حينها.
كانت الجدة قد طلبت منه إرسالها لها، لكن لم يحدث شيء بعد ذلك.
انتابتها الدهشة، هل لا يزال عمر يحتفظ بتلك الصور؟
لكن سرعان ما خطر ببالها أمر آخر، محادثته مع ليلى قبل قليل، وحقيقة أن ليلى هي من أجابت على هاتفه سابقاً، ألا يعني هذا أن ليلى، كحبيبة، تراقب هاتفه وتفتشه؟
ربما خشي عمر أن تقع عينا ليلى على تلك الصور.
فضلاً عن ذلك، لم تعد تلك الصور تعني لياسمين شيئاً، فما حاجتها بصورة تجمعهما وهما على أعتاب الطلاق؟
وحين خطرت لها هذه الفكرة، لم تتردد، فرفضت بهدوء قائلة: "لا داعي لذلك، احذفها."
تدرك ياسمين أن اهتمام عمر بالأمر لم يكن إلا مراعاةً لخاطر الجدة الراسخ، ولكن بما أن علاقتهما تتجه نحو الطلاق، فلا داعي للتمثيل في الخفاء.
أما بخصوص حذف تلك الصور، فذلك تجنباً لشغل مساحة الذاكرة، وحتى لا تراها ليلى وتسيء الفهم.
توقفت عينا عمر السوداوان الباردتان على وجهها لثوانٍ، وكأنه غارق في التفكير.
ثم ضحك بخفة قائلاً: "حسناً، كما تشائين."
استدار ودخل إلى الحمام.
لم يبدُ عليه أي رغبة في الإصرار.
وربما كان هذا ما يتمناه في قرارة نفسه.
لم تكترث ياسمين بتخمين أفكار عمر، بل فركت ما بين حاجبيها بانزعاج.
كان مبيت الجدة هنا أمراً غير متوقع بالمرة، ويبدو أنها تخطط للبقاء لبضعة أيام.
ولا يمكن لياسمين أن تستمر في المجيء إلى هنا طوال الوقت.
جلست ياسمين على حافة السرير تنتظر انتهاء عمر من الاستحمام.
وانتهزت الفرصة لترتيب خطة المشروع.
خرج عمر وشعره نصف جاف، وكان ينظر إلى هاتفه وهو يمشي.
توقفت ياسمين للحظة، فهي في الحقيقة لم تكن تفهم ما إذا كان العشاق يتصرفون هكذا دائماً.
وكأنهم لا يطيقون صبراً عن إبلاغ الطرف الآخر بكل شاردة وواردة ومشاركته كل لحظة، حتى أنه يأخذ هاتفه معه أثناء الاستحمام.
هل لأنه لا يريد تفويت أي رسالة من الطرف الآخر، أم لأنه يخشى أن تلمح هي شيئاً ما إذا ترك الهاتف بالخارج؟
كانت نظرات ياسمين فاترة، وتجاهلت تماماً انشغال عمر الكامل بهاتفه، وقالت بنبرة هادئة: "يبدو أن الجدة ستبقى لعدة أيام أخرى، لذا لن أعود في الأيام القادمة، وسأخبرها أنني ذاهبة في رحلة عمل."
رأت أن هذه فكرة سديدة.
وبهذه الطريقة لن يذهب تفكير الجدة بعيداً.
خاصة وأن نهاية العام قد اقتربت.
خمنت أن عمر ينوي ترك الجدة تقضي العيد بسلام واطمئنان قبل أن يصارحها بالحقيقة.
وهي تتفهم ذلك جيداً.
مشى عمر إلى جانب السرير، ولا يُعرف ما الرسالة التي وصلته، لكن زاوية شفتيه الدقيقتين ارتفعت بابتسامة خفيفة، وبعد أن رد على الطرف الآخر، رفع رأسه ونظر إليها بلامبالاة.
"رحلة عمل؟"
يبدو أنه لم يسمع كلامها كاملاً.
فمن الواضح أن انتباهه كان مشتتاً بشكل كبير بسبب الهاتف.
كانت ياسمين تدرك الوضع تماماً، لكن مشاعرها لم تتحرك قيد أنملة.
لم تقل سوى بهدوء: "نعم."
ورغم علمها أنه ربما لم يستوعب قصدها جيداً، إلا أنها لم تملك الطاقة لإعادة الشرح.
قال عمر بصوت هادئ وبطيء لا ينم عن أي مشاعر: "رتبي الأمر كما يحلو لكِ"، ثم صعد إلى السرير.
استند إلى ظهر السرير ونظر إلى ياسمين مجدداً: "هل أطفئ النور؟"
لم تشعر ياسمين بأي حرج، فبما أن الأمور وصلت إلى هذا الحد، فما عليها سوى التعامل بهدوء.
استلقت على أقصى طرف السرير وقالت: "حسناً."
حينها فقط، نظر عمر بطرف عينه إلى ظهر المرأة التي كانت توليه ظهرها، حيث كانت عظامها تبرز بشكل خافت تحت قميصها القطني الرقيق، مما جعلها تبدو نحيلة للغاية.
ضيق عينيه قليلاً.
ولمعت فكرة ما في ذهنه لتلك اللحظة.
طنين—
اهتز الهاتف مرة أخرى، فأزاح نظره عنها، وطرد تلك الشكوك العابرة من رأسه.
أطفأ النور ونام.
نامت ياسمين تلك الليلة بسلام، ولم تتأثر بوجود الشخص الذي خلفها.
عندما استيقظت، كان عمر قد غادر الغرفة بالفعل.
بعد أن اغتسلت ونزلت إلى الطابق السفلي، وجدته قد عاد من التمارين الرياضية وارتدى ملابسه وجلس بكامل أناقته عند طاولة الطعام.
كانت الجدة قد أحضرت معها الكثير من المكملات الغذائية الفاخرة، بالإضافة إلى العديد من أكياس الدواء العشبي المُعد مسبقاً، ووضعتها جميعاً في الثلاجة.
بمجرد نزول ياسمين، قدمت لها الجدة الدواء بعد تدفئته قائلة: "كيس واحد صباحاً وآخر مساءً، هذا الدواء ممتاز لتقوية الدم والجسم، عليكِ الالتزام بتناوله في وقته، هل فهمتِ؟ إن قلبي يعتصر ألماً لرؤية وجهكِ الشاحب هكذا."
كانت تود لو ترسل ياسمين إلى المستشفى لإجراء فحص شامل للجسم.
لكن ياسمين كانت مشغولة للغاية ولا تجد وقتاً للراحة.
"شكراً لكِ يا جدتي."
تناولت ياسمين الدواء وشربته دفعة واحدة.
انتشر الطعم المر في فمها بقوة، لكن نظراً لكثرة الأدوية التي تتناولها والتي تملأ المنزل وحقيبتها، فقد أصبحت قادرة على تجرع المرارة دون أن يرف لها جفن.
استثناء وحيد.
كانت شهيتها ضعيفة في الآونة الأخيرة، وأي تحفيز بسيط لبراعم التذوق لديها كان يسبب لها الغثيان بسهولة.
تحت نظرات العجوز القلقة، قمعت شعورها بالغثيان بصعوبة، ووجهها شاحب.
"يا عمر، أحضر بعض الحلوى لياسمين لتخفيف المرارة"، أمرت الجدة الراسي على الفور.
نظر عمر إليها حينها، ولم يرفض هذه المرة، لكنه لم يحضر الحلوى، بل أمر العمة حليمة قائلاً: "في الثلاجة المستقلة بالمطبخ، يوجد برقوق مُجفّف حامض يخص زوجتي، أحضري علبة منه."
ذهبت العمة حليمة على الفور وأحضرته ووضعته على الطاولة.
وقعت أنظار ياسمين على البرقوق المجفف.
كانت تفضل المذاق الحامض والحلو، ونادراً ما تتناول الوجبات الخفيفة في الأيام العادية، لكنها كانت تشتري أحياناً بعض الفواكه المجففة كاستثناء وحيد، وتحفظها في الثلاجة الصغيرة بالمطبخ.
لم تتوقع أن عمر يعرف ذلك.
لكن، لم يعد هذا مهماً الآن.
ترددت للحظة، ثم جلست هناك.
عندما رأت الجدة الراسي هذا الجو، ظهرت ابتسامة ارتياح على وجهها أخيراً، فعلى الأقل لم يكن الوضع متوتراً، فالمشاعر يمكن تنميتها بمرور الوقت!
كانت قد جاءت بالأمس بسيارة أجرة، مما أدى إلى ترتيب عودة ياسمين مرة أخرى في سيارة
عمر.
واليوم كان هناك سائق يقود السيارة.
جلست ياسمين في المقعد الخلفي وفتحت الملفات التي أرسلها لها الدكتور حازم قبل يومين، وبدأت في القراءة وتدوين الملاحظات.
لم تكن لديها أي نية للتواصل مع عمر الجالس بجانبها.
لم يختلف نمط تعاملهم طوال تلك السنوات عما هو عليه الآن.
الفرق الوحيد ربما هو أنها توقفت عن محاولة استرضائه بلا طائل.
فبدت هادئة.
ومن الواضح أن عمر لم تكن لديه رغبة في الحديث معها أيضاً، لكنه لمح بالصدفة فقرة على شاشة ياسمين.
"أتقرئين هذا النوع من المراجع الأكاديمية؟"
سأل فجأة دون سابق إنذار.
عقدت ياسمين حاجبيها الجميلين في لحظة، وقلبت شاشة الهاتف لأسفل فوراً: "كم رأيت؟"
ظهرت في عينيها نظرة باردة كالصقيع.
كان هناك انزعاج واستياء.
من وجهة نظر ياسمين، لا ينبغي التحديق في خصوصيات الآخرين عندما ينظرون إلى هواتفهم أو أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم، فهذا غير مهذب وغير لائق.
كان عمر قد قال سابقاً إنه لا يسمح لها بلمس هاتفه أو جهاز الكمبيوتر الخاص به، وقد التزمت هي بحدودها وابتعدت عنهما لاحقاً.
ظنت أنه يفهم هذا المبدأ أيضاً.
عند رؤية تعبير ياسمين البارد الذي يخفي ضيقاً، ضيق عمر عينيه فجأة وأجاب بصدق: "لم أرَ شيئاً، رأيت فقط مصطلحات مهنية متعلقة بالذكاء الاصطناعي."
فكرت ياسمين قليلاً، ورجحت أن يكون الأمر كذلك.
فالخط في ملاحظاتها كان صغيراً جداً، ولا يمكن رؤيته بوضوح من مسافة معينة.
"همم"، لم يعد لديها مزاج للمتابعة، فأغلقت الهاتف.
"هذا كل شيء؟"
أسند عمر صدغه على قبضته، وثبت نظره عليها، محدقاً بها بحضور قوي.
"ماذا؟" لم تفهم ياسمين ما يعنيه.
نظر عمر إلى وجه المرأة الذي أصبح هادئاً تماماً، فحق استياؤها قبل قليل كان مكبوتاً، دون غضب أو كلمات حادة.
متجاهلاً حيرة ياسمين، ابتسم بسخرية خفيفة وبلا مبالاة: "من الواضح أنكِ لا تحبين الأمر، لكنكِ لا تعبرين عن الرفض بوضوح، ولا ترغبين في الجدال أبداً."
وها هو ذا.
حتى وإن غضبت، تظل هادئة وباردة، لا تصرخ ولا تثير ضجة ولا تفقد أعصابها.
هل زوجته هذه تتمتع بطباع جيدة، أم أنها تترفع عن الاكتراث؟
"هل سيجدي ذلك نفعاً؟" نظرت ياسمين ببرود نحو النافذة.
ما هو لها بطبيعته لا يحتاج إلى جدال أو صراع.
ومن لا يريد إحراجها لن يجعلها تبذل جهداً في العتاب.
وإذا لم يكن هناك أي منهما.
فلماذا تبذل جهداً بلا طائل؟
حدق عمر في جانب وجهها، وما كسر هذا الجو المتجمد بينهما كان رنين مكالمة هاتفية.
أجاب عمر، وبنبرة صوت هادئة وعميقة لا تشي بأي انفعال: "ما الأمر؟"
كانت مساحة السيارة ضيقة، ورغم أن ياسمين لم ترغب في الاستماع، إلا أن صوت رنا المتدلل وصل إلى مسامعها بوضوح: "أخي، لا بد أنك انطلقت الآن، أليس كذلك؟ مُرّ عليّ لتقلّني".
لم يكن عمر يلبي طلبات رنا دائمًا، بل على العكس، غالبًا ما كان يعاملها بصرامة، فقال ببرود: "هل تظنين أنني سائقك الخاص؟"
انكمشت رنا قليلاً وتمتمت بتذمر ومسكنة: "إنه مجرد طريق واحد، لِمَ لا يمكنك اصطحابي؟ لقد سألت الجدة بالفعل، وأكدت لي أنك ستمر من هذا الطريق بعد خروجك".
لم يكن لدى عمر رغبة في الجدال في دخول في جدال مع تلك الفتاة الصغيرة، فقال باقتضاب: "انتظري". رفع رأسه وأعطى السائق العنوان.
ثم أدار رأسه ونظر إلى ياسمين نظرة سريعة: "سأمر لاصطحابها، هل تمانعين؟"
هزت ياسمين رأسها نافية: "لا بأس، يمكنك إنزالي على جانب الطريق لاحقًا".
في الأصل، لم تكن ترغب في ركوب سيارته من الأساس.
قال عمر وهو ينظر إلى ساعة يده بصوت عميق خالٍ من المشاعر: "إنها على نفس الطريق المؤدي إلى شركة الريادة، سأوصلك إلى هناك".
لم تُضف ياسمين كلمة أخرى.
بعد أن توجه السائق إلى الوجهة التي حددتها رنا.
لمحت ياسمين على الفور رنا واقفة على جانب الطريق، وبجانبها... ليلى.
لم تتوقع أن تكونا معًا.
لا عجب إذاً أن عمر قد تساهل فجأة مع طلب رنا.
اقتربت رنا بحماس وفتحت باب السيارة، ولكن في اللحظة التي رأت فيها ياسمين، تلاشت الابتسامة عن شفتيها وقطبت حاجبيها قائلة: "لماذا أنتِ هنا أيضًا؟"
ثم التفتت ونظرت إلى ليلى بحرج: "يا أختي ليلى... لم أكن أعلم بوجودها".
كانت ليلى تحمل حقيبة من جلد التمساح، وبدت هادئة وأنيقة وهي تقول: "لا بأس، يبدو أنها مجرد توصيلة على الطريق، الأمر ليس مهمًا".
تنفست رنا الصعداء حينها، وأمسكت بذراع ليلى بابتسامة مشرقة قائلة: "أنتِ حقًا متسامحة وكريمة يا زوجة أخي".
راقبتهم ياسمين بنظرات باردة.
وكان...
وكأن عليها أن تشكر ليلى على كرمها، لأنها سمحت لها بركوب سيارة زوجها؟
تلك التصرفات كانت تشبه تمامًا تصرفات سيدة البيت الشرعية.
بينما كانت هي الوجود المنبوذ والدخيل.
لقد اعتنت برنا بكل إخلاص لمدة ثلاث سنوات، وأحيانًا لم تستطع فهم لماذا لا يُقابل الإحسان بالإحسان.
قالت رنا وهي تشعر ببعض الانزعاج، ولاوية شفتيها وهي تنظر إلى ياسمين: "يا إلهي، هذا الموقف محرج للغاية، لا يُعقل أن نتزاحم في سيارة واحدة مع زوجة أخي... لم أكن أعلم بوجودك حقًا، فطوال تلك السنوات لم أرَ أخي يوصلك ولو مرة واحدة..."
فهمت ياسمين ما ترمي إليه.
كانت رنا تريد منها أن "تخلي المكان" لليلى.
فوجودها هنا سيكون عائقًا ومصدرًا للإزعاج.
لم تنبس ليلى ببنت شفة، ولم تخفض ذقنها المرفوع، بل اكتفت بإلقاء نظرة جانبية سريعة على ياسمين.
كان من الواضح أنها توافق رنا الرأي.
لم تكن ليلى بحاجة لفعل أي شيء، فهناك من يقف في صفها بكل جوارحه، ويمنحها المعاملة والامتيازات التي تليق بـ "زوجة السيد عمر".
لم تعد ياسمين تبالي بهذه الأمور، فنزلت من السيارة دون تردد.
إنهما لا ترغبان في وجودها كطرف ثالث غير مرغوب فيه.
وهي أيضًا لم تكن راغبة في حشر نفسها في هذا الموقف المحرج.
أخيرًا، نظر إليها عمر بطرف عينه وقال بنبرة فاترة: "هل أطلب لكِ سيارة أجرة؟" لم يبدُ رأيه طوال الوقت، لكنه في هذه اللحظة أقرّ بـ "حسن تصرفها".
يا له من لطف و"مراعاة" أن يعرض طلب سيارة لها.
رغم أنه هو من أصرّ قبل قليل على إيصالها إلى شركة الريادة.
التقت نظرات ياسمين بنظراته، وفي تلك اللحظة فكرت أنه لو كانت أي امرأة أخرى في مكانها، لما تقبلت هذا الوضع، ولما سمحت لهم بتحقيق مرادهم بسهولة.
لكنها...
لم تكن تملك الطاقة ولا الوقت لذلك.
رفضت ياسمين قائلة: "لا داعي للإزعاج".
ولم تكترث لتعابير وجه عمر أو الآخرين، بل سارت بمفردها نحو محطة الحافلات القريبة.
صعدت ليلى إلى السيارة وجلست بجانب عمر، فاشتمت بوضوح رائحة العطر الخفيفة التي خلفتها ياسمين في السيارة، فقطبت حاجبيها دون أن يلاحظ أحد.
قالت: "عمر، هل يمكنك فتح النافذة؟ الجو مكتوم داخل السيارة، لنقم بتهويتها قليلاً".
فهي لم تكن ترغب في أن يكون هناك أي تواصل بين ياسمين وعمر.
كما أنها لم تكن تحب أن تبقى رائحة ياسمين وآثارها على جسد عمر، أو ممتلكاته، أو مساحته الخاصة.
لم يرفض عمر ذلك.
وفي تلك اللحظة التي رفع فيها عينيه.
رأى عبر مرآة الرؤية الخلفية ذلك الجسد النحيل الذي وصل للتو إلى محطة الحافلات.
ترنح جسدها قليلاً، ربما بسبب انخفاض في سكر الدم أو إجهاد مفاجئ، مما اضطرها للاستناد إلى لوحة إعلانات قريبة لتستعيد توازنها.
بدت وكأنها ليست على ما يرام.
وعلى الرغم من نظراته الباردة والجامدة، إلا أن عمر قال للسائق: "توقف لحظة".
التفت كل من ليلى ورنا نحو الخارج.
كانت رنا أول من لاحظت حالة ياسمين، فخمّنت ما يدور في ذهن عمر، وقالت بضيق: "أخي، ألا تزال تنطلي عليك ألاعيبها؟ من الواضح أنها لم تكن راضية عما حدث قبل قليل، إنها تمثل بالتأكيد!"
ثم أردفت متوسلة إليه أن يكملوا طريقهم: "لا تهتم بها، إذا التفتَّ إليها فستكون قد حققت مرادها".
أما ليلى، فقد رمت بنظرة للخلف، وارتسمت على شفتيها ابتسامة سخرية صامتة.
بدت لها حيل ياسمين تتزايد يومًا بعد يوم، ورأت أنه من المضحك أن تذل امرأة نفسها هكذا وتتوسل الحب من رجل لا يبادلها إياه.
نظر عمر إلى مرآة الرؤية الخلفية للحظات، غارقًا في تفكيره.
شعرت رنا بالملل من هذا الموقف، وحاولت جذب كم قميص عمر لتشتيت انتباهه، لكن مرفقها اصطدم دون قصد بذراع ليلى.
أطلقت ليلى أنينًا خافتًا من الألم.
ارتبكت رنا وقالت: "أختي ليلى! هل آلمتكِ؟"
التفت عمر نحوها فورًا والقلق بادٍ عليه: "ما بكِ؟"
ابتسمت ليلى برقة وهي ترى اهتمامه بها: "لا بأس، لقد اصطدم معصمي ببعض القطع المعدنية في ورشة العمل بالأمس، والجرح في طريقه للشفاء".
سألها عمر: "ولماذا لم تخبريني؟"
هزت ليلى رأسها قائلة: "كان الوقت متأخرًا ولم أرد إقلاقك".
زمّ عمر شفتيه، وقال للسائق على الفور: "إلى المستشفى فورًا".
في تلك اللحظة، لم يعد لياسمين مكان في تفكيره.
أما ليلى، فلم تستطع إخفاء ابتسامة النصر السعيدة وهي ترى رد فعله.
7
عندما استعادت ياسمين توازنها وهي تستند إلى لوحة الإعلانات، كان الشحوب قد غطى شفتيها.
سمعت هدير المحرك، والتفتت لترى سيارة عمر تنطلق مبتعدة بسرعة جنونية، وكأن دخان العادم يلفها وحدها في ذلك الصقيع.
لم تبالِ بما حدث معهم، وجلست لترتاح قليلاً.
تسلل البرد القارس إلى عظامها فارتجفت، وانتظرت وصول السيارة التي طلبتها لتعود إلى منزلها.
كان رأس السنة على الأبواب، ومعظم الشركات بدأت عطلتها.
لكن هذا العام كان مختلفًا، فبعد الطلاق، لم يعد هناك داعٍ لتقضي العيد مع عائلة الراسي، بل صار بإمكانها العودة لتقضيه مع جدتها وخالها.
عائلتها صغيرة، ومع غياب والدتها، كان الجو العام يميل إلى الهدوء والوحدة.
فكرت ياسمين وقررت أن تأخذ الجدة قمر والخال سامر لقضاء العيد خارج المنزل.
سألت صديقتها سارة عن أماكن هادئة ومناسبة لكبار السن في مدينة النور، فأرسلت لها سارة قائمة طويلة من الخيارات.
اختارت ياسمين فندقًا في منطقة الينابيع الحارة على جبل الضاحية، وهو منتجع ذو طبيعة مستقلة يوفر خدمات عشاء ليلة العيد، إلى جانب سهرات ليلية، لذلك يفضل كثيرون قضاء العيد هناك بعيدًا عن صخب المدينة.
وهذا يوفر الوقت والجهد، ويجعل التجربة أكثر راحة ومتعة.
حجزت ياسمين غرفة لنفسها، وجناحًا كبيرًا للجدة قمر وسامر، مع خيار تناول الطعام داخل الجناح.
عندما أخبرت الجدة بالفكرة، ابتهجت كثيرًا وأبدت رغبتها في الخروج لتغيير الأجواء.
6
يوم الثلاثاء، ليلة العيد.
بينما كانت ياسمين في طريقها صعودًا إلى الجبل، ترددت طويلاً في مراسلة عمر لتخبره بأنها لن تعود لعائلته هذا العام.
نظرت إلى اسمه في قائمة جهات الاتصال، لكنها في النهاية أعادت الهاتف إلى حقيبتها.
أقنعت نفسها بأن عمر يدرك يقينًا أنها لن تعود، وسيكون قادرًا بالتأكيد على اختلاق عذر مقنع ليبرر غيابها أمام الجدة الراسي.
يستقبل هذا الفندق عددًا لا بأس به من الضيوف في نهاية العام، ومعظمهم من الأثراء والوجهاء، حيث يتميز بمستوى عالٍ جدًا من الفخامة ويقدم خدمات تضاهي الخمس نجوم.
بعد وصول ياسمين والجدة قمر ومن معهم، تقدم الموظفون لمساعدتهم في حمل الحقائب البسيطة.
قضت الجدة قمر معظم السنوات الماضية مع سامر في المستشفى خلال رأس السنة، وهذا العام كان اجتماع العائلة نادرًا، فبدت السعادة على وجهها وقالت: "الهواء هنا نقي حقًا، وقضاء العيد مع هذا العدد الكبير من الناس تجربة جديدة ومنعشة".
دفعت ياسمين كرسي سامر المتحرك وابتسمت بخفة عند سماع ذلك: "المهم أن يعجبكِ المكان، يا جدتي، جناحكِ أنتِ وخالي يقع بجوار جناحي تمامًا".
سأل سامر: "ألا يحتوي الجناح على غرف كثيرة؟ لماذا لا نقيم معًا؟"
ابتسمت ياسمين وقالت: "قد يكون لدي اجتماع عبر الإنترنت مع وائل والآخرين في وقت لاحق، ولا أريد أن أزعجكم، لذا حجزت جناحين".
تجاوزت الموضوع بنبرة هادئة.
كانت حقيبتها تحتوي على عبوات من الأدوية الموجهة، وبما أن خالها كان مريضًا لسنوات، فقد أصبح حساسًا جدًا تجاه تلك الأدوية، وأرادت تجنب أن يلاحظ أي شيء.
كان لا بد من التنسيق مسبقًا مع الفندق بخصوص عشاء ليلة رأس السنة.
بعد أن اطمأنت ياسمين على راحة الجدة قمر والآخرين، نزلت إلى الطابق السفلي.
بعد التحدث مع المدير، توجهت لركوب المصعد.
ولكن عند وصولها إلى باب المصعد، رأت إياد يتحدث في الهاتف هناك. لمحها بطرف عينه، فتجمدت نظرته عليها للحظة، ثم أومأ برأسه محييًا ياسمين.
شعرت ياسمين بمفاجأة عابرة ثم سارت نحوه.
ألقت نظرة على المصعد، وكان إياد قد ضغط الزر بالفعل، فوقفت بهدوء تنتظر.
راحت تراقب شاشة الطوابق المتغيرة بملل.
قال إياد لمن يحدثه عبر الهاتف: "لقد تم تطويره حديثًا منذ عام، البيئة رائعة، لكن لا أعتقد أن هناك غرفًا شاغرة الليلة".
تذمر فارس على الطرف الآخر قائلاً: "لو كنتُ أعلم لذهبتُ أنا أيضًا، أنت لا تعلم، منذ عودتي وبخي جدي توبيخًا شديدًا!"
"هممم".
تحمس فارس وقال: "ما رأيك أن آتي إليك الآن؟ سأنام معك في نفس الغرفة".
دينغ—
انفتح باب المصعد.
دخلت ياسمين أولاً، ورأت أن إياد لا يزال يتحدث في الهاتف، فسألته بأدب: "هل ستصعد؟"
نظر إليها إياد على الفور وقال: "سأصعد".
ودخل المصعد.
انتفض فارس على الطرف الآخر، واعتدل في جلسته ممسكًا بالهاتف: "امرأة؟ هل أنت مع امرأة؟ من هذه؟ صوتها جميل بشكل غريب!"
لقد شعر أن هناك شيئًا غير طبيعي!
نظر إياد إلى ياسمين التي كانت تقف أمامه بملامح هادئة وباردة، وزم شفتيه قائلاً: "لقد سمعت خطأ، حسنًا، لا توجد إشارة في المصعد، سأغلق الآن".
"بلى، يوجد بوضوح!"
تجاهل إياد صراخ فارس، ووضع هاتفه جانبًا ثم نظر إلى ياسمين: "هل جئتِ لقضاء العيد هنا؟"
لم تكن ياسمين تنوي التحدث مع إياد، لكن بما أنه سأل، أجابت بأدب: "نعم".
سأل إياد بشكل تلقائي: "ألن تعودي إلى مكان عمر؟"
لا لوم عليه لطرح هذا السؤال.
في السنوات الماضية خلال العيد، بعد الانتهاء من الالتزامات العائلية، كانوا يخرجون للسهر والشرب ولعب الورق. في تلك السنوات، كانت ياسمين تقلق دائمًا من أن يشرب عمر كثيرًا ويتعب، فكانت تأتي مبكرًا لاصطحابه، وتحضر معها حساءً لإزالة أثر السكر أعدته بنفسها.
لم تكن تحضره لعمر فقط، بل كانت تجهز حصصًا لهم أيضًا بعناية.
كانت لطيفة، مراعية، وسهلة المعشر.
وكيف تصرفوا هم في ذلك الوقت؟
كان فارس يشرب الحساء الذي أعدته ياسمين، ومع ذلك يمازحها قائلاً: "آنسة ياسمين، لا أقصد انتقادكِ، لكن خروج عمر للسهر والشرب دونكِ يعني أنه لا يريد إزعاجًا، فلا داعي حقًا لملاحقته بحجة إحضار حساء لإزالة أثر السكر".
هو في ذلك الوقت، لم ينطق بكلمة.
رغم علمه أن تلك الكلمات كانت قاسية جدًا على فتاة شابة.
لكنه لم يمنعه.
بل وافق ضمنيًا على ما قصده فارس.
كانوا جميعًا يكرهون ياسمين.
لم يعجبهم كيف فرضت نفسها عليه لتجبره على الزواج، مما دمر زواج عمر.
نظرة متحيزة من البداية إلى النهاية.
ولكن الآن...
نظر إياد مرة أخرى بتمعن إلى تعبيرات وجه ياسمين.
باردة كالصقيع، خالية من أي تقلبات عاطفية، ولم تعد عيناها تحمل تلك المجاملة والتسامح التي كانت تكنها لهم في الماضي، بل لم يتبقَ سوى ابتعاد قارس.
ياسمين... قد تغيرت.
"أجل، سأقضيه مع جدتي". أجابت ياسمين على السؤال فقط، ولم تكن تنوي تقديم المزيد من التفسيرات لإياد.
شعر إياد بشيء من الدهشة.
لكنه أدرك أن ياسمين لم تكن لديها الرغبة في التحدث معه كثيرًا.
أما عن سبب موقفها هذا...
فهو يستطيع فهم ياسمين.
رنين—
عند وصول المصعد إلى الطابق، التفتت ياسمين وأومأت برأسها بخفة لإياد، ثم استدارت وغادرت.
راقبها إياد وهي تبتعد حتى اختفت عند المنعطف، ثم أُغلق باب المصعد مرة أخرى.
بعد فترة وجيزة، فرك ما بين حاجبيه وضحك بخفوت.
شعر بأنه غريب الأطوار بعض الشيء.
على الرغم من أن ياسمين تعامله ببرود، إلا أنه شعر برغبة في التحدث معها أكثر، كان يشعر دائمًا...
وكأنه لم يعرف ياسمين الحقيقية أبدًا.
عادت إلى جناح الجدة قمر.
كان الفندق قد أرسل طبق فواكه فاخرًا، ورحبت الجدة قمر بياسمين بابتسامة مشرقة: "ياسمين، تناولي شيئًا لتسدي رمقكِ أولاً، أخبرنا موظفو الفندق للتو أن حفل النار سيكون في العاشرة مساءً، هل ستذهبين؟"
مشت ياسمين نحوهما، وكان سامر قد التقط قطعة كيوي بالشوكة وقدمها لفمها، فتحت ياسمين فمها وأكلتها ثم قالت: "يعتمد ذلك على وقت انتهائي من مراجعة الملفات، يا جدتي وخالي، يمكنكما الذهاب للاستمتاع بالأجواء وتفاؤلاً بالخير".
نظرت إليها الجدة قمر بعتاب: "مشغولة حتى في رأس السنة، يا لكِ من طفلة، لقد أصبحتِ مهووسة بالعمل تماماً".
"يا أمي، لطالما كانت ياسمين قوية الشخصية، وتسعى للكمال في كل ما تفعله، ما دامت تحب ذلك، علينا فقط دعمها." قاطعها سامر ضاحكاً، إذ لم يطاوعه قلبه على توبيخها.
غيرت ياسمين الموضوع فوراً: "عشاء ليلة رأس السنة سيكون في السابعة تماماً، وقد تم حجز المطعم، يا جدتي، هل ترغبان في النزول للتجول قليلاً أولاً؟"
كانت الجدة قمر تشعر بالحماس والاستمتاع، فوافقت على الفور: "حسناً!"
ودفعت سامر ليسبقها بخطوة.
انتهزت ياسمين الفرصة لإنهاء ما تبقى من عملها.
وفي النهاية، أعادها رنين الهاتف من عالم الكمبيوتر إلى الواقع.
ألقت نظرة، كانت المتصلة شذى.
في العادة، لم تكن حماتها تتصل بها، فلم تكن شذى تعترف بها ككنة لها أبداً، وكانت تعاملها وكأنها غير موجودة سواء أمام الناس أو في الخفاء.
ترددت قليلاً، لكن ياسمين أجابت على المكالمة في النهاية.
دارت الأفكار في رأسها بسرعة، ففي الماضي كان لقاؤها بشذى نادراً، وكانت المرات التي نادتها فيها بـ "أمي" معدودة، وإذا كان هناك غرباء، كانت شذى تسمح لها فقط بمناداتها بـ "السيدة شذى".
والآن بعد أن تطلقت من عمر، لم تعد تنوي مناداتها بـ "أمي".
"خا..." لم تكد تنطق كلمة "خالة".
حتى جاءها صوت شذى البارد والمستاء: "أين ذهبت؟ لماذا لم تأتي حتى الآن رغم مرور كل هذا الوقت؟"
رفعت ياسمين رأسها ونظرت من النافذة، حيث كان بالإمكان رؤية أحدهم يطلق الألعاب النارية بشكل خافت.
"هل هناك أمر ما؟"
عقدت شذى حاجبيها وقالت: "لقد ألقيت نظرة على المطبخ الصغير، لماذا لم تبدئي في إعداد الحلويات لهذا العام بعد؟ هل نسيتِ؟"
ضمت ياسمين شفتيها، وبنبرة هادئة قالت: "لم أنسَ، بل أنا لم أصنعها."
في تلك السنوات، تفرغت للعناية بحياة عمر اليومية، فأتقنت فن الطهي، وأصبحت تصنع حلويات تضاهي ما يصنعه كبار الطهاة.
كانت شذى تحب حلوياتها التقليدية كثيراً، وتطلب منها كل عام في ليلة رأس السنة إعداد كمية كافية.
في ذلك الوقت، كانت تظن أنه طالما كانت صادقة ومخلصة، فلا يهم التعب، وسينتهي الأمر باعترافهم بها وقبولها.
أما الآن...
فناهيك عن ما تحبه شذى أو تكرهه، وتقلبات مزاجها.
فحتى عمر نفسه.
لم يعد يعنيها في شيء.
فوجئت شذى بعض الشيء.
لاذت بالصمت لفترة، وهي تتأمل في معنى كلام ياسمين.
فهي تعرف طباع ياسمين جيداً، لطالما كانت هادئة الطباع وحسنة التصرف.
وطالما كان الأمر في حدود قدرتها، نادراً ما كانت ياسمين ترفض أي طلب تطلبه منها.
ولأن ياسمين أصبحت فجأة "حازمة" هكذا، ظنت شذى لا شعورياً أن لدى ياسمين ترتيبات أخرى.
سألت شذى بتردد: "ما الخطب؟ ولماذا لم تُعدّيها؟ أنتِ تعلمين جيداً أن أولئك السيدات يُعجبن بمهارتكِ في الطهي، ألم أطلب منكِ أن تتذكري هذا الأمر وتُجهزي حصصاً إضافية كل عام كهدايا؟"
صديقاتها من دائرة السيدات الراقيات يتبادلن المجاملات في الأعياد والمناسبات، وكثيراً ما يجتمعن بشكل خاص، وهو في الواقع وسيلة للحفاظ على علاقات المصالح.
وكانت مهارة ياسمين محل تقدير من قِبل أولئك السيدات.
طوال السنوات الماضية، كانت تُطلب من ياسمين إعداد كميات إضافية وتغليفها لإرسالها إلى مختلف العائلات.
إنها مجرد حلويات صغيرة، ورغم أنها تتطلب بعض الجهد، أليس هذا واجباً على ياسمين بصفتها كنة عائلة الراسي؟
نظرت ياسمين إلى شاشة الحاسوب بنبرة هادئة وقالت: "ألم يخبركِ عمر بأنني سأقضي رأس السنة مع جدتي وعائلتي؟"
كانت نبرة شذى توحي بأن الأمر بديهي.
في الحقيقة، لم تكن ياسمين تحب ذلك.
في تلك السنوات، ومن أجل الحفاظ على العلاقات الطيبة، كانت تتحمل كل العناء والتعب وتوافق على كل شيء.
رغم أنها مجرد حلويات، إلا أنها كانت تستهلك الكثير من الوقت والجهد.
ففي كل عام، كانت تقضي يوماً كاملاً منهمكة في المطبخ، وحين تأوي إلى فراشها فجراً، كانت تشعر وكأن خصرها وساقيها لم تعد ملكاً لها من شدة الألم واليَبَس.
ومع ذلك، لم يكن أحد يبالي.
شعرت شذى بالدهشة، ولم تستطع أن تفهم للحظة كيف تغيرت ياسمين هذا العام وكأنها شخص آخر، ففي السنوات الماضية كانت تسعى دائماً لإرضائهم وتنتظر بطاعة ووداعة في منزل عائلة الراسي.
ومع ذلك، فهي لا تهتم حقاً بحالها.
كل ما في الأمر.
"بما أنكِ متزوجة، فيجب أن تقضي رأس السنة في منزل أهل زوجكِ، ذهابكِ دون استئذان أمر غير لائق، لقد سألت السيدة صباح لتوها عن كعككِ، الوقت لا يزال مبكراً، إما أن تعودي بعد تناول الطعام مع جدتكِ، أو تُعدّيه الآن في منزل عائلة الحليمي وتُرسليه إلينا جاهزاً."
لم يكن يهم شذى حقاً ما إذا كانت ياسمين ستعود لقضاء العيد في منزل عائلة الراسي أم لا.
كل ما يهمها هو الاستفادة من ياسمين.
"أعتذر، ليس لدي وقت."
كان صوت ياسمين بطيئاً، لكنه كان هادئاً وحازماً في آن واحد.
كانت شذى تستغلها بهذا الشكل، وتعتبر انشغالها في العمل أمراً بديهياً حتى وهي تعلم أنه وقت العيد، مما يحرمها من الاستمتاع به.
أما الآن، فهي لن تقسو على نفسها بعد اليوم.
فهذه الأمور لم تعد تعنيها من الآن فصاعداً.
عجزت شذى عن الرد لبرهة، وبعد صمت طويل قالت: "ياسمين، ما الذي أصابكِ حقاً؟"
لم يخطر ببالها أن ياسمين كانت تتمرد عليها أو تتحدى سلطتها.
لأن ياسمين لا تجرؤ على ذلك!
فياسمين تحب ابنها كثيراً، وتعتبر مكانتها كزوجة عمر كنزاً ثميناً، ولطالما كانت تسعى لإرضائهم بحذر شديد، فكيف لها أن تحرجها؟
"ابحثي عن شخص آخر للقيام بذلك، جدتي تناديني لتناول الطعام، عام سعيد."
لم تضف ياسمين كلمة أخرى، وأنهت المكالمة.
في ليلة رأس السنة الجميلة هذه، لم تكن ترغب في الدخول في مشادات كلامية.
بعد هذا الموقف العابر، أغلقت ياسمين حاسوبها ونزلت إلى الأسفل.
كان تصميم مطعم الفندق مبتكراً، حيث السقف الزجاجي البانورامي الذي يتيح الاستمتاع بالمناظر الليلية والألعاب النارية.
كانت أجواء ليلة رأس السنة تملأ المكان.
كانت الجدة قمر وسامر قد جلسا بالفعل، فتوجهت ياسمين إليهما وأخبرت النادل ببدء تقديم الطعام.
كانت القاعة تعج بحركة الناس ذهاباً وإياباً.
التفتت ياسمين بجانب عينها، فرأت إياد يمر عند المنعطف.
رآها هو الآخر، فتوقف للحظة، لكنه اكتفى في النهاية بإيماءة تحية.
حافظت ياسمين على نظرة هادئة، وأومأت برأسها رداً على التحية.
لم يتبادلا أي كلمة أخرى.
لكن الجدة قمر لاحظت هذا المشهد.
تأملت ظهر إياد بنظرات فاحصة وسألت: "هذا الشاب، هل تعرفينه؟"
أومأت ياسمين برأسها قائلة: "نوعاً ما".
"صديق عادي؟ أم أنه.. يسعى للتقرب منكِ؟" كانت الجدة قمر هادئة البال في تلك اللحظة، فبما أن حفيدتها تطلقت، فمن حق ياسمين الطبيعي أن تبحث عن سعادتها من جديد!
"هذا الشاب يبدو وسيماً وقوامه متناسق، إنه رائع حقاً!"
الفصل 143
كادت ياسمين أن تختنق: "يا جدتي، لقد أسأتِ الفهم، إنه صديق عمر."
عند سماع هذا الكلام.
تجمدت تعابير وجه الجدة قمر للحظة.
"...إذن هذا غير ممكن، غير مناسب، لننظر في الأمر لاحقاً."
وضع سامر قطعة من الضلوع في طبق السيدة العجوز بقلة حيلة: "أمي، ياسمين تطلقت للتو، لا داعي للعجلة."
كانت الجدة قمر قد تحدثت معه في هذا الأمر.
وهو أيضاً يدعم قرار ياسمين بشدة.
الزواج غير السعيد لا يجلب سوى استنزاف الذات، ولا فائدة منه.
رمقته الجدة قمر بنظرة حادة: "ألا أعرف ذلك؟ ألستم أنتم الشباب تقولون إن أفضل طريقة لتجاوز علاقة عاطفية هي التعرف على شخص جديد؟ طالما تشعر أنه مناسب وشخص جيد، فلا بأس من المحاولة."
قالت ياسمين وهي تشعر ببعض التسلية: "يا جدتي، أفكاركِ عصرية جداً."
كانت تظن في البداية أن الجدة قمر ستقلق عليها كثيراً.
لكن يبدو الآن أن تجربة الجدة في الدراسة بالخارج في شبابها جعلت تفكيرها منفتحاً للغاية، وهذا ما جعل ياسمين تشعر بالاطمئنان كثيراً.
ستقام حفلة النار في العاشرة، وبعد الانتهاء من العشاء كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة بقليل.
فسألت ياسمين: "هل تودون الذهاب إلى الينابيع الحارة؟ لتطرد البرد ثم نعود للعب؟"
لم يكن لدى الجدة قمر وسامر أي اعتراض.
تنقسم الينابيع الحارة في الفندق إلى قسم للرجال وقسم للنساء، بالإضافة إلى ينابيع حارة مكشوفة مطلة على المناظر الطبيعية.
فضلت الجدة قمر ومن معها الهدوء فذهبوا إلى القسم الداخلي، بينما أحبت ياسمين الاستمتاع بالمناظر، فذهبت بمفردها إلى الينابيع المكشوفة.
دخلت وهي تلف نفسها بالمنشفة.
فجأة اهتز هاتفها مصدراً صوتاً.
توقفت ياسمين وألقت نظرة.
كانت رسالة نصية من عمر بشكل غير متوقع.
— [عام سعيد.]
كانت مقتضبة للغاية، حتى أنها استطاعت من خلال هاتين الكلمتين أن تتخيل نبرته الفاترة وبروده الرسمي.
حدقت ياسمين في الكلمتين بصمت.
كانت تعلم أن هذه ليست رسالة جماعية.
لا يزال محظوراً على الواتساب، وعمر لم يهتم بذلك أبداً، لكنه أرسل لها هذه الجملة بدافع اللباقة والبروتوكول الاجتماعي المعتاد.
وضعت ياسمين الهاتف جانباً بلامبالاة.
لم تكن تنوي الرد.
الطلاق هو الطلاق، وهي لا تملك الطاقة لمجاملة هذه الشكليات.
"أختي ياسمين!"
جاء صوت فتاة مبتهج من خلفها، مما أعاد ياسمين من شرودها.
كانت هالة قد ركضت نحوها، وخلفها إياد مرتدياً رداء الحمام.
"قال أخي إنه التقى بكِ، لم أتوقع أن يكون ذلك حقيقياً، ألا يعني هذا أننا نقضي رأس السنة معاً؟" ثرثرت هالة بفمها الصغير، وكانت وجنتاها محمرتين بفعل بخار الينابيع.
رأت ياسمين الفتاة وابتسمت ابتسامة خفيفة: "عام سعيد يا هالة."
"للأسف، لقد انتهيت للتو من الاستحمام، وجاء أخي يستعجلني للعودة لتناول الدواء." بدت هالة منزعجة قليلاً، لو علمت بذلك لجاءت متأخرة قليلاً لتلعب مع أختها ياسمين.
قالت ياسمين: "لا بأس، تناولي دواءكِ أولاً، صحتكِ أهم."
أومأت هالة برأسها فوراً: "سأعود الآن، وسآتي للبحث عنكِ بعد قليل!"
اقترب إياد وربت على رأس الفتاة الصغيرة: "لا تتلكئي، يجب أن تتناولي دواءكِ في الموعد المحدد تماماً، اذهبي بسرعة."
أمسكت هالة بيد ياسمين وهي مترددة في المغادرة: "أختي، انتظريني حسناً؟"
كانت الفتاة الصغيرة تلتفت إلى الوراء مع كل خطوة تخطوها.
شعرت ياسمين ببعض التسلية.
لم يغادر إياد.
كان قد جاء اليوم أساساً للاستحمام في الينابيع، ولينادي هالة في طريقه.
وكان لقاؤه بياسمين صدفة.
نظر إليها وقال: "إذا كنتِ لا تشعرين بالراحة، يمكنني الذهاب إلى مكان آخر."
ياسمين لا تحبه، وهو يعلم ذلك.
لم تكن ياسمين بتلك الديكتاتورية، فالمكان هنا متاح لمن يدفع للاستمتاع، وليس لديها الحق في طرد أحد.
"لا داعي، تصرف بحريتك."
حينها فقط ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي إياد: "حسناً، شكراً."
في تلك الناحية.
التفتت هالة عندما وصلت إلى الباب.
ورأت ظهري الشخصين، أحدهما طويل والآخر أقصر، وهما يتبادلان أطراف الحديث.
كان بإمكانها رؤية انحناءة زاوية فم أخيها من الجانب تقريباً.
نقرت هالة بلسانها، أليس من الواضح أنه يتودد للأخت ياسمين؟
أدارت عينيها بمكر خفيف، ثم التقطت بحماس صورةً نحو هناك.
بسبب زاوية التصوير، لم يظهر من ياسمين سوى ظهرها.
فكرت قليلاً.
قامت هالة بدمج الصور التي التقطتها اليوم في شبكة من تسع صور.
عشاء رأس السنة، وصورة جماعية للعائلة، وصور للمناظر الطبيعية، بالإضافة إلى هذه الصورة من الخلف.
بعد الانتهاء من التعديل.
ضغطت زر النشر بلمسة واحدة !
_________________
