رواية ما استرده القلب الفصل الحادي عشر 11 بقلم ريهام ناجي
في صباح اليوم التالي...
دخلت الشركة بدري عن معادي، لكن للمرة الأولى...
مكنتش أول حاجة بفكر فيها هي الشغل.
وأنا طالع الأسانسير... كان سؤال واحد بيلف في دماغي من إمبارح.
إزاي واحدة زي رُهام... تخفي إنها بنت محمود الخولي؟
وليه تسيب الشركة اللي أبوها بناها بإيده... وتشتغل موظفة عادية؟
حاولت أقنع نفسي إن الموضوع ميخصنيش...
وإنها حياتها الشخصية.
وحتى لو كنت بفكر فيها كشريكة حياة...
فآخر حاجة كانت تهمني هي اسمها أو ثروة والدها.
رُهام اللي عرفتها خلال الشهر اللي فات... كانت كفاية بالنسبالي.
البنت المجتهدة... الهادية...
اللي بتعمل شغلها بإتقان، ومن غير ما تحاول تلفت نظر حد،
ودي كانت أول حاجة شدتني ليها.
كان المفروض أقفل الموضوع عند كده... لكن كل ما بفتكر نظرة بابا لما شافها...
أو ردودها الهادية وهي بتحاول تتهرب من الكلام...
كنت بحس إن فيه جزء ناقص من الحكاية.
وجزء زي ده...
للأسف فضولي عمره ما كان يسمحلي أعديه من غير ما يعرفه.
ـــــــــــــ
في نفس الوقت...
كان خالد قاعد في مكتبه... وساند ضهره للكرسي،
وبيخبط بأطراف صوابعه على سطح المكتب بسرحان.
من ساعة المقابلة اللي جمعته بحازم...
والكلام اللي دار بينهم مش راضي يفارق دماغه.
رجعت ذاكرته لليوم ده...
كان حازم قاعد في عربيته قدام كافيه قريب من شركة العزازي.
بص على الساعة، وبعدها طلع موبايله واتصل بخالد.
_ألو يا أستاذ خالد.
رد خالد بابتسامة من الناحية التانية:
_حازم! أخبارك أيه؟
_الحمد لله... كنت قريب من شركة العزازي،
قولت لو فاضي نتقابل عشر دقايق، في موضوع مهم.
_تمام... ابعتلي المكان وأنا نازل.
قفل حازم المكالمة، ولسه هيحط الموبايل...
رن تليفونه.
بص للشاشة،
وكان سليم، فرد بسرعة.
_أيوة يا سليم باشا.
جاله صوت سليم الهادي:
_اتقابلتوا؟
_لسه... وافق ينزل يقابلني.
سكت سليم لحظة، وبعدين قال:
_اسمعني كويس،
متدخلش في تفاصيل كتير،
قوله إن البنت دي وجودها في الشركة لازم ينتهي،
وعشان العشرة اللي بينكم...
طلبت منه يساعدك في دا.
عقد حازم حواجبه.
_ولو رفض؟
جاله الرد من غير أي تردد:
_يبقى متضغطش عليه.
ابتسم سليم ابتسامة باردة وهو بيكمل:
_ساعتها... هنعرف إن الطريق ده اتقفل،
ونفتح طريق غيره.
ـــــــــــــــ
دخل خالد الكافيه وهو بيدور بعينه على حازم،
وأول ما شافه، ابتسم واتجه ناحيته.
قام حازم من مكانه وسلم عليه.
_إزيك يا خالد؟
_الحمد لله... خير يا راجل؟
قلقتني لما قولت موضوع مهم.
قعد خالد، وجاله الجرسون.
_تشرب إيه؟
_قهوة سادة.
أومأ حازم للجرسون، وبعد ما مشي، ساد بين الاتنين صمت قصير.
لاحظ خالد إن ملامح حازم مش طبيعية.
_خير يا حازم... فيه حاجة؟
أخد حازم نفس هادي، وقال:
_بص... أنا هقولك على حاجة،
ويمكن تستغربها.
عقد خالد حواجبه.
_قول.
بصله حازم مباشرةً.
_أنا محتاج منك خدمة.
ابتسم خالد.
_لو أقدر... أكيد.
سكت حازم ثانية، وكأنه بيختار كلماته.
_فيه بنت عندكم في القسم...
اسمها رُهام.
اختفت الابتسامة من على وش خالد.
_مالها؟
اتكلم حازم بهدوء متعمد:
_المطلوب... إنها تمشي من الشركة.
ساد الصمت بين الاتنين،
خالد فضل يبصله ثواني، وكأنه مستني يسمع إنه بيهزر.
لكن لما لقى ملامحه ثابتة...
قال بجدية:
_تقصد أيه؟
مال حازم لقدام شوية.
_يعني تغلطها في شغلها...
تمسك عليها أخطاء...
أي سبب يخلي المدير يقتنع إنها مش مناسبة للشغل،
ويستغنى عنها.
اتغيرت ملامح خالد تمامًا.
_وأنا أعمل كده ليه؟
ابتسم حازم ابتسامة خفيفة.
_عشان العِشرة اللي بينا... واعتبرها خدمة.
فضل خالد ساكت لحظة، قبل ما يقول بنبرة حاسمة:
_آسف يا حازم... بس الطلب ده أنا مقدرش أعمله،
رُهام من أكفأ الناس اللي عندي، وعمري ما أظلم حد في شغله.
ساعتها... اختفت ابتسامة حازم،
وأدرك إن أول طريق كانوا معتمدين عليه... اتقفل فعلًا.
ابتسم حازم ابتسامة صغيرة،
وكأنه كان متوقع الرد.
_كنت عارف إنك هتقول كده.
استغرب خالد.
_طالما عارف... طلبت ليه؟
عدل حازم قعدته، وقال بهدوء:
_لإني كان لازم أحاول.
ضيق خالد عينيه.
_مين اللي وراك يا حازم؟
وأيه الهدف إنك تقطع عيش موظفة عادية زي رُهام،
عايزة تاكل بالحلال.
ابتسم حازم ابتسامة غامضة،
وقال:
_متسألنيش.
رد خالد بحدة:
_يبقى قوله مني...
لو فاكر إنه هيوقع بنت في شغلها بالباطل عن طريقي،
يبقى اختار الشخص الغلط.
قام من مكانه وهو بيطلع محفظته.
_وحاجة كمان...
بصله حازم.
_لو البنت دي عاملة حاجة غلط، الشركة عندها نظام يحاسبها بيه،
لكن طول ما هي بتشتغل بإجتهاد... محدش هيقدر يظلمها وأنا موجود.
ساب الفلوس على الترابيزة، ولف عشان يمشي،
وقبل ما يبعد، وقف ثانية وقال من غير ما يبصله:
_وأنصحك... تبعد عن الموضوع ده.
ومشي.
فضل حازم متابع خطواته لحد ما خرج من الكافيه،
وبهدوء شديد... طلع موبايله واتصل بسليم.
أول ما رد، قال باختصار:
_رفض.
جاله صوت سليم هادي،
كأنه كان مستني يسمع الكلمة دي.
_كنت متوقع.
_وقال إنه مستحيل يظلمها.
ابتسم سليم ابتسامة باردة.
_يبقى خالد خرج من الحسابات.
سكت لحظة، قبل ما يكمل:
_دلوقتي... نبدأ في الخطة التانية.
عقد حازم حواجبه.
_تقصد ندى؟
_أيوة.
جاله الرد من غير أي تردد.
_الناس المخلصة صعب توقعها...
لكن دايمًا بيكون فيه حد حواليهم... أسهل بكتير.
هز خالد راسه وهو بيطرد الذكرى من دماغه،
ومن يومها وهو بيحاول يقنع نفسه إن يسكت...
لكن كل ما يبص لرُهام وهي شغالة قدامه، كان ضميره يرفض.
عشان كده... أخد قراره أخيرًا، واتجه لمكتب يونس.
ــــــــــــــــ
من وقت ما دخلت الشركة... وأنا متوترة، ومش عارفة أركز في شغلي.
قدامي ملفات كتيرة مفتوحة ومحتاجة تخلص،
وشاشة الكومبيوتر منورة قدامي...
لكن عقلي كان في حتة تانية خالص.
كل شوية... أفتكر مكالمة سارة امبارح، واللي دار فيها.
_"محمد عرف... وسألني ليه بتشتغلي برا،
وليه سيبتي شركة باباكي."
زفرت بهدوء، وأنا بسند ضهري على الكرسي،
مكنتش مضايقة إن الحقيقة بدأت تتعرف...
قد ما كنت خايفة إنها توصل للشخص الغلط،
يونس.
من ساعة ما عمو عبد الرحمن عرفني...
وأنا حاسة إن نظرة يونس ليا اتغيرت.
وأكبر دليل إنه راح يسأل محمد عني... وبيحاول يفهم.
وأكتر حاجة كانت مقلقاني... إنه شخص واضح إنه مبيستسلمش بسهولة لما يبقى قدامه سؤال من غير إجابة.
هزيت راسي بخفة.
_أهدي دلوقتي يا رُهام... وركزي في شغلك.
فتحت الملف اللي قدامي، وحاولت أراجع الأرقام من أول وجديد.
لكن بعد ثواني...
لقيت نفسي بسرح تاني.
يا ترى... هيقف عند اللي عرفه؟
ولا هيبدأ يدور أكتر؟
غمضت عيني للحظة، وأخدت نفس عميق،
مهما حصل...
أنا مش هقدر أحكي الحقيقة دلوقتي،
لسه...
لسه فيه حاجات مينفعش حد يعرفها.
فتحت عيني تاني، ومديت إيدي للفأرة.
_كفاية سرحان.
همستها لنفسي، وأنا بحاول أرجع تركيزي للشغل.
بدأت أراجع الملف صفحة صفحة، وأكتب ملاحظاتي،
لحد ما سمعت صوت ندى من جنب مكتبي.
_صباح الخير يا رُهام.
رفعت عيني وابتسمت.
_صباح النور.
بصتلي كام ثانية، وقالت:
_مالك؟ شكلك مرهقة النهاردة.
حاولت أخفي توتري وابتسمت.
_منمتش كويس بس... هبقى تمام.
هزت راسها وهي حست إني مش حابة أتكلم، وقالت:
_طيب... لو احتجتي أي حاجة قوليلي.
_أكيد.
ابتسمت ومشيت، ورجعت أنا أبص للشاشة.
كنت بحاول أقنع نفسي إن كل اللي بفكر فيه مجرد أوهام...
وإن الموضوع هيقف عند اللي عرفه يونس.
لكن جوايا...
كان فيه إحساس غريب بيقولي إن الأيام الجاية مش هتعدي بسهولة.
وفي نفس اللحظة...
كان أستاذ خالد خارج من مكتبه، بعد ما سمعته بيبلغ السكرتيرة
إنه خارج عشر دقايق وراجع.
تابعت خروجه بعيني لثواني، قبل ما أرجع أبص للشاشة قدامي وأبدأ اشتغل.
ــــــــــــــ
_بلغي مستر يونس إني عايز أقبله ضروري.
_تمام يا فندم، ثواني.
رفعت السكرتيرة السماعة، وطلبت يونس.
_مستر خالد، مدير قسم الدراسات والتحليل المالي يا فندم...
موجود وبيقول عنده موضوع ضروري.
رفع يونس عينه من الملف اللي قدامه،
وهو بيرد عليها.
_خليه يتفضل.
_حاضر.
بعد ثواني...
دخل خالد، وقفل الباب وراه بهدوء،
وقف قدام المكتب بإحترام.
_السلام عليكم يا فندم.
_وعليكم السلام... اتفضل يا خالد،
اقعد.
قعد خالد، لكنه كان واضح عليه التردد،
لاحظ يونس ده، فقفل الملف اللي قدامه، وقال:
_خير؟ شكلك جاي في موضوع مهم.
سكت خالد لحظة، وكأنه بيرتب كلامه،
وبعدين قال بهدوء:
_بصراحة يا فندم...
أنا جيت أبلغ حضرتك بحاجة،
معرفش إذا كانت هتبقى مهمة بالنسبة لحضرتك ولا لا...
لكن بعد تفكير أيام، حسيت إن لازم أقولها.
عقد يونس حواجبه باهتمام.
_اتفضل.
أخد خالد نفس عميق،
وقال:
_أنا مقدرش أشوف حد ممكن يتظلم وأسكت...
ولا أرجع بيتي وأنا عارف إن فيه حاجة غلط، وأقول مليش دعوة.
اتنهد وكمل وهو بيبص ليونس:
_لو سكت...
هحس إني شريك في الظلم، حتى لو معملتش حاجة بإيدي،
وعشان كده...
قولت أجي وأخلي ذمتي قدام ربنا، وأريح ضميري.
ساد الصمت داخل المكتب...
يونس كان مركز مع كل كلمة بيقولها خالد،
وحاسس إن الكلام اللي جاي وراه مش بسيط.
فمال لقدام شوية، وقال بهدوء:
_خير يا خالد...
أيه اللي حصل؟
ــــــــــــــــ
في آخر اليوم...
أول ما وصلت البيت، رميت شنطتي على الكنبة بعد ما سلمت على ماما، واتنفست بعمق.
كان اليوم عدى من غير أي حاجة غير طبيعية...
وده كان غريب في حد ذاته.
دخلت أوضتي أغير هدومي عبال ما ماما ترص الآكل على السفرة،
وأنا سامعة صوت جرس الباب.
خرجت أشوف مين،
لقيت سارة داخلة وهي شايلة كيس فيه شوية حلويات.
أول ما شافتني ابتسمت.
_قولت أعدي أشوفك.
ابتسمت وأنا بحضنها.
_نورتي.
دخلنا أوضتي، بعد ما قعدنا وكلنا كلنا، قعدنا على السرير.
بصتلي سارة شوية، قبل ما تسأل بحذر:
_ها...
رفعـت عيني ليها.
_قابلتي يونس النهاردة؟
هزيت راسي بالنفي.
_لا.
_ولا كلمك؟
_أبدًا.
اتنهدت سارة براحة.
_الحمد لله.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
_شكلك كنتِ قلقانة أكتر مني.
ضحكت وهي هزت كتفها.
_بصراحة آه.
سكتت لحظة، قبل ما تقول:
_كنت متوقعة مثلًا يطلبك في المكتب أول ما يشوفك.
هزيت راسي.
_وأنا كمان.
_بس الحمد لله...
يمكن صرف نظر عن الموضوع.
سرحت شوية، وأنا بلف كوباية العصير اللي بين إيديا.
_مش عارفة... بس من خلال معرفتي القليلة بيونس،
فهو مش من النوع اللي يسيب سؤال من غير ما يدور على إجابته،
ولو فضل الموضوع شاغل دماغه...
أكيد هيحاول يعرف أكتر.
بصتلي سارة باهتمام.
_ولو حصل؟
ابتسمت ابتسامة باهتة.
_هعمل اللي بعمله من أول يوم...
هرد على قد السؤال، من غير ما أحكي اللي مينفعش يتحكي.
سكتنا لحظة،
وبعدها سارة غيرت الموضوع وهي بتبتسم.
_طيب سيبك من وجع الدماغ ده...
احكيلي الرواية وصلت لفين؟
ضحكت لأول مرة من الصبح.
_لسه البطلة معندهاش فكرة إن الدنيا مخبية لها مصيبة.
ضحكت سارة وقالت وهي بتبصلي بمعنى:
_زي واحدة أعرفها كده؟
بصيتلها، وضحكت أنا كمان،
لكن الضحكة دي...
مكنتش قادرة تخفي الإحساس اللي جوايا.
إحساس بيقولي...
إن الهدوء اللي عدى بيه النهاردة، مش معناه إن الخطر انتهى...
يمكن بس...
كان بيستعد يبدأ