رواية مدثر كامله وحصريه بقلم محمد محسن
المقدمه
..................
حين تسير احلامنا عكس الاتجاه. ١٧من ديسمبر ٢٠١٦
.. تجاوزت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل بدقائق، تكاد شوارع القاهرة تخلو من المارة، البرد قارص جدا هذه الليلة، تتساقط دموعي مع الأمطار الخفيفة التي تقذفها السماء، فيختلط كلاهما على وجهي لا تستطيع التميز بين دمعة و قطرة مطر، وما أدراكم أنتم بدموع رجل لم يتعدى الأربعين من عمره.
لا أعرف أين سأذهب، فلا مأوى لدي، وقد أغلِقت أبواب ومنافذ ومعابر العالم في وجهي، وقد كانت مفتوحة على مصراعيها من أربعة وعشرين ساعة فقط.
أنا "مُدثِر الحُسَينِي" أيها السادة *الاونر* كما يلقبني الجميع،أنا الذي فاقت ثروته المليار جنيه. لا أحمل في جيبي اليوم جنيها واحد، اشعر باختناق يملأ صدري أريد أن اصرخ باكيا و أول كلماتي "ياااااارب.." أضع يدي على وجهي في انهيار تام، فلَم أعد أستطيعُ السيطرةَ على نفسي من شدة البكاء والأنين، أزيح يدي من على وجهي باحثا عن مكان أجلس فيه، لا أستطيع التحمل أكثر، لقد وجدته، وجدت ما أريد، أحد الأرصفة في شارع ضيق لا أعلم اسمه و من يكترث لأمره،أنا لا اعرف كيف أتيت إلى هذا المكان أصلا، أختبئ وراء السيارات المركونة وقد بدأ حقدي في التشكل نحوها، أحقد عليها لأنها وجدت من يحميها بغطاء من البرد والأمطار، اجلس معانقا ركبتاي وادفن رأسي بينهما.
أتعلمون ما هو الشعور بالخذلان..؟، الخذلان هو شعوري وقد تخلى عني الجميع لأني لم أعد أملك الأموال وبطاقات الائتمان التي لا حصر لها، هل هكذا يعامل الفقير، لا أعلم حقا أين أنت يا أمي لكي أشكو و أقول لها أنظري إلى حالي، أمي، نعم لما لا اذهب إليها ألان فهي الوحيدة التي لن تتخلي عني إني ذاهب إليها و سأنام بجوارها، لكن الطريقَ طويلٌ جدا، ولَم أعد أقوى على السير من شدة الجوع والعطش، مع الأسف لا يوجد طريقة أخري، يجب أن أتحمل، قلبي وعقلي يتصارعان ولكن قلبي كالعادة سيطر وبمنتهى القوة.
لم أكن أرتدي سوي بنطلوناً من -الجبردين- وقميصا قطنيا و چاكيت من الجلد الخفيف وحذاء رياضي جل ملابسي ماركة -بولو-، لا يوجد في جيبي سوي هاتفي الفاقد الوعي هو أيضا فقد نفذت بطاريته، ومحفظة مليئة -بالفيزا كارد- الغير صالحه للاستخدام كما هو الحال معي الآن، بالإضافة إلى بطاقة الهوية.
لقد أخذت القرار بالذهاب إلى أمي وكان الطريق يحتاج ساعتين من السير علي قدمي. بعد أن تغلبت على تعبي وانكساري ها أنا أقترب، أراه إنه هو منزلها. لأفتح الباب وعندما رأيتها أخرجت الصرخات المكتومة من صدري بكل قوة
"ماما انتي نايمه وسيباني انا تعبان اووي شوفتي اللي حصلي انا عمري ما عملت حاجه وحشه وربنا شاهد عليا حبيت كل الناس وعملتهم بما يرضي الله مكنتش مخلي حد محتاج حاجه لا كبير ولا صغير كنتي بتقوليلي اخواتك امانه بين ايديك انت الكبير وعملت كل حاجه قولتيلي عليها رابتهم وعلمتهم وجوزتهم وكل واحد فيهم حققتله احلامه ليه مش قولتلهم خالوا بالكم من اخوكم..."، كانت دموعي تسيل وتتغير مع تغير تعابير وجهي،ثم أسكت قليلا ناظرا إليها وأكمل حديثي" كل ده علشان قلبي طيب يحصل فيا كل ده لو يرًضيكي انا موافق طول عمري رضاكي عندي بالدنيا مبقاش ليا حد غيرك خلاص لا زوجه ولا اخوات ولا اصحاب بقولك يا ماما انا تعبان وبردان وجعان خديني جنبك طيب..."، أنظر حولي باحثا عن أي شيء لأنام بجوارها، لم أجد سوى بعض الكراتين أفترشها وأُلقي بنفسي بجانبها نائما في وضعية الجنين، ثم ارفع يدي وأتحسس برعشة قطعة من الرخام مكتوب عليها (يا أيتها النفس المطمأنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فدخولي في عبادي وادخلي جنتي) ١٩٥٥الي ٢٠٠٩ المغفور لها أمينه محمد عبد السلام
لقد بدأ ضوء النهار يلقي بأشعته على الغرفة، وكنت شبه فاقد الوعي لم أشعر بنفسي إلا عند سماعي صوتا ملائكي "عمو...عمو" أفتح عيني لأجد طفلة جميلة مبتسمة، ابتسم لها وقد مدت يدها إلي ببعض الطعام، لأسألها "اي ده" تضحك وهي تضعه بجواري "ده رحمه ونور" ثم تجري كالبرق من أمامي كنت جائعا جدا ولكن رنة صوتها و كلماتها في أذني وأنا أضع الكعكة في فمي، يقول عقلي 'و هل مازالت هناك رحمة ونور عند البشر يا صغيرتي
..................
حين تسير احلامنا عكس الاتجاه. ١٧من ديسمبر ٢٠١٦
.. تجاوزت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل بدقائق، تكاد شوارع القاهرة تخلو من المارة، البرد قارص جدا هذه الليلة، تتساقط دموعي مع الأمطار الخفيفة التي تقذفها السماء، فيختلط كلاهما على وجهي لا تستطيع التميز بين دمعة و قطرة مطر، وما أدراكم أنتم بدموع رجل لم يتعدى الأربعين من عمره.
لا أعرف أين سأذهب، فلا مأوى لدي، وقد أغلِقت أبواب ومنافذ ومعابر العالم في وجهي، وقد كانت مفتوحة على مصراعيها من أربعة وعشرين ساعة فقط.
أنا "مُدثِر الحُسَينِي" أيها السادة *الاونر* كما يلقبني الجميع،أنا الذي فاقت ثروته المليار جنيه. لا أحمل في جيبي اليوم جنيها واحد، اشعر باختناق يملأ صدري أريد أن اصرخ باكيا و أول كلماتي "ياااااارب.." أضع يدي على وجهي في انهيار تام، فلَم أعد أستطيعُ السيطرةَ على نفسي من شدة البكاء والأنين، أزيح يدي من على وجهي باحثا عن مكان أجلس فيه، لا أستطيع التحمل أكثر، لقد وجدته، وجدت ما أريد، أحد الأرصفة في شارع ضيق لا أعلم اسمه و من يكترث لأمره،أنا لا اعرف كيف أتيت إلى هذا المكان أصلا، أختبئ وراء السيارات المركونة وقد بدأ حقدي في التشكل نحوها، أحقد عليها لأنها وجدت من يحميها بغطاء من البرد والأمطار، اجلس معانقا ركبتاي وادفن رأسي بينهما.
أتعلمون ما هو الشعور بالخذلان..؟، الخذلان هو شعوري وقد تخلى عني الجميع لأني لم أعد أملك الأموال وبطاقات الائتمان التي لا حصر لها، هل هكذا يعامل الفقير، لا أعلم حقا أين أنت يا أمي لكي أشكو و أقول لها أنظري إلى حالي، أمي، نعم لما لا اذهب إليها ألان فهي الوحيدة التي لن تتخلي عني إني ذاهب إليها و سأنام بجوارها، لكن الطريقَ طويلٌ جدا، ولَم أعد أقوى على السير من شدة الجوع والعطش، مع الأسف لا يوجد طريقة أخري، يجب أن أتحمل، قلبي وعقلي يتصارعان ولكن قلبي كالعادة سيطر وبمنتهى القوة.
لم أكن أرتدي سوي بنطلوناً من -الجبردين- وقميصا قطنيا و چاكيت من الجلد الخفيف وحذاء رياضي جل ملابسي ماركة -بولو-، لا يوجد في جيبي سوي هاتفي الفاقد الوعي هو أيضا فقد نفذت بطاريته، ومحفظة مليئة -بالفيزا كارد- الغير صالحه للاستخدام كما هو الحال معي الآن، بالإضافة إلى بطاقة الهوية.
لقد أخذت القرار بالذهاب إلى أمي وكان الطريق يحتاج ساعتين من السير علي قدمي. بعد أن تغلبت على تعبي وانكساري ها أنا أقترب، أراه إنه هو منزلها. لأفتح الباب وعندما رأيتها أخرجت الصرخات المكتومة من صدري بكل قوة
"ماما انتي نايمه وسيباني انا تعبان اووي شوفتي اللي حصلي انا عمري ما عملت حاجه وحشه وربنا شاهد عليا حبيت كل الناس وعملتهم بما يرضي الله مكنتش مخلي حد محتاج حاجه لا كبير ولا صغير كنتي بتقوليلي اخواتك امانه بين ايديك انت الكبير وعملت كل حاجه قولتيلي عليها رابتهم وعلمتهم وجوزتهم وكل واحد فيهم حققتله احلامه ليه مش قولتلهم خالوا بالكم من اخوكم..."، كانت دموعي تسيل وتتغير مع تغير تعابير وجهي،ثم أسكت قليلا ناظرا إليها وأكمل حديثي" كل ده علشان قلبي طيب يحصل فيا كل ده لو يرًضيكي انا موافق طول عمري رضاكي عندي بالدنيا مبقاش ليا حد غيرك خلاص لا زوجه ولا اخوات ولا اصحاب بقولك يا ماما انا تعبان وبردان وجعان خديني جنبك طيب..."، أنظر حولي باحثا عن أي شيء لأنام بجوارها، لم أجد سوى بعض الكراتين أفترشها وأُلقي بنفسي بجانبها نائما في وضعية الجنين، ثم ارفع يدي وأتحسس برعشة قطعة من الرخام مكتوب عليها (يا أيتها النفس المطمأنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فدخولي في عبادي وادخلي جنتي) ١٩٥٥الي ٢٠٠٩ المغفور لها أمينه محمد عبد السلام
لقد بدأ ضوء النهار يلقي بأشعته على الغرفة، وكنت شبه فاقد الوعي لم أشعر بنفسي إلا عند سماعي صوتا ملائكي "عمو...عمو" أفتح عيني لأجد طفلة جميلة مبتسمة، ابتسم لها وقد مدت يدها إلي ببعض الطعام، لأسألها "اي ده" تضحك وهي تضعه بجواري "ده رحمه ونور" ثم تجري كالبرق من أمامي كنت جائعا جدا ولكن رنة صوتها و كلماتها في أذني وأنا أضع الكعكة في فمي، يقول عقلي 'و هل مازالت هناك رحمة ونور عند البشر يا صغيرتي
ما بعد المقدمه الحمقاء
الجزء الاول
"السلام عليكم ورحمة الله"
القي التحية رجل يرتدي عباءة و تحتها جلبابا أبيض مضيء مثل وجهه تماما، بابتسامة مشرقة يتجه نحوي حاملا في يده سبحة زرقاء تتلألأ مع أشعة الشمس. كان في فمي آخر ما أهدتني الفتاة من طعام، "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"
لأرد التحية و أنا انهض من مكاني احتراماً له، ثم يقول لي ولا تزال الابتسامة على وجهه، "خليك مرتاح يا بني انا هقعد جنبك بس انا اول مره اشوفك هنا انت تعرف المرحومة!؟"، "انا مدثر ابنها بس حضرتك تعرفها منين".
يندهش لجوابي وقد بدا السرور واضحا على وجهه ثم يضع يده على قدمي كأنه يتحسسها قائلا،"ياااااااه يا ابني انا نفسي اشوفك من زمان يعني انا قاعد قدام '*الاونر*'، مُدثِر الحسيني دلوقت..., انا الشيخ حسن المقرئ هنا"، ابتسمت في سخريه قائلا "كنت يا عم الشيخ، كنت... "، "وايه اللي حصل يا ابني". سألني باهتمام واضح، و كانت لي أيضا الرغبة في الحديث، ففتحت قلبي له لأجده أول شخص يهتم بي، كنت أتكلم بألم، وتسقط دموعي دون أن أشعر، ليخرج منديلا من جيبه ويمسح دموعي في حنان واضح، و قد اغرورقت عيناه بدمع، عند انتهائي سكت قليلا ثم قال وهو ينظر لسبحته "ما دايم الا وجه الله يا مدثر يا ابني اصبر ده ابتلاء من ربنا عاوز يشوف قوة ايمانك"، "يا شيخ حسن انا مش زعلان على الفلوس انا زعلان على عمري اللي ضاع...، علي اقرب ناس ليا كنت فاكرهم اعز و اغلى الناس...".
نهض من مكانه و هو يستند بيديه على الأرض، وحين اعتدل مد يديه إلي قائلا
"تعالى معي يا ابني انا مش هسيبك لوحدك"، اندهشت لما قال، و أقف أنا أيضا أمامه لا أصدق ما سمعت، ثم سحبني من يدي وكأني طفل صغير في يد أبيه، لا يعرف إلى أين هو ذاهب، لكنه مطمئن و يشعر بأمان العالم، كنت أنا هذا الطفل في تلك اللحظة، في لحظة خروجنا من المقابر راودني فضولي لأساله بعد سكوت دام طويلا، "هو احنا رايحين فين يا شيخ حسن"، نظر إلي ثم وضع يده على كتفي وقال "انا اقل حاجه اعملهالك اني اشوفلك حته تنام فيها، عندي واحد صحبي عنده بيت ملك، فيه اوضه فوق السطوح، انا هخدك تقعد فيها احسن من هنا الجو برد عليك..".
استعجبت لما قال فلم أكن أتوقع هذا الكلام منه لأقول له "متشكر اووي يا شيخ حسن بس ليه تعمل كل ده مع واحد متعرفوش..."، رد قائلا "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، أفكر فيما قال، إذن هذا يوم الرحمة، لأتذكر الفتاة التي قالت رحمه ونور ثم أقول في خجل" انا مش عارف اشكرك ازاي يا شيخ حسن "
"الناس لبعضها يا مدثر يا ابني بكره هتعرف انا عملت كده ليه"،ركبنا وسيلة مواصلات عامة، و كانت مكتظة بالبشر، في ساعة قد اقتربت من السادسة مساء، كان الليل قد حل علينا، فنهار الشتاء قصير، بدأت أشعر ببعض الراحة وأنا بجوار الشيخ، فبمجرد النظر إلى وجهه أنسى كل ما حدث، لقد وجدت القشة التي يتعلق بها الغريق و بدئت تتضح الرؤيا، ارتسمت على وجهي بعض علامات القلق، لأتشبث به هذه المرة عند نزولنا من علبه السردين تلك، أساله "هو احنا رايحين فين يا شيخ حسن"، يضحك وكأنه شعر بما في قلبي قائلا " متخفش يا مدثر انا عارف انك عمرك ما جيت منطقه شعبيه زي دي"،أقول وما زلت أتعلق في عباءته
" اه فعلاا اول مره" علت الأصوات من الباعة المتجولين حولنا وكذالك الفئران المسماة ب 'التوك توك' وهي وسيله مواصلات بثلاث عجلات منتشرة جدا في الهند وقد بدأ يذيع صيتها في مصر وخاصة المناطق الشعبية، حيث يعمل عليها الشباب دون الثامنة عشر وفي بعض الأحيان قد يصل سائقها إلى خمسون عاما، فهم يعتمدون عليها كوسيلة لكسب العيش، ولكن ما يثير جنونك هو تلك الموسيقى الغريبة التي تصدر منها، يسمونها 'المهرجانات'.
يلقي التحية جميع المارة على الشيخ حسن فيرفع يده أيضا لإلقاء التحية فكنت أحتمي به من عيون الناس التي كانت ترمقني باستعجاب وكأنهم يقولون ماذا يفعل الغريب هنا، بدأ صوتي فالارتفاع تدريجيا فقد زاد الضجيج من حولي حتى يسمع الشيخ حسن ما أقوله " هو انا هعيش هنا يا عم الشيخ"، يرفع صوته هو الاخر قائلا "اصبر يا بني متستعجلش دلوقتي هتعرف كل حاجه"، كنا قد ابتعدنا قليلا عن الصخب ودخلنا إحدى الحواري الضيقة كانت مليئة بالمحلات البسيطة، منها بيع وإصلاح الهواتف المحمولة، محلات البقالين والجزارين وورشة لإصلاح السيارات، إلى أن توقفنا عند مقهى صغير ثم قام الشيخ بالنداء " واد يا كنكه"،
ليأتي كنكه قائلا "ايوه يا عم الشيخ تحت امرك"، "اومال الحج طه فين" سؤال الشيخ لكنكه الذي جاوبه "كان هنا من شويه ومعرفش راح فين "،ثم يقول الشيخ من جديد "طب خلاص روح انت واول ما يجي خليه يجيلي البيت ضروري اوعي تنسي".
اما انا فقد كنت اسمع صوت الراديو وكانت الست تصدح "تفيد بأيه ايه يا ندم يا ندم وتعمل ايه يا عتاب طالت ليالي الالم واتفرقوا الاحباب,,, واتفرقوا"
وذهبنا، قال الشيخ "اسمع يابني فيه اوضه صغيره عند الحج طه فوق السطوح تعد فيها مؤقتا لحد ما نشوف هنعمل ايه، احنا دلوقتي هنروح البيت عندي ناكل لقمه يكون الحج طه وصل"، انظر إليه مبتسما وأقول " انا مش عارف اشكرك ازااي..."، ليقاطعني "مفيش داعي للشكر يا بني انا برد الجميل وعاوز اطلب منك طلب لازم تغير اسمك وتشوفلك اسم تاني"، لم افهم شيء مما قال الشيخ عن أي جميل يتكلم ولماذا أغير اسمي فانا لست مطارد حتى ألان.
حين وصلنا إلى منزله وطرق الباب، ظهر القمر بداخله، رأيت وجها قد أبدع الخلاق في صنعه، فقد سرحت في عينيها لثواني ولَم اسمع الشيخ حسن عندما قال "اتفضل يا بني اتفضل يا كريم"،وقتها انتبهت فقد اختار اسما لي، وحين دخلت وعرفني بها الشيخ حسن قائلا "دي بقي حبيبه بنتي".
لأعرف وقتها اني سأبدأ باسم جديد وحبيبه جديدة
الجزء الاول
"السلام عليكم ورحمة الله"
القي التحية رجل يرتدي عباءة و تحتها جلبابا أبيض مضيء مثل وجهه تماما، بابتسامة مشرقة يتجه نحوي حاملا في يده سبحة زرقاء تتلألأ مع أشعة الشمس. كان في فمي آخر ما أهدتني الفتاة من طعام، "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"
لأرد التحية و أنا انهض من مكاني احتراماً له، ثم يقول لي ولا تزال الابتسامة على وجهه، "خليك مرتاح يا بني انا هقعد جنبك بس انا اول مره اشوفك هنا انت تعرف المرحومة!؟"، "انا مدثر ابنها بس حضرتك تعرفها منين".
يندهش لجوابي وقد بدا السرور واضحا على وجهه ثم يضع يده على قدمي كأنه يتحسسها قائلا،"ياااااااه يا ابني انا نفسي اشوفك من زمان يعني انا قاعد قدام '*الاونر*'، مُدثِر الحسيني دلوقت..., انا الشيخ حسن المقرئ هنا"، ابتسمت في سخريه قائلا "كنت يا عم الشيخ، كنت... "، "وايه اللي حصل يا ابني". سألني باهتمام واضح، و كانت لي أيضا الرغبة في الحديث، ففتحت قلبي له لأجده أول شخص يهتم بي، كنت أتكلم بألم، وتسقط دموعي دون أن أشعر، ليخرج منديلا من جيبه ويمسح دموعي في حنان واضح، و قد اغرورقت عيناه بدمع، عند انتهائي سكت قليلا ثم قال وهو ينظر لسبحته "ما دايم الا وجه الله يا مدثر يا ابني اصبر ده ابتلاء من ربنا عاوز يشوف قوة ايمانك"، "يا شيخ حسن انا مش زعلان على الفلوس انا زعلان على عمري اللي ضاع...، علي اقرب ناس ليا كنت فاكرهم اعز و اغلى الناس...".
نهض من مكانه و هو يستند بيديه على الأرض، وحين اعتدل مد يديه إلي قائلا
"تعالى معي يا ابني انا مش هسيبك لوحدك"، اندهشت لما قال، و أقف أنا أيضا أمامه لا أصدق ما سمعت، ثم سحبني من يدي وكأني طفل صغير في يد أبيه، لا يعرف إلى أين هو ذاهب، لكنه مطمئن و يشعر بأمان العالم، كنت أنا هذا الطفل في تلك اللحظة، في لحظة خروجنا من المقابر راودني فضولي لأساله بعد سكوت دام طويلا، "هو احنا رايحين فين يا شيخ حسن"، نظر إلي ثم وضع يده على كتفي وقال "انا اقل حاجه اعملهالك اني اشوفلك حته تنام فيها، عندي واحد صحبي عنده بيت ملك، فيه اوضه فوق السطوح، انا هخدك تقعد فيها احسن من هنا الجو برد عليك..".
استعجبت لما قال فلم أكن أتوقع هذا الكلام منه لأقول له "متشكر اووي يا شيخ حسن بس ليه تعمل كل ده مع واحد متعرفوش..."، رد قائلا "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، أفكر فيما قال، إذن هذا يوم الرحمة، لأتذكر الفتاة التي قالت رحمه ونور ثم أقول في خجل" انا مش عارف اشكرك ازاي يا شيخ حسن "
"الناس لبعضها يا مدثر يا ابني بكره هتعرف انا عملت كده ليه"،ركبنا وسيلة مواصلات عامة، و كانت مكتظة بالبشر، في ساعة قد اقتربت من السادسة مساء، كان الليل قد حل علينا، فنهار الشتاء قصير، بدأت أشعر ببعض الراحة وأنا بجوار الشيخ، فبمجرد النظر إلى وجهه أنسى كل ما حدث، لقد وجدت القشة التي يتعلق بها الغريق و بدئت تتضح الرؤيا، ارتسمت على وجهي بعض علامات القلق، لأتشبث به هذه المرة عند نزولنا من علبه السردين تلك، أساله "هو احنا رايحين فين يا شيخ حسن"، يضحك وكأنه شعر بما في قلبي قائلا " متخفش يا مدثر انا عارف انك عمرك ما جيت منطقه شعبيه زي دي"،أقول وما زلت أتعلق في عباءته
" اه فعلاا اول مره" علت الأصوات من الباعة المتجولين حولنا وكذالك الفئران المسماة ب 'التوك توك' وهي وسيله مواصلات بثلاث عجلات منتشرة جدا في الهند وقد بدأ يذيع صيتها في مصر وخاصة المناطق الشعبية، حيث يعمل عليها الشباب دون الثامنة عشر وفي بعض الأحيان قد يصل سائقها إلى خمسون عاما، فهم يعتمدون عليها كوسيلة لكسب العيش، ولكن ما يثير جنونك هو تلك الموسيقى الغريبة التي تصدر منها، يسمونها 'المهرجانات'.
يلقي التحية جميع المارة على الشيخ حسن فيرفع يده أيضا لإلقاء التحية فكنت أحتمي به من عيون الناس التي كانت ترمقني باستعجاب وكأنهم يقولون ماذا يفعل الغريب هنا، بدأ صوتي فالارتفاع تدريجيا فقد زاد الضجيج من حولي حتى يسمع الشيخ حسن ما أقوله " هو انا هعيش هنا يا عم الشيخ"، يرفع صوته هو الاخر قائلا "اصبر يا بني متستعجلش دلوقتي هتعرف كل حاجه"، كنا قد ابتعدنا قليلا عن الصخب ودخلنا إحدى الحواري الضيقة كانت مليئة بالمحلات البسيطة، منها بيع وإصلاح الهواتف المحمولة، محلات البقالين والجزارين وورشة لإصلاح السيارات، إلى أن توقفنا عند مقهى صغير ثم قام الشيخ بالنداء " واد يا كنكه"،
ليأتي كنكه قائلا "ايوه يا عم الشيخ تحت امرك"، "اومال الحج طه فين" سؤال الشيخ لكنكه الذي جاوبه "كان هنا من شويه ومعرفش راح فين "،ثم يقول الشيخ من جديد "طب خلاص روح انت واول ما يجي خليه يجيلي البيت ضروري اوعي تنسي".
اما انا فقد كنت اسمع صوت الراديو وكانت الست تصدح "تفيد بأيه ايه يا ندم يا ندم وتعمل ايه يا عتاب طالت ليالي الالم واتفرقوا الاحباب,,, واتفرقوا"
وذهبنا، قال الشيخ "اسمع يابني فيه اوضه صغيره عند الحج طه فوق السطوح تعد فيها مؤقتا لحد ما نشوف هنعمل ايه، احنا دلوقتي هنروح البيت عندي ناكل لقمه يكون الحج طه وصل"، انظر إليه مبتسما وأقول " انا مش عارف اشكرك ازااي..."، ليقاطعني "مفيش داعي للشكر يا بني انا برد الجميل وعاوز اطلب منك طلب لازم تغير اسمك وتشوفلك اسم تاني"، لم افهم شيء مما قال الشيخ عن أي جميل يتكلم ولماذا أغير اسمي فانا لست مطارد حتى ألان.
حين وصلنا إلى منزله وطرق الباب، ظهر القمر بداخله، رأيت وجها قد أبدع الخلاق في صنعه، فقد سرحت في عينيها لثواني ولَم اسمع الشيخ حسن عندما قال "اتفضل يا بني اتفضل يا كريم"،وقتها انتبهت فقد اختار اسما لي، وحين دخلت وعرفني بها الشيخ حسن قائلا "دي بقي حبيبه بنتي".
لأعرف وقتها اني سأبدأ باسم جديد وحبيبه جديدة