رواية سكن مشترك كامله وحصريه بقلم نورهان علام
فتح الباب وهو مش شايف من النعاس، لكنه اتعدل في وقفته لما شافها وهو بيقول:
"خير يا غالية... محتاجين حاجة؟"
قالها باستفسار وعيونه مش عليها، عيونه مش على أي حاجة كعادتها، عيونه تايهة ومرهقة، فضلت ساكتة بعد سؤاله، متوترة، بتفرك كفوف يديها في بعض، كرر سؤاله تاني بتعب:
"طب أنتِ محتاجة حاجة؟"
بلعت ريقها وهي بتقول بلا مقدمات:
"فارس... تعالى نتجوز، هنرتاح إحنا الاتنين، لو فكرت كدة أهلك هيسيبوك في حالك، هتسافر وهتسيبني هنا، مش هخليك ملزم لا بزوجة ولا بيت ولا حتى مصاريف".
قالت كل اللي عندها دفعة واحدة، وهو!
كان متنح، شاكك في نفسه إنه أكيد سمع غلط، يمكن أصلا هو لسه نايم، أو حتى دي هلاوس.
"دا رقمي... هستناك تكلمني عشان أفهمك أكتر".
أخذ الورقة من يديها بذهول وهي نزلت بسرعة لأهلهم تحت عشان محدش يحس بغيابها، كلهم مركزين مع غياب جسمها، لكن روحها اللي غابت من سنين محدش لاحظها.
================================
قبل سبع سنين
الزغاريد في شقتهم كانت واصلة لآخر الحارة، وصوت فرحتهم بنتيجة الثانوية مسمع كل البيوت:
"وحياة قلبي وأفراح، وهناه في مَساه وصباحه
دا مافيش فرحان في الدنيا قد الفرحان بنجاحه"
كانت غالية بتغني وتتنطط في النص وأخواتها البنات وأمها وأقرب ناس ليهم كمان موجودين، صديقة طفولة أمها وبناتها، كانوا ملفوفين حلقة حوليها بيصقفوا:
"مبروك يا غالية... عقبال فرحة التنسيق وبالمجموع الحلو دا تدخلي هندسة زي فارس".
ضحكت بصوت عالي وهي بتحضنها وبتقول:
"يا كيمي أنا علمي علوم... أمسك لهم مشرط بدل القلم الرصاص أرسم بيه يعني؟"
الكل ضحك معاها، وطبعا الكل متقبل كريمة اللي في كل مناسبة أو قاعدة أو حتى وجودها الطبيعي في أي مكان مرتبط إنها لازم تذكر سيرة فارس ابنها من وهو في اللفة وعن فخرها وحبها له.
"هندسة إيه يا كريمة اللي البنت تدخلها ملهاش مستقبل، دي هتبقى دكتورة قد الدنيا، تشتغل في أي مستشفى وتفتح عيادة لها تكسب من وراها دهب".
قربت منال بنت طنط كريمة تسحبني من وسط الاتنين اللي يفتحوا وصلة ردح صغيرة كدة على ابن مين الشاطر الأنجح:
"تعالي بس كدة لأحسن يكلوكي في النص".
ضحكت والخمس بنات دخلوا أوضة غالية:
"أيوه بقى أول دكتورة اللي هتشرفنا في العيلة وعيلة العيلة".
قالتها منال بحب وهي بتضم غالية، رغم فرق السن اللي بينهم حوالي ٨ سنين، لكن جمال غالية ونضجها عن سنها وكمان مرحها وبهجتها بتخلي أي حد يحبها، لكن قطع الحضن الجميل دا الكائن الصغير المستفز اللي ممرهت غالية في خلفة البنات، وهي أخت منال الصغيرة عندها ١٢ سنة بس وولية مطلقة ٧ مرات باين:
"مشرفة عائلتهم، لكن إحنا مافيش غير فاروس هو اللي مشرف عائلتنا".
بصيت للصغيرة بيأس، أصل هيكون إيه ناتج التربية لما تكون الطفلة محشورة في كل حوارات الكبار من أكبر حاجة لأتفه حاجة، رغم إن منال الأكبر منها بعمر كامل مش كدة خالص، منال زعقت لها وبعدين جات أختي الوسطانية قمر وهي بتقول:
"طب إيه، إحنا لازم من دلوقتي نحضر هدوم الكلية والميكب عشان لما التنسيق يظهر هتتسحلي في التقديم والرغبات ومش هنفضى".
وفعلا دفة الحوار اتغيرت وقعدوا ساعات يختاروا في استايلات والبنات بتجرب من بعضها، فرحتهم بغالية أصغر بنوتة فيهم يعتبر وهي بتحقق حلمها اللي تعبت عشان توصل له.
==================================
وبعد ظهور التنسيق وأيام والنتيجة بتاعته ظهرت، وكانت اللحظة اللي غيرت كل حاجة، لحظة كان الاختيار فيها هيرسم حياتها لسنين قدام، لكن للأسف قراراتنا مش دايماً بتبقى صح، ممكن نكون عاوزينها لكن مش مناسبة لينا، أو حتى من كتر ما إحنا متمسكين بيها محسبناش كويس عواقبها.
واتقبلت غالية في طب طنطا، لأن مجموعها مكنش كافي إنها تتقبل في أي كلية في القاهرة، والأيام عدت بسرعة وبين حرب وإصرار في البيت عرفت تقنعهم إنها هتقعد مع خالتها في إسكندرية طول فترة الدراسة، والمسافة بين الكلية وخالتها مش بعيدة زي المسافة بين القاهرة وطنطا.
كانت واقفة على رصيف المحطة، ومعاها شنطتها وورق كليتها وابتسامتها المقبلة على الحياة الجديدة، ووصلت لبيت خالتها، والترحيب الكبير ليها هناك حسسها بالغربة، الغربة اللي فعلاً كانت ابتدت وهي مش حاسة.
بمرور سنتين على اللحظة دي:
"يا حبيبي نتقابل إزاي؟
امتحاني كمان يومين والمادة دي فتحتها من أول الترم".
"يا حبيبتي أنتِ شطورة وتعرفي تلميها في يوم، وبعدين لسه في فاينل تعوضي فيه.. أنتِ وحشتيني وكمان عندي حوارات محتاج أقعد معاكي شوية".
نبرة صوته، ودلعه ليها، وإنه على طول شايفها شطورة، خلاها توافق، عاشها أجمل سنتين في حياتها، فلما يكون محتاجها أكيد أكيد هتروح له، وبالفعل قامت لبست وأخذت شنطة فيها كشكولين وخرجت لخالتها:
"أنا نازلة يا لولو".
"نازلة فين يا غالية؟
دا وقت خروج وامتحانك كمان يومين، مش عاوزين مرقعة الترم اللي فات، قضيتيها خروج وأنتِ بتقولي أنا هعرف ألم يا لولو، أنتِ مش واثقة في شطارتي يا لولو؟ وبعدين نجحتي على درجة واحدة!".
مالت على خدها تبوسها وهي بتداري الكتب وبتقول:
"والله نازلة أذاكر مع صحابتي وأهو نشجع بعض، وماتخافيش قبل الساعة ١٠ هبقى هنا".
خرجت وهي متضايقة، مكنتش بتحب الكذب لكن اتعلمته، زي ما اتعلمت حاجات كتير مكنتش بتحبها، فعلاً وصلت الكافيه اللي بيقعدوا فيه، وقعدت جنبه وهو مسك يديها وبيقول:
"كنت عارف إنك هتيجي يا غالية، أنتِ الرهان الوحيد في حياتي اللي ضامن مكسبه".
كان كلامه حقيقي وواضح، لكنها ترجمته بطريقة خلتها تدوب فيه أكتر وهي بتسأله بقلق:
"مالك يا حبيبي؟ حصل إيه؟"
"أبويا بدماغه الخربانة دي، مصمم إني مفتحش المشروع اللي بحلم بيه وبيقولي ركز في الكلية".
مكنتش حابة طريقة كلامه على أهله خالص، دايماً مش بيقول أفضل كلام ومش بيختار كلماته، لكنها كانت بتلتمس له العذر في كونهم دايماً مش فاهمين ودائماً مش مدركين أحلامه وطموحه، حتى كليته قايل لها إنهم هم اللي اختاروها.
الكلام خدها وسندت على كتفه وهي بتشرب اللبن بالشكولاتة وهو بيصورهم وبعدين وراها الصور:
"حلوة أوي الصورة دي".
"حلوة عشان أنتِ فيها يا حياتي".
ابتسمت بفرحة مش طبيعية من كلامه الجميل واللطيف ونسيت خالص إن تليفونها في يده لغاية ما استوعبت وهو بيرفع حاجبه بتعجب وبيقول:
"إيه دا؟ إيه دا؟ إيه دا؟ إيه الجمال المستخبي دا يا غالية؟"
خطفت التليفون منه بحرج وهي بتشوف الصورة بتاعت إمبارح، كانت ببيجامة بكم عادية لكن كان كتفها باين، وطبعاً زي أي بنت بتذاكر بتجيب آخرها من المادة فتقوم تحط ميكب وترفع شعرها ويبقي ناقص ترقص للمادة عشان تتفهم:
"دا... دا كنت بذاكر إمبارح بس ومكنتش فاهمة أوي".
ضحكت على توترها وهو بيمسك يديها وبيقول بهزار مسموم:
"كل دا للمادة؟
أومال هتعمليلي أنا إيه لما نتجوز؟"
سحبت يديها فوراً وهي بتقول بتكشيرة:
"مبحبش الطريقة دي في الكلام، لو سمحت متكررهاش".
"خلاص يا ستي آسف، كنت بس بهزر معاكي، من غير ما أشوف حاجة يا غالية متأكدة إنك جميلة، أحلى بنت في الدنيا كلها".
حاولت تفك والكلام خد بعضه لغاية ما سألها:
"مش قصدي حاجة والله، بس أنتِ كنتِ حاطة حاجة على كتفك؟
بني كدة وشكلها غريب معرفتش دا إيه.. تاتو؟"
ملامحها اتغيرت وهي بتبص بعيد عنه شوية، مكنتش مركزة في إنه اتخطى حدوده تاني على قد ما سرحت في الحرق اللي سأل عنه، لكنها جاوبته بضيق وزعل وهي بتقول:
"دا حرق على كتفي وجزء بسيط جداً من ظهري، مش بيبان أصلاً لو فارده شعري... من أربع سنين وأنا في أولى ثانوي وقع زيت مغلي عليا لكن ماما لحقتني والباقي وقع على يديها هي".
طبعاً كان بيواسيها وبيعرفها إنها جميلة زي ما هي، وإن الحرق اللي زعلانة منه دا مزودهاش غير جمال، وكلام كتير تحب أي بنت تسمعه من حبيبها، لكن كل دا اتغير، كل دا بمعنى أصح اتبخر.
==================================
بمرور سنتين:
كانت خارجة وواقفة قصاد المراية، خلاص خلصت سنة رابعة وأخذت الإجازة، وكانت مضطرة تنزل إجازة للقاهرة عشان إصرار أمها إنها تطمن عليها. خلصت الميكب اللي حاولت يكون خفيف قدر الإمكان، واستلفت فستان من بنت خالتها واسع عن لبسها اللي تغيرت طبيعته تماماً، وفعلاً نزلت وقابلته عشان هيوصلها للمحطة.
"الجميل لسه زعلان ولا إيه؟"
"اتحرك عشان ميعاد القطر ميفوتش".
قالتها بنبرة حاولت تخليها طبيعية، مابتقدرش تزعل منه، لكن كل أفعاله بقت بتضغط عليها. كل جهدها بقى مركز عليه وعلى مراقبته وعلى إنها لازم تفضل جميلة في عيونه. في بنات تانية كاملة مكملة معندهمش علامات في جسمهم، لبسهم شيك والميكب بتاعهم على الشعرة. مكنتش مركزة إن عقدة جسمها اللي الكل وصلها له إنه مفيش حد هيقبل بيها بالحرق دا، الحرق اللي بقى علامة في نفسيتها قبل كتفها، وعيونه اللي بقت تروح على كل البنات حتى وهو معاها ومبرراته غير المقنعة لكنها بتعمل نفسها مقتنعة لغاية ما بقت بتقتنع فعلاً. وصلها المحطة فعلاً وبيودعها وهو ماسك إيديها وبيقول:
"والله يا حبيبتي كان صاحبي مستلف العربية مني عشان يخرج مع صاحبته ومكنتش أعرف إنها صاحبتك".
دا كان مبرره أو كذبته، لما طلبت منهم يوصلوها هي وأصحابها مكان عربيته عشان الأم كانت رافضة يروحوا هناك، أول ما طلعت وشغلوا شاشة العربية، سبحان الله لقت إن أكثر الأجهزة ارتباطاً هو موبايل صاحبتها!
قال إيه هي وصاحبه مرتبطين وبيخرجوا بالعربية بتاعته! عربيته اللي هي متأكدة إنه مش بيديها لإخواته غير بالعافية هيسيبها لصاحبه عادي؟!
================================
زغاريد أمها المعتادة وهي بتستقبلها، وكمان كريمة موجودة مع مامتها لكن محدش من البنات كان موجود. بعد السلامات غيرت ودخلت المطبخ تساعد أمها عشان الكل هيتغدى النهاردة عندهم؛ الكل دي معناها هي وإخواتها وكريمة صاحبة أمها وبناتها وكمان ابنها فارس. مكنتش غالية مهتمة، كانت واقفة بتخرط الملوخية وهي سرحانة ودبلانة لغاية ما كريمة قالت:
"تخنتي واحلوّيتي يا بنت يا غالية... مع إن مش باين عليكي التخن لكن فستانك كان ضيق عن العادي".
"من القعدة والمذاكرة يا خالتي".
بس!
دا كان ردها. في العادي غالية بكّاشة، بتهزر وتضحك ومافيش كلمة بتعدي من تحت لسانها عادي من غير ما تضحك أو تتغزل في اللي حواليها. غالية في عيونها جميلة، بتشوف الناس كلها جميلة، لكن غالية دلوقتي شايفة الكل جميل إلا هي.
الكل اتجمع على الغدا وهي مركزة في طبقها مش بتشارك في أي حديث، لكن لازم تبقى مركزة وسامعاهم عشان لو حد سألها عن حاجة ترد. مينفعش حد يلاحظ إنها سرحانة وبالها مشغول أو إنها زعلانة ومكسورة، هتدخل في دوامة أسئلة يتعبوا بيها أكتر.
"وهو فارس مش جاي يا كريمة؟"
كان سؤال مامتها اللي كملت كلامها وقالت إنه بقاله شهور مش بيجي يشوفها زي ما متعود، لكن كريمة زي أي ست مصرية أرهقها الكتمان فقالت:
"فارس ابني ربنا يهديه والله تعبني ومغلبني، البنت اللي بيحبها أهي اتجوزت وحامل باين وهو على حطة إيدك من بعد ما سابوا بعض، يحبها من وهو ١٨ سنة!
المعفنة دي، يوفي الله!
تسيب ابني وتروح لغيره، بنت مالهاش أصل ولا تستاهله أصلاً".
رفعت غالية رأسها باستغراب، كانت عارفة إن فارس ابن كريمة بيحب واحدة وتقريباً هي تعرف البنت كمان لأنها من المنطقة هنا، لكن عدت سنين على آخر مرة سمعت فيها الكلام دا، وهي في ٣ ثانوي باين كانت سامعة إنه خلص ٣ كلية ورايح يتقدم لها، وبعدها على طول عرفت إن أهلها رفضوه وماركزتش مع الموضوع تاني. أصل أكيد هو نفسه فكّس للبنت.
"ابنك دا فقري، معقول بيحب واحدة من وهو ١٧ سنة وهو خلاص داخل على ٢٦ سنة خلاص!"
كانت هتشرق وهي بتبلع المياه. معقول في حد ممكن يحب حد لمدة ٨ سنين؟
بيحبه بلا كلل وممل كدا، من غير ما حتى يقدم له حاجة؟ اللي تعرفه إنهم ارتبطوا سنتين في أول كليته وبعدين هو سابها لأسباب مكنتش مهتمة تركز معاها زمان، وبعد سنة رجع اتقدم لها تاني اللي هي اترفضت في المرة دي.
اتجوزت وحامل كمان وهو لسه قلبه معاها، واحدة يعتبر سابته ورفضته... واحدة ماقدمتش له أي حاجة، ماغيرتش من نفسها في كل حاجة عشان تعجبه!
غصب عنها سرحت وقارنت، كانت بتحلم حبيبها يحبها كدا لكن حلمها ماتحققش.
خلصت الإجازة ورجعت الإسكندرية، وأول حاجة عملتها كانت اختبار له، اختبار مدى تمسكه بيها لو قالت له:
"خلينا نسيب بعض فترة، صدقني مش قادرة أكمل وجوايا كل الدوشة والشكوك دي".
==================================
بمرور سنة
اسمي اتنده من مساعدة الدكتورة فقلت ودخلت:
"أهلاً أهلاً بالغالية اللي ماجتش جلساتها بقالها شهر ونص".
ابتسمت لدكتورتها اللي تقريباً ضربوا مع بعض صحوبية وعلاقتهم بقت أكبر بكتير من مجرد ثيرابيست ومريضة:
"الامتحانات آخر سنة أهي وهخلص".
"مفكرتيش تكملي سنة الامتياز برضو؟"
"قراري نهائي، أنا أول ما الترم دا يخلص هروح القاهرة، ماليش قُعاد في إسكندرية تاني".
"ماشي يا ستي، مش هضغط عليكي دلوقتي بس هنتكلم تاني، بس مش في العيادة، خلينا دلوقتي نكمل مكان ما وقفنا آخر مرة وكمان تقوليلي عملتي إيه الشهر اللي فات".
"أنا شوفته على فكرة، بس لأول مرة أبقى قرفانة منه، شيفاه ميستاهلش حتى أسئلة إني لسه عملت فيا كده، ليه كرهتني في نفسي وشكلي لدرجة دي؟
كنت باصة له مش بتحسر على اللي عمله فيا يا إسراء، كنت باصة له بحسرة على أربع سنين من عمري اللي ضيعتهم معاه".
كان في تقدم كبير ولمحة فرحة في عيون إسراء إن دا حصل، إنها أخيراً من غير ما تحس بدأت تدي لنفسها قيمة وتدي للحظات عمرها والسنين اللي قضتها معاه قيمة من تاني، وشافت أخيراً إنه أصلاً مكنش يستحقها.
إسراء كانت فاكرة أول الجلسات وهي بتبكي ونهارة عن ليه سابها ولسه سامعة كلامها وهو لو بيحبها مكنش هيعمل كده، وبعدين سنة كاملة بتحاول تصلح لها جملة:
"أنا لو كنت أستاهله مكنش هيسيبني".
================================
بمرور سنة والعودة للوقت الحالي:
نزلت عشان أهلهم مايحسوش بغيابها، بعد ما نفذت أكتر حاجة مجنونة خطرت على بالها مع أبعد إنسان ممكن ييجي في دماغه في موقف زي دا، عرضت عليه إنهم يتجوزوا، ماتعرفش ليه، بس هي سمعت نصيحة إسراء: أي حاجة مجنونة عاوزة تعمليها اعمليها.
"نعم يا روح أمك!"
بلعت ريقي بخوف وأنا بقول:
"فين المهنية... إحنا دلوقتي في جلسة على فكرة".
في لحظة قفلت الفيديو كول بتاع الجلسة واتصلت فيس تو فيس تشرشح لي:
"قال مهنية قال... أنتِ بجد عملتي كده؟"
"مش أنتِ اللي قلتي أي حاجة مجنونة روحي اعمليها؟"
"أنتِ بتستعبطي!
إحنا بنحاول نرجع شخصيتك المرحة اللي بتضحك وتتحرك من غير ما تحسبها، يعني الجنان في حالتك دلوقتي إنك تروحي تسهري مع أختك في بيتها، تنزلي تلعبي "اسكيت" على الكورنيش، تجربي مثلاً تخرجي من أوضتك وتقعدي مع أبوكي وأمك اللي لسانك مش بييجي على لسانهم غير بالصدف... لكن تروحي لواحد ماتعرفيهوش تقولي له نتجوز؟!"
"أنا عملت كده وخلاص، وصدقيني اللي عملته دا كان أسهل عليا من إني أعمل اللي أنتِ بتقوليه عليه دا، أنا خلاص مابقتش عاوزة حاجة من الدنيا غير إني أبقى في حالي... صدقيني مش حمل أسمع كلمة زي اللي بابا قالها من أسبوع... هعمل حاجة في نفسي يا إسراء والله".
خلصت كلامها وانهارت من العياط في أرضية البلكونة، ومهما حاولت إسراء تهديها كانت النتيجة إنها قفلت المكالمة والتليفون وبتبكي بصمت ووجع، وهي بتفتكر من أسبوع وهي بتتكلم مع أمها:
"غالية... في عريس متقدم لك يا بنتي، وعاجب أبوكي وشكله ابن حلال، ما تجربي تقعدي معاه يا بنتي يمكن يعجبك".
زفرت بعصبية، خلال السنة اللي رجعت فيها بعد ما خلصت الكلية وهي بتفر من أبوها وأمها اللي كل شهر ييجوا بقائمة عرسان:
"جواز مش هتجوز يا أمي، أنا هفضل قاعدة في بيت أبويا، بس لو تقيلة عليكم للدرجة دي قولي لي".
أمها قلقت من عصبيتها، بنتها اللي سافرت وهي ١٨ سنة غير البنت صاحبة الـ ٢٤ سنة اللي قصدها، اختلفت، اتبدلت، ودبلت زي الوردة اللي ماتت قبل أوانها:
"طب اهدي يا حبيبتي، ولو في حد في قلبك قولي لي أنا أمك سترك وغطاكي، ووعد يا ستي لو هو حد مناسب أقف قصاد الدنيا كلها وأجوزهولك".
مقدرتش تستحمل وحضنت أمها بكل تعب الدنيا والوجع اللي فيها وهي بتقول:
"أنا مش قادرة يا ماما، معنديش أي حاجة باقية أقعد بيها مع حد تاني، أنا تعبت واستنزفت لآخر نقطة فيا، مش عاوزة أتجوز، مش عاوزة راجل يقرب مني حتى ويبص ليا، ارحميني أنتِ وبابا من سيرة الجواز والخطوبة... اعتبريني اترهبنت يا ستي وقفلت باب الجواز".
ماعرفش إيه حصل وإمتى بابا دخل وهو بيزعق ومتعصب ومش في حالته الطبيعية اللي بتسمعها:
"اترهبنتي!
رهبنة إيه اللي بنت بنوت مشافتش الدنيا تقول عليها؟ عرفيني ليه رافضة أي شخص مين ما كان هو؟
رافضة حتى من قبل ما تشوفيه وتعرفي اسمه!
عملتي إيه في نفسك في إسكندرية يا غالية... خنتي ثقتي فيكي يا غالية؟"
==================================
سمعت صوت باب البلكونة بيتفتح، قامت بسرعة وهي بتمسح دموعها وبتحاول تنسى اللي سمعته من أسبوع من أبوها، لكنها لقت أباها قدامها.
خبت عيونها عنه، هي حتى لو كلامه وجعها، لكن التمست له ألف عذر. هي لو في مكانه كانت هتفكر كدة؛ كل حاجة بالترتيب دا، برود أفعالها، كانت تدل إن رفضها للجواز مش لسبب عادي، مش لمجرد إنها مش عاوزة تتجوز دلوقتي أو حتى تعرف حد وبتحبه.
فهمت إن غضبه لحظتها كان من خوف وحيرة سنتين وبنته عايشة زي الأموات، لا بتضحك، لا بتفرح، لا بتقعد معاه، لا بترغي زي زمان وتصدعه.
فضلت واقفة وعيونها في الأرض مش عارفة تبص له، هي فعلاً خانت ثقته، يمكن مش بالطريقة اللي لمح لها وندم على كدة في نفس اللحظة، لكنها في النهاية فعلاً هانت ثقته هي وأهلها كلهم، لما ارتبطت وخرجت معاه وسمحت له يتعدى حدود كتير معاها، خانت ربها ودينها وأهلها لما لبست كل حاجة مايرضيش ربنا من ضيق لقصير وهي حاطة حتة قماشة ملهاش عازة على شعرها.
أبوها حضنها من غير مقدمات وهو بيقول:
"حقك عليا يا غاليتي، خوفي وغضبي اتحركوا قبل عقلي، وسوسة الشيطان غلبتني، حقك عليا يا بنتي، مكنتش أقصد والله، مجرد كلام في لحظة غضب.....
أنا واثق فيكي وفي تربيتي، وواثق إن بنتي حتى لو مجنونة هي ماعملتش حاجة تحني رأسي بيها ولا تغضب ربنا".
عيطت!
انهارت مع كل كلمة هو قالها، حاسة إنها ماتستحقش حتى لو كانت بتتمناها.
أساساً إنها ماتستحقش الثقة والحب دا كان ضميرها اللي حاسس بالذنب وندمان على كل غلطة عملتها، ومزيج من العلامة اللي هو سابها في روحها إحساس مش بيفارقها إنها أقل من إنها تتحب، أقل من إنها تتشاف، أقل في الجمال من أي حد، أقل في كل حاجة.
إحساس بقالها سنين بتحاول تتعالج منه، لكن معها اتعالج؛ حتى لو اتشفت منه هيفضل أثر الندبة في روحها.
================================
مر أسبوع على عرضي على فارس، وبالفعل كلمني وكنا مضطرين نتقابل وهو مكنش موافق أبداً نتقابل لوحدنا في أي كافيه، عشان كدة اقترح إن منال أخته الكبيرة تبقى معانا لكن تبقى بعيد شوية عننا، وأكد عليا إنه ماقلش لها حاجة غير إنه هو اللي عاوز يخطبها.
ولأن الموضوع بالنسبة لها نجاة وافقت وحست إن فارس كمان فكر ووافق.
"ازيك يا فارس؟"
قالتها عشان تقطع الصمت، فهز رأسه وهو بيقول:
"تمام الحمد لله... أنتِ كويسة؟"
"أنا تمام.."
قبل ما تتكلم بدأ هو بابتسامة ترفع الحرج وقال:
"بصي... بما إن أمهاتنا مش بيتبلع في فولة، زي ما أنتِ عارفة إني عاوز أسافر وأسيب كل حاجة، أنا كمان عارف إن نفسيتك مش أحسن حاجة الفترة دي، ومتفهم إن أفكارك ممكن تكون متلغبطة واللي حصل كان اندفاع و..."
بصت له بضيق وهي تقاطع كلامه بتقول له:
"أفكاري تمام... مش مجنونة عشان أقول حاجة زي كدة من غير ما أحسبها... لو مش موافق ممكن تعتبر الموقف نفسه ماحصلش".
سكت للحظة وهو بيصحح قصده باهتمام:
"مش قصدي أبداً والله، يا غالية أي بنت غالية وتستاهل اللي يحبها يشيلها على رأسه، يديها كل حقوقها... أنتِ مش تترافتضي، أنا اللي أترفض... أنا قفلت سكة الجواز عشان عارف إني مش هقدر أدي لأي واحدة حقوقها كاملة".
"بص يا فارس، أنا ماعرضتش عليك حاجة زي كدة عشان عاوزة حقوق منك ولا حب، ولا هديك حقوق، أنت لما تتجوز أمك هتخف الضغط من عليك، هتسافر وتشتغل براحتك وأنا هيخف الضغط من عليا برضو، مصلحة متبادلة. أنا عارفة إنك بتحب واحدة وعشان كدة رافض الجواز من غيرها، وباين عليك شاب بيتقي الله مش عاوز تظلم واحدة غيرها... بس أنت مش هتظلمني لأني مش مستنية منك حاجة... وعموماً اعتبر إني ما سمعتش حاجة".
كانت هتقوم وتمشي، مسكت شنطتها وقبل ما تقوم نطق بسرعة:
"استني يا غالية، إحنا مش بنتفق على مرتب شغل ولا إيجار محل، دا جواز... مدركة يعني إيه جواز؟"
سابت شنطتها وهي بتحاول تفهمه:
"فارس صدقني كتر الكلام يتعبني، ممكن تقول آخر حاجة عندك، موافق ولا لا؟"
"طب فهميني منين تقولي لي جواز ومنين تقولي مش عاوزة مني حاجة؟"
"نتجوز عادي زي ما هما نفسهم، لكن حياتنا هتبقى كل واحد في حاله، أصلاً مش هنعيش مع بعض، أنت كدة كدة مسافر تشتغل بره وعقد شغلك ٤ سنين، يعني أنا في بلد وأنت في بلد، كل واحد عايش حياته، وأيام إجازتك عايشين في بيت واحد عادي لكننا اتنين متجوزين قصاد أهلنا، بس محدش ملزم يدي للتاني أي حق أو يعمل أي واجب... اعتبره سكن مشترك يا عم أيام الإجازة".
مكنش مستوعب، حتى لو قلبه مع واحدة تاني، رغم إنه خلاص مابقيش فارق معاه الموضوع، بس ليه الكل فاهم إنه رافض الجواز عشانها؟ لكن رفضه نابع من إنه مبيحبش يظلم حد، مينفعش يبقى عايش مع واحدة لكنه مش موجود معها. هيديها كل اللي يقدر عليه ويعمل كل الواجبات، لكنه فاهم إن الست بتحس، بتحس باللي معاها، وفرق كبير بين اللي بيحبها واللي بيمشي دنيته وخلاص. لكن كلامها كان غريب مش منطقي، هو فعلاً لما سمع منها كدة فكر كتير؛ ممكن يبقى له فرصة يتجوز ويحب من تاني ويفرح ويحزن مع واحدة هيقدر يأمن على قلبه من تاني؟
"أنا مش مصدق اللي سمعته، يعني أنتِ مدركة أنتِ بتقولي إيه؟ دا ما اسمهوش جواز يا غالية... على رأيك دا سكن مشترك بجد".
ماتعرفش ليه عيونها دمعت، حست إنها حتى أقل من إن حد يقبل إنها تبقى على اسمه بس، كانت هتمشي لكن قبل ما حتى تدي ردة فعل هو قال:
"أنتِ أغلى من كدة، مش عارف إيه أسبابك وإيه اللي يخليكي تفكري إن دا الحل الوحيد اللي ينجيكي، لكني موافق....
لكن مش موافق على سكن مشترك، موافق على جواز اتنين مهلوكين نفسياً، جايز يلاقي في بعض سكن بجد".
قلبها وإيديها اترعشوا، جملته الأولى شلّت تفكيرها، ماتوقعتش تسمعها، ما صدقتش، وشككت لكن مش فيه، شككت إنه شاف فيها حاجة مش موجودة فيها. لكنها كانت معترضة على كلامه:
"أنا مش موافقة".
ابتسم لها باستغراب وهو بيقول:
"مش موافقة على إيه بس؟"
"مش موافقة على اللي أنت بتقوله دا، كلام أفلام ما ياكلش عيش، أنا اللي أقدر عليه سكن مشترك، أعمل لك أكل معايا لو مش قادر تعمل لنفسك، لكن زوجة وواجبات والكلام دا مش موافقة عليه... يمكن أنا كنت غلط لما عرضت عليك حاجة زي كدة.. معلش ضيعت من وقتك".
زفر بزهق وهو بيقول:
"مكنتش أعرف إنك بتستسلمي بالسرعة دي، الحوار لسه داير، اللي بقوله كلام منطقي أكتر من كلامك على فكرة، ممكن تهدي؟
عشان أنا موافق عادي وراضي جداً بالكلام، بس بنتفق زي أي اتنين بيتفقوا على أساسيات قبل الجواز".
"برضه بتقول جواز، إحنا مش نتجوز.. إحنا..."
ضحك في نفسه على أفكارها المتلخبطة، ومش مدرك ليه رافضة حتى فكرة الفرصة إنهم يتجوزوا بجد، شكلها مرت بكتير في حياتها، وهو بجد شايف إنها ماتستحقش واحد مش عارف هيعرف يسعدها ويطمنها ويحبها ولا لا.
"أنا موافق على كل اللي أنتِ عاوزاه بس بشرط، جربي تفكري إن دا فعلاً جواز حقيقي، قبل ما تتعصبي بس أنا مش عاوز منك أي حاجة، بس يعني فكرة السكن المشترك دي مضحكة بصراحة، ماتخرجش من واحدة فكرت خمس ثواني قبل ما تنطق".
حطت رأسها على الترابيزة، عنده حق، غباء لما تروح تقول لرجل نتجوز بس نتجوز في نفس اللحظة، لكنه كان لقطة بالنسبة لها؛ واحد مش عاوز يتجوز وعاوز يسافر، على رأيها ما خدتش خمس ثواني تفكير وهي بتقول الكلام دا.
"أنا عاوزة منك كلمة... محدش هيلزم التاني بأي حاجة هو مش عاوزاها، والجواز هينتهي بمجرد ما عقد شغلك يخلص".
سكت لحظة وهو بيقولها:
"أنتِ بجد بتتكلمي عن طلاق قبل ما آجي أتقدم؟ متأكدة إن أفكارك مش ملخبطة؟"
"قولت لك أفكاري تمام، أنا يا عم بحسبها مصلحة لمدة أربع سنين، هعيش لوحدي واسمي متجوزة، مش بزمتك هنرتاح من زن أمهاتنا؟"
ضحك بخفوت، ضحك من قلبه بجد على كلامها اللي يخليه يتأكد إنها ما حسبتش أي حاجة، أمهاتهم مش هيرتاحوا منهم، بالعكس دول هيحطوا رأسهم في رأس بعض وهيعملوا تركيز مركز عليهم.
"أنت بتضحك ليه؟"
نبرتها كانت رخمة، وهو ابتسم وهو بيقول:
"ديل يا ستي، بعد أربع سنين نبقى نشوف حوار الطلاق دا، مع إني ما أحبش لقب "مُطلق" دي آخده وأنا ثلاثيني".
"أما أنت دلوقتي ثلاثيني أصلاً!"
"رغم إني ما وصلتش الثلاثين بس وماله، هفضل شباب وبروح وباجي وبفرح... مش معنى إني ثلاثيني إنك تجبي لي صبارة فوق راسي".
أول مرة يقول الكلام دا، على طول بيسمعه من أمه وأخواته وأهله، مع إنه مش شخص انطوائي ولا حد مبيعرفش يتعامل، هو بس على طول تعبان وعاوز يكبر دماغه، شوية الطاقة اللي في حيلته يدوبك على شغله.
زفرت بعدم اهتمام، وهو حس لوهلة إنه تخطى حدوده وبدأ يهزر وحب الكلام، عشان كدة احترم نفسه وهو بيقول:
"طب تمام، بكرة هيقول لك أبوكي إني اتقدمت، استغربي بقى وكده وماتوافقيش على طول عشان ما يحصلش حوار، وكدة كدة الكل هيزن عليكي عشان توافقي..."
"كل دا مش مهم، أنت هتسافر إمتى؟"
حست إنها فعلاً عاوزة تشحنه في طرد الشحن السريع، مش بتسأل عن الميعاد.
"كمان ٨ شهور، ست شهور عقبال ما عقد الشركة اللي أنا فيها يخلص، وشهرين أمشي العقد التاني وأجهز ورق السفر".
"طب خلاص، اتكلم مع بابا كمان أربع خمس شهور".
"ومين هيوافق تخطبي ٣ شهور وتتجوزي؟
هو العقل إننا ننجز دلوقتي عشان يبقى كل شيء طبيعي معاكي وقت تختاري كل اللي نفسك فيه".
"أختار إيه... هنعمل خطوبة طويلة عشان نتعرف على بعض مثلاً؟"
ضحك من انفعالها وهو بيقول:
"عاوزة تطبخي طبخة حلوة والكل يصدقها يبقى تظبطي البهارات والتوابل...
يعني خطوبة مدتها معقولة
قعدات عائلية معلش استحمليها
وكمان شقة، طبيعي جداً تختاري كل زاوية فيها على ذوقك، وبعدين كدة كدة أنتِ هتقعدي فيها أربع سنين بحالهم، اعتبريه استثمار".
"خير يا غالية... محتاجين حاجة؟"
قالها باستفسار وعيونه مش عليها، عيونه مش على أي حاجة كعادتها، عيونه تايهة ومرهقة، فضلت ساكتة بعد سؤاله، متوترة، بتفرك كفوف يديها في بعض، كرر سؤاله تاني بتعب:
"طب أنتِ محتاجة حاجة؟"
بلعت ريقها وهي بتقول بلا مقدمات:
"فارس... تعالى نتجوز، هنرتاح إحنا الاتنين، لو فكرت كدة أهلك هيسيبوك في حالك، هتسافر وهتسيبني هنا، مش هخليك ملزم لا بزوجة ولا بيت ولا حتى مصاريف".
قالت كل اللي عندها دفعة واحدة، وهو!
كان متنح، شاكك في نفسه إنه أكيد سمع غلط، يمكن أصلا هو لسه نايم، أو حتى دي هلاوس.
"دا رقمي... هستناك تكلمني عشان أفهمك أكتر".
أخذ الورقة من يديها بذهول وهي نزلت بسرعة لأهلهم تحت عشان محدش يحس بغيابها، كلهم مركزين مع غياب جسمها، لكن روحها اللي غابت من سنين محدش لاحظها.
================================
قبل سبع سنين
الزغاريد في شقتهم كانت واصلة لآخر الحارة، وصوت فرحتهم بنتيجة الثانوية مسمع كل البيوت:
"وحياة قلبي وأفراح، وهناه في مَساه وصباحه
دا مافيش فرحان في الدنيا قد الفرحان بنجاحه"
كانت غالية بتغني وتتنطط في النص وأخواتها البنات وأمها وأقرب ناس ليهم كمان موجودين، صديقة طفولة أمها وبناتها، كانوا ملفوفين حلقة حوليها بيصقفوا:
"مبروك يا غالية... عقبال فرحة التنسيق وبالمجموع الحلو دا تدخلي هندسة زي فارس".
ضحكت بصوت عالي وهي بتحضنها وبتقول:
"يا كيمي أنا علمي علوم... أمسك لهم مشرط بدل القلم الرصاص أرسم بيه يعني؟"
الكل ضحك معاها، وطبعا الكل متقبل كريمة اللي في كل مناسبة أو قاعدة أو حتى وجودها الطبيعي في أي مكان مرتبط إنها لازم تذكر سيرة فارس ابنها من وهو في اللفة وعن فخرها وحبها له.
"هندسة إيه يا كريمة اللي البنت تدخلها ملهاش مستقبل، دي هتبقى دكتورة قد الدنيا، تشتغل في أي مستشفى وتفتح عيادة لها تكسب من وراها دهب".
قربت منال بنت طنط كريمة تسحبني من وسط الاتنين اللي يفتحوا وصلة ردح صغيرة كدة على ابن مين الشاطر الأنجح:
"تعالي بس كدة لأحسن يكلوكي في النص".
ضحكت والخمس بنات دخلوا أوضة غالية:
"أيوه بقى أول دكتورة اللي هتشرفنا في العيلة وعيلة العيلة".
قالتها منال بحب وهي بتضم غالية، رغم فرق السن اللي بينهم حوالي ٨ سنين، لكن جمال غالية ونضجها عن سنها وكمان مرحها وبهجتها بتخلي أي حد يحبها، لكن قطع الحضن الجميل دا الكائن الصغير المستفز اللي ممرهت غالية في خلفة البنات، وهي أخت منال الصغيرة عندها ١٢ سنة بس وولية مطلقة ٧ مرات باين:
"مشرفة عائلتهم، لكن إحنا مافيش غير فاروس هو اللي مشرف عائلتنا".
بصيت للصغيرة بيأس، أصل هيكون إيه ناتج التربية لما تكون الطفلة محشورة في كل حوارات الكبار من أكبر حاجة لأتفه حاجة، رغم إن منال الأكبر منها بعمر كامل مش كدة خالص، منال زعقت لها وبعدين جات أختي الوسطانية قمر وهي بتقول:
"طب إيه، إحنا لازم من دلوقتي نحضر هدوم الكلية والميكب عشان لما التنسيق يظهر هتتسحلي في التقديم والرغبات ومش هنفضى".
وفعلا دفة الحوار اتغيرت وقعدوا ساعات يختاروا في استايلات والبنات بتجرب من بعضها، فرحتهم بغالية أصغر بنوتة فيهم يعتبر وهي بتحقق حلمها اللي تعبت عشان توصل له.
==================================
وبعد ظهور التنسيق وأيام والنتيجة بتاعته ظهرت، وكانت اللحظة اللي غيرت كل حاجة، لحظة كان الاختيار فيها هيرسم حياتها لسنين قدام، لكن للأسف قراراتنا مش دايماً بتبقى صح، ممكن نكون عاوزينها لكن مش مناسبة لينا، أو حتى من كتر ما إحنا متمسكين بيها محسبناش كويس عواقبها.
واتقبلت غالية في طب طنطا، لأن مجموعها مكنش كافي إنها تتقبل في أي كلية في القاهرة، والأيام عدت بسرعة وبين حرب وإصرار في البيت عرفت تقنعهم إنها هتقعد مع خالتها في إسكندرية طول فترة الدراسة، والمسافة بين الكلية وخالتها مش بعيدة زي المسافة بين القاهرة وطنطا.
كانت واقفة على رصيف المحطة، ومعاها شنطتها وورق كليتها وابتسامتها المقبلة على الحياة الجديدة، ووصلت لبيت خالتها، والترحيب الكبير ليها هناك حسسها بالغربة، الغربة اللي فعلاً كانت ابتدت وهي مش حاسة.
بمرور سنتين على اللحظة دي:
"يا حبيبي نتقابل إزاي؟
امتحاني كمان يومين والمادة دي فتحتها من أول الترم".
"يا حبيبتي أنتِ شطورة وتعرفي تلميها في يوم، وبعدين لسه في فاينل تعوضي فيه.. أنتِ وحشتيني وكمان عندي حوارات محتاج أقعد معاكي شوية".
نبرة صوته، ودلعه ليها، وإنه على طول شايفها شطورة، خلاها توافق، عاشها أجمل سنتين في حياتها، فلما يكون محتاجها أكيد أكيد هتروح له، وبالفعل قامت لبست وأخذت شنطة فيها كشكولين وخرجت لخالتها:
"أنا نازلة يا لولو".
"نازلة فين يا غالية؟
دا وقت خروج وامتحانك كمان يومين، مش عاوزين مرقعة الترم اللي فات، قضيتيها خروج وأنتِ بتقولي أنا هعرف ألم يا لولو، أنتِ مش واثقة في شطارتي يا لولو؟ وبعدين نجحتي على درجة واحدة!".
مالت على خدها تبوسها وهي بتداري الكتب وبتقول:
"والله نازلة أذاكر مع صحابتي وأهو نشجع بعض، وماتخافيش قبل الساعة ١٠ هبقى هنا".
خرجت وهي متضايقة، مكنتش بتحب الكذب لكن اتعلمته، زي ما اتعلمت حاجات كتير مكنتش بتحبها، فعلاً وصلت الكافيه اللي بيقعدوا فيه، وقعدت جنبه وهو مسك يديها وبيقول:
"كنت عارف إنك هتيجي يا غالية، أنتِ الرهان الوحيد في حياتي اللي ضامن مكسبه".
كان كلامه حقيقي وواضح، لكنها ترجمته بطريقة خلتها تدوب فيه أكتر وهي بتسأله بقلق:
"مالك يا حبيبي؟ حصل إيه؟"
"أبويا بدماغه الخربانة دي، مصمم إني مفتحش المشروع اللي بحلم بيه وبيقولي ركز في الكلية".
مكنتش حابة طريقة كلامه على أهله خالص، دايماً مش بيقول أفضل كلام ومش بيختار كلماته، لكنها كانت بتلتمس له العذر في كونهم دايماً مش فاهمين ودائماً مش مدركين أحلامه وطموحه، حتى كليته قايل لها إنهم هم اللي اختاروها.
الكلام خدها وسندت على كتفه وهي بتشرب اللبن بالشكولاتة وهو بيصورهم وبعدين وراها الصور:
"حلوة أوي الصورة دي".
"حلوة عشان أنتِ فيها يا حياتي".
ابتسمت بفرحة مش طبيعية من كلامه الجميل واللطيف ونسيت خالص إن تليفونها في يده لغاية ما استوعبت وهو بيرفع حاجبه بتعجب وبيقول:
"إيه دا؟ إيه دا؟ إيه دا؟ إيه الجمال المستخبي دا يا غالية؟"
خطفت التليفون منه بحرج وهي بتشوف الصورة بتاعت إمبارح، كانت ببيجامة بكم عادية لكن كان كتفها باين، وطبعاً زي أي بنت بتذاكر بتجيب آخرها من المادة فتقوم تحط ميكب وترفع شعرها ويبقي ناقص ترقص للمادة عشان تتفهم:
"دا... دا كنت بذاكر إمبارح بس ومكنتش فاهمة أوي".
ضحكت على توترها وهو بيمسك يديها وبيقول بهزار مسموم:
"كل دا للمادة؟
أومال هتعمليلي أنا إيه لما نتجوز؟"
سحبت يديها فوراً وهي بتقول بتكشيرة:
"مبحبش الطريقة دي في الكلام، لو سمحت متكررهاش".
"خلاص يا ستي آسف، كنت بس بهزر معاكي، من غير ما أشوف حاجة يا غالية متأكدة إنك جميلة، أحلى بنت في الدنيا كلها".
حاولت تفك والكلام خد بعضه لغاية ما سألها:
"مش قصدي حاجة والله، بس أنتِ كنتِ حاطة حاجة على كتفك؟
بني كدة وشكلها غريب معرفتش دا إيه.. تاتو؟"
ملامحها اتغيرت وهي بتبص بعيد عنه شوية، مكنتش مركزة في إنه اتخطى حدوده تاني على قد ما سرحت في الحرق اللي سأل عنه، لكنها جاوبته بضيق وزعل وهي بتقول:
"دا حرق على كتفي وجزء بسيط جداً من ظهري، مش بيبان أصلاً لو فارده شعري... من أربع سنين وأنا في أولى ثانوي وقع زيت مغلي عليا لكن ماما لحقتني والباقي وقع على يديها هي".
طبعاً كان بيواسيها وبيعرفها إنها جميلة زي ما هي، وإن الحرق اللي زعلانة منه دا مزودهاش غير جمال، وكلام كتير تحب أي بنت تسمعه من حبيبها، لكن كل دا اتغير، كل دا بمعنى أصح اتبخر.
==================================
بمرور سنتين:
كانت خارجة وواقفة قصاد المراية، خلاص خلصت سنة رابعة وأخذت الإجازة، وكانت مضطرة تنزل إجازة للقاهرة عشان إصرار أمها إنها تطمن عليها. خلصت الميكب اللي حاولت يكون خفيف قدر الإمكان، واستلفت فستان من بنت خالتها واسع عن لبسها اللي تغيرت طبيعته تماماً، وفعلاً نزلت وقابلته عشان هيوصلها للمحطة.
"الجميل لسه زعلان ولا إيه؟"
"اتحرك عشان ميعاد القطر ميفوتش".
قالتها بنبرة حاولت تخليها طبيعية، مابتقدرش تزعل منه، لكن كل أفعاله بقت بتضغط عليها. كل جهدها بقى مركز عليه وعلى مراقبته وعلى إنها لازم تفضل جميلة في عيونه. في بنات تانية كاملة مكملة معندهمش علامات في جسمهم، لبسهم شيك والميكب بتاعهم على الشعرة. مكنتش مركزة إن عقدة جسمها اللي الكل وصلها له إنه مفيش حد هيقبل بيها بالحرق دا، الحرق اللي بقى علامة في نفسيتها قبل كتفها، وعيونه اللي بقت تروح على كل البنات حتى وهو معاها ومبرراته غير المقنعة لكنها بتعمل نفسها مقتنعة لغاية ما بقت بتقتنع فعلاً. وصلها المحطة فعلاً وبيودعها وهو ماسك إيديها وبيقول:
"والله يا حبيبتي كان صاحبي مستلف العربية مني عشان يخرج مع صاحبته ومكنتش أعرف إنها صاحبتك".
دا كان مبرره أو كذبته، لما طلبت منهم يوصلوها هي وأصحابها مكان عربيته عشان الأم كانت رافضة يروحوا هناك، أول ما طلعت وشغلوا شاشة العربية، سبحان الله لقت إن أكثر الأجهزة ارتباطاً هو موبايل صاحبتها!
قال إيه هي وصاحبه مرتبطين وبيخرجوا بالعربية بتاعته! عربيته اللي هي متأكدة إنه مش بيديها لإخواته غير بالعافية هيسيبها لصاحبه عادي؟!
================================
زغاريد أمها المعتادة وهي بتستقبلها، وكمان كريمة موجودة مع مامتها لكن محدش من البنات كان موجود. بعد السلامات غيرت ودخلت المطبخ تساعد أمها عشان الكل هيتغدى النهاردة عندهم؛ الكل دي معناها هي وإخواتها وكريمة صاحبة أمها وبناتها وكمان ابنها فارس. مكنتش غالية مهتمة، كانت واقفة بتخرط الملوخية وهي سرحانة ودبلانة لغاية ما كريمة قالت:
"تخنتي واحلوّيتي يا بنت يا غالية... مع إن مش باين عليكي التخن لكن فستانك كان ضيق عن العادي".
"من القعدة والمذاكرة يا خالتي".
بس!
دا كان ردها. في العادي غالية بكّاشة، بتهزر وتضحك ومافيش كلمة بتعدي من تحت لسانها عادي من غير ما تضحك أو تتغزل في اللي حواليها. غالية في عيونها جميلة، بتشوف الناس كلها جميلة، لكن غالية دلوقتي شايفة الكل جميل إلا هي.
الكل اتجمع على الغدا وهي مركزة في طبقها مش بتشارك في أي حديث، لكن لازم تبقى مركزة وسامعاهم عشان لو حد سألها عن حاجة ترد. مينفعش حد يلاحظ إنها سرحانة وبالها مشغول أو إنها زعلانة ومكسورة، هتدخل في دوامة أسئلة يتعبوا بيها أكتر.
"وهو فارس مش جاي يا كريمة؟"
كان سؤال مامتها اللي كملت كلامها وقالت إنه بقاله شهور مش بيجي يشوفها زي ما متعود، لكن كريمة زي أي ست مصرية أرهقها الكتمان فقالت:
"فارس ابني ربنا يهديه والله تعبني ومغلبني، البنت اللي بيحبها أهي اتجوزت وحامل باين وهو على حطة إيدك من بعد ما سابوا بعض، يحبها من وهو ١٨ سنة!
المعفنة دي، يوفي الله!
تسيب ابني وتروح لغيره، بنت مالهاش أصل ولا تستاهله أصلاً".
رفعت غالية رأسها باستغراب، كانت عارفة إن فارس ابن كريمة بيحب واحدة وتقريباً هي تعرف البنت كمان لأنها من المنطقة هنا، لكن عدت سنين على آخر مرة سمعت فيها الكلام دا، وهي في ٣ ثانوي باين كانت سامعة إنه خلص ٣ كلية ورايح يتقدم لها، وبعدها على طول عرفت إن أهلها رفضوه وماركزتش مع الموضوع تاني. أصل أكيد هو نفسه فكّس للبنت.
"ابنك دا فقري، معقول بيحب واحدة من وهو ١٧ سنة وهو خلاص داخل على ٢٦ سنة خلاص!"
كانت هتشرق وهي بتبلع المياه. معقول في حد ممكن يحب حد لمدة ٨ سنين؟
بيحبه بلا كلل وممل كدا، من غير ما حتى يقدم له حاجة؟ اللي تعرفه إنهم ارتبطوا سنتين في أول كليته وبعدين هو سابها لأسباب مكنتش مهتمة تركز معاها زمان، وبعد سنة رجع اتقدم لها تاني اللي هي اترفضت في المرة دي.
اتجوزت وحامل كمان وهو لسه قلبه معاها، واحدة يعتبر سابته ورفضته... واحدة ماقدمتش له أي حاجة، ماغيرتش من نفسها في كل حاجة عشان تعجبه!
غصب عنها سرحت وقارنت، كانت بتحلم حبيبها يحبها كدا لكن حلمها ماتحققش.
خلصت الإجازة ورجعت الإسكندرية، وأول حاجة عملتها كانت اختبار له، اختبار مدى تمسكه بيها لو قالت له:
"خلينا نسيب بعض فترة، صدقني مش قادرة أكمل وجوايا كل الدوشة والشكوك دي".
==================================
بمرور سنة
اسمي اتنده من مساعدة الدكتورة فقلت ودخلت:
"أهلاً أهلاً بالغالية اللي ماجتش جلساتها بقالها شهر ونص".
ابتسمت لدكتورتها اللي تقريباً ضربوا مع بعض صحوبية وعلاقتهم بقت أكبر بكتير من مجرد ثيرابيست ومريضة:
"الامتحانات آخر سنة أهي وهخلص".
"مفكرتيش تكملي سنة الامتياز برضو؟"
"قراري نهائي، أنا أول ما الترم دا يخلص هروح القاهرة، ماليش قُعاد في إسكندرية تاني".
"ماشي يا ستي، مش هضغط عليكي دلوقتي بس هنتكلم تاني، بس مش في العيادة، خلينا دلوقتي نكمل مكان ما وقفنا آخر مرة وكمان تقوليلي عملتي إيه الشهر اللي فات".
"أنا شوفته على فكرة، بس لأول مرة أبقى قرفانة منه، شيفاه ميستاهلش حتى أسئلة إني لسه عملت فيا كده، ليه كرهتني في نفسي وشكلي لدرجة دي؟
كنت باصة له مش بتحسر على اللي عمله فيا يا إسراء، كنت باصة له بحسرة على أربع سنين من عمري اللي ضيعتهم معاه".
كان في تقدم كبير ولمحة فرحة في عيون إسراء إن دا حصل، إنها أخيراً من غير ما تحس بدأت تدي لنفسها قيمة وتدي للحظات عمرها والسنين اللي قضتها معاه قيمة من تاني، وشافت أخيراً إنه أصلاً مكنش يستحقها.
إسراء كانت فاكرة أول الجلسات وهي بتبكي ونهارة عن ليه سابها ولسه سامعة كلامها وهو لو بيحبها مكنش هيعمل كده، وبعدين سنة كاملة بتحاول تصلح لها جملة:
"أنا لو كنت أستاهله مكنش هيسيبني".
================================
بمرور سنة والعودة للوقت الحالي:
نزلت عشان أهلهم مايحسوش بغيابها، بعد ما نفذت أكتر حاجة مجنونة خطرت على بالها مع أبعد إنسان ممكن ييجي في دماغه في موقف زي دا، عرضت عليه إنهم يتجوزوا، ماتعرفش ليه، بس هي سمعت نصيحة إسراء: أي حاجة مجنونة عاوزة تعمليها اعمليها.
"نعم يا روح أمك!"
بلعت ريقي بخوف وأنا بقول:
"فين المهنية... إحنا دلوقتي في جلسة على فكرة".
في لحظة قفلت الفيديو كول بتاع الجلسة واتصلت فيس تو فيس تشرشح لي:
"قال مهنية قال... أنتِ بجد عملتي كده؟"
"مش أنتِ اللي قلتي أي حاجة مجنونة روحي اعمليها؟"
"أنتِ بتستعبطي!
إحنا بنحاول نرجع شخصيتك المرحة اللي بتضحك وتتحرك من غير ما تحسبها، يعني الجنان في حالتك دلوقتي إنك تروحي تسهري مع أختك في بيتها، تنزلي تلعبي "اسكيت" على الكورنيش، تجربي مثلاً تخرجي من أوضتك وتقعدي مع أبوكي وأمك اللي لسانك مش بييجي على لسانهم غير بالصدف... لكن تروحي لواحد ماتعرفيهوش تقولي له نتجوز؟!"
"أنا عملت كده وخلاص، وصدقيني اللي عملته دا كان أسهل عليا من إني أعمل اللي أنتِ بتقوليه عليه دا، أنا خلاص مابقتش عاوزة حاجة من الدنيا غير إني أبقى في حالي... صدقيني مش حمل أسمع كلمة زي اللي بابا قالها من أسبوع... هعمل حاجة في نفسي يا إسراء والله".
خلصت كلامها وانهارت من العياط في أرضية البلكونة، ومهما حاولت إسراء تهديها كانت النتيجة إنها قفلت المكالمة والتليفون وبتبكي بصمت ووجع، وهي بتفتكر من أسبوع وهي بتتكلم مع أمها:
"غالية... في عريس متقدم لك يا بنتي، وعاجب أبوكي وشكله ابن حلال، ما تجربي تقعدي معاه يا بنتي يمكن يعجبك".
زفرت بعصبية، خلال السنة اللي رجعت فيها بعد ما خلصت الكلية وهي بتفر من أبوها وأمها اللي كل شهر ييجوا بقائمة عرسان:
"جواز مش هتجوز يا أمي، أنا هفضل قاعدة في بيت أبويا، بس لو تقيلة عليكم للدرجة دي قولي لي".
أمها قلقت من عصبيتها، بنتها اللي سافرت وهي ١٨ سنة غير البنت صاحبة الـ ٢٤ سنة اللي قصدها، اختلفت، اتبدلت، ودبلت زي الوردة اللي ماتت قبل أوانها:
"طب اهدي يا حبيبتي، ولو في حد في قلبك قولي لي أنا أمك سترك وغطاكي، ووعد يا ستي لو هو حد مناسب أقف قصاد الدنيا كلها وأجوزهولك".
مقدرتش تستحمل وحضنت أمها بكل تعب الدنيا والوجع اللي فيها وهي بتقول:
"أنا مش قادرة يا ماما، معنديش أي حاجة باقية أقعد بيها مع حد تاني، أنا تعبت واستنزفت لآخر نقطة فيا، مش عاوزة أتجوز، مش عاوزة راجل يقرب مني حتى ويبص ليا، ارحميني أنتِ وبابا من سيرة الجواز والخطوبة... اعتبريني اترهبنت يا ستي وقفلت باب الجواز".
ماعرفش إيه حصل وإمتى بابا دخل وهو بيزعق ومتعصب ومش في حالته الطبيعية اللي بتسمعها:
"اترهبنتي!
رهبنة إيه اللي بنت بنوت مشافتش الدنيا تقول عليها؟ عرفيني ليه رافضة أي شخص مين ما كان هو؟
رافضة حتى من قبل ما تشوفيه وتعرفي اسمه!
عملتي إيه في نفسك في إسكندرية يا غالية... خنتي ثقتي فيكي يا غالية؟"
==================================
سمعت صوت باب البلكونة بيتفتح، قامت بسرعة وهي بتمسح دموعها وبتحاول تنسى اللي سمعته من أسبوع من أبوها، لكنها لقت أباها قدامها.
خبت عيونها عنه، هي حتى لو كلامه وجعها، لكن التمست له ألف عذر. هي لو في مكانه كانت هتفكر كدة؛ كل حاجة بالترتيب دا، برود أفعالها، كانت تدل إن رفضها للجواز مش لسبب عادي، مش لمجرد إنها مش عاوزة تتجوز دلوقتي أو حتى تعرف حد وبتحبه.
فهمت إن غضبه لحظتها كان من خوف وحيرة سنتين وبنته عايشة زي الأموات، لا بتضحك، لا بتفرح، لا بتقعد معاه، لا بترغي زي زمان وتصدعه.
فضلت واقفة وعيونها في الأرض مش عارفة تبص له، هي فعلاً خانت ثقته، يمكن مش بالطريقة اللي لمح لها وندم على كدة في نفس اللحظة، لكنها في النهاية فعلاً هانت ثقته هي وأهلها كلهم، لما ارتبطت وخرجت معاه وسمحت له يتعدى حدود كتير معاها، خانت ربها ودينها وأهلها لما لبست كل حاجة مايرضيش ربنا من ضيق لقصير وهي حاطة حتة قماشة ملهاش عازة على شعرها.
أبوها حضنها من غير مقدمات وهو بيقول:
"حقك عليا يا غاليتي، خوفي وغضبي اتحركوا قبل عقلي، وسوسة الشيطان غلبتني، حقك عليا يا بنتي، مكنتش أقصد والله، مجرد كلام في لحظة غضب.....
أنا واثق فيكي وفي تربيتي، وواثق إن بنتي حتى لو مجنونة هي ماعملتش حاجة تحني رأسي بيها ولا تغضب ربنا".
عيطت!
انهارت مع كل كلمة هو قالها، حاسة إنها ماتستحقش حتى لو كانت بتتمناها.
أساساً إنها ماتستحقش الثقة والحب دا كان ضميرها اللي حاسس بالذنب وندمان على كل غلطة عملتها، ومزيج من العلامة اللي هو سابها في روحها إحساس مش بيفارقها إنها أقل من إنها تتحب، أقل من إنها تتشاف، أقل في الجمال من أي حد، أقل في كل حاجة.
إحساس بقالها سنين بتحاول تتعالج منه، لكن معها اتعالج؛ حتى لو اتشفت منه هيفضل أثر الندبة في روحها.
================================
مر أسبوع على عرضي على فارس، وبالفعل كلمني وكنا مضطرين نتقابل وهو مكنش موافق أبداً نتقابل لوحدنا في أي كافيه، عشان كدة اقترح إن منال أخته الكبيرة تبقى معانا لكن تبقى بعيد شوية عننا، وأكد عليا إنه ماقلش لها حاجة غير إنه هو اللي عاوز يخطبها.
ولأن الموضوع بالنسبة لها نجاة وافقت وحست إن فارس كمان فكر ووافق.
"ازيك يا فارس؟"
قالتها عشان تقطع الصمت، فهز رأسه وهو بيقول:
"تمام الحمد لله... أنتِ كويسة؟"
"أنا تمام.."
قبل ما تتكلم بدأ هو بابتسامة ترفع الحرج وقال:
"بصي... بما إن أمهاتنا مش بيتبلع في فولة، زي ما أنتِ عارفة إني عاوز أسافر وأسيب كل حاجة، أنا كمان عارف إن نفسيتك مش أحسن حاجة الفترة دي، ومتفهم إن أفكارك ممكن تكون متلغبطة واللي حصل كان اندفاع و..."
بصت له بضيق وهي تقاطع كلامه بتقول له:
"أفكاري تمام... مش مجنونة عشان أقول حاجة زي كدة من غير ما أحسبها... لو مش موافق ممكن تعتبر الموقف نفسه ماحصلش".
سكت للحظة وهو بيصحح قصده باهتمام:
"مش قصدي أبداً والله، يا غالية أي بنت غالية وتستاهل اللي يحبها يشيلها على رأسه، يديها كل حقوقها... أنتِ مش تترافتضي، أنا اللي أترفض... أنا قفلت سكة الجواز عشان عارف إني مش هقدر أدي لأي واحدة حقوقها كاملة".
"بص يا فارس، أنا ماعرضتش عليك حاجة زي كدة عشان عاوزة حقوق منك ولا حب، ولا هديك حقوق، أنت لما تتجوز أمك هتخف الضغط من عليك، هتسافر وتشتغل براحتك وأنا هيخف الضغط من عليا برضو، مصلحة متبادلة. أنا عارفة إنك بتحب واحدة وعشان كدة رافض الجواز من غيرها، وباين عليك شاب بيتقي الله مش عاوز تظلم واحدة غيرها... بس أنت مش هتظلمني لأني مش مستنية منك حاجة... وعموماً اعتبر إني ما سمعتش حاجة".
كانت هتقوم وتمشي، مسكت شنطتها وقبل ما تقوم نطق بسرعة:
"استني يا غالية، إحنا مش بنتفق على مرتب شغل ولا إيجار محل، دا جواز... مدركة يعني إيه جواز؟"
سابت شنطتها وهي بتحاول تفهمه:
"فارس صدقني كتر الكلام يتعبني، ممكن تقول آخر حاجة عندك، موافق ولا لا؟"
"طب فهميني منين تقولي لي جواز ومنين تقولي مش عاوزة مني حاجة؟"
"نتجوز عادي زي ما هما نفسهم، لكن حياتنا هتبقى كل واحد في حاله، أصلاً مش هنعيش مع بعض، أنت كدة كدة مسافر تشتغل بره وعقد شغلك ٤ سنين، يعني أنا في بلد وأنت في بلد، كل واحد عايش حياته، وأيام إجازتك عايشين في بيت واحد عادي لكننا اتنين متجوزين قصاد أهلنا، بس محدش ملزم يدي للتاني أي حق أو يعمل أي واجب... اعتبره سكن مشترك يا عم أيام الإجازة".
مكنش مستوعب، حتى لو قلبه مع واحدة تاني، رغم إنه خلاص مابقيش فارق معاه الموضوع، بس ليه الكل فاهم إنه رافض الجواز عشانها؟ لكن رفضه نابع من إنه مبيحبش يظلم حد، مينفعش يبقى عايش مع واحدة لكنه مش موجود معها. هيديها كل اللي يقدر عليه ويعمل كل الواجبات، لكنه فاهم إن الست بتحس، بتحس باللي معاها، وفرق كبير بين اللي بيحبها واللي بيمشي دنيته وخلاص. لكن كلامها كان غريب مش منطقي، هو فعلاً لما سمع منها كدة فكر كتير؛ ممكن يبقى له فرصة يتجوز ويحب من تاني ويفرح ويحزن مع واحدة هيقدر يأمن على قلبه من تاني؟
"أنا مش مصدق اللي سمعته، يعني أنتِ مدركة أنتِ بتقولي إيه؟ دا ما اسمهوش جواز يا غالية... على رأيك دا سكن مشترك بجد".
ماتعرفش ليه عيونها دمعت، حست إنها حتى أقل من إن حد يقبل إنها تبقى على اسمه بس، كانت هتمشي لكن قبل ما حتى تدي ردة فعل هو قال:
"أنتِ أغلى من كدة، مش عارف إيه أسبابك وإيه اللي يخليكي تفكري إن دا الحل الوحيد اللي ينجيكي، لكني موافق....
لكن مش موافق على سكن مشترك، موافق على جواز اتنين مهلوكين نفسياً، جايز يلاقي في بعض سكن بجد".
قلبها وإيديها اترعشوا، جملته الأولى شلّت تفكيرها، ماتوقعتش تسمعها، ما صدقتش، وشككت لكن مش فيه، شككت إنه شاف فيها حاجة مش موجودة فيها. لكنها كانت معترضة على كلامه:
"أنا مش موافقة".
ابتسم لها باستغراب وهو بيقول:
"مش موافقة على إيه بس؟"
"مش موافقة على اللي أنت بتقوله دا، كلام أفلام ما ياكلش عيش، أنا اللي أقدر عليه سكن مشترك، أعمل لك أكل معايا لو مش قادر تعمل لنفسك، لكن زوجة وواجبات والكلام دا مش موافقة عليه... يمكن أنا كنت غلط لما عرضت عليك حاجة زي كدة.. معلش ضيعت من وقتك".
زفر بزهق وهو بيقول:
"مكنتش أعرف إنك بتستسلمي بالسرعة دي، الحوار لسه داير، اللي بقوله كلام منطقي أكتر من كلامك على فكرة، ممكن تهدي؟
عشان أنا موافق عادي وراضي جداً بالكلام، بس بنتفق زي أي اتنين بيتفقوا على أساسيات قبل الجواز".
"برضه بتقول جواز، إحنا مش نتجوز.. إحنا..."
ضحك في نفسه على أفكارها المتلخبطة، ومش مدرك ليه رافضة حتى فكرة الفرصة إنهم يتجوزوا بجد، شكلها مرت بكتير في حياتها، وهو بجد شايف إنها ماتستحقش واحد مش عارف هيعرف يسعدها ويطمنها ويحبها ولا لا.
"أنا موافق على كل اللي أنتِ عاوزاه بس بشرط، جربي تفكري إن دا فعلاً جواز حقيقي، قبل ما تتعصبي بس أنا مش عاوز منك أي حاجة، بس يعني فكرة السكن المشترك دي مضحكة بصراحة، ماتخرجش من واحدة فكرت خمس ثواني قبل ما تنطق".
حطت رأسها على الترابيزة، عنده حق، غباء لما تروح تقول لرجل نتجوز بس نتجوز في نفس اللحظة، لكنه كان لقطة بالنسبة لها؛ واحد مش عاوز يتجوز وعاوز يسافر، على رأيها ما خدتش خمس ثواني تفكير وهي بتقول الكلام دا.
"أنا عاوزة منك كلمة... محدش هيلزم التاني بأي حاجة هو مش عاوزاها، والجواز هينتهي بمجرد ما عقد شغلك يخلص".
سكت لحظة وهو بيقولها:
"أنتِ بجد بتتكلمي عن طلاق قبل ما آجي أتقدم؟ متأكدة إن أفكارك مش ملخبطة؟"
"قولت لك أفكاري تمام، أنا يا عم بحسبها مصلحة لمدة أربع سنين، هعيش لوحدي واسمي متجوزة، مش بزمتك هنرتاح من زن أمهاتنا؟"
ضحك بخفوت، ضحك من قلبه بجد على كلامها اللي يخليه يتأكد إنها ما حسبتش أي حاجة، أمهاتهم مش هيرتاحوا منهم، بالعكس دول هيحطوا رأسهم في رأس بعض وهيعملوا تركيز مركز عليهم.
"أنت بتضحك ليه؟"
نبرتها كانت رخمة، وهو ابتسم وهو بيقول:
"ديل يا ستي، بعد أربع سنين نبقى نشوف حوار الطلاق دا، مع إني ما أحبش لقب "مُطلق" دي آخده وأنا ثلاثيني".
"أما أنت دلوقتي ثلاثيني أصلاً!"
"رغم إني ما وصلتش الثلاثين بس وماله، هفضل شباب وبروح وباجي وبفرح... مش معنى إني ثلاثيني إنك تجبي لي صبارة فوق راسي".
أول مرة يقول الكلام دا، على طول بيسمعه من أمه وأخواته وأهله، مع إنه مش شخص انطوائي ولا حد مبيعرفش يتعامل، هو بس على طول تعبان وعاوز يكبر دماغه، شوية الطاقة اللي في حيلته يدوبك على شغله.
زفرت بعدم اهتمام، وهو حس لوهلة إنه تخطى حدوده وبدأ يهزر وحب الكلام، عشان كدة احترم نفسه وهو بيقول:
"طب تمام، بكرة هيقول لك أبوكي إني اتقدمت، استغربي بقى وكده وماتوافقيش على طول عشان ما يحصلش حوار، وكدة كدة الكل هيزن عليكي عشان توافقي..."
"كل دا مش مهم، أنت هتسافر إمتى؟"
حست إنها فعلاً عاوزة تشحنه في طرد الشحن السريع، مش بتسأل عن الميعاد.
"كمان ٨ شهور، ست شهور عقبال ما عقد الشركة اللي أنا فيها يخلص، وشهرين أمشي العقد التاني وأجهز ورق السفر".
"طب خلاص، اتكلم مع بابا كمان أربع خمس شهور".
"ومين هيوافق تخطبي ٣ شهور وتتجوزي؟
هو العقل إننا ننجز دلوقتي عشان يبقى كل شيء طبيعي معاكي وقت تختاري كل اللي نفسك فيه".
"أختار إيه... هنعمل خطوبة طويلة عشان نتعرف على بعض مثلاً؟"
ضحك من انفعالها وهو بيقول:
"عاوزة تطبخي طبخة حلوة والكل يصدقها يبقى تظبطي البهارات والتوابل...
يعني خطوبة مدتها معقولة
قعدات عائلية معلش استحمليها
وكمان شقة، طبيعي جداً تختاري كل زاوية فيها على ذوقك، وبعدين كدة كدة أنتِ هتقعدي فيها أربع سنين بحالهم، اعتبريه استثمار".