رواية اسيرة الغريم الفصل التاسع 9 بقلم ولاء رفعت علي
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
فتحت عينيها ببطء، شعرت كأن جفنيها يحملان ثقل العالم فوقهما.
تسربت إلى وعيها رائحة الدواء، وهدوء ثقيل يخيم على المكان، لا يشبه صخب الحارة الذي كانت فيه منذ قليل.
أدارت بصرها في المكان بحذر شديد، كأنها تخشى أن تصطدم عيناها بحقيقة لا تطيقها.
وجدت نفسها ممددة على الفراش في منزل عائلتها، داخل غرفتها، يدها موصولة بأنبوب رفيع يمر عبره محلول مغذي يتقطر ببطء في جسدها الواهن.
تحركت عيناها في الغرفة، فرأت الوجوه الواقفة أمامها، والدها عند طرف الفراش، متيبس الملامح، وعلى جانبيه شقيقيها.
لم يكن في وجوههم أثر للشفقة أو القلق، بل كانت ملامحهم مشحونة بالغضب والاستنكار، كأنها المتهمة في محكمة لا مجال فيها للدفاع.
لم يمهلها والدها فرصة لتستجمع أنفاسها أو تستعيد وعيها الكامل؛ فقد صدح صوته فجأة قاسيًا كحد السكين، غير عابئ بحالتها الصحية ولا بانكسار روحها:
– نفسي أعرف… ليه ابن خالك يطلقك ويسيبك ليلة الفرح؟
ارتجف قلبها داخل صدرها، لكن الكلمات لم تجد طريقها إلى شفتيها، تدخل شقيقها الأكبر، وقد اشتعلت عيناه بغيظ حاد، وقال بلهجة لاذعة:
– يا با، دي محتاجة تفكير؟!، دول كان مكتوب كتابهم من سبع سنين… هتلاقي الصايعة سلمتله نفسها من ورانا، وعاشوا الدنيا زبادي خلاط، عشان كده طلقها وخلع.
وقبل أن يكتمل وقع كلماته الجارحة عليها، صاح شقيقه الآخر بصوت غاضب:
– حرام عليك يا رضا، ابن خالك محترم وطيب وغلبان، وما بتطلعش منه العيبة، بس المصيبة الأكبر إن كل المعازيم تقريبًا عرفوا إن ابن خالك هرب وطلّق أختك.
ساد الصمت لحظة قصيرة، ثم ردد والدهم بمرارة تنضح بالغضب، وكأن الكلمات خرجت من صدر امتلأ غيظ:
– يا دي المصيبة!، إحنا اللي عمرنا ما حد سمعلنا حس في الحارة… نيجي على آخر الزمن ونتفضح من تحت راسك يا بنت الكلب.
ارتجف جسدها فوق الفراش، ولم تستطع حتى البكاء، كان الألم في صدرها أكبر من أن يخرج دموعًا.
اقترب رضا منها ببطء، وعيناه تقدحان شررًا، وقد ارتسمت على وجهه نظرة تنضح بالشر والازدراء، قال موجهًا كلامه إلى أبيه:
– عنك أنت يا با… سيبهالي.
ثم دنا منها أكثر، حتى صار ظله يخيم فوقها، وقال بصوت خفيض مشحون بالتهديد:
– ما تنطقي يا بت… وقولي مؤمن سابك وخلع ليه؟ … وإلا…
رفع يده فجأة، وكاد يهوي بها على وجهها،
لكن قبل أن تهبط يده علي خدها، شعر بقوة فولاذية تقبض على رسغه في اللحظة الأخيرة.
تجمد في مكانه، رفعت نور رأسها بصعوبة، وقد اتسعت عيناها في دهشة تختلط بالذهول.
فرأت أمامها رجلًا يقف بثبات مهيب، كأن حضوره وحده يكفي ليملأ المكان هيبة.
طويل القامة، صلب الملامح، تشع من وجهه مسحة حزمٍ لا تخطئها العين، عيناه ثاقبتان كالسهمين، تنفذان إلى الداخل بنظرة حادة لا تعرف التردد.
سأله سيد بدهشة ظاهرة، وقد عقد حاجبيه متعجبًا:
– أنت مين حضرتك؟ وإيه اللي دخلك بيتنا؟
لم يجب الأخر علي الفور، بل أدار بصره نحو والد نور، وثبت عليه عينين نافذتين، فشعر رضا على الرغم من قسوته بأن هذا الوجه ليس غريبًا عليه، وكأنه رآه من قبل في مكان ما.
كاد يفتح فمه ليسأل، لكن الرجل سبقه،
ألقى بذراعه بعيدًا عنه في الهواء، حدقه بتحذير صارم، واخبرهم بثقة لا تقبل الجدل:
– أنا النائب البرلماني… صفوان الشاذلي.
ساد الصمت في الغرفة، كأن الكلمات وقعت عليهم كوقع الصاعقة، ثم التفت إلى والد نور، وثبت نظره عليه بثبات كامل، نبرة صوته حين تحدث تحمل جدية وهيبة، جعلت المكان كله يصمت احترامًا لها:
– سبب وجودي هنا، إني جاي أطلب منك إيد الآنسة نور بنت حضرتك على سنة الله ورسوله.
❈-❈-❈
منذ قليل...
وقف يطرق الباب للمرة التي لا يعلم عددها، وقد بدأ صبره يتآكل شيئًا فشيئًا،
قال وهو يحاول أن يحافظ على هدوئه:
– افتحي الباب يا ريم، مش كل ما يحصل حاجة تغضبي وتقفلي على نفسك؟!
جاءه صوتها من خلف الباب، مرتجفًا ببكاء متقن أكثر مما هو صادق، وكأنها ممثلة بارعة تحفظ دورها عن ظهر قلب:
– يعني مكنتش واقف وسامع اللي حصلي؟!، ماما طول عمرها كده، تهزقني قدام الناس كأني عيلة صغيرة، أنا ذنبي إيه يعني ابنها خلع من الفرح، ما تروح تحاسبه هو.
أغمض عينيه وزفر ببطء، محاولًا أن يكبح نفاد صبره، ثم قال بنبرة أكثر لينًا:
– طيب افتحي يا حبيبتي، وتعالي اغسلي وشك واهدي عشان ننزل، ما ينفعش نسيب الفرح اللي باظ ومامتك وولاد عمي اللي زمانهم قالبين الدنيا على أخوكي.
مرر كفه فوق وجهه في إرهاق، ثم تحلّى بقليل آخر من الصبر:
– استهدي بالله يا ريم، ويلا عشان ما ينفعش نتأخر أكتر من كده علــ...
لكن كلماته انقطعت فجأة، بعد أن فُتح الباب دفعة واحدة، فخرجت إليه، تقف أمامه بلا حجاب، وقد تناثرت خصلات شعرها حول وجهها المشتعل بحمرة البكاء، عيناها متورمتين من الدموع، وأنفاسها متلاحقة، نظر إليها لوهلة طويلة، فمهما رآها في حالات شتى، ظلت تمتلك قدرة غريبة على سلب انتباهه وإرباك اتزانه، ابتلع ريقه بصعوبة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة لم تلبث أن تلاشت تمامًا.
إذ وقعت عيناه على بقعة قرمزية صغيرة لدى جيدها، تجمدت ملامحه واختفت كل آثار الهدوء من وجهه.
رأت ذلك التحول المفاجئ في عينيه؛ التحول الذي تعرفه جيدًا، والذي يسبق دائمًا انفجار غضبه.
انتفض قلبها داخل صدرها وهي تراه يقترب بخطوات ثابتة، بينما كان الغضب ينضح من نظراته نضحًا.
ابتلعت ريقها وسألته بتردد امتزج بالخوف:
– في إيه يا عمرو؟
لم يجب في الحال، بل أطبق على ذراعها فجأة، ثم جذبها خلفه بخطوة حادة جعلتها تتعثر قبل أن تستعيد توازنها، ودفعها إلى داخل غرفتهما.
أغلق الباب خلفهما، وأوقفها أمام المرآة الكبيرة، لتواجه انعكاسها، رفعت عينيها إليه في حيرة، لكنها لم تجد في ملامحه سوى صرامة مخيفة.
مد يده إلى مقدمة ثوبها، وأزاح القماش قليلًا عن موضع البقعة، ثم رمقها بنظرة مشتعلة كالجمر، وقال بصوت منخفض يحمل من الغضب ما يكفي لإشعال عاصفة:
– إيه ده يا هانم؟
تذكرت على الفور ما فعله معها ابن عمتها؛ ذلك الذي تعمد أن يترك بصماته على جسدها دون أن تنتبه إلى ما يصنعه، حيث كانت غارقة في براثن اللذة المحرمة.
وبقدرة تُحسد عليها، أخفت خوفها وتوترها خلف قناع متماسك، ألقت نظرة سريعة على جيدها، فلاحظت علامة أخرى على كتفها، وثالثة على رسغها.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وتمتمت داخل عقلها بغيظ مكتوم:
– يا ابن الـ.... يا سيد، قاصد تفضحني قدام ابن عمك... الله يحرقك.
ولم تلبث أن اقتحمت رأسها فكرة كاذبة، فتشبثت بها على الفور، ثم رفعت عينيها إليه وأضفت إلى ملامحها مسحة من الحزن والانكسار:
– دي بقع بتطلعلي لما بزعل أو أتضايق، حتى شوف... طالعة في كتفي ودراعي.
وأزاحت ثوبها عن كتفيها لتظهر المواضع التي تحمل تلك العلامات، ثم ما لبثت الدموع أن انهمرت من عينيها بغزارة، وقالت بصوت مختنق:
– كل ما كانوا ماما وأخويا ينكدوا عليا، سواء بالتهزيق أو الضرب، ألاقي جسمي متبهدل بقع زي ما إنت شايف.
لم تمنحه فرصة للتعليق أو حتى للتفكير فيما سمعه، ارتمت على صدره فجأة، وأحاطت خصره بذراعيها، ثم أردفت بين شهقاتها المتلاحقة، بينما تتساقط دموعها فوق صدره:
– أنا بحبك أوي يا عمرو، وماليش غيرك.
ثم شهقت مجددًا وأجهشت بالبكاء،
أخذ يربت عليها في محاولةٍ لتهدئتها، وقد داهمه شعور عارم بالشفقة نحوها، بالرغم من وجود صوت ينبعث من أعماق عقله، يهمس له بألا يصدق كل ما يسمعه. فهناك شيء ما يحدث من خلف ظهره.
شيء لا يستطيع تحديده، لكنه يشعر بوجوده، ظل هذا الصراع يعصف برأسه خلال لحظات الصمت التي التزم بها، الأمر الذي أثار قلقها.
رفعت رأسها ببطء لتنظر إليه عن قرب، عيناها غارقتين بالدموع، بينما ارتسمت على وجهها ملامح الانكسار والتوسل، وشفتيها المنتفختين في منتهي الاغراء.
سألته بصوت مرتجف:
– عمرو... ساكت ليه يا حبيبي؟
ظل ينظر في عينيها المغلفة بالدموع، وجسدها يرتجف اثر البكاء المتقن للغاية، تحركت شفتيها لتتحدث فسبقها هو بالانقضاض عليهما في قبلة جامحة يهرب بها من الصوت الذي يصارع فؤاده داخله.
ترك شفتيها بصعوبة بعد أن شعر بصعوبة التنفس لديها، أخذ كليهما يلهثان، لم يمهلها التريث، جذبها إلي صدره وجذب سحاب الثوب لأسفل، انهال علي عنقها بقبلات متناثرة ايقظت ما اطفأه ابن عمه وهي بين احضانه.
صدح رنين هاتفه، فسحبته من جيب بنطاله، سألها من بين أنفاسه الحارة:
– مين اللي بيتصل؟
كانت اغلقت هاتفه تماماً، فاخبرته بنبرة يغمرها الرغبة والدلال:
–الفون فصل مالحقتش اركز.
حاوط وجهها بين كفيه:
– ركزي معايا أنا.
وختم كلماته بقبلة ودفع جسدها إلي الفراش.
وفي مكان قريب من الحارة، كانت سيارة سوداء تقف في هدوء مترقب، يجلس صفوان في المقعد الخلفي، بينما احتل السائق المقعد الأمامي خلف عجلة القيادة و جواره يجلس جسار، واضعًا هاتفه على أذنه، يستمع إلى الرسالة المسجلة التي تتكرر للمرة التي لا يعلم عددها.
زفر بتأفف ثم اخبر رئيسه:
– تليفونه مقفول يا باشا.
أجابه الأخر دون أن يحول نظره عما يتابعه عبر شاشة هاتفه، إذ كان يشاهد ما يجري داخل الحارة بالصوت والصورة في بث مباشر، من خلال أحد رجاله الموجودين هناك منذ الصباح لمراقبة الأحداث والتأكد من اختفاء مؤمن:
– مش مهم إنه يرد... اللي جاي هو الأهم.
ثم رفع رأسه وأردف بلهجة حاسمة:
– اطلع بينا على الحارة يا سعد.
❈-❈-❈
في غرفة الضيوف، اجتمع الأب وابناه في مواجهة سيادة النائب، بينما كانت علامات الذهول والصدمة ترتسم فوق وجوههم،
لم يكن طلبه المفاجئ أمرًا يمكن استيعابه بسهولة.
فمنذ دقائق قليلة فقط كانت العائلة تغرق في مستنقع فضيحة مدوية، وانهيار زفاف تحول إلى حديث الحارة بأكملها، ثم فجأة يظهر رجل بمكانة صفوان، ويطلب الزواج من نور!
بدت الأحداث متلاحقة إلى حد أربك عقولهم، وخيم السكون على الأجواء حتى قطعه رضا حين أطلق ضحكة ساخرة خالية من أي احترام:
– معلش يا بيه في السؤال، هو حضرتك دخلت هنا إزاي؟، ولو افترضنا عرفت اللي حصل من الناس تحت، السؤال الأهم... عرفت أختي منين؟ يعني تعرفوا بعض مثلًا ولا إيه يعني؟
لم يكد ينهي حديثه حتى سبقه شقيقه الأصغر بالكلام، غير مانح صفوان فرصة للرد، وقال بسخرية لاذعة:
– ما تخليك ذكي يا رضا، ابن خالك خلع، والباشا ظهر فجأة يطلب إيد أختك، الحوار مترجم نفسه، مش بعيد الصايعة أختك هي اللي مخططة لكل ده من الألف للياء.
في تلك اللحظة نهض صفوان من مقعده بهدوء مخيف، رفع بصره إليهما، مجرد نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تجعلهما يتسمران في مقعديهما، وكأن أحدًا سكب فوقهما ماء مثلج، قال بصوت يحمل من الحدة ما يكفي لقطع الأنفاس:
– خلصتوا أسئلة؟! حقي بقى أرد.
واتجه بنظره نحو سيد، ثم أردف ببرود أشد قسوة من الغضب نفسه:
– بغض النظر عن الكلام الأهبل اللي هاعمل نفسي ما سمعتوش، وإلا إنه كان هايبقى ليا تصرف تاني معاكم.
شعر سيد بجفاف مفاجئ في حلقه، فابتلع ريقه بصعوبة.
كانت نظرة الأخر كافية لزرع الرهبة في أعماقه؛ نظرة تحمل وعيد صريح لا يحتاج إلى كلمات، فأكمل حديثه دون أن يزيح عينيه عنه:
– أنا كنت رايح الشركة، وفي أوراق مهمة كنت سايبها مع عمرو، جسار المساعد بتاعي، اتصل عليه أكتر من مرة، لكن تليفونه كان مقفول، اضطرينا نيجي الحارة.
ثم أشار بيده إشارة مقتضبة وأردف:
– وعرفت اللي حصل، خصوصًا إن مفيش حد تحت بيتكلم غير عن هروب مؤمن وطلاقه المفاجئ لأختكم.
تنحنح قليلًا قبل أن يوجه حديثه إلى والد نور مباشرة:
– واللي أعرفه إن البيت ده بيت عيلة المنياوي، واللي كان ساكن فيه عم مختار الله يرحمه أخو حضرتك، جسار كان فاكر إن شقة عمرو هنا في البيت، ولما وصل سمع الحوار والزعيق، بلغني على طول.
وتابع بصوت أكثر صرامة:
– طلعت فورًا، لاقيت باب الشقة مفتوح وصوتكم كان عالي، وبما إن عندي خلفية عن اللي حصل، شوفت ظلم بيحصل قدامي... ماسكين في الضحية وسايبين الجاني نفسه.
ساد الصمت لثوان، تبادل خلالها رضا وشقيقه نظرة خاطفة، وكأن بينهما حديث دائر دون كلمات.
أعاد رضا نظره إلى صفوان، وقال بتهكم واضح:
– لا مؤاخذة يا باشا... بعد كلامك وموقفك النبيل اللي إحنا لحد دلوقتي مش فاهمين سببه، أظن دي أمور عائلية تخصنا إحنا.
وأشار إلى نفسه وإلى شقيقه مردفًا:
– دي أختنا، وإحنا إخواتها وعيلتها، حضرتك بقى بصفتك إيه تتدخل ما بينا؟!، معقول كل ما تلاقي واحدة ما تعرفهاش في موقف زي ده، مرة واحدة تاخدك الشهامة وتطلب إيدها؟!
واستطرد بنبرة أكثر سخرية:
– مش غريب أوي موقفك... ولا أنا غلطان؟
وما إن انتهى من حديثه حتى قهقه شقيقه الأصغر ساخرًا:
– يمكن روح عمك مختار نادته، وهو جه يلبي النداء.
بدت ملامح صفوان وقد ازدادت صلابة وبرودة، بينما استقرت عيناه على الشقيق الأصغر استقرار صياد يراقب فريسته قبل الانقضاض عليها.
بينما والد نور وجد أن أبناءه تجاوزوا حدودهما، وأن الكلمات التي أطلقوها منذ قليل قد تكون الشرارة التي ستشعل ما لا تُحمد عقباه.
فمنذ بداية الحديث كان يلتزم الصمت على غير عادته، يراقب الموقف بعين متفحصة، بينما كانت أفكاره تتدافع داخل رأسه كأمواج متلاطمة لا تعرف السكون.
يفكر في عرض سيادة النائب، في ذلك الطلب الذي هبط عليهم كالصاعقة، طلب الزواج من ابنته.
ورغم المفاجأة، لم يستطع تجاهل الجانب الآخر من الصورة، فما فعله مؤمن بابنته أمام أهل الحارة لم يكن بالأمر الهين، بل كان طعنة غائرة في قلب أب أفنى عمره سعيًا للحفاظ على سمعته وسمعة أسرته.
كما يدرك جيدًا أن ألسنة الناس لا ترحم،
وأن الحارة التي شهدت انهيار العرس ستظل شهورًا، وربما سنوات، تتناقل الحكاية وتضيف إليها من الخيال أضعاف ما حدث في الواقع.
بينما الآن...فها هو القدر يفتح أمامه باب لم يكن يحلم به يومًا، باب لا يُطرق إلا مرة واحدة في العمر.
هل يعقل أن يصبح حما نائب برلماني له مكانته ونفوذه؟، هل تتحول تلك المصيبة التي كادت تطيح برؤوسهم جميعًا إلى فرصة ذهبية لا تتكرر؟
انتبه من شروده حين لمح الغضب يتقد في عيني صفوان كجمرة أوشكت أن تشتعل، فانفجر في ابنيه صارخًا:
– اخرس منك ليه، إيه مش مالي عينكم؟!، قوم فز إنت وهو واعتذروا للبيه.
التفت رضا إلى والده بصدمة واضحة،
كأن الكلمات قد صفعته على وجهه.
لكن ما إن وقعت عيناه على نظرة أبيه حتى فهم ما يدور في رأسه.
كانت نظرة رجل يرى مصلحة عائلته أمامه ولا يريد لأحد أن يبددها بحماقة.
نهض على الفور من مقعده، وكاد يتقدم نحو صفوان معتذرًا، بالتزامن مع حديث والده الذي توجه به إلى الضيف الكبير:
– حقك عليا يا باشا عن قلة ذوق ولادي، هما برضه في الأول وفي الآخر إخواتها، وبيتصرفوا بدافع خوفهم عليها، وإحنا في حارة شعبية، وشوفت حضرتك وسمعت أهل الحتة اللي هيفضلوا ماسكين سيرة بنتي، والله أعلم ه
بيقولوا عليها إيه تاني.
كان صوته يحمل مزيج من الحرج والأسف، بينما بدت على ملامحه علامات القلق من المستقبل وما قد تخبئه الأيام لابنته.
رفع الأخر يده في هدوء مهذب، قاطعًا سيل الاعتذارات قبل أن يكتمل، قائلاً بنبرة رزينة:
– مفيش داعي للاعتذار، أنا مقدر الحالة النفسية اللي بتمروا بيها، وصدقني طلبي مكنش مجرد كلام، أنا فعلًا بطلب من حضرتك إيد الآنسة نور على سنة الله ورسوله.
ساد الصمت مجددًا داخل الغرفة، بينما تابع حديثه بثبات:
– كفاية إنها تبقى بنت أخو عم مختار الله يرحمه، واللي كان السواق الخاص للوالد.
ثم خفت صوته قليلًا وهو يسترسل:
– غير فضله اللي عمري ما هنساه.
شرد ببصره في الفراغ لثوان معدودة،
تبدلت ملامحه تدريجياً، التمعت عينيه ببريق قديم، زمن ما زالت أحداثه محفورة في ذاكرته، حاول نسيانها مرارًا لكنه فشل.
❈-❈-❈
في الخارج، عند الردهة جوار غرفة الضيوف، كانت تسترق السمع إلى كل ما دار بالداخل، ومع كل جملة كانت تسمعها، كان القلق يزداد علي صديقتها.
انسحبت بخطوات هادئة وحذرة، متجنبة لفت الأنظار إليها، حتى لا ينتبه أحد إلى وجودها بالقرب من الغرفة.
سارت عبر الممر الضيق وقلبها يخفق بعنف، حتى بلغت غرفة نور، دفعت الباب برفق.
فوجدتها جالسة على طرف الفراش، تنحني بجسدها إلى الأمام، بينما تستند بمرفقيها إلى ركبتيها، وقد أخفت وجهها بين كفيها، حيث البكاء ينهشها نهشًا.
أغلقت الباب خلفها سريعًا، ثم تحركت نحوها جالسة جوارها، أمسكت يدها المرتجفة، قبل أن تسألها بصوت امتزج فيه التردد بالخوف على صديقتها:
– نور... هو اللي أنا سمعته بره ده بجد؟
رفعت الأخرى رأسها ببطء، الدموع تنهمر فوق خديها بلا توقف، وقد احمرت عيناها من فرط البكاء والإجهاد.
حدقت إليها للحظات طويلة، ثم قالت بصوت متهدج:
– زي ما سمعتي بالظبط يا نجلاء... اللي اسمه صفوان الشاذلي طالب إيدي، ومليون في المية بابا هيوافق هو وإخواتي.
ابتسمت بحزن و مرارة:
– الحوار ده لو حصل، هاتبقي مصيبة!
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بأن الكلمات تكاد تخنقها وهي تخرج من بين شفتيها، ثم تابعت:
– انتي عارفة اللي فيها... اللي عمله فيّا الحيوان مؤمن يوم فرح عمرو وريم، أي نعم كان جوزي على سنة الله ورسوله وقتها، بس طلقني الندل الحيوان.
وتوقفت لحظة، قبل أن تنظر مباشرة إلى صديقتها وتسألها بمرارة:
– عارفة ده معناه إيه يا نجلاء؟
رمقتها الأخرى بصدمة واضحة، حيث الإجابة تدور داخل رأسها بالفعل، لكنها لم ترغب في النطق بها.
ومع ذلك، خرج صوتها خافت ومضطرب:
– يعني ما ينفعش تتجوزي غير بعد شهور العدة.
ثم ازدادت نبرتها ارتباكًا وهي تكمل:
– والعدة بتبقى في حالة لو اتقفل عليكم إنتي وجوزك باب واحد و...
صمتت للحظات وهي تنعش ذاكرتها بالنتائج المترتبة أو العواقب الوخيمة التي ستحل علي رأس نور.
فجأة شهقت بقوة، رفعت كفها إلى فمها في ذهول كامل وهتفت:
– نهار أزرق!
أغمضت نور عينيها بقهر موجع، وشعرت بأن صدرها يضيق أكثر فأكثر، قالت بصوت اختلط فيه الخوف بالانكسار:
– بابا وإخواتي لو عرفوا اللي حصل... هيبقى فيها موتي.
وتجمعت الدموع مجددًا داخل عينيها قبل أن تكمل:
– ومهما حلفتلهم، عمرهم ما هيصدقوا إنه كان بالغصب والقوة.
وما إن انتهت من كلماتها حتى انهارت آخر مقاومة كانت تتشبث بها، فانحنت إلى الأمام وأجهشت بالبكاء من جديد.
بينما ظلت صديقتها تنظر إليها في صدمة وعجز، وقد أدركت حجم الكارثة التي أمام صديقتها.
نهضت نور من مكانها فجأة، خطت نحو النافذة بخطوات بطيئة، ثم وقفت أمامها وأزاحت الستارة قليلًا.
اندفع هواء الليل إلى وجهها، بارد ومنعش، لكنها لم تشعر بشيء منه،
فكيف لنسمة عابرة أن تخفف اختناق استوطن الروح؟، وكيف للهواء أن يداوي صدرًا يضيق بما يحمله من خوف وأسرار؟
أغمضت عينيها للحظة، واستنشقت نفس عميق، ثم زفرته ببطء وكأنها تحاول إخراج كل ما يعتصر قلبها معه.
استدارت نحو صديقتها، وقالت بعد لحظات من الصمت:
– أنا هاطلب منهم أقعد مع صفوان لوحدنا بحجة التعارف، وهاكلمه وأفهمه ظروفي والوضع اللي أنا فيه.
ما إن أنهت جملتها حتى انتفضت صديقتها من مكانها، تقدمت نحوها بخطوات سريعة، وقد ارتسم الامتعاض والرفض على ملامحها بوضوح:
– إنتِ اتجننتي يا نور؟!، إياكي تعملي كده.
وتابعت وهي تلوح بيدها في توتر:
– إحنا نعرفه منين غير إنه نائب في البرلمان، وابن عمك شغال عنده؟!، غير كده ما تضمنيش رد فعله أصلًا.
ثم هزت رأسها نافية بقوة قبل أن تضيف:
– هو مفيش غير حل واحد... هاخرج أقولهم إن حالتك النفسية ما تسمحش لأي حاجة.
ارتسمت على شفتي نور ابتسامةساخرة ة وموجعة، التفتت إليها تخبرها بمرارة:
– واضح إنك مكنتيش موجودة من شوية، وشوفتي أو سمعتي اللي عملوه فيا.
وتابعت بصوت خافت، لكن الألم كان يقطر من كل حرف تنطقه:
– لولا دخول صفوان فجأة، رضا كان هياكلني علقة موت، وكأني دبيحة مرمية قدامهم... والكل ما صدق يسن سكاكينه عليا.
شعرت صديقتها بانقباض مؤلم في قلبها،
فهي تعرف جيدًا طبيعة الرجال في تلك العائلة حين يسيطر عليهم الغضب.
وتعرف أكثر أن نور لم تكن تبالغ فيما تقول، رفعت عينيها نحوها وسألتها:
– وبعدين، هاتعملي إيه؟
اجابت نور بعد أن عقدت العزم علي أمرها:
– مفيش قدامي غير الحل الوحيد.
❈-❈-❈
ابتسم صفوان بهدوء وثقة، قائلاً بصوت رزين اتسم بالوقار:
— مش عايزكم تشيلوا هم لأي حاجة، طلبات نور أوامر، واللي هي عايزاه هايجي لحد عندها، بس طبعًا من حقي وحقها نقعد مع بعض ونتكلم، وهاسيبلها وقت تفكر فيه وترد عليا، و انتم كمان خدوا وقتكم وفكروا، وبإذن الله أنا وهي هنتفق.
تبادلت الأعين النظرات، بينما اتجه بصر عيسى نحو ابنه رضا، الذي لم يترك مجال للتردد أو النقاش اعتدل في جلسته وقال بحزم قاطع:
— وقت إيه اللي إحنا أو أختي هنفكر فيه يا باشا؟!، حضرتك غني عن التعريف، والفرح هايمشي زي ما هو، وهاكلم المأذون ييجي يكتب الكتاب دلوقتي.
كاد الانتصار يطل من بين ملامح الآخر، لكنه أحكم السيطرة على تعابيره، فأخفى ابتسامته التي كادت تفضحه.
ها هو قد بلغ الغاية التي سعى إليها طويلًا، ولم يتبق بينه وبينها سوى خطوة واحدة.
في تلك اللحظة، دوى رنين هاتفه، فالتقطه سريعًا، وما إن وقعت عيناه على اسم المتصل حتى نهض من مقعده، وقال بأدب:
— عن إذنكم، معايا مكالمة... هارد وراجع نكمل كلامنا.
ابتعد عنهم عدة خطوات، ثم أجاب الاتصال.
قبل لحظات...
خرجت نور من البناية بخطوات متعجلة، ترتدي بنطالًا أسود من الجينز وقميص رياضي بقلنسوة أخفت جزء كبير من ملامحها، فلم يظهر من وجهها سوى القليل.
وبينما كانت تتابع طريقها، لمحت من طرف عينيها يقف بالقرب منها رجل طويل القامة، عريض المنكبين، يرتدي بدلة سوداء، وتتسم ملامحه بالصرامة والجمود.
عيناه كانتا مثبتتين عليها بثبات أربكها، كعيني صقر يراقب عن كثب.
تسلل القلق إلى قلبها وجف حلقها فجأة، ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أسرعت الخطى محاولة تجاهله.
لكنها لم تكد تبتعد سوى خطوات قليلة حتى اخترق صوته الأجواء من خلفها، حاد وحاسم، فأصابها بالرعب وأوقف قدميها في موضعهما:
— اقف عندك.
ارتفع صوت أنفاسها، واشتد خفقان قلبها حتى خُيل إليها أنه سيقفز من بين أضلاعها.
أغمضت عينيها للحظة، جزت على أسنانها محاولة التماسك، لكنها شعرت بخطواته تقترب منها شيئًا فشيئًا.
استدارت ببطء شديد، وما إن رفعت وجهها حتى وجدته يقف أمامها مباشرة.
شهقت بذعر، وتراجعت خطوة إلى الخلف، بينما هو تأمل ملامحها بعين متفحصة:
— آنسة نور!
لم تفكر، لم تمنح نفسها فرصة للتردد،
كان الخوف المشتعل داخلها، وإصرارها المحموم على الهرب، أقوى من أي شيء آخر.
دفعت الرجل بكل ما أوتيت من قوة، فاختل توازنه بالفعل، وترنح للخلف وكاد يسقط أرضًا.
لم تنتظر لترى النتيجة، استدارت وانطلقت تركض بكل ما تملك من قوة، كأن الشياطين تطاردها.
استعاد الرجل توازنه سريعًا، ثم أخرج هاتفه على الفور وأجرى اتصال عاجل،
وما إن جاءه الرد حتى قال بلهجة متوترة:
— آنسة نور هربت.
ساد الصمت لثانية واحدة، قبل أن يأتيه صوت صفوان من الجهة الأخرى، قاسي ومشحون بالغضب المكتوم:
— أنا نازلك حالًا.
أغلق الخط دون كلمة إضافية، وفي اللحظة التالية، كان يغادر المنزل على عجل، دون أن يخبر والد نور أو شقيقيها بشيء.
خرج بخطوات سريعة، تعكس التوتر الذي بدأ يعتمل في داخله، فهي تهرب منه و عليه ألا يسمح لها بالابتعاد.
❈-❈-❈
ما زالت تركض وتركض، ، وكأن الخوف قد تحول إلى سوط يلهب روحها ويدفعها إلى الأمام دون هوادة.
اندفعت نحو الطريق الرئيسي، قاصدة الاحتماء بزحام الناس وصخب المدينة، لعلها تذوب بين الوجوه العابرة فلا يعثر عليها ذلك الحارس الذي ظنت أنه يطاردها في هذه اللحظة.
كانت تسمع دقات قلبها بوضوح مخيف، ن أنفاسها تتلاحق، صدرها يعلو ويهبط بعنف، فيما كانت نظراتها المرتبكة تجوب المكان بحثًا عن مهرب.
لكنها توقفت فجأة، الطريق مسدودًا بحادث صغير ومشاجرةٍ محتدمة بين سائقي مركبتي «توكتوك».
ارتفعت الأصوات، وتشابكت الأيدي، واحتشد المارة حولهما، فتحولت المنطقة إلى كتلة من الفوضى تعيق المرور.
ألقت نظرة سريعة خلفها، ثم استدارت وركضت عبر طريق جانبي آخر، تلتفت بين الحين والآخر لتتأكد أن أحدًا لا يتبعها.
وفجأة...انطلق صوت منبه سيارة قادمة نحوها بصورةٍ مفاجئة، فانتفض جسدها كله من الذعر.
اختل توازنها وتهاوت أرضًا، التوت قدمها أسفلها بعنف، فانفجرت صرخة ألم حادة من بين شفتيها.
تجمعت الدموع في عينيها من شدة الوجع، مدت يدها تمسك بكاحلها، تحاول النهوض رغم الألم الذي كان ينبض في ساقها كجمر مشتعل.
وقع بصرها على زوج من الأحذية السوداء اللامعة يقف أمامها مباشرة، رفعت رأسها قليلًا تتفقد صاحبه، لتجده واقفًا أمامها بطوله الفارع وهيبته الطاغية.
شعرت بقلبها يخفق بعنف داخل صدرها، واختلط التوتر بالخوف حتى جف حلقها.
ابتلعت ريقها، مد يده لها دون أي مقدمات وبدون أن يتفوه بحرف.
رفعت القلنسوة عن رأسها بعصبية، ثم رمقته بنظرة امتعاض واضحة وقالت بحدة:
— شكرًا، مش محتاجة مساعدة، هاعرف اقوم لوحدي، وياريت تعمل نفسك ما شوفتنيش، ابقى ارجعلهم وقولهم إني هربت.
كانت تتوقع أن يغضب، يهددها، يجبرها على العودة، لكنها فوجئت بشيء آخر تمامًا.
ابتسم، تلك الابتسامة الباردة التي لم تحمل ذرة واحدة من الطمأنينة، بل على العكس... جعلت القلق يتضاعف داخلها.
وما إن أدركت ذلك حتى وجدته ينحني نحوها فجأة، وفي لحظة خاطفة، حملها علي ذراعيه بسهولة أربكتها، ثم أمر جسار الذي يقف خلفه بلهجة حاسمة:
— افتح باب العربية.
شهقت بصدمة، وبدأت تدفعه بكل ما أوتيت من قوة وهي تصيح بغضب وذعر:
— إيه اللي عملته ده؟!، نزلني، أوعى... نزلني.
قبضتيه كالصخر عليها، وخطواته لم تتوقف، في تلك الأثناء، أسرع جسار وفتح الباب الخلفي للسيارة.
أنزلها صفوان برفق داخل المقعد الخلفي، قبل أن يصعد ويجلس إلى جوارها مباشرة.
وما إن استقرت داخل السيارة حتى حاولت الفرار من الباب المقابل، اندفعت نحوه بسرعة، لكنها وجدته موصدًا بإحكام.
اتسعت عيناها غضبًا وصدحت بصوت مرتفع، وهي تتخبط في مكانها كعصفور وقع داخل قفص مغلق:
— على فكرة، اللي بتعمله ده اسمه خطف، وجريمة بيعاقب عليها القانون.
التفت إليها ببطء، وكانت تلك الابتسامة الباردة ما تزال مستقرة على شفتيه، ثم اخبرها بصوته الأجش الرخيم، وعينيه في عينيها مباشرة:
— أنا القانون.
ارتعش شيء ما داخلها أمام تلك الثقة المستفزة التي نطق بها كلماته، بينما هو فلم يزح بصره عنها لحظة واحدة ويأمر السائق بنبرة صارمة:
— اطلع بسرعة على المستشفى.
رمقته بذهول امتزج بالصدمة، وظلت تحدق فيه لثوان طويلة، وكأن عقلها يحاول عبثًا استيعاب ما تراه عيناها.
لم تكن تدري أو تشعر بكل تلك الرهبة وعينيه صوب خاصتها، ولا لماذا كانت عيناه تحديدًا تثيران داخلها ذلك الاضطراب الغريب، حتى لونهما عجزت عن تحديده؛ فمرة تراهما قاتمتين كسواد الليل، ومرة تلوح فيهما لمعة رمادية مبهمة، بل هي خليط ثلاثي من الرمادي والأخضر واللبني معاً كاللون البحر العميق.
وإذا بذاكرتها تداهمها بذكرى قديمة كالبرق، مشهد مضى عليه عام كامل،
تلك العينان، تلك الهيبة الطاغية.
وذلك الصوت الذي انطبع في ذاكرتها رغم مرور الوقت، اتسعت عيناها أكثر، وانفرجت شفتاها دون وعي، بينما سبق لسانها أفكارها وهمست تلقائيٕا:
— أنتَ؟
التقط مغزى سؤالها فورًا، بل إنه أدرك تمامًا إنها تذكرت عندما رآها لأول مرة،
لكنه تعمد التظاهر بعدم الفهم، وكأن الأمر لا يعنيه، ثم عقد حاجبيه متسائلًا ببرود:
— أنا إيه؟
كادت تجيبه وتخبره أنها تتذكره، قاطعتها السيارة عندما اهتزت فجأة أثناء مرورها فوق مطب صناعي.
فاندفعت قدمها المصابة لترتطم بأرضية السيارة، شهقت متألمة، وانطلقت منها صرخة مدوية.
التفت صفوان نحو السائق بغضب حاد، وصاح:
— ما تاخد بالك يا سعد من المطبات!
ارتبك الرجل خلف المقود وقال معتذرًا:
— آسف يا باشا، أنا سايق بسرعة زي ما حضرتك أمرتني.
رمقه الأخر بنظرة نارية عبر المرآة الأمامية، ثم أعاد انتباهه إلي تجلس جواره وتتأوه من الألم، توقفت عيناه عند ساقها المصابة، وقال بنبرة آمرة لا تحتمل النقاش:
— ارفعي رجلك.
رمقته بتعجب واضح وسألته:
— أرفعها فين؟
لكنّه لم يمنحها فرصة أخرى للاعتراض،
انحنى نحو ساقها المصابة ورفعها برفق ثم وضعها فوق فخذه.
شهقت بصدمة، وحاولت سحب ساقها منه فورًا وهي تصيح:
— إنت بتعمل إيه؟! أوعى... سيب رجلي.
لكن محاولتها باءت بالفشل، إذ أحكم قبضته عليها بحزم دون أن يؤذيها، بينما أخذ يخلع حذاءها الرياضي بحذر شديد.
وفي الوقت نفسه قال بصوت منخفض:
— اثبتي عشان ما توجعكيش أكتر.
زفرت بضيق، والتأفف يكاد يتطاير من عينيها، كانت على وشك أن توبخه بعنف، لولا أن لسانها انعقد فجأة عندما انتبهت لما يفعله.
يمسك قدمها بخبرة واضحة، يتفحص موضع الإصابة بدقة وكأنه اعتاد التعامل مع مثل هذه الأمور.
غير أن ملامسة أنامله لكاحلها جعلتها تنتفض قائلة بحدة:
— ممكن تبعد إيدك وتسيب رجلي لو سمحت؟
لم يجبها ولم يرفع عينيه حتى نحوها،
ظل ممسكًا بقدمها بإحدى يديه، بينما تستقر يده الأخرى على ساقها لتثبيتها.
وبعد لحظات من الفحص، وقعت عيناه على التورم الظاهر أعلى الكاحل، فعقد حاجبيه واخبرها:
— غالبًا ده شرخ أو كسر جزئي، ما تقلقيش.
رفع رأسه نحوها وأكمل بهدوء:
— بس لازم نروح المستشفى نعمل أشعة وهاتحتاج لجبس.
حدقت فيه بصمت، ورغم محاولتها التظاهر بالتماسك، لم يستطع الخوف المختبئ في عينيها أن يفلت من ملاحظته.
قرأ توترها بسهولة، ولأول مرة منذ صعودها إلى السيارة، لان صوته بصورة مختلفة حين قال:
— مش عايزك تخافي أو تقلقي من أي حاجة يا نور... أنا معاكي، وهافضل جنبك.
تجمدت للحظة، تركتها كلماته في حيرة أشد من ذي قبل، فقد كان يتحدث معها وكأنه يعرفها منذ سنوات.
توالت الأسئلة داخل رأسها، هل يحاول كسب ودها بهذه الكلمات حتى يضمن موافقتها على الزواج؟
ولماذا كلما نظر إليها امتلأت عيناه بمشاعر غريبة يصعب تفسيرها؟
مشاعر لا يمكن أن تولد في لحظة تعارف عابرة، ولا بين شخصين لم تجمعهما سابق معرفة.
صحيح أنها استمعت إلى حديثه مع أسرتها، وعرفت أنه يرغب في الزواج بها، لكن شيئًا عميقًا داخلها كان يرفض تصديق أن الأمر بهذه البساطة.
وجوده المفاجئ اليوم لم يكن طبيعيًّا،
وتلك النظرات التي تنبع من عينيه كلما وقعتا عليها... لم تكن أبدًا وليدة اللحظة.
❈-❈-❈
دوى طرق عنيف على باب الغرفة بالتزامن مع صوت سيد الجهوري الذي علا في أرجاء المنزل، ظن أن شقيقته وحدها من توجد بالداخل:
— ما تفتحي يا بت، بدل ما أناديلك رضا يكسر الباب فوق دماغك.
في الداخل... تقف نجلاء خلف الباب مباشرة، تسنده بجسدها رغم أنه موصد بإحكام بالمفتاح، لم تكن تثق كثيرًا في قدرة ذلك القفل على الصمود أمام ثورة سيد، بينما يدها الأخرى فكانت تقبض على هاتفها بقوة، تعيد الاتصال بنور للمرة العاشرة، وربما أكثر.
وضعت الهاتف قرب أذنها وهمست بصوت خافت للغاية:
— ردي يا نور... ردي بالله عليكي قبل ما التور الهايج اللي بره يكسر الباب فوق دماغي.
ظل يرن هاتف صديقتها، مرة بعد أخرى
دون أي استجابة.
تنهدت بضيق، ثم رفعت صوتها قليلًا لترد على شقيقها:
— أختك واخدة مهدئ ونامت يا سيد.
فطن فورًا إلى أن المتحدثة ليست نور، وإنما صديقتها، فاشتد صوته أكثر وهو يقول:
— نوم إيه دلوقتي!، لازم تصحى.
زفرت بنفاد صبر، ثم صاحت من خلف الباب:
— بقولك نايمة وواخدة مهدئ عشان تعبانة!، إنت ما بتفهمش؟!
ساد الصمت لثانية واحدة، ثم جاءها صوته غاضبًا كالرعد:
— أنا ما بفهمش؟!، لولا إنك صاحبة أختي كان هيبقى ليا معاكي تصرف تاني، افتحي الزفت الباب.
توسعت عينيها بغيظ شديد، وصاحت هي الأخرى بعناد:
— مش فاتحة يا سيد، و...
لكن كلماتها انقطعت فجأة، عندما وصل إلى مسامعها صوت رضا، الذي بدا أنه خرج للتو ليستكشف مصدر الضوضاء:
— إيه الدوشة دي؟ فيه إيه؟
استدار شقيقه إليه فورًا واخبره بامتعاض:
— السنيورة حبيبة قلبك جوه، قافلة الباب ومش عايزة تفتح، وبتقولي أختك نايمة وواخدة مهدئ، لا وكمان بتقل أدبها عليّا، اتصرف إنت بقى معاها بدل ما أكسرلك الباب فوق دماغها.
في اللحظة التالية، تلقى نظرة حادة من شقيقه الأكبر، نظرة حملت تحذير صريح جعله يبتلع بقية كلماته.
ثم دفعه بيده دفعة قوية أبعدته عن الباب وهو يقول بحدة:
— طب غور من وشي بدل ما أزعلك.
تراجع سيد عدة خطوات وهو يتمتم بكلمات غاضبة لم تكن مفهومة، بينما اقترب الأخر من الباب.
وبالداخل فقد شعرت نجلاء بأن نبضات قلبها تعلو بقوة، ربما لأن المواجهة مع سيد كانت أسهل، بينما رضا لا تريد أن تواجهه معه علي الإطلاق.
تحدث بصوت هادئ على نحو أثار الريبة أكثر مما بث الطمأنينة:
— افتحي يا نجلاء.
شعرت بأن قلبها كاد يقفز من صدرها فرط الخوف، فهي تعلم جيدًا أنها الآن في مواجهة الشخص الخطأ.
فهدوؤه كان أكثر رعبًا من غضبه،
بل إن أكثر لحظاته خطورة كانت تلك التي يخفض فيها صوته إلى هذا الحد.
ابتلعت ريقها، ثم ردت من خلف الباب محاولة التمسك بشجاعتها:
— أختك تعبانة جدًا يا رضا، وما ينفعش اللي هتعملوه دلوقتي، راعوا حتى الصدمة النفسية اللي لسه واخداها، ما تبقوش إنتوا والعرة مؤمن عليها.
ساد الصمت لثوان قليلة خلف الباب،
ثم وصلها صوت زفيره الثقيل.
ذلك الزفير الذي بدا وكأنه محاولة أخيرة للتمسك بأعصابه.
وحين تحدث، كان صوته هادئًا بصورة توحي بأن العاصفة لم تبدأ بعد:
— طيب افتحي، ونبقى نتكلم في الحوارات دي بعدين.
عقدت ذراعيها بعناد وقالت من مكانها:
— ما قولت مش هافتح، إنت أطرش ولا غبي؟
أغمض عينيه للحظة، ثم هز رأسه ببطء
وبنبرة هادئة على نحو مخيف، أخذ يردد كلماتها وكأنه يتذوقها حرف بحرف:
— أطرش...
وصمت لحظة ثم أكمل:
— وغبي...
رفع عينيه نحو الباب المغلق، وقال بهدوء مريب:
— نصيحة مني... لو واقفة ورا الباب، ابعدي.
قطبت حاجبيها وردت بعناد:
— مش هابعـ...
لكنها لم تكمل كلمتها، حيث انطلقت منها صرخة حادة وهي تتراجع إلى الخلف.
في اللحظة التالية اندفع الباب بقوة هائلة، حتى بدا وكأنه سينخلع من موضعه.
اختل توازنها وتعثرت قدماها، فسقطت على ظهرها فوق الأرض.
وجدته يقف جوارها ينظر لها من موضعه، نهضت سريعًا وهي تحدق فيه.
تجول بصره في المكان بسرعة خاطفة،
حتي استقر على السرير الفارغ، وهنا فقط تبدلت ملامحه وتلاشى ما تبقى من هدوئه.
وما إن أدركت هي ما انتبه إليه حتى استدارت محاولة الهرب، لكنها لم تتمكن من الابتعاد خطوة واحدة.
امتدت يده وقبض على ساعدها بقوة،
تجمدت في مكانها، ألتفتت لتنظر إليه
فوجدت نفسها أمام نظرة أرعبتها بحق.
نظرة رجل بدأ يفقد السيطرة على أعصابه، خرج صوته خشن وحاد وهو يسألها:
— فين نور؟
ابتلعت ريقها وحاولت أن تبدو أكثر ثباتًا مما تشعر به في الحقيقة، ثم أجابت بقوة زائفة:
— معرفش... ولو عارفة مش هقول، كفاية اللي حصلها، واللي كنتم هتعملوه فيها دلوقتي.
اشتد احتقان أنفاسه، وأخذ يحدق بها في صمت مؤقت، ذلك الصمت الذي كان أكثر رعبًا من أي تهديد صريح، شعرت بالخوف يتسلل إلى أوصالها رغم محاولاتها المستميتة لإخفائه.
حاولت تخليص ساعدها من قبضته وهي تقول:
— سيب دراعي يا رضا.
عينيه ظلتا مثبتتين على عينيها مباشرة
وكأنه لم يسمع كلماتها إطلاقًا، أو ربما سمعها واختار تجاهلها.
رفع صوته مناديًا:
— سيد؟
لم تمضِ سوى لحظات معدودة حتى هرول شقيقه إلى الغرفة، توقف عند الباب، ونظر بينهما مستفسرًا عما يحدث.
لم يلتفت إليه رضا إلا للحظة عابرة، و أمره بصوت صارم لا يقبل النقاش:
— لما يرجع الباشا ويدخل يقعد مع أبوك، اقفل عليهم باب الأوضة من غير ما تحسسهم بحاجة، وانزل اقلب الدنيا إنت وأصحابك على أختك، ما ترجعش غير بيها.
ثم ألقى نظرة جانبية على نجلاء المرتجفة، وأكمل بنبرة أكثر برودًا:
— مش ناقصين فضايح لحد ما أشوف شغلي مع الهانم صاحبتها.
وما إن أنهى كلماته أدركت من النظرة المشتعلة في عينيه... أن استجوابها الحقيقي لم يبدأ بعد.
❈-❈-❈
انتهى فحص الأشعة أخيرًا، لكن شيئًا واحد لم يتغير منذ أن وطئت أعتاب المستشفى...
صفوان حاضر في كل خطوة تخطوها، ملازمًا لها كظلها الذي لا يفارقها، كلما اعترضت على وجوده أو أبدت انزعاجها من مرافقته لها المستمرة، تظاهر بعدم السماع، وكأن كلماتها لا تصل إليه أصلًا، ثم يمضي في تنفيذ ما يراه مناسبًا دون اكتراث لاعتراضاتها.
ومع مرور الوقت، بدأت تلاحظ أمرًا آخر،
فمنذ دخولها المستشفى، كان جميع العاملين يرحبون به باحترامٍ بالغ، والأطباء يستقبلونه بترحاب يكاد يرقى إلى التوقير.
حينها فقط أدركت أن هذا المكان يتبع له أو أنه صاحب نفوذ كبير داخله.
ولم يزدها ذلك إلا توتر، فهي لم تعد محاصرة به وحده... بل أصبحت داخل عالمه أيضًا.
وأثناء فحص الأشعة، عندما طلب منها الطبيب الصعود إلى الجهاز، حاولت أن تجلس بمفردها.
لكن قدمها المصابة خانتها، اختل توازنها للحظة، وقبل أن تسقط، وجدت ذراعًا قوية تسندها، التفتت فورًا لتجده هو.
يمسك بيدها بإحدى يديه، فيما استقرت يده الأخرى على خصرها ليساعدها على الجلوس فوق الجهاز.
وكان يفعل ذلك بوجه جامد تمامًا، وكأنه يؤدي مهمة رسمية لا تحتمل التهاون.
بينما هي فكانت تراقبه بنظرات متوجسة،
وقد انتبه بالطبع إلى تلك النظرات التي كانت تلاحقه كلما اقترب منها.
لكنه لم يعلق، ولم يبدُ عليه الانزعاج، بل تصرف وكأن الأمر طبيعي للغاية.
والآن... تجلس أمام الطبيب داخل غرفة الفحص بينما وقف صفوان غير بعيد عنها.
رفع الطبيب صورة الأشعة أمام جهاز الإضاءة، وأخذ يتفحصها لعدة ثوان قبل أن يلتفت إليهما قائلًا:
— هو فيه خبرين... حلو ووحش في نفس الوقت، الوحش إن للأسف طلع فيه كسر، والحلو إنه مش كسر كامل... كسر جزئي، فمضطرين نحط جبس.
اتسعت عينا نور بصدمة، ورددت الكلمة بضيق:
— جبس؟!
وقبل أن تستوعب الأمر أكثر، كان صفوان قد سبقها بالسؤال:
— هو فيه بديل للجبس يا دكتور؟
هز الطبيب رأسه نفيًا وأجاب:
— فيه مثبت بيتلبس زي الشراب، بس ده لو كانت الإصابة مجرد شرخ بسيط لكن ده كسر، وتجنبًا إنه ما يبقاش مضاعف وندخل في عمليات وشرايح، لازم الجبس.
وما إن سمعت كلمة "عمليات" حتى انتفضت في مكانها كمن لسعته النار.
وقالت بسرعة وقلق واضح:
— عمليات لاء، أنا موافقة على الجبس.
التقط صفوان خوفها فورًا، كاد يبتسم
إلا أنه أخفى ابتسامته في اللحظة الأخيرة.
يبدو أن حبيبة فؤاده تملك مخاوف كثيرة... مخاوف بريئة تشبه مخاوف الأطفال.
بينما الطبيب فابتسم مطمئنًا إياها:
— ما تقلقيش يا آنسة نور، الإصابة مش محتاجة عمليات، بس هتتفضلي تطلعي هناك وتمدي رجلك على السرير.
أومأت برأسها وحاولت النهوض بحذر،
هيهات وفوجئت بصفوان يتحرك نحوها وكأنه على وشك حملها.
رفعت يدها فورًا توقفه، ثم رمقته بنظرة تحذيرية وقالت بصوت خافت حتى لا يسمعها الطبيب:
— مش كل خطوة تقعد تشيلني. أنا على فكرة بعرف أمشي وأتحرك... أنا مش مشلولة.
توقف في مكانه، وأومأ برأسه بصمت،
لكن خلف ذلك الصمت كان يخفي قدرًا لا بأس به من الحنق.
إذ لم يعتد أن تُرفض مساعدته بهذه الصورة ومع ذلك تراجع خطوة إلى الخلف، تاركًا لها مساحة تتحرك فيها كما أرادت.
وببطء شديد، استطاعت الوصول إلى السرير المعدني المبطن بالجلد الأسود، جلست فوقه بحذر، مدت ساقها تنفيذًا لتعليمات الطبيب.
أخذ الطبيب يلف طبقات الشاش والجص حول قدمها وكاحلها بدقة وخبرة، بينما كانت هي تتبادل النظرات بين الحين والآخر مع صفوان.
كان واقفًا في مكانه، صامت ومراقب لكل حركة و نظرة لها يقرأها جيدًا.
وبعد دقائق، قطعت الصمت وهي تسأل الطبيب:
— الجبس هيفضل في رجلي لمدة قد إيه يا دكتور؟
رفع الطبيب رأسه وأجاب:
— على حسب سرعة التئام الكسر، يعني ممكن نقعد من واحد وعشرين يوم لشهر، أو شهرين، أهم حاجة الراحة، والحركة للضرورة فقط، وهكتبلك على مسكن وكالسيوم ومضاد للالتهابات، هتواظبي عليهم الفترة الجاية.
استغلت كلمات الطبيب استغلال ذكي، وألقت بسهمها نحو هدفه الحقيقي دون أن تنظر إليه مباشرة.
سألت وهي تتظاهر بأن حديثها موجه للطبيب وحده:
— يعني مفيش أي حركة، وراحة طول فترة الجبس... يعني شهر وشهرين، صح يا دكتور؟
وبطرف عينها راقبت ردة الفعل التي كانت تنتظرها، ولم يخب ظنها، رأت ملامح صفوان تنقلب تدريجيًا من الهدوء إلى التجهم، فأخفت ابتسامة صغيرة كادت تفضح انتصارها، وهي أن ما اصابها سيؤجل زواجها منه بقدر الإمكان.
ها قد أوصلت إليه الرسالة، بأن لا زواج الآن، ولا قدرة على الحركة، ولا فرصة لتنفيذ أي مخططات خلال هذه الفترة.
ورغم أنها لم تنطق بكلمة واحدة عن رفضها له، فإنها كانت على يقين بأنه فهم مقصدها جيدًا.
شعرت بحركة إلى جوارها، فرفعت عينيها نحوه، لتجده يستدير متجهًا نحو الباب
دون كلمة، دون تعليق أو حتى نظرة أخيرة.
غادر الغرفة بخطوات ثابتة، ثم أغلق الباب خلفه بقوة جعلت صوته يتردد في الأرجاء.
تنفست الصعداء، لكن راحتها لم تدم طويلًا، فما هي إلا لحظات حتى سُمع طرق خفيف، يليه فتح الباب ودلف جسار إلى الداخل.
وقف في موضعه بانضباط واضح وقال بلهجة رسمية:
— آنسة نور، اتفضلي الكراتش «العكاز المعدني»، أنا واقف بره مستني حضرتك.
تناولت العكاز، ثم سألت بسرعة:
— وهو فين؟
فطن فورًا إلى أنها تسأل عن رئيسه،
فأجاب بآلية:
— صفوان بيه بيطمن والدك عليكي.
وما إن سمعت ذلك حتى شهقت بخفوت،
كأن أحدهم أيقظ داخلها كارثة كانت قد نسيتها للحظات، والدها وشقيقاها، هروبها، كل شيء عاد إلى ذهنها دفعة واحدة.
لابد أنهم علموا بالأمر الآن، بل ربما كانوا يبحثون عنها في كل مكان، وأدركت أن هذه الحقيقة وحدها كفيلة بأن تقلب حياتها رأسًا على عقب.
فهي لا تريد الزواج من صفوان، وترى في عينيه تصميمًا مخيفًا على جعلها زوجته مهما حدث.
وفي الوقت ذاته تخشى العودة إلى منزلها، وتخشى أكثر ردة فعل أهلها عندما يعلمون بما فعلته.
شعرت فجأة بأن العالم يضيق من حولها،
كالقابع داخل غرفة جدرانها الأربعة أخذت تتحرك ببطء نحوها، حتى تكاد تسحقها بلا رحمة.
أغمضت عينيها لثوان تحاول استعادة أنفاسها، فسمعت صوت جسار يقول:
— عن إذن حضرتك.
ثم انصرف بالتزامن مع صوت إغلاق الباب، وصلها صوت الطبيب:
— كده خلصنا.
خلع قفازيه المطاطيين، ثم اتجه نحو مكتبه:
— هكتب لك على العلاج اللي هتستمري عليه لحد ما تيجي تعملي أشعة تاني.
هي لم تكن تستمع له، عقلها منشغل بأمر آخر تمامًا، تحرك بصرها في أنحاء الغرفة ببطء، توقفت عيناها علي بابين آخرين غير الباب الرئيسي.
أحدهما تعلوه لافتة كُتب عليها باللغة الإنجليزية"EXIT"
شعرت بأن هناك بصيص أمل صغير قد أضاء وسط ظلام أفكارها، حمحمت بخجل مصطنع ثم سألت الطبيب:
— معلش يا دكتور... هو فيه حمام قريب من هنا؟
رفع رأسه مجيبًا:
— آه، في آخر الممر، استني هبلغ التمريض يجيبوا لك كرسي متحرك أسهل في الحركة.
رفعت يدها بسرعة، بينما كانت تستند بالأخرى إلى العكاز الذي سهل عليها الوقوف والتحرك:
— شكرًا، مفيش داعي... أنا هاعرف أتصرف.
أومأ لها في اللحظة نفسها، صدح رنين هاتفه، التقطه فورًا وانشغل بالرد على المتصل.
وهنا رأت فرصتها، تحركت بهدوء شديد، اتجهت نحو باب الخروج، فتحت بحذر وألقت نظرة أخيرة نحو الطبيب المنشغل بمكالمته.
غادرت الغرفة، وأغلقت الباب خلفها بصمت تجنبت استخدام العكاز قدر استطاعتها حتى لا يصدر صوتًا يلفت الانتباه إليها، وأخذت تتحرك ببطء عبر ممر جانبي ذي إضاءة خافتة.
تستند إلى الحائط، بينما قلبها يدق بعنف حتى كادت تسمعه في أذنيها.
تردد بين شفتيها المرتجفتين:
— يا رب...
امتد الممر طويلًا أمامها وفي نهايته رأت باب مصعد كهربائي وجواره درج، توقفت للحظة.
سحبت القلنسوة فوق رأسها حتى أخفت معظم ملامح وجهها، وبعد تفكير سريع، فضلت استخدام المصعد.
فنزول الدرج بقدم مصابة يطوقها الجبس بدا أشبه بمغامرة خاسرة، ضغطت علي زر الطابق الأول، انغلقت الأبواب المعدنية
ثم بدأ المصعد يهبط ببطء.
كل ثانية تمر كانت تبدو لها دهر كامل،
حتى توقف أخيرًا وانفرج الباب، خرجت إلى الطابق الأول، وعيناها تتحركان في كل اتجاه بترقب وحذر.
كانت تبحث عن أي لافتة، أو باب خلفي،
فقد كانت تعلم يقينًا... أن هروبها الأول كان صعب، أما هروبها الثاني فقد يكون مستحيل!
❈-❈-❈
تقف في أقصى الغرفة، تحاول التمسك بما تبقى لها من ثبات رغم القلق الذي ينهش أعصابها.
نظرت إلى الذي يقف أمام الباب الذي أوصده للتو من الداخل عليهما، قالت للمرة التي فقدت القدرة على عدها:
— لآخر مرة أقولها لك يا رضا، افتح الباب لو سمحت وخليني أمشي.
ورغم نبرة التحدي التي حاولت إظهارها، كان الخوف يتحرك داخلها، فهي تدرك جيدًا أنها محاصرة داخل الغرفة، وتخشى أن يدفعه تهوره أو غضبه إلى تصرف غير محسوب.
وقبل أن يجيبها، وصل إلى مسامعهما صوت سيد القادم من الخارج، بدا أنه دخل الشقة للتو، وصوته يعلو بالسخط وهو يخاطب والده:
— يعني إيه نزلت معاه من غير ما تقولنا؟!، ونزلت إمتى وإزاي يابا؟
جاءه صوت والده حادًا:
— بقولك الراجل لسه قافل معايا وقالي إنها تعبت ووقعت ورجلها اتكسرت، خدها على المستشفى.
اشتعل غضب الأخر أكثر، وصاح بانفعال:
— ده أنا لما أشوفها هاكسرلها رقبتها، بنتك يا با من الآخر كانت بتحاول تهرب، والراجل عمل نفسه جاله تليفون وراح لحقها بعد ما رجالته شافوها وبلغوه، مش كفاية حوارها مع مؤمن وطلاقها، وكمان بتهرب، بجملة الفضايح!
دوّى صوت والدهزبغضب:
— اخرس يالاه، ومالكش دعوة بيها، ترجع البيت بالسلامة الأول وأنا هاتصرف معاها.
شهقت نجلاء بخوف، ليس خوفًا على نفسها هذه المرة، بل على صديقتها.
فقد اجتمع عليها أمران كلاهما أسوأ من الآخر، الأول أن صفوان قد عثر عليها رغم هروبها، والثاني ما ينتظرها من غضب وبطش والدها إن عادت إلى المنزل.
استدارت نحو رضا وقالت بسرعة:
— افتح يا رضا، خليني أنزل أشوف أختك وأتطمن عليها، أديك سمعت بودانك اللي قاله أخوك.
رفع جانب فمه بابتسامة ساخرة، وقال وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
— مش هتتحركي من هنا، غير لما تقوليلي الأول إيه اللي عملته نور خلى مؤمن ما يجيش الفرح ويطلقها، وإياكي تحوري عليّا، انتي صاحبتها وأقرب واحدة ليها، يعني لو كحت بتقولك.
ابتلعت ريقها بصعوبة، لكنها أجبرت نفسها على التماسك، رفعت رأسها مجيبة بإنكار واضح:
— أنا زيي زيكم، هي كمان ما تعرفش ليه عمل فيها كده، وبعدين بتسألني أنا ليه؟، ما تروح تدور عليه وتسأله هو، لا تكون بتخاف منه!، ولا إنت ما بتتشطرش غير على البنات؟!
ضيق عينيه وفي أعماقه غضب عارم يتخبط كبركان على وشك الانفجار، حاول أن يبدو هادئ، هدوءه كان أشبه بغطاء رقيق فوق نار مشتعلة.
وقف للحظات يحدق بها دون أن يتكلم، بينما تتصارع داخله الأفكار والمشاعر المتناقضة.
تحرك ببطء نحوها، خطوة ثم أخرى،
اخبرها بصوت منخفض:
— سواء عرفت ولا ما عرفتش، خلاص... حوار أختي هيخلص بجوازها من صفوان الشاذلي، لكن حوارنا أنا وانتي لسه ما انتهاش.
شعرت بالتوتر يتسلل إلى أوصالها،
فتراجعت خطوة إلى الخلف، رفعت سبابتها في وجهه محذرة:
— خليك مكانك أحسنلك، أقسم بالله لو قربت مني...
لكن كلماتها توقفت في منتصف الطريق،
ففي لحظة واحدة كان قد أصبح أمامها.
اتسعت عيناها بدهشة يتخللها الحذر،
أما هو فثبت نظره عليها وسألها بنبرة حملت تحذير ساخر:
— عايزة تصوتي؟
ثم مال قليلًا نحوها، وصوته يزداد انخفاضًا وهو يضيف:
– صوتي، بس و أنا بخليكي ملكي دلوقتي.
❈-❈-❈
ما إن خرجت من باب المستشفى الخلفي حتى وجدت نفسها في شارع موحش، يلفه السكون ، وينيره القليل من ضوء القمر الشاحب المنعكس فوق الأسفلت الرطب.
انتفض جسدها فجأة عندما شق الصمت نباح مجموعة من الكلاب الضالة المنتشرة في أرجاء الشارع، تسارعت أنفاسها.
وأحكمت قبضتها على العكاز المعدني، ثم أسرعت تتحرك بأقصى ما تستطيع، متحملة الألم الذي ينهش قدمها المصابة، باحثة عن أي اتجاه يقودها إلى الطريق الرئيسي.
وفي الجهة الأخرى من الشارع... يوجد مجموعة من الشباب تقف متحلقة حول بعضها، يتبادلون السجائر المحشوة بالمخدرات، يدور بينهم حديث صاخب وضحكات مرتفعة.
وقعت عين أحدهم عليها من بعيد، فحدق بها لثوان قبل أن يقول لرفاقه ساخرًا:
— مين الواد ده يا جماعة اللي عمال ينط زي أبو قردان؟
انفجر الآخرون بالضحك، رد أحدهم وهو يلوح بيده باستخفاف:
— هتلاقيه عيل من العيال المتشردة اللي بيقعدوا يدوروا في الزبالة.
وصلت ضحكاتهم إلى مسامعها، فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، وأدركت في تلك اللحظة أن الكلاب التي أرعبتها منذ قليل أهون عليها من الاقتراب من هؤلاء.
داهمها إحساس قاس بالوهن، فهي لم تتناول طعامًا طوال اليوم، ويكفيها ما مرت به من مصائب متلاحقة منذ الصباح.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم همست لنفسها محاولة بث الشجاعة في قلبها:
— اجمدي يا نور... كلها كام متر وتوصلي على الطريق.
لكن كلماتها لم تمنحها الطمأنينة التي أرادتها، إذا بها شعرت فجأة بصوت خطوات تقترب منها، توقفت مكانها، وتجمدت للحظة، تحاول التأكد مما تسمعه ودعت ربها في سرها ألا يكون أصحاب تلك الخطوات هم أنفسهم أولئك الشباب.
شددت قبضتها على العكاز، فجأة شهقت عندما امتدت يد احدهم وانتزعته منها.
اختل توازنها وكادت تسقط فاستندت بأعجوبة علي الجدار المجاور لها، جاءها صوت ثقيل تنبعث منه رائحة العبث والاستهتار:
— إيه يا نجم؟، ينفع تعدي كده من غير ما ترمي السلام؟
ومن نبرة صوته، ومن ضحكاته المتقطعة، أدركت أنهم ليسوا في كامل وعيهم، أغمضت عينيها للحظة ولعنت حظها آلاف المرات.
كلما نجت من مصيبة... وجدت نفسها أمام أخرى أشد قسوة، قال شاب آخر وهو يضحك:
— ما تمشي كده يا عم و فرجنا علي مشية أبو قردان.
تعالت الضحكات من جديد، ثم قال ثالث بسخرية:
— إيه ده يا جدعان شكله زعل، وأنا ما يرضنيش زعل أبو قردان، تعالي يا سطى... هات راسك ابوسها.
وما إن اقترب منها حتى باغتها، مد يده وأزاح القلنسوة عن رأسها، في اللحظة التالية...خفتت الضحكات فجأة.
واتسعت أعين الجميع، وانطلقت منهم شهقة متزامنة:
— بت!
شعرت بالخطر يتضاعف في لحظة،
فتراجعت للخلف بسرعة، مستندة علي الجدار، تعلم أن الحديث معهم لن يجدي نفعًا.
فالعقول الغائبة لا تسمع صوت المنطق،
ولا تفهم سوى ما تمليه عليها نزواتها.
اقترب أحدهم منها وأمسك بذراعها قائلًا بسخرية ثقيلة:
— رايحة على فين يا قطة؟، ده إحنا لازم نوجب معاكي ونتأسفلك كمان... ولا إيه رأيكم يا رجالة؟
جاءه صوت الباقين في آن واحد:
— أيوه... طبعاً نتأسف.
وتقدم آخر نحوها بعينين أثارتا الرعب في نفسها، وقال ضاحكًا:
— ولاه يا كيمو، سيبني أتأسف أنا الأول.
دفعت يد الرجل الذي كان يقبض على ذراعها بكل ما أوتيت من قوة، وصاحت:
— ابعد عني يا حيوان إنت وهو.
لكن كلماتها لم تزدهم إلا استهزاء، فأمسك أحدهم بذقنها قسرًا بازدراء:
— بت... إنتِ صدقتي نفسك ولا إيه؟
ثم تبادل نظرة ذات مغزى مع أحد رفاقه الواقفين خلفها، وفي لحظة خاطفة، فاجأها الذي يقف خلفها بحملها من خصرها وقام آخر بتكميم فمها وأمرهم الأول:
– اتصلوا بالولاه عبده خليه يجيب التوكتوك و يجي، قولوا له عندنا حفلة الليلة دي.
يتبع....
تسربت إلى وعيها رائحة الدواء، وهدوء ثقيل يخيم على المكان، لا يشبه صخب الحارة الذي كانت فيه منذ قليل.
أدارت بصرها في المكان بحذر شديد، كأنها تخشى أن تصطدم عيناها بحقيقة لا تطيقها.
وجدت نفسها ممددة على الفراش في منزل عائلتها، داخل غرفتها، يدها موصولة بأنبوب رفيع يمر عبره محلول مغذي يتقطر ببطء في جسدها الواهن.
تحركت عيناها في الغرفة، فرأت الوجوه الواقفة أمامها، والدها عند طرف الفراش، متيبس الملامح، وعلى جانبيه شقيقيها.
لم يكن في وجوههم أثر للشفقة أو القلق، بل كانت ملامحهم مشحونة بالغضب والاستنكار، كأنها المتهمة في محكمة لا مجال فيها للدفاع.
لم يمهلها والدها فرصة لتستجمع أنفاسها أو تستعيد وعيها الكامل؛ فقد صدح صوته فجأة قاسيًا كحد السكين، غير عابئ بحالتها الصحية ولا بانكسار روحها:
– نفسي أعرف… ليه ابن خالك يطلقك ويسيبك ليلة الفرح؟
ارتجف قلبها داخل صدرها، لكن الكلمات لم تجد طريقها إلى شفتيها، تدخل شقيقها الأكبر، وقد اشتعلت عيناه بغيظ حاد، وقال بلهجة لاذعة:
– يا با، دي محتاجة تفكير؟!، دول كان مكتوب كتابهم من سبع سنين… هتلاقي الصايعة سلمتله نفسها من ورانا، وعاشوا الدنيا زبادي خلاط، عشان كده طلقها وخلع.
وقبل أن يكتمل وقع كلماته الجارحة عليها، صاح شقيقه الآخر بصوت غاضب:
– حرام عليك يا رضا، ابن خالك محترم وطيب وغلبان، وما بتطلعش منه العيبة، بس المصيبة الأكبر إن كل المعازيم تقريبًا عرفوا إن ابن خالك هرب وطلّق أختك.
ساد الصمت لحظة قصيرة، ثم ردد والدهم بمرارة تنضح بالغضب، وكأن الكلمات خرجت من صدر امتلأ غيظ:
– يا دي المصيبة!، إحنا اللي عمرنا ما حد سمعلنا حس في الحارة… نيجي على آخر الزمن ونتفضح من تحت راسك يا بنت الكلب.
ارتجف جسدها فوق الفراش، ولم تستطع حتى البكاء، كان الألم في صدرها أكبر من أن يخرج دموعًا.
اقترب رضا منها ببطء، وعيناه تقدحان شررًا، وقد ارتسمت على وجهه نظرة تنضح بالشر والازدراء، قال موجهًا كلامه إلى أبيه:
– عنك أنت يا با… سيبهالي.
ثم دنا منها أكثر، حتى صار ظله يخيم فوقها، وقال بصوت خفيض مشحون بالتهديد:
– ما تنطقي يا بت… وقولي مؤمن سابك وخلع ليه؟ … وإلا…
رفع يده فجأة، وكاد يهوي بها على وجهها،
لكن قبل أن تهبط يده علي خدها، شعر بقوة فولاذية تقبض على رسغه في اللحظة الأخيرة.
تجمد في مكانه، رفعت نور رأسها بصعوبة، وقد اتسعت عيناها في دهشة تختلط بالذهول.
فرأت أمامها رجلًا يقف بثبات مهيب، كأن حضوره وحده يكفي ليملأ المكان هيبة.
طويل القامة، صلب الملامح، تشع من وجهه مسحة حزمٍ لا تخطئها العين، عيناه ثاقبتان كالسهمين، تنفذان إلى الداخل بنظرة حادة لا تعرف التردد.
سأله سيد بدهشة ظاهرة، وقد عقد حاجبيه متعجبًا:
– أنت مين حضرتك؟ وإيه اللي دخلك بيتنا؟
لم يجب الأخر علي الفور، بل أدار بصره نحو والد نور، وثبت عليه عينين نافذتين، فشعر رضا على الرغم من قسوته بأن هذا الوجه ليس غريبًا عليه، وكأنه رآه من قبل في مكان ما.
كاد يفتح فمه ليسأل، لكن الرجل سبقه،
ألقى بذراعه بعيدًا عنه في الهواء، حدقه بتحذير صارم، واخبرهم بثقة لا تقبل الجدل:
– أنا النائب البرلماني… صفوان الشاذلي.
ساد الصمت في الغرفة، كأن الكلمات وقعت عليهم كوقع الصاعقة، ثم التفت إلى والد نور، وثبت نظره عليه بثبات كامل، نبرة صوته حين تحدث تحمل جدية وهيبة، جعلت المكان كله يصمت احترامًا لها:
– سبب وجودي هنا، إني جاي أطلب منك إيد الآنسة نور بنت حضرتك على سنة الله ورسوله.
❈-❈-❈
منذ قليل...
وقف يطرق الباب للمرة التي لا يعلم عددها، وقد بدأ صبره يتآكل شيئًا فشيئًا،
قال وهو يحاول أن يحافظ على هدوئه:
– افتحي الباب يا ريم، مش كل ما يحصل حاجة تغضبي وتقفلي على نفسك؟!
جاءه صوتها من خلف الباب، مرتجفًا ببكاء متقن أكثر مما هو صادق، وكأنها ممثلة بارعة تحفظ دورها عن ظهر قلب:
– يعني مكنتش واقف وسامع اللي حصلي؟!، ماما طول عمرها كده، تهزقني قدام الناس كأني عيلة صغيرة، أنا ذنبي إيه يعني ابنها خلع من الفرح، ما تروح تحاسبه هو.
أغمض عينيه وزفر ببطء، محاولًا أن يكبح نفاد صبره، ثم قال بنبرة أكثر لينًا:
– طيب افتحي يا حبيبتي، وتعالي اغسلي وشك واهدي عشان ننزل، ما ينفعش نسيب الفرح اللي باظ ومامتك وولاد عمي اللي زمانهم قالبين الدنيا على أخوكي.
مرر كفه فوق وجهه في إرهاق، ثم تحلّى بقليل آخر من الصبر:
– استهدي بالله يا ريم، ويلا عشان ما ينفعش نتأخر أكتر من كده علــ...
لكن كلماته انقطعت فجأة، بعد أن فُتح الباب دفعة واحدة، فخرجت إليه، تقف أمامه بلا حجاب، وقد تناثرت خصلات شعرها حول وجهها المشتعل بحمرة البكاء، عيناها متورمتين من الدموع، وأنفاسها متلاحقة، نظر إليها لوهلة طويلة، فمهما رآها في حالات شتى، ظلت تمتلك قدرة غريبة على سلب انتباهه وإرباك اتزانه، ابتلع ريقه بصعوبة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة لم تلبث أن تلاشت تمامًا.
إذ وقعت عيناه على بقعة قرمزية صغيرة لدى جيدها، تجمدت ملامحه واختفت كل آثار الهدوء من وجهه.
رأت ذلك التحول المفاجئ في عينيه؛ التحول الذي تعرفه جيدًا، والذي يسبق دائمًا انفجار غضبه.
انتفض قلبها داخل صدرها وهي تراه يقترب بخطوات ثابتة، بينما كان الغضب ينضح من نظراته نضحًا.
ابتلعت ريقها وسألته بتردد امتزج بالخوف:
– في إيه يا عمرو؟
لم يجب في الحال، بل أطبق على ذراعها فجأة، ثم جذبها خلفه بخطوة حادة جعلتها تتعثر قبل أن تستعيد توازنها، ودفعها إلى داخل غرفتهما.
أغلق الباب خلفهما، وأوقفها أمام المرآة الكبيرة، لتواجه انعكاسها، رفعت عينيها إليه في حيرة، لكنها لم تجد في ملامحه سوى صرامة مخيفة.
مد يده إلى مقدمة ثوبها، وأزاح القماش قليلًا عن موضع البقعة، ثم رمقها بنظرة مشتعلة كالجمر، وقال بصوت منخفض يحمل من الغضب ما يكفي لإشعال عاصفة:
– إيه ده يا هانم؟
تذكرت على الفور ما فعله معها ابن عمتها؛ ذلك الذي تعمد أن يترك بصماته على جسدها دون أن تنتبه إلى ما يصنعه، حيث كانت غارقة في براثن اللذة المحرمة.
وبقدرة تُحسد عليها، أخفت خوفها وتوترها خلف قناع متماسك، ألقت نظرة سريعة على جيدها، فلاحظت علامة أخرى على كتفها، وثالثة على رسغها.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وتمتمت داخل عقلها بغيظ مكتوم:
– يا ابن الـ.... يا سيد، قاصد تفضحني قدام ابن عمك... الله يحرقك.
ولم تلبث أن اقتحمت رأسها فكرة كاذبة، فتشبثت بها على الفور، ثم رفعت عينيها إليه وأضفت إلى ملامحها مسحة من الحزن والانكسار:
– دي بقع بتطلعلي لما بزعل أو أتضايق، حتى شوف... طالعة في كتفي ودراعي.
وأزاحت ثوبها عن كتفيها لتظهر المواضع التي تحمل تلك العلامات، ثم ما لبثت الدموع أن انهمرت من عينيها بغزارة، وقالت بصوت مختنق:
– كل ما كانوا ماما وأخويا ينكدوا عليا، سواء بالتهزيق أو الضرب، ألاقي جسمي متبهدل بقع زي ما إنت شايف.
لم تمنحه فرصة للتعليق أو حتى للتفكير فيما سمعه، ارتمت على صدره فجأة، وأحاطت خصره بذراعيها، ثم أردفت بين شهقاتها المتلاحقة، بينما تتساقط دموعها فوق صدره:
– أنا بحبك أوي يا عمرو، وماليش غيرك.
ثم شهقت مجددًا وأجهشت بالبكاء،
أخذ يربت عليها في محاولةٍ لتهدئتها، وقد داهمه شعور عارم بالشفقة نحوها، بالرغم من وجود صوت ينبعث من أعماق عقله، يهمس له بألا يصدق كل ما يسمعه. فهناك شيء ما يحدث من خلف ظهره.
شيء لا يستطيع تحديده، لكنه يشعر بوجوده، ظل هذا الصراع يعصف برأسه خلال لحظات الصمت التي التزم بها، الأمر الذي أثار قلقها.
رفعت رأسها ببطء لتنظر إليه عن قرب، عيناها غارقتين بالدموع، بينما ارتسمت على وجهها ملامح الانكسار والتوسل، وشفتيها المنتفختين في منتهي الاغراء.
سألته بصوت مرتجف:
– عمرو... ساكت ليه يا حبيبي؟
ظل ينظر في عينيها المغلفة بالدموع، وجسدها يرتجف اثر البكاء المتقن للغاية، تحركت شفتيها لتتحدث فسبقها هو بالانقضاض عليهما في قبلة جامحة يهرب بها من الصوت الذي يصارع فؤاده داخله.
ترك شفتيها بصعوبة بعد أن شعر بصعوبة التنفس لديها، أخذ كليهما يلهثان، لم يمهلها التريث، جذبها إلي صدره وجذب سحاب الثوب لأسفل، انهال علي عنقها بقبلات متناثرة ايقظت ما اطفأه ابن عمه وهي بين احضانه.
صدح رنين هاتفه، فسحبته من جيب بنطاله، سألها من بين أنفاسه الحارة:
– مين اللي بيتصل؟
كانت اغلقت هاتفه تماماً، فاخبرته بنبرة يغمرها الرغبة والدلال:
–الفون فصل مالحقتش اركز.
حاوط وجهها بين كفيه:
– ركزي معايا أنا.
وختم كلماته بقبلة ودفع جسدها إلي الفراش.
وفي مكان قريب من الحارة، كانت سيارة سوداء تقف في هدوء مترقب، يجلس صفوان في المقعد الخلفي، بينما احتل السائق المقعد الأمامي خلف عجلة القيادة و جواره يجلس جسار، واضعًا هاتفه على أذنه، يستمع إلى الرسالة المسجلة التي تتكرر للمرة التي لا يعلم عددها.
زفر بتأفف ثم اخبر رئيسه:
– تليفونه مقفول يا باشا.
أجابه الأخر دون أن يحول نظره عما يتابعه عبر شاشة هاتفه، إذ كان يشاهد ما يجري داخل الحارة بالصوت والصورة في بث مباشر، من خلال أحد رجاله الموجودين هناك منذ الصباح لمراقبة الأحداث والتأكد من اختفاء مؤمن:
– مش مهم إنه يرد... اللي جاي هو الأهم.
ثم رفع رأسه وأردف بلهجة حاسمة:
– اطلع بينا على الحارة يا سعد.
❈-❈-❈
في غرفة الضيوف، اجتمع الأب وابناه في مواجهة سيادة النائب، بينما كانت علامات الذهول والصدمة ترتسم فوق وجوههم،
لم يكن طلبه المفاجئ أمرًا يمكن استيعابه بسهولة.
فمنذ دقائق قليلة فقط كانت العائلة تغرق في مستنقع فضيحة مدوية، وانهيار زفاف تحول إلى حديث الحارة بأكملها، ثم فجأة يظهر رجل بمكانة صفوان، ويطلب الزواج من نور!
بدت الأحداث متلاحقة إلى حد أربك عقولهم، وخيم السكون على الأجواء حتى قطعه رضا حين أطلق ضحكة ساخرة خالية من أي احترام:
– معلش يا بيه في السؤال، هو حضرتك دخلت هنا إزاي؟، ولو افترضنا عرفت اللي حصل من الناس تحت، السؤال الأهم... عرفت أختي منين؟ يعني تعرفوا بعض مثلًا ولا إيه يعني؟
لم يكد ينهي حديثه حتى سبقه شقيقه الأصغر بالكلام، غير مانح صفوان فرصة للرد، وقال بسخرية لاذعة:
– ما تخليك ذكي يا رضا، ابن خالك خلع، والباشا ظهر فجأة يطلب إيد أختك، الحوار مترجم نفسه، مش بعيد الصايعة أختك هي اللي مخططة لكل ده من الألف للياء.
في تلك اللحظة نهض صفوان من مقعده بهدوء مخيف، رفع بصره إليهما، مجرد نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تجعلهما يتسمران في مقعديهما، وكأن أحدًا سكب فوقهما ماء مثلج، قال بصوت يحمل من الحدة ما يكفي لقطع الأنفاس:
– خلصتوا أسئلة؟! حقي بقى أرد.
واتجه بنظره نحو سيد، ثم أردف ببرود أشد قسوة من الغضب نفسه:
– بغض النظر عن الكلام الأهبل اللي هاعمل نفسي ما سمعتوش، وإلا إنه كان هايبقى ليا تصرف تاني معاكم.
شعر سيد بجفاف مفاجئ في حلقه، فابتلع ريقه بصعوبة.
كانت نظرة الأخر كافية لزرع الرهبة في أعماقه؛ نظرة تحمل وعيد صريح لا يحتاج إلى كلمات، فأكمل حديثه دون أن يزيح عينيه عنه:
– أنا كنت رايح الشركة، وفي أوراق مهمة كنت سايبها مع عمرو، جسار المساعد بتاعي، اتصل عليه أكتر من مرة، لكن تليفونه كان مقفول، اضطرينا نيجي الحارة.
ثم أشار بيده إشارة مقتضبة وأردف:
– وعرفت اللي حصل، خصوصًا إن مفيش حد تحت بيتكلم غير عن هروب مؤمن وطلاقه المفاجئ لأختكم.
تنحنح قليلًا قبل أن يوجه حديثه إلى والد نور مباشرة:
– واللي أعرفه إن البيت ده بيت عيلة المنياوي، واللي كان ساكن فيه عم مختار الله يرحمه أخو حضرتك، جسار كان فاكر إن شقة عمرو هنا في البيت، ولما وصل سمع الحوار والزعيق، بلغني على طول.
وتابع بصوت أكثر صرامة:
– طلعت فورًا، لاقيت باب الشقة مفتوح وصوتكم كان عالي، وبما إن عندي خلفية عن اللي حصل، شوفت ظلم بيحصل قدامي... ماسكين في الضحية وسايبين الجاني نفسه.
ساد الصمت لثوان، تبادل خلالها رضا وشقيقه نظرة خاطفة، وكأن بينهما حديث دائر دون كلمات.
أعاد رضا نظره إلى صفوان، وقال بتهكم واضح:
– لا مؤاخذة يا باشا... بعد كلامك وموقفك النبيل اللي إحنا لحد دلوقتي مش فاهمين سببه، أظن دي أمور عائلية تخصنا إحنا.
وأشار إلى نفسه وإلى شقيقه مردفًا:
– دي أختنا، وإحنا إخواتها وعيلتها، حضرتك بقى بصفتك إيه تتدخل ما بينا؟!، معقول كل ما تلاقي واحدة ما تعرفهاش في موقف زي ده، مرة واحدة تاخدك الشهامة وتطلب إيدها؟!
واستطرد بنبرة أكثر سخرية:
– مش غريب أوي موقفك... ولا أنا غلطان؟
وما إن انتهى من حديثه حتى قهقه شقيقه الأصغر ساخرًا:
– يمكن روح عمك مختار نادته، وهو جه يلبي النداء.
بدت ملامح صفوان وقد ازدادت صلابة وبرودة، بينما استقرت عيناه على الشقيق الأصغر استقرار صياد يراقب فريسته قبل الانقضاض عليها.
بينما والد نور وجد أن أبناءه تجاوزوا حدودهما، وأن الكلمات التي أطلقوها منذ قليل قد تكون الشرارة التي ستشعل ما لا تُحمد عقباه.
فمنذ بداية الحديث كان يلتزم الصمت على غير عادته، يراقب الموقف بعين متفحصة، بينما كانت أفكاره تتدافع داخل رأسه كأمواج متلاطمة لا تعرف السكون.
يفكر في عرض سيادة النائب، في ذلك الطلب الذي هبط عليهم كالصاعقة، طلب الزواج من ابنته.
ورغم المفاجأة، لم يستطع تجاهل الجانب الآخر من الصورة، فما فعله مؤمن بابنته أمام أهل الحارة لم يكن بالأمر الهين، بل كان طعنة غائرة في قلب أب أفنى عمره سعيًا للحفاظ على سمعته وسمعة أسرته.
كما يدرك جيدًا أن ألسنة الناس لا ترحم،
وأن الحارة التي شهدت انهيار العرس ستظل شهورًا، وربما سنوات، تتناقل الحكاية وتضيف إليها من الخيال أضعاف ما حدث في الواقع.
بينما الآن...فها هو القدر يفتح أمامه باب لم يكن يحلم به يومًا، باب لا يُطرق إلا مرة واحدة في العمر.
هل يعقل أن يصبح حما نائب برلماني له مكانته ونفوذه؟، هل تتحول تلك المصيبة التي كادت تطيح برؤوسهم جميعًا إلى فرصة ذهبية لا تتكرر؟
انتبه من شروده حين لمح الغضب يتقد في عيني صفوان كجمرة أوشكت أن تشتعل، فانفجر في ابنيه صارخًا:
– اخرس منك ليه، إيه مش مالي عينكم؟!، قوم فز إنت وهو واعتذروا للبيه.
التفت رضا إلى والده بصدمة واضحة،
كأن الكلمات قد صفعته على وجهه.
لكن ما إن وقعت عيناه على نظرة أبيه حتى فهم ما يدور في رأسه.
كانت نظرة رجل يرى مصلحة عائلته أمامه ولا يريد لأحد أن يبددها بحماقة.
نهض على الفور من مقعده، وكاد يتقدم نحو صفوان معتذرًا، بالتزامن مع حديث والده الذي توجه به إلى الضيف الكبير:
– حقك عليا يا باشا عن قلة ذوق ولادي، هما برضه في الأول وفي الآخر إخواتها، وبيتصرفوا بدافع خوفهم عليها، وإحنا في حارة شعبية، وشوفت حضرتك وسمعت أهل الحتة اللي هيفضلوا ماسكين سيرة بنتي، والله أعلم ه
بيقولوا عليها إيه تاني.
كان صوته يحمل مزيج من الحرج والأسف، بينما بدت على ملامحه علامات القلق من المستقبل وما قد تخبئه الأيام لابنته.
رفع الأخر يده في هدوء مهذب، قاطعًا سيل الاعتذارات قبل أن يكتمل، قائلاً بنبرة رزينة:
– مفيش داعي للاعتذار، أنا مقدر الحالة النفسية اللي بتمروا بيها، وصدقني طلبي مكنش مجرد كلام، أنا فعلًا بطلب من حضرتك إيد الآنسة نور على سنة الله ورسوله.
ساد الصمت مجددًا داخل الغرفة، بينما تابع حديثه بثبات:
– كفاية إنها تبقى بنت أخو عم مختار الله يرحمه، واللي كان السواق الخاص للوالد.
ثم خفت صوته قليلًا وهو يسترسل:
– غير فضله اللي عمري ما هنساه.
شرد ببصره في الفراغ لثوان معدودة،
تبدلت ملامحه تدريجياً، التمعت عينيه ببريق قديم، زمن ما زالت أحداثه محفورة في ذاكرته، حاول نسيانها مرارًا لكنه فشل.
❈-❈-❈
في الخارج، عند الردهة جوار غرفة الضيوف، كانت تسترق السمع إلى كل ما دار بالداخل، ومع كل جملة كانت تسمعها، كان القلق يزداد علي صديقتها.
انسحبت بخطوات هادئة وحذرة، متجنبة لفت الأنظار إليها، حتى لا ينتبه أحد إلى وجودها بالقرب من الغرفة.
سارت عبر الممر الضيق وقلبها يخفق بعنف، حتى بلغت غرفة نور، دفعت الباب برفق.
فوجدتها جالسة على طرف الفراش، تنحني بجسدها إلى الأمام، بينما تستند بمرفقيها إلى ركبتيها، وقد أخفت وجهها بين كفيها، حيث البكاء ينهشها نهشًا.
أغلقت الباب خلفها سريعًا، ثم تحركت نحوها جالسة جوارها، أمسكت يدها المرتجفة، قبل أن تسألها بصوت امتزج فيه التردد بالخوف على صديقتها:
– نور... هو اللي أنا سمعته بره ده بجد؟
رفعت الأخرى رأسها ببطء، الدموع تنهمر فوق خديها بلا توقف، وقد احمرت عيناها من فرط البكاء والإجهاد.
حدقت إليها للحظات طويلة، ثم قالت بصوت متهدج:
– زي ما سمعتي بالظبط يا نجلاء... اللي اسمه صفوان الشاذلي طالب إيدي، ومليون في المية بابا هيوافق هو وإخواتي.
ابتسمت بحزن و مرارة:
– الحوار ده لو حصل، هاتبقي مصيبة!
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بأن الكلمات تكاد تخنقها وهي تخرج من بين شفتيها، ثم تابعت:
– انتي عارفة اللي فيها... اللي عمله فيّا الحيوان مؤمن يوم فرح عمرو وريم، أي نعم كان جوزي على سنة الله ورسوله وقتها، بس طلقني الندل الحيوان.
وتوقفت لحظة، قبل أن تنظر مباشرة إلى صديقتها وتسألها بمرارة:
– عارفة ده معناه إيه يا نجلاء؟
رمقتها الأخرى بصدمة واضحة، حيث الإجابة تدور داخل رأسها بالفعل، لكنها لم ترغب في النطق بها.
ومع ذلك، خرج صوتها خافت ومضطرب:
– يعني ما ينفعش تتجوزي غير بعد شهور العدة.
ثم ازدادت نبرتها ارتباكًا وهي تكمل:
– والعدة بتبقى في حالة لو اتقفل عليكم إنتي وجوزك باب واحد و...
صمتت للحظات وهي تنعش ذاكرتها بالنتائج المترتبة أو العواقب الوخيمة التي ستحل علي رأس نور.
فجأة شهقت بقوة، رفعت كفها إلى فمها في ذهول كامل وهتفت:
– نهار أزرق!
أغمضت نور عينيها بقهر موجع، وشعرت بأن صدرها يضيق أكثر فأكثر، قالت بصوت اختلط فيه الخوف بالانكسار:
– بابا وإخواتي لو عرفوا اللي حصل... هيبقى فيها موتي.
وتجمعت الدموع مجددًا داخل عينيها قبل أن تكمل:
– ومهما حلفتلهم، عمرهم ما هيصدقوا إنه كان بالغصب والقوة.
وما إن انتهت من كلماتها حتى انهارت آخر مقاومة كانت تتشبث بها، فانحنت إلى الأمام وأجهشت بالبكاء من جديد.
بينما ظلت صديقتها تنظر إليها في صدمة وعجز، وقد أدركت حجم الكارثة التي أمام صديقتها.
نهضت نور من مكانها فجأة، خطت نحو النافذة بخطوات بطيئة، ثم وقفت أمامها وأزاحت الستارة قليلًا.
اندفع هواء الليل إلى وجهها، بارد ومنعش، لكنها لم تشعر بشيء منه،
فكيف لنسمة عابرة أن تخفف اختناق استوطن الروح؟، وكيف للهواء أن يداوي صدرًا يضيق بما يحمله من خوف وأسرار؟
أغمضت عينيها للحظة، واستنشقت نفس عميق، ثم زفرته ببطء وكأنها تحاول إخراج كل ما يعتصر قلبها معه.
استدارت نحو صديقتها، وقالت بعد لحظات من الصمت:
– أنا هاطلب منهم أقعد مع صفوان لوحدنا بحجة التعارف، وهاكلمه وأفهمه ظروفي والوضع اللي أنا فيه.
ما إن أنهت جملتها حتى انتفضت صديقتها من مكانها، تقدمت نحوها بخطوات سريعة، وقد ارتسم الامتعاض والرفض على ملامحها بوضوح:
– إنتِ اتجننتي يا نور؟!، إياكي تعملي كده.
وتابعت وهي تلوح بيدها في توتر:
– إحنا نعرفه منين غير إنه نائب في البرلمان، وابن عمك شغال عنده؟!، غير كده ما تضمنيش رد فعله أصلًا.
ثم هزت رأسها نافية بقوة قبل أن تضيف:
– هو مفيش غير حل واحد... هاخرج أقولهم إن حالتك النفسية ما تسمحش لأي حاجة.
ارتسمت على شفتي نور ابتسامةساخرة ة وموجعة، التفتت إليها تخبرها بمرارة:
– واضح إنك مكنتيش موجودة من شوية، وشوفتي أو سمعتي اللي عملوه فيا.
وتابعت بصوت خافت، لكن الألم كان يقطر من كل حرف تنطقه:
– لولا دخول صفوان فجأة، رضا كان هياكلني علقة موت، وكأني دبيحة مرمية قدامهم... والكل ما صدق يسن سكاكينه عليا.
شعرت صديقتها بانقباض مؤلم في قلبها،
فهي تعرف جيدًا طبيعة الرجال في تلك العائلة حين يسيطر عليهم الغضب.
وتعرف أكثر أن نور لم تكن تبالغ فيما تقول، رفعت عينيها نحوها وسألتها:
– وبعدين، هاتعملي إيه؟
اجابت نور بعد أن عقدت العزم علي أمرها:
– مفيش قدامي غير الحل الوحيد.
❈-❈-❈
ابتسم صفوان بهدوء وثقة، قائلاً بصوت رزين اتسم بالوقار:
— مش عايزكم تشيلوا هم لأي حاجة، طلبات نور أوامر، واللي هي عايزاه هايجي لحد عندها، بس طبعًا من حقي وحقها نقعد مع بعض ونتكلم، وهاسيبلها وقت تفكر فيه وترد عليا، و انتم كمان خدوا وقتكم وفكروا، وبإذن الله أنا وهي هنتفق.
تبادلت الأعين النظرات، بينما اتجه بصر عيسى نحو ابنه رضا، الذي لم يترك مجال للتردد أو النقاش اعتدل في جلسته وقال بحزم قاطع:
— وقت إيه اللي إحنا أو أختي هنفكر فيه يا باشا؟!، حضرتك غني عن التعريف، والفرح هايمشي زي ما هو، وهاكلم المأذون ييجي يكتب الكتاب دلوقتي.
كاد الانتصار يطل من بين ملامح الآخر، لكنه أحكم السيطرة على تعابيره، فأخفى ابتسامته التي كادت تفضحه.
ها هو قد بلغ الغاية التي سعى إليها طويلًا، ولم يتبق بينه وبينها سوى خطوة واحدة.
في تلك اللحظة، دوى رنين هاتفه، فالتقطه سريعًا، وما إن وقعت عيناه على اسم المتصل حتى نهض من مقعده، وقال بأدب:
— عن إذنكم، معايا مكالمة... هارد وراجع نكمل كلامنا.
ابتعد عنهم عدة خطوات، ثم أجاب الاتصال.
قبل لحظات...
خرجت نور من البناية بخطوات متعجلة، ترتدي بنطالًا أسود من الجينز وقميص رياضي بقلنسوة أخفت جزء كبير من ملامحها، فلم يظهر من وجهها سوى القليل.
وبينما كانت تتابع طريقها، لمحت من طرف عينيها يقف بالقرب منها رجل طويل القامة، عريض المنكبين، يرتدي بدلة سوداء، وتتسم ملامحه بالصرامة والجمود.
عيناه كانتا مثبتتين عليها بثبات أربكها، كعيني صقر يراقب عن كثب.
تسلل القلق إلى قلبها وجف حلقها فجأة، ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أسرعت الخطى محاولة تجاهله.
لكنها لم تكد تبتعد سوى خطوات قليلة حتى اخترق صوته الأجواء من خلفها، حاد وحاسم، فأصابها بالرعب وأوقف قدميها في موضعهما:
— اقف عندك.
ارتفع صوت أنفاسها، واشتد خفقان قلبها حتى خُيل إليها أنه سيقفز من بين أضلاعها.
أغمضت عينيها للحظة، جزت على أسنانها محاولة التماسك، لكنها شعرت بخطواته تقترب منها شيئًا فشيئًا.
استدارت ببطء شديد، وما إن رفعت وجهها حتى وجدته يقف أمامها مباشرة.
شهقت بذعر، وتراجعت خطوة إلى الخلف، بينما هو تأمل ملامحها بعين متفحصة:
— آنسة نور!
لم تفكر، لم تمنح نفسها فرصة للتردد،
كان الخوف المشتعل داخلها، وإصرارها المحموم على الهرب، أقوى من أي شيء آخر.
دفعت الرجل بكل ما أوتيت من قوة، فاختل توازنه بالفعل، وترنح للخلف وكاد يسقط أرضًا.
لم تنتظر لترى النتيجة، استدارت وانطلقت تركض بكل ما تملك من قوة، كأن الشياطين تطاردها.
استعاد الرجل توازنه سريعًا، ثم أخرج هاتفه على الفور وأجرى اتصال عاجل،
وما إن جاءه الرد حتى قال بلهجة متوترة:
— آنسة نور هربت.
ساد الصمت لثانية واحدة، قبل أن يأتيه صوت صفوان من الجهة الأخرى، قاسي ومشحون بالغضب المكتوم:
— أنا نازلك حالًا.
أغلق الخط دون كلمة إضافية، وفي اللحظة التالية، كان يغادر المنزل على عجل، دون أن يخبر والد نور أو شقيقيها بشيء.
خرج بخطوات سريعة، تعكس التوتر الذي بدأ يعتمل في داخله، فهي تهرب منه و عليه ألا يسمح لها بالابتعاد.
❈-❈-❈
ما زالت تركض وتركض، ، وكأن الخوف قد تحول إلى سوط يلهب روحها ويدفعها إلى الأمام دون هوادة.
اندفعت نحو الطريق الرئيسي، قاصدة الاحتماء بزحام الناس وصخب المدينة، لعلها تذوب بين الوجوه العابرة فلا يعثر عليها ذلك الحارس الذي ظنت أنه يطاردها في هذه اللحظة.
كانت تسمع دقات قلبها بوضوح مخيف، ن أنفاسها تتلاحق، صدرها يعلو ويهبط بعنف، فيما كانت نظراتها المرتبكة تجوب المكان بحثًا عن مهرب.
لكنها توقفت فجأة، الطريق مسدودًا بحادث صغير ومشاجرةٍ محتدمة بين سائقي مركبتي «توكتوك».
ارتفعت الأصوات، وتشابكت الأيدي، واحتشد المارة حولهما، فتحولت المنطقة إلى كتلة من الفوضى تعيق المرور.
ألقت نظرة سريعة خلفها، ثم استدارت وركضت عبر طريق جانبي آخر، تلتفت بين الحين والآخر لتتأكد أن أحدًا لا يتبعها.
وفجأة...انطلق صوت منبه سيارة قادمة نحوها بصورةٍ مفاجئة، فانتفض جسدها كله من الذعر.
اختل توازنها وتهاوت أرضًا، التوت قدمها أسفلها بعنف، فانفجرت صرخة ألم حادة من بين شفتيها.
تجمعت الدموع في عينيها من شدة الوجع، مدت يدها تمسك بكاحلها، تحاول النهوض رغم الألم الذي كان ينبض في ساقها كجمر مشتعل.
وقع بصرها على زوج من الأحذية السوداء اللامعة يقف أمامها مباشرة، رفعت رأسها قليلًا تتفقد صاحبه، لتجده واقفًا أمامها بطوله الفارع وهيبته الطاغية.
شعرت بقلبها يخفق بعنف داخل صدرها، واختلط التوتر بالخوف حتى جف حلقها.
ابتلعت ريقها، مد يده لها دون أي مقدمات وبدون أن يتفوه بحرف.
رفعت القلنسوة عن رأسها بعصبية، ثم رمقته بنظرة امتعاض واضحة وقالت بحدة:
— شكرًا، مش محتاجة مساعدة، هاعرف اقوم لوحدي، وياريت تعمل نفسك ما شوفتنيش، ابقى ارجعلهم وقولهم إني هربت.
كانت تتوقع أن يغضب، يهددها، يجبرها على العودة، لكنها فوجئت بشيء آخر تمامًا.
ابتسم، تلك الابتسامة الباردة التي لم تحمل ذرة واحدة من الطمأنينة، بل على العكس... جعلت القلق يتضاعف داخلها.
وما إن أدركت ذلك حتى وجدته ينحني نحوها فجأة، وفي لحظة خاطفة، حملها علي ذراعيه بسهولة أربكتها، ثم أمر جسار الذي يقف خلفه بلهجة حاسمة:
— افتح باب العربية.
شهقت بصدمة، وبدأت تدفعه بكل ما أوتيت من قوة وهي تصيح بغضب وذعر:
— إيه اللي عملته ده؟!، نزلني، أوعى... نزلني.
قبضتيه كالصخر عليها، وخطواته لم تتوقف، في تلك الأثناء، أسرع جسار وفتح الباب الخلفي للسيارة.
أنزلها صفوان برفق داخل المقعد الخلفي، قبل أن يصعد ويجلس إلى جوارها مباشرة.
وما إن استقرت داخل السيارة حتى حاولت الفرار من الباب المقابل، اندفعت نحوه بسرعة، لكنها وجدته موصدًا بإحكام.
اتسعت عيناها غضبًا وصدحت بصوت مرتفع، وهي تتخبط في مكانها كعصفور وقع داخل قفص مغلق:
— على فكرة، اللي بتعمله ده اسمه خطف، وجريمة بيعاقب عليها القانون.
التفت إليها ببطء، وكانت تلك الابتسامة الباردة ما تزال مستقرة على شفتيه، ثم اخبرها بصوته الأجش الرخيم، وعينيه في عينيها مباشرة:
— أنا القانون.
ارتعش شيء ما داخلها أمام تلك الثقة المستفزة التي نطق بها كلماته، بينما هو فلم يزح بصره عنها لحظة واحدة ويأمر السائق بنبرة صارمة:
— اطلع بسرعة على المستشفى.
رمقته بذهول امتزج بالصدمة، وظلت تحدق فيه لثوان طويلة، وكأن عقلها يحاول عبثًا استيعاب ما تراه عيناها.
لم تكن تدري أو تشعر بكل تلك الرهبة وعينيه صوب خاصتها، ولا لماذا كانت عيناه تحديدًا تثيران داخلها ذلك الاضطراب الغريب، حتى لونهما عجزت عن تحديده؛ فمرة تراهما قاتمتين كسواد الليل، ومرة تلوح فيهما لمعة رمادية مبهمة، بل هي خليط ثلاثي من الرمادي والأخضر واللبني معاً كاللون البحر العميق.
وإذا بذاكرتها تداهمها بذكرى قديمة كالبرق، مشهد مضى عليه عام كامل،
تلك العينان، تلك الهيبة الطاغية.
وذلك الصوت الذي انطبع في ذاكرتها رغم مرور الوقت، اتسعت عيناها أكثر، وانفرجت شفتاها دون وعي، بينما سبق لسانها أفكارها وهمست تلقائيٕا:
— أنتَ؟
التقط مغزى سؤالها فورًا، بل إنه أدرك تمامًا إنها تذكرت عندما رآها لأول مرة،
لكنه تعمد التظاهر بعدم الفهم، وكأن الأمر لا يعنيه، ثم عقد حاجبيه متسائلًا ببرود:
— أنا إيه؟
كادت تجيبه وتخبره أنها تتذكره، قاطعتها السيارة عندما اهتزت فجأة أثناء مرورها فوق مطب صناعي.
فاندفعت قدمها المصابة لترتطم بأرضية السيارة، شهقت متألمة، وانطلقت منها صرخة مدوية.
التفت صفوان نحو السائق بغضب حاد، وصاح:
— ما تاخد بالك يا سعد من المطبات!
ارتبك الرجل خلف المقود وقال معتذرًا:
— آسف يا باشا، أنا سايق بسرعة زي ما حضرتك أمرتني.
رمقه الأخر بنظرة نارية عبر المرآة الأمامية، ثم أعاد انتباهه إلي تجلس جواره وتتأوه من الألم، توقفت عيناه عند ساقها المصابة، وقال بنبرة آمرة لا تحتمل النقاش:
— ارفعي رجلك.
رمقته بتعجب واضح وسألته:
— أرفعها فين؟
لكنّه لم يمنحها فرصة أخرى للاعتراض،
انحنى نحو ساقها المصابة ورفعها برفق ثم وضعها فوق فخذه.
شهقت بصدمة، وحاولت سحب ساقها منه فورًا وهي تصيح:
— إنت بتعمل إيه؟! أوعى... سيب رجلي.
لكن محاولتها باءت بالفشل، إذ أحكم قبضته عليها بحزم دون أن يؤذيها، بينما أخذ يخلع حذاءها الرياضي بحذر شديد.
وفي الوقت نفسه قال بصوت منخفض:
— اثبتي عشان ما توجعكيش أكتر.
زفرت بضيق، والتأفف يكاد يتطاير من عينيها، كانت على وشك أن توبخه بعنف، لولا أن لسانها انعقد فجأة عندما انتبهت لما يفعله.
يمسك قدمها بخبرة واضحة، يتفحص موضع الإصابة بدقة وكأنه اعتاد التعامل مع مثل هذه الأمور.
غير أن ملامسة أنامله لكاحلها جعلتها تنتفض قائلة بحدة:
— ممكن تبعد إيدك وتسيب رجلي لو سمحت؟
لم يجبها ولم يرفع عينيه حتى نحوها،
ظل ممسكًا بقدمها بإحدى يديه، بينما تستقر يده الأخرى على ساقها لتثبيتها.
وبعد لحظات من الفحص، وقعت عيناه على التورم الظاهر أعلى الكاحل، فعقد حاجبيه واخبرها:
— غالبًا ده شرخ أو كسر جزئي، ما تقلقيش.
رفع رأسه نحوها وأكمل بهدوء:
— بس لازم نروح المستشفى نعمل أشعة وهاتحتاج لجبس.
حدقت فيه بصمت، ورغم محاولتها التظاهر بالتماسك، لم يستطع الخوف المختبئ في عينيها أن يفلت من ملاحظته.
قرأ توترها بسهولة، ولأول مرة منذ صعودها إلى السيارة، لان صوته بصورة مختلفة حين قال:
— مش عايزك تخافي أو تقلقي من أي حاجة يا نور... أنا معاكي، وهافضل جنبك.
تجمدت للحظة، تركتها كلماته في حيرة أشد من ذي قبل، فقد كان يتحدث معها وكأنه يعرفها منذ سنوات.
توالت الأسئلة داخل رأسها، هل يحاول كسب ودها بهذه الكلمات حتى يضمن موافقتها على الزواج؟
ولماذا كلما نظر إليها امتلأت عيناه بمشاعر غريبة يصعب تفسيرها؟
مشاعر لا يمكن أن تولد في لحظة تعارف عابرة، ولا بين شخصين لم تجمعهما سابق معرفة.
صحيح أنها استمعت إلى حديثه مع أسرتها، وعرفت أنه يرغب في الزواج بها، لكن شيئًا عميقًا داخلها كان يرفض تصديق أن الأمر بهذه البساطة.
وجوده المفاجئ اليوم لم يكن طبيعيًّا،
وتلك النظرات التي تنبع من عينيه كلما وقعتا عليها... لم تكن أبدًا وليدة اللحظة.
❈-❈-❈
دوى طرق عنيف على باب الغرفة بالتزامن مع صوت سيد الجهوري الذي علا في أرجاء المنزل، ظن أن شقيقته وحدها من توجد بالداخل:
— ما تفتحي يا بت، بدل ما أناديلك رضا يكسر الباب فوق دماغك.
في الداخل... تقف نجلاء خلف الباب مباشرة، تسنده بجسدها رغم أنه موصد بإحكام بالمفتاح، لم تكن تثق كثيرًا في قدرة ذلك القفل على الصمود أمام ثورة سيد، بينما يدها الأخرى فكانت تقبض على هاتفها بقوة، تعيد الاتصال بنور للمرة العاشرة، وربما أكثر.
وضعت الهاتف قرب أذنها وهمست بصوت خافت للغاية:
— ردي يا نور... ردي بالله عليكي قبل ما التور الهايج اللي بره يكسر الباب فوق دماغي.
ظل يرن هاتف صديقتها، مرة بعد أخرى
دون أي استجابة.
تنهدت بضيق، ثم رفعت صوتها قليلًا لترد على شقيقها:
— أختك واخدة مهدئ ونامت يا سيد.
فطن فورًا إلى أن المتحدثة ليست نور، وإنما صديقتها، فاشتد صوته أكثر وهو يقول:
— نوم إيه دلوقتي!، لازم تصحى.
زفرت بنفاد صبر، ثم صاحت من خلف الباب:
— بقولك نايمة وواخدة مهدئ عشان تعبانة!، إنت ما بتفهمش؟!
ساد الصمت لثانية واحدة، ثم جاءها صوته غاضبًا كالرعد:
— أنا ما بفهمش؟!، لولا إنك صاحبة أختي كان هيبقى ليا معاكي تصرف تاني، افتحي الزفت الباب.
توسعت عينيها بغيظ شديد، وصاحت هي الأخرى بعناد:
— مش فاتحة يا سيد، و...
لكن كلماتها انقطعت فجأة، عندما وصل إلى مسامعها صوت رضا، الذي بدا أنه خرج للتو ليستكشف مصدر الضوضاء:
— إيه الدوشة دي؟ فيه إيه؟
استدار شقيقه إليه فورًا واخبره بامتعاض:
— السنيورة حبيبة قلبك جوه، قافلة الباب ومش عايزة تفتح، وبتقولي أختك نايمة وواخدة مهدئ، لا وكمان بتقل أدبها عليّا، اتصرف إنت بقى معاها بدل ما أكسرلك الباب فوق دماغها.
في اللحظة التالية، تلقى نظرة حادة من شقيقه الأكبر، نظرة حملت تحذير صريح جعله يبتلع بقية كلماته.
ثم دفعه بيده دفعة قوية أبعدته عن الباب وهو يقول بحدة:
— طب غور من وشي بدل ما أزعلك.
تراجع سيد عدة خطوات وهو يتمتم بكلمات غاضبة لم تكن مفهومة، بينما اقترب الأخر من الباب.
وبالداخل فقد شعرت نجلاء بأن نبضات قلبها تعلو بقوة، ربما لأن المواجهة مع سيد كانت أسهل، بينما رضا لا تريد أن تواجهه معه علي الإطلاق.
تحدث بصوت هادئ على نحو أثار الريبة أكثر مما بث الطمأنينة:
— افتحي يا نجلاء.
شعرت بأن قلبها كاد يقفز من صدرها فرط الخوف، فهي تعلم جيدًا أنها الآن في مواجهة الشخص الخطأ.
فهدوؤه كان أكثر رعبًا من غضبه،
بل إن أكثر لحظاته خطورة كانت تلك التي يخفض فيها صوته إلى هذا الحد.
ابتلعت ريقها، ثم ردت من خلف الباب محاولة التمسك بشجاعتها:
— أختك تعبانة جدًا يا رضا، وما ينفعش اللي هتعملوه دلوقتي، راعوا حتى الصدمة النفسية اللي لسه واخداها، ما تبقوش إنتوا والعرة مؤمن عليها.
ساد الصمت لثوان قليلة خلف الباب،
ثم وصلها صوت زفيره الثقيل.
ذلك الزفير الذي بدا وكأنه محاولة أخيرة للتمسك بأعصابه.
وحين تحدث، كان صوته هادئًا بصورة توحي بأن العاصفة لم تبدأ بعد:
— طيب افتحي، ونبقى نتكلم في الحوارات دي بعدين.
عقدت ذراعيها بعناد وقالت من مكانها:
— ما قولت مش هافتح، إنت أطرش ولا غبي؟
أغمض عينيه للحظة، ثم هز رأسه ببطء
وبنبرة هادئة على نحو مخيف، أخذ يردد كلماتها وكأنه يتذوقها حرف بحرف:
— أطرش...
وصمت لحظة ثم أكمل:
— وغبي...
رفع عينيه نحو الباب المغلق، وقال بهدوء مريب:
— نصيحة مني... لو واقفة ورا الباب، ابعدي.
قطبت حاجبيها وردت بعناد:
— مش هابعـ...
لكنها لم تكمل كلمتها، حيث انطلقت منها صرخة حادة وهي تتراجع إلى الخلف.
في اللحظة التالية اندفع الباب بقوة هائلة، حتى بدا وكأنه سينخلع من موضعه.
اختل توازنها وتعثرت قدماها، فسقطت على ظهرها فوق الأرض.
وجدته يقف جوارها ينظر لها من موضعه، نهضت سريعًا وهي تحدق فيه.
تجول بصره في المكان بسرعة خاطفة،
حتي استقر على السرير الفارغ، وهنا فقط تبدلت ملامحه وتلاشى ما تبقى من هدوئه.
وما إن أدركت هي ما انتبه إليه حتى استدارت محاولة الهرب، لكنها لم تتمكن من الابتعاد خطوة واحدة.
امتدت يده وقبض على ساعدها بقوة،
تجمدت في مكانها، ألتفتت لتنظر إليه
فوجدت نفسها أمام نظرة أرعبتها بحق.
نظرة رجل بدأ يفقد السيطرة على أعصابه، خرج صوته خشن وحاد وهو يسألها:
— فين نور؟
ابتلعت ريقها وحاولت أن تبدو أكثر ثباتًا مما تشعر به في الحقيقة، ثم أجابت بقوة زائفة:
— معرفش... ولو عارفة مش هقول، كفاية اللي حصلها، واللي كنتم هتعملوه فيها دلوقتي.
اشتد احتقان أنفاسه، وأخذ يحدق بها في صمت مؤقت، ذلك الصمت الذي كان أكثر رعبًا من أي تهديد صريح، شعرت بالخوف يتسلل إلى أوصالها رغم محاولاتها المستميتة لإخفائه.
حاولت تخليص ساعدها من قبضته وهي تقول:
— سيب دراعي يا رضا.
عينيه ظلتا مثبتتين على عينيها مباشرة
وكأنه لم يسمع كلماتها إطلاقًا، أو ربما سمعها واختار تجاهلها.
رفع صوته مناديًا:
— سيد؟
لم تمضِ سوى لحظات معدودة حتى هرول شقيقه إلى الغرفة، توقف عند الباب، ونظر بينهما مستفسرًا عما يحدث.
لم يلتفت إليه رضا إلا للحظة عابرة، و أمره بصوت صارم لا يقبل النقاش:
— لما يرجع الباشا ويدخل يقعد مع أبوك، اقفل عليهم باب الأوضة من غير ما تحسسهم بحاجة، وانزل اقلب الدنيا إنت وأصحابك على أختك، ما ترجعش غير بيها.
ثم ألقى نظرة جانبية على نجلاء المرتجفة، وأكمل بنبرة أكثر برودًا:
— مش ناقصين فضايح لحد ما أشوف شغلي مع الهانم صاحبتها.
وما إن أنهى كلماته أدركت من النظرة المشتعلة في عينيه... أن استجوابها الحقيقي لم يبدأ بعد.
❈-❈-❈
انتهى فحص الأشعة أخيرًا، لكن شيئًا واحد لم يتغير منذ أن وطئت أعتاب المستشفى...
صفوان حاضر في كل خطوة تخطوها، ملازمًا لها كظلها الذي لا يفارقها، كلما اعترضت على وجوده أو أبدت انزعاجها من مرافقته لها المستمرة، تظاهر بعدم السماع، وكأن كلماتها لا تصل إليه أصلًا، ثم يمضي في تنفيذ ما يراه مناسبًا دون اكتراث لاعتراضاتها.
ومع مرور الوقت، بدأت تلاحظ أمرًا آخر،
فمنذ دخولها المستشفى، كان جميع العاملين يرحبون به باحترامٍ بالغ، والأطباء يستقبلونه بترحاب يكاد يرقى إلى التوقير.
حينها فقط أدركت أن هذا المكان يتبع له أو أنه صاحب نفوذ كبير داخله.
ولم يزدها ذلك إلا توتر، فهي لم تعد محاصرة به وحده... بل أصبحت داخل عالمه أيضًا.
وأثناء فحص الأشعة، عندما طلب منها الطبيب الصعود إلى الجهاز، حاولت أن تجلس بمفردها.
لكن قدمها المصابة خانتها، اختل توازنها للحظة، وقبل أن تسقط، وجدت ذراعًا قوية تسندها، التفتت فورًا لتجده هو.
يمسك بيدها بإحدى يديه، فيما استقرت يده الأخرى على خصرها ليساعدها على الجلوس فوق الجهاز.
وكان يفعل ذلك بوجه جامد تمامًا، وكأنه يؤدي مهمة رسمية لا تحتمل التهاون.
بينما هي فكانت تراقبه بنظرات متوجسة،
وقد انتبه بالطبع إلى تلك النظرات التي كانت تلاحقه كلما اقترب منها.
لكنه لم يعلق، ولم يبدُ عليه الانزعاج، بل تصرف وكأن الأمر طبيعي للغاية.
والآن... تجلس أمام الطبيب داخل غرفة الفحص بينما وقف صفوان غير بعيد عنها.
رفع الطبيب صورة الأشعة أمام جهاز الإضاءة، وأخذ يتفحصها لعدة ثوان قبل أن يلتفت إليهما قائلًا:
— هو فيه خبرين... حلو ووحش في نفس الوقت، الوحش إن للأسف طلع فيه كسر، والحلو إنه مش كسر كامل... كسر جزئي، فمضطرين نحط جبس.
اتسعت عينا نور بصدمة، ورددت الكلمة بضيق:
— جبس؟!
وقبل أن تستوعب الأمر أكثر، كان صفوان قد سبقها بالسؤال:
— هو فيه بديل للجبس يا دكتور؟
هز الطبيب رأسه نفيًا وأجاب:
— فيه مثبت بيتلبس زي الشراب، بس ده لو كانت الإصابة مجرد شرخ بسيط لكن ده كسر، وتجنبًا إنه ما يبقاش مضاعف وندخل في عمليات وشرايح، لازم الجبس.
وما إن سمعت كلمة "عمليات" حتى انتفضت في مكانها كمن لسعته النار.
وقالت بسرعة وقلق واضح:
— عمليات لاء، أنا موافقة على الجبس.
التقط صفوان خوفها فورًا، كاد يبتسم
إلا أنه أخفى ابتسامته في اللحظة الأخيرة.
يبدو أن حبيبة فؤاده تملك مخاوف كثيرة... مخاوف بريئة تشبه مخاوف الأطفال.
بينما الطبيب فابتسم مطمئنًا إياها:
— ما تقلقيش يا آنسة نور، الإصابة مش محتاجة عمليات، بس هتتفضلي تطلعي هناك وتمدي رجلك على السرير.
أومأت برأسها وحاولت النهوض بحذر،
هيهات وفوجئت بصفوان يتحرك نحوها وكأنه على وشك حملها.
رفعت يدها فورًا توقفه، ثم رمقته بنظرة تحذيرية وقالت بصوت خافت حتى لا يسمعها الطبيب:
— مش كل خطوة تقعد تشيلني. أنا على فكرة بعرف أمشي وأتحرك... أنا مش مشلولة.
توقف في مكانه، وأومأ برأسه بصمت،
لكن خلف ذلك الصمت كان يخفي قدرًا لا بأس به من الحنق.
إذ لم يعتد أن تُرفض مساعدته بهذه الصورة ومع ذلك تراجع خطوة إلى الخلف، تاركًا لها مساحة تتحرك فيها كما أرادت.
وببطء شديد، استطاعت الوصول إلى السرير المعدني المبطن بالجلد الأسود، جلست فوقه بحذر، مدت ساقها تنفيذًا لتعليمات الطبيب.
أخذ الطبيب يلف طبقات الشاش والجص حول قدمها وكاحلها بدقة وخبرة، بينما كانت هي تتبادل النظرات بين الحين والآخر مع صفوان.
كان واقفًا في مكانه، صامت ومراقب لكل حركة و نظرة لها يقرأها جيدًا.
وبعد دقائق، قطعت الصمت وهي تسأل الطبيب:
— الجبس هيفضل في رجلي لمدة قد إيه يا دكتور؟
رفع الطبيب رأسه وأجاب:
— على حسب سرعة التئام الكسر، يعني ممكن نقعد من واحد وعشرين يوم لشهر، أو شهرين، أهم حاجة الراحة، والحركة للضرورة فقط، وهكتبلك على مسكن وكالسيوم ومضاد للالتهابات، هتواظبي عليهم الفترة الجاية.
استغلت كلمات الطبيب استغلال ذكي، وألقت بسهمها نحو هدفه الحقيقي دون أن تنظر إليه مباشرة.
سألت وهي تتظاهر بأن حديثها موجه للطبيب وحده:
— يعني مفيش أي حركة، وراحة طول فترة الجبس... يعني شهر وشهرين، صح يا دكتور؟
وبطرف عينها راقبت ردة الفعل التي كانت تنتظرها، ولم يخب ظنها، رأت ملامح صفوان تنقلب تدريجيًا من الهدوء إلى التجهم، فأخفت ابتسامة صغيرة كادت تفضح انتصارها، وهي أن ما اصابها سيؤجل زواجها منه بقدر الإمكان.
ها قد أوصلت إليه الرسالة، بأن لا زواج الآن، ولا قدرة على الحركة، ولا فرصة لتنفيذ أي مخططات خلال هذه الفترة.
ورغم أنها لم تنطق بكلمة واحدة عن رفضها له، فإنها كانت على يقين بأنه فهم مقصدها جيدًا.
شعرت بحركة إلى جوارها، فرفعت عينيها نحوه، لتجده يستدير متجهًا نحو الباب
دون كلمة، دون تعليق أو حتى نظرة أخيرة.
غادر الغرفة بخطوات ثابتة، ثم أغلق الباب خلفه بقوة جعلت صوته يتردد في الأرجاء.
تنفست الصعداء، لكن راحتها لم تدم طويلًا، فما هي إلا لحظات حتى سُمع طرق خفيف، يليه فتح الباب ودلف جسار إلى الداخل.
وقف في موضعه بانضباط واضح وقال بلهجة رسمية:
— آنسة نور، اتفضلي الكراتش «العكاز المعدني»، أنا واقف بره مستني حضرتك.
تناولت العكاز، ثم سألت بسرعة:
— وهو فين؟
فطن فورًا إلى أنها تسأل عن رئيسه،
فأجاب بآلية:
— صفوان بيه بيطمن والدك عليكي.
وما إن سمعت ذلك حتى شهقت بخفوت،
كأن أحدهم أيقظ داخلها كارثة كانت قد نسيتها للحظات، والدها وشقيقاها، هروبها، كل شيء عاد إلى ذهنها دفعة واحدة.
لابد أنهم علموا بالأمر الآن، بل ربما كانوا يبحثون عنها في كل مكان، وأدركت أن هذه الحقيقة وحدها كفيلة بأن تقلب حياتها رأسًا على عقب.
فهي لا تريد الزواج من صفوان، وترى في عينيه تصميمًا مخيفًا على جعلها زوجته مهما حدث.
وفي الوقت ذاته تخشى العودة إلى منزلها، وتخشى أكثر ردة فعل أهلها عندما يعلمون بما فعلته.
شعرت فجأة بأن العالم يضيق من حولها،
كالقابع داخل غرفة جدرانها الأربعة أخذت تتحرك ببطء نحوها، حتى تكاد تسحقها بلا رحمة.
أغمضت عينيها لثوان تحاول استعادة أنفاسها، فسمعت صوت جسار يقول:
— عن إذن حضرتك.
ثم انصرف بالتزامن مع صوت إغلاق الباب، وصلها صوت الطبيب:
— كده خلصنا.
خلع قفازيه المطاطيين، ثم اتجه نحو مكتبه:
— هكتب لك على العلاج اللي هتستمري عليه لحد ما تيجي تعملي أشعة تاني.
هي لم تكن تستمع له، عقلها منشغل بأمر آخر تمامًا، تحرك بصرها في أنحاء الغرفة ببطء، توقفت عيناها علي بابين آخرين غير الباب الرئيسي.
أحدهما تعلوه لافتة كُتب عليها باللغة الإنجليزية"EXIT"
شعرت بأن هناك بصيص أمل صغير قد أضاء وسط ظلام أفكارها، حمحمت بخجل مصطنع ثم سألت الطبيب:
— معلش يا دكتور... هو فيه حمام قريب من هنا؟
رفع رأسه مجيبًا:
— آه، في آخر الممر، استني هبلغ التمريض يجيبوا لك كرسي متحرك أسهل في الحركة.
رفعت يدها بسرعة، بينما كانت تستند بالأخرى إلى العكاز الذي سهل عليها الوقوف والتحرك:
— شكرًا، مفيش داعي... أنا هاعرف أتصرف.
أومأ لها في اللحظة نفسها، صدح رنين هاتفه، التقطه فورًا وانشغل بالرد على المتصل.
وهنا رأت فرصتها، تحركت بهدوء شديد، اتجهت نحو باب الخروج، فتحت بحذر وألقت نظرة أخيرة نحو الطبيب المنشغل بمكالمته.
غادرت الغرفة، وأغلقت الباب خلفها بصمت تجنبت استخدام العكاز قدر استطاعتها حتى لا يصدر صوتًا يلفت الانتباه إليها، وأخذت تتحرك ببطء عبر ممر جانبي ذي إضاءة خافتة.
تستند إلى الحائط، بينما قلبها يدق بعنف حتى كادت تسمعه في أذنيها.
تردد بين شفتيها المرتجفتين:
— يا رب...
امتد الممر طويلًا أمامها وفي نهايته رأت باب مصعد كهربائي وجواره درج، توقفت للحظة.
سحبت القلنسوة فوق رأسها حتى أخفت معظم ملامح وجهها، وبعد تفكير سريع، فضلت استخدام المصعد.
فنزول الدرج بقدم مصابة يطوقها الجبس بدا أشبه بمغامرة خاسرة، ضغطت علي زر الطابق الأول، انغلقت الأبواب المعدنية
ثم بدأ المصعد يهبط ببطء.
كل ثانية تمر كانت تبدو لها دهر كامل،
حتى توقف أخيرًا وانفرج الباب، خرجت إلى الطابق الأول، وعيناها تتحركان في كل اتجاه بترقب وحذر.
كانت تبحث عن أي لافتة، أو باب خلفي،
فقد كانت تعلم يقينًا... أن هروبها الأول كان صعب، أما هروبها الثاني فقد يكون مستحيل!
❈-❈-❈
تقف في أقصى الغرفة، تحاول التمسك بما تبقى لها من ثبات رغم القلق الذي ينهش أعصابها.
نظرت إلى الذي يقف أمام الباب الذي أوصده للتو من الداخل عليهما، قالت للمرة التي فقدت القدرة على عدها:
— لآخر مرة أقولها لك يا رضا، افتح الباب لو سمحت وخليني أمشي.
ورغم نبرة التحدي التي حاولت إظهارها، كان الخوف يتحرك داخلها، فهي تدرك جيدًا أنها محاصرة داخل الغرفة، وتخشى أن يدفعه تهوره أو غضبه إلى تصرف غير محسوب.
وقبل أن يجيبها، وصل إلى مسامعهما صوت سيد القادم من الخارج، بدا أنه دخل الشقة للتو، وصوته يعلو بالسخط وهو يخاطب والده:
— يعني إيه نزلت معاه من غير ما تقولنا؟!، ونزلت إمتى وإزاي يابا؟
جاءه صوت والده حادًا:
— بقولك الراجل لسه قافل معايا وقالي إنها تعبت ووقعت ورجلها اتكسرت، خدها على المستشفى.
اشتعل غضب الأخر أكثر، وصاح بانفعال:
— ده أنا لما أشوفها هاكسرلها رقبتها، بنتك يا با من الآخر كانت بتحاول تهرب، والراجل عمل نفسه جاله تليفون وراح لحقها بعد ما رجالته شافوها وبلغوه، مش كفاية حوارها مع مؤمن وطلاقها، وكمان بتهرب، بجملة الفضايح!
دوّى صوت والدهزبغضب:
— اخرس يالاه، ومالكش دعوة بيها، ترجع البيت بالسلامة الأول وأنا هاتصرف معاها.
شهقت نجلاء بخوف، ليس خوفًا على نفسها هذه المرة، بل على صديقتها.
فقد اجتمع عليها أمران كلاهما أسوأ من الآخر، الأول أن صفوان قد عثر عليها رغم هروبها، والثاني ما ينتظرها من غضب وبطش والدها إن عادت إلى المنزل.
استدارت نحو رضا وقالت بسرعة:
— افتح يا رضا، خليني أنزل أشوف أختك وأتطمن عليها، أديك سمعت بودانك اللي قاله أخوك.
رفع جانب فمه بابتسامة ساخرة، وقال وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
— مش هتتحركي من هنا، غير لما تقوليلي الأول إيه اللي عملته نور خلى مؤمن ما يجيش الفرح ويطلقها، وإياكي تحوري عليّا، انتي صاحبتها وأقرب واحدة ليها، يعني لو كحت بتقولك.
ابتلعت ريقها بصعوبة، لكنها أجبرت نفسها على التماسك، رفعت رأسها مجيبة بإنكار واضح:
— أنا زيي زيكم، هي كمان ما تعرفش ليه عمل فيها كده، وبعدين بتسألني أنا ليه؟، ما تروح تدور عليه وتسأله هو، لا تكون بتخاف منه!، ولا إنت ما بتتشطرش غير على البنات؟!
ضيق عينيه وفي أعماقه غضب عارم يتخبط كبركان على وشك الانفجار، حاول أن يبدو هادئ، هدوءه كان أشبه بغطاء رقيق فوق نار مشتعلة.
وقف للحظات يحدق بها دون أن يتكلم، بينما تتصارع داخله الأفكار والمشاعر المتناقضة.
تحرك ببطء نحوها، خطوة ثم أخرى،
اخبرها بصوت منخفض:
— سواء عرفت ولا ما عرفتش، خلاص... حوار أختي هيخلص بجوازها من صفوان الشاذلي، لكن حوارنا أنا وانتي لسه ما انتهاش.
شعرت بالتوتر يتسلل إلى أوصالها،
فتراجعت خطوة إلى الخلف، رفعت سبابتها في وجهه محذرة:
— خليك مكانك أحسنلك، أقسم بالله لو قربت مني...
لكن كلماتها توقفت في منتصف الطريق،
ففي لحظة واحدة كان قد أصبح أمامها.
اتسعت عيناها بدهشة يتخللها الحذر،
أما هو فثبت نظره عليها وسألها بنبرة حملت تحذير ساخر:
— عايزة تصوتي؟
ثم مال قليلًا نحوها، وصوته يزداد انخفاضًا وهو يضيف:
– صوتي، بس و أنا بخليكي ملكي دلوقتي.
❈-❈-❈
ما إن خرجت من باب المستشفى الخلفي حتى وجدت نفسها في شارع موحش، يلفه السكون ، وينيره القليل من ضوء القمر الشاحب المنعكس فوق الأسفلت الرطب.
انتفض جسدها فجأة عندما شق الصمت نباح مجموعة من الكلاب الضالة المنتشرة في أرجاء الشارع، تسارعت أنفاسها.
وأحكمت قبضتها على العكاز المعدني، ثم أسرعت تتحرك بأقصى ما تستطيع، متحملة الألم الذي ينهش قدمها المصابة، باحثة عن أي اتجاه يقودها إلى الطريق الرئيسي.
وفي الجهة الأخرى من الشارع... يوجد مجموعة من الشباب تقف متحلقة حول بعضها، يتبادلون السجائر المحشوة بالمخدرات، يدور بينهم حديث صاخب وضحكات مرتفعة.
وقعت عين أحدهم عليها من بعيد، فحدق بها لثوان قبل أن يقول لرفاقه ساخرًا:
— مين الواد ده يا جماعة اللي عمال ينط زي أبو قردان؟
انفجر الآخرون بالضحك، رد أحدهم وهو يلوح بيده باستخفاف:
— هتلاقيه عيل من العيال المتشردة اللي بيقعدوا يدوروا في الزبالة.
وصلت ضحكاتهم إلى مسامعها، فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، وأدركت في تلك اللحظة أن الكلاب التي أرعبتها منذ قليل أهون عليها من الاقتراب من هؤلاء.
داهمها إحساس قاس بالوهن، فهي لم تتناول طعامًا طوال اليوم، ويكفيها ما مرت به من مصائب متلاحقة منذ الصباح.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم همست لنفسها محاولة بث الشجاعة في قلبها:
— اجمدي يا نور... كلها كام متر وتوصلي على الطريق.
لكن كلماتها لم تمنحها الطمأنينة التي أرادتها، إذا بها شعرت فجأة بصوت خطوات تقترب منها، توقفت مكانها، وتجمدت للحظة، تحاول التأكد مما تسمعه ودعت ربها في سرها ألا يكون أصحاب تلك الخطوات هم أنفسهم أولئك الشباب.
شددت قبضتها على العكاز، فجأة شهقت عندما امتدت يد احدهم وانتزعته منها.
اختل توازنها وكادت تسقط فاستندت بأعجوبة علي الجدار المجاور لها، جاءها صوت ثقيل تنبعث منه رائحة العبث والاستهتار:
— إيه يا نجم؟، ينفع تعدي كده من غير ما ترمي السلام؟
ومن نبرة صوته، ومن ضحكاته المتقطعة، أدركت أنهم ليسوا في كامل وعيهم، أغمضت عينيها للحظة ولعنت حظها آلاف المرات.
كلما نجت من مصيبة... وجدت نفسها أمام أخرى أشد قسوة، قال شاب آخر وهو يضحك:
— ما تمشي كده يا عم و فرجنا علي مشية أبو قردان.
تعالت الضحكات من جديد، ثم قال ثالث بسخرية:
— إيه ده يا جدعان شكله زعل، وأنا ما يرضنيش زعل أبو قردان، تعالي يا سطى... هات راسك ابوسها.
وما إن اقترب منها حتى باغتها، مد يده وأزاح القلنسوة عن رأسها، في اللحظة التالية...خفتت الضحكات فجأة.
واتسعت أعين الجميع، وانطلقت منهم شهقة متزامنة:
— بت!
شعرت بالخطر يتضاعف في لحظة،
فتراجعت للخلف بسرعة، مستندة علي الجدار، تعلم أن الحديث معهم لن يجدي نفعًا.
فالعقول الغائبة لا تسمع صوت المنطق،
ولا تفهم سوى ما تمليه عليها نزواتها.
اقترب أحدهم منها وأمسك بذراعها قائلًا بسخرية ثقيلة:
— رايحة على فين يا قطة؟، ده إحنا لازم نوجب معاكي ونتأسفلك كمان... ولا إيه رأيكم يا رجالة؟
جاءه صوت الباقين في آن واحد:
— أيوه... طبعاً نتأسف.
وتقدم آخر نحوها بعينين أثارتا الرعب في نفسها، وقال ضاحكًا:
— ولاه يا كيمو، سيبني أتأسف أنا الأول.
دفعت يد الرجل الذي كان يقبض على ذراعها بكل ما أوتيت من قوة، وصاحت:
— ابعد عني يا حيوان إنت وهو.
لكن كلماتها لم تزدهم إلا استهزاء، فأمسك أحدهم بذقنها قسرًا بازدراء:
— بت... إنتِ صدقتي نفسك ولا إيه؟
ثم تبادل نظرة ذات مغزى مع أحد رفاقه الواقفين خلفها، وفي لحظة خاطفة، فاجأها الذي يقف خلفها بحملها من خصرها وقام آخر بتكميم فمها وأمرهم الأول:
– اتصلوا بالولاه عبده خليه يجيب التوكتوك و يجي، قولوا له عندنا حفلة الليلة دي.
يتبع....
العاشر من هنا