رواية نبضات الصخر الفصل التاسع 9 بقلم هاجر سلامة
لم ينم معاذ ليلته تلك؛ كان يجلس في صالة الجناح المظلمة وعقله يعمل كآلة حسابية معقدة لا تخطئ.
كان ينظر إلى باب غرفة النوم حيث تنام نايا بهدوء مستسلمة لحضن الأمان الذي منحه إياها. علم معاذ أن ميرفت لن تنتظر كثيراً، وأنها بالتأكيد ستقوم بعرض صور التحاليل والتقارير الطبية على "شاكر بيه" في أقرب فرصة لتثبت له أن نايا تخدعه، وأن زواجهما مسرحية هزلية للالتفاف على شرط الميراث.
تحدث معاذ مع نفسه بصوت خفيض وعينيه تشعان بحسم حديدي: "فاكرة نفسك ذكية يا ميرفت؟ فاكرة إنك لما صورتي الورق ده هتقدري تكسري نايا وتطردينا؟ أنا هخلي الصور اللي في إيدك دي تبقى هي حبل المشنقة اللي هيتلف حوالين رقبتك ورقبة ابنك في الشركة والقصر."
بمجرد الشروق، تحرك معاذ بسرعة البرق.
لم يخبر نايا بأي شيء لكي لا يوتر أعصابها ويهدد خطة العلاج الاستثنائية التي تقترب من نهايتها الشافية.
اتصل بالطبيب الخاص بنايا على هاتفه الشخصي، وطلب مقابلته في العيادة فوراً قبل بدء مواعيد العمل الرسمية لأمر يخص حياة نايا وأمنها.
وصل معاذ إلى عيادة الطبيب الفخمة، وجلس أمامه وعلامات الجدية والصرامة ترتسم على وجهه.
كانت تعبر عن هيبته في هذه اللحظة؛ فقد كان يتحدث كقائد يملك زمام الأمور ويدير معركة مصيرية لحماية عائلته الصغيرة من بطش الأعداء.
تحدث معاذ بجدية شديدة: "يا دكتور.. أنا عرفت إن ميرفت هانم، مرات أبو نايا، قدرت توصل للملف الطبي بتاع نايا وصورت التقارير والآشعة اللي بتثبت إنها لازم تشيل الرحم خلال سنة وإن الحمل شبه مستحيل."
صدم الطبيب ووقف قائلاً بقلق: "يا نهار مش فايت! دي سرقة وخيانة أمانة للمريض، التقارير دي لو اتسربت أو اتعرفت برة ممكن تأثر على سمعة العيادة وعلى نفسية نايا اللي بدأت تستجيب للعلاج بشكل ممتاز!"
أشار له معاذ بالجلوس وقال بهدوء وثقة : "اهدأ خالص يا دكتور.. أنا مش جاي أعمل مشكلة، أنا جاي أحلها وأقفل اللعبة دي تماماً. ميرفت هانم متعرفش مصطلحات طبية بالإنجليزية، هي قرأت التقرير العربي المرفق بس وصورته. أنا عايز من حضرتك دلوقتي حالا تبديل رسمي.. هتعملي ملف طبي تاني خالص باسم نايا، وتكتب فيه تقرير باللغة العربية والإنجليزية يفيد إن حالتها ممتازة، وإن الزيارات المتكررة دي بسبب متابعة وفحوصات عادية لتجهيز جسمها للحمل السريع، والملف القديم الحقيقي يفضل عندك في خزنتك السرية ومحدش يشوفه غيري أنا وأنت."
تابع معاذ القوية: "وسأقوم أنا بتعديل التاريخ والبيانات على السيرفر الإلكتروني للمستشفى والعيادة من خلال مهندس برمجيات صديق لي يعمل معكم، بحيث إذا قام شاكر بيه بالاتصال بكم أو بالبحث الإلكتروني، يجد أن التقارير التي صورتها ميرفت هي تقارير مزورة وتخص مريضة أخرى تم تبديل اسمها عمداً لتشويه سمعة ابنتنا."
اتسعت عينا الطبيب بإعجاب شديد بذكاء معاذ الشيطاني في الحق، وقال : "أنت رجل ذكي ومخلص جداً يا معاذ بيه.. نايا محظوظة بوجودك. سأفعل ما طلبته فوراً، وسأقوم بطباعة التقرير الجديد وتوثيقه بختمي الخاص ليكون دليلك القاطع."
عاد معاذ إلى القصر، ودخل الجناح ليجد نايا قد استيقظت وتبدو في حالة صحية ونفسية رائعة. اقتربت منه بابتسامة دافئة وقالت : "كنت فين من الصبح يا معاذ؟ صحيت مالقيتكش جمبي وخفت أكون تعباك معايا."
احتضنها معاذ وقبل رأسها بحنان : "كنت بخلص مشوار مهم بخصوص الشغل يا حبيبتي.. متخافيش أنا دايماً جمبك ومش هسيبك. يلا اجهزي عشان نروح الشركة سوا، النهاردة فيه مواجهة قوية ومحتاجك تكوني الملكة اللي متعود عليها."
ابتسمت نايا بثقة وذهبت لتستعد، بينما قام معاذ بفتح درج المكتب ووضع التقرير الطبي الجديد "المزور" الذي يفيد بسلامتها الكاملة في نفس الملف الأسود، وترك المفتاح في مكانه المعتاد وكأنه لم يكتشف شيئاً، لينصب الفخ للأفعى وينتظر أن تقع فيه بقدميها.
في منتصف اليوم داخل مقر الشركة الكبرى، ساد صمت غريب في الممرات. كان شاكر بيه يجلس في مكتبه الفخم، وفجأة دخلت عليه ميرفت وبملامحها علامات النصر الكاسح والشماتة، وخلفها يسير ابنها مازن والمحامي الخاص بها.وقفت ميرفت أمام زوجها، ورمت هاتفها المحمول على مكتبه وقالت بصوت عالٍ وشماتة: "أهو يا شاكر بيه.. أهو شرف بنتك المصونة واللعبة اللي لعبتها عليك وعلى شقى عمرك! بنتك نايا بتخدعك وجايبة موظف غلبان من الشارع تمضي معاه عقد جواز صوري عشان تلحق تاخد الميراث قبل ما تتفضح!"
عقد شاكر بيه حاجبيه بصدمة وغضب وقال : "ماذا تقولين يا ميرفت؟ احترمي نفسك ولا تتحدثي عن ابنتي بهذه الطريقة!"
صاحت ميرفت : "افتح الصور اللي على التليفون وشوف بنفسك يا بيه! دي تقارير طبية من عيادة دكتورها الخاص بتثبت إن نايا عندها تليف حاد في جدار الرحم ولازم تشيله فوراً، وإنها مستحيل تخلف وعمرها ما هتجيب لك الحفيد! الجوازة دي مسرحية عشان تسرق الفلوس والميراث من ابني مازن!"
في تلك اللحظة، فتح باب المكتب ودخلت نايا وبجانبها معاذ بكامل ثباتهما وقوتهما. نظرت نايا إلى ميرفت باحتقار، بينما تقدم معاذ بخطوات واثقة ووقف أمام شاكر بيه وتحدث الرزينة الحازمة: "مساء الخير يا شاكر بيه.. أنا أسف على الدخول المفاجئ، لكن يبدو أن السيدة ميرفت قد تم التلاعب بها من قبل جهات منافسة لشركتنا، وقامت بتقديم أوراق مزورة لضرب استقرار العائلة."
التفتت ميرفت إليه بغضب أعمى وقالت : "مزورة إيه يا حرامي يا طماع! أنا مصورة الورق ده من قلب جناحكم ومن ملف نايا الأسود بنفسي!"
ابتسم معاذ ابتسامة خبيثة جعلت دم ميرفت يتجمد، وقال بكل برود: "أنتِ كدة بتعترفي رسمياً يا ميرفت هانم إنك اقتحمتي جناحي الخاص وسرقتي ورق مش من حقك.. ودي لوحدها قضية خيانة أمانة وسرقة. ثانياً.. الورق اللي في إيدك ده ورق مزور ومغلوط، ومحاميكي الرخيص ده هو اللي طبخه عشان يبتز عيلتنا."
صاح المحامي : "هذا اتهام باطل! الصور واضحة وباسم الآنسة نايا وتوقيع المستشفى!"
أخرج معاذ من حقيبته التقرير الطبي الجديد والملف الموثق بختم المستشفى ووضعه أمام شاكر بيه، وتحدث القاطعة: "تفضل يا رئيس مجلس الإدارة.. هذا هو التقرير الطبي الأصلي والموثق لزوجتي نايا بتاريخ اليوم ومن نفس العيادة، والذي يفيد بسلامتها الكاملة وبدء مراحل التجهيز الطبيعي للحمل. والتقارير التي تحملها السيدة ميرفت تخص مريضة أخرى تدعى (نايا شاكر) وتم التلاعب باللقب عمداً لتشابه الأسماء لابتزازنا.. ويمكنك الآن الاتصال بالطبيب بنفسك على مكبر الصوت ليرد عليك."
أمسك شاكر بيه بالهاتف وعيناه تشتعلان غضباً، واتصل بالطبيب فوراً وفتح مكبر الصوت.
رد الطبيب كما اتفق مع معاذ: "أهلاً شاكر بيه.. نعم، التقرير الذي يملكه معاذ بيه هو الصحيح والمعتمد بختمي. أما الصور التي تتحدث عنها السيدة ميرفت فهي أوراق قديمة ومسربة لمريضة أخرى، ونحن بصدد رفع قضية تشهير وضبط للموظف الذي سربها."
سقط الهاتف من يد ميرفت، وشحب وجهها لدرجة الموت، وتراجعت للخلف وهي تتلعثم : "لأ.. لأ مش ممكن! أنا شفت الورق.. أنا.."
وقف شاكر بيه بكل طوله وهيبته، وضرب المكتب بيده بقوة هزت الأركان وصاح بغضب عارم: "بس! اطلعي برة يا ميرفت.. أنتِ والمحامي الرخيص بتاعك! اقتحام وسرقة وتزوير عشان تدمري بنتي وجوزها؟ وحياة أمي لحسابك معايا هيكون عسير في البيت.. وبرة البيت!"
خرجت ميرفت تجر أذيال الفضيحة والخيبة والانكسار الكلي، بينما التفت شاكر بيه إلى معاذ ونايا ونظر إليهما بعين الامتنان والفخر وقال : "أنا أسف يا ولادي على القرف ده.. معاذ، أنت أثبتلي النهاردة إنك راجل بجد وبتعرف تحمي بيتك ومراتك.. مبروك عليا أنت يا ابني."
ابتسمت نايا وعيناها تلمعان بدموع الفرح والفخر الشديد بزوجها وحبيبها معاذ الذي أنقذها من الهلاك، وأدركت أن الضربة القاضية لميرفت قد تمت، وأن الخطوة القادمة في الحلقة العاشرة ستكون هي المعجزة الحقيقية التي ينتظرها الجميع.
نبضات الصخر