رواية فتنة زكريا الفصل التاسع 9 بقلم نور محمد
— "إلحق يا زكريا يا ولدي.. يا خراب بيتك يا بني! المشتل.. المشتل ولع يا زكريا! الرجالة الملثمين نزلوا عليه بالجاز ولعوا في كل شبر فيه، الزرع، الشجر، الأوضة اللي فيها ذكريات أبوك وأمك.. كله بقى كوم رماد، والنار مسكت في كل حاجة مسبتش عود أخضر!"
زكريا قام وقف فجأة، الكوباية وقعت من إيده اتدشدشت على الأرض والقهوة السخنة طرطشت على البنطلون، بس هو محسش بأي حاجة.
التليفون وقع من إيده، وعينيه وسعت في حالة من الصدمة والذهول.
المشتل.. تعب عمره، ذكريات أهله، شقاه، ومصدر رزقه الوحيد، الأمان الوحيد اللي كان بيمتلكه في الدنيا دي.. راح! بقى رماد!
راشد الكيلاني قام بسرعة من مكانه:
— "في إيه يا زكريا؟ مالك يا بني؟"
زكريا نزل على ركبتيه في الأرض، حط إيديه الاتنين على وشه، وانهار. الشاب الجبل اللي وقف قدام الرصاص ومخافش، اللي شال مسؤولية روح من الموت، مقدرش يتحمل قهر الرجال.
صوت نحيبه المكتوم كان بيقطع القلب، دموعه كانت بتنزل بين صوابعه زي المطر.
— "حرقوا دنيتي يا باشا.. حرقوا ريحة أبويا وأمي.. حرقوا شقايا وتعب عمري! أنا مليش حاجة في الدنيا دي غير المشتل ده، ده كان ضهري وسندي!"
على صوت الكوباية اللي انكسرت وعياط زكريا، "فتنة" صحيت مفزوعة.
بصت لزكريا اللي واقع على الأرض ومنهار.. المنظر ده كان جديد عليها. زكريا دايماً قوي، دايماً هو الحصن. تشوف الحصن بيقع، ده رعب من نوع تاني.
بس المرة دي، هي معملتش زي زمان.. مستخبتش، ومصرختش بخوف.
نزلت من على الكنبة بسرعة، زحفت على الأرض لحد ما وصلتله. شدت إيديه الاتنين من على وشه بصعوبة. شافت دموعه اللي مغرقة وشه.
ملامحها اتعصرت من الوجع. إيديها الصغيرة المرتعشة اترفت، وبدأت تمسح دموعه من على خده بسرعة، كأنها بتطفي نار قايدة.
ولأول مرة.. بصوت واضح، مفيش فيه تقطيع، طالع من أعماق قلب اتعلم الحب بعد العذاب.. قالت جملة كاملة:
— "متعيطش.. زكريا.. أنا أمانك."
الكلمات دي خلت الصمت يلف المكان. راشد الكيلاني حط إيده على بقه من الصدمة وهو بيبكي. وزكريا رفع عينيه المليانة دموع وبص لفتنة.
البنت اللي كانت محتاجة أمان، بقت هي اللي بتقدمهوله.
زكريا سحبها لحضنه، وعيط في كتفها زي الطفل. وبعد دقايق من البكا اللي غسل قهره.. رفع راسه.
ملامحه اتغيرت تماماً. الحزن اللي في عينيه اتحول لغضب أسود، غضب راجل صعيدي دمه حر، اتسلب حقه، وانحرق شقاه، وانتهكت حرمة أمانه.
قام وقف، وسند فتنة توقف معاه، وبص لراشد الكيلاني بعيون كأنها جمر نار:
— "النجعاوية حرقوا بيتي عشان يكسروني ويجرجروني ليهم. هما فاكرين إني فلاح غلبان ماليش في الدم.. بس هما ميعرفوش إن الفلاح لما أرضه بتتحرق، بيقلب الأرض دي مقابر للي حرقها."
راشد بصله بقلق: "هتعمل إيه يا زكريا؟ إنت مش هتروح الصعيد، ده فخ عشان يقتلو*ك وياخدوها!"
زكريا مسح بقايا الدموع من على وشه، وصوته كان حازم وقاطع:
— "أنا مش هروح لوحدي يا باشا.. المعركة دي مبقتش معركتك لوحدك عشان بنت أخوك، دي بقت معركتي أنا كمان على شرفي وأرضي وقهري. جهز رجالتك يا راشد بيه، جهز سلا*حك.. إحنا مش هنستناهم يجولنا، إحنا هنروح نهد الجبل على دماغ دياب النجعاوي في عقر داره.. المعركة الحقيقية هتبدأ النهاردة!"
ليل إسكندرية كان هادي بره أسوار القصر، لكن جوه قلب "زكريا"، كانت بتقوم عواصف براكين.
الشاب الهادي، المبتسم، اللي إيديه متعودة على الطبطبة على ورق الورد، اتحول لراجل عينيه بتلمع بقسوة القصاص. جنون حنينه لأرضه اللي بقت رماد، وذكريات أمه وأبوه اللي اتحرقت غدر، خلطت جواه مشاعر الوجع بنار الغضب.
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
في بدروم القصر اللي متصمم كغرفة عمليات وسلاح، "راشد الكيلاني" فتح خزنة حديد ضخمة، وطلع منها أحدث الأسلحة.
— "المعركة في الجبل مش زي شوارع يا زكريا.. دياب متحصن في دواره، وحواليه رجالة مبيعرفوش غير لغة الد*م. متأكد إنك عايز تيجي؟ دي مش حربك لوحدك، أنا أقدر أبعت جيش يمحيهم."
زكريا كان واقف بيلبس واقي من الرصاص فوق قميص أسود، ملامحه كانت جامدة زي الحجر:
— "لا يا باشا.. دي حربي أنا. هو حرق أرضي عشان يكسرني، ولو مروحتش وقفت قدامه وعيني في عينه، هيفضل فاكر نفسه وحش الجبل اللي محدش بيقدر عليه. وجه الوقت لـ ترويض وحش النجعاوية ده، ودفنه في نفس الجبل اللي بيتحامى فيه."
راشد بصله بفخر، إعجابه بالشاب ده بيزيد كل دقيقة. ناوله مسدس ، زكريا مسكه، سحب الأجزاء بمهارة متولدتش من التدريب، بس اتولدت من القهر.
في غرفة فتنة
قبل التحرك بساعة، زكريا وقف قدام باب أوضة "فتنة". مسح وشه بإيده كأنه بيمسح ملامح الغضب، ورسم ابتسامة هادية جداً، ودخل.
كانت قاعدة على الأرض جنب السرير، ضامة ركبها لصدرها، والسبحة الخشب بتاعته لسه بين إيديها.
أول ما الباب اتفتح وشافته بلبسه الأسود، ملامحها اتغيرت. حست بريحة الخطر.
قامت وقفت بسرعة، جريت عليه ومسكت في ياقة قميصه بإيديها الاتنين، عينيها العسلي الواسعة اتملت دموع في ثانية.
— "رايح.. عتمة؟"
قالتها بصوت بيرتعش، هي ربطت اللبس ده والتوتر ده بالضلمة اللي كانت عايشة فيها.
زكريا مقدرش يمسك نفسه، نزل على ركبته قدامها، ومسك كفوفها الصغيرين اللي مكلبشين في قميصه، وباسهم بحنية خلت دموعها تنزل.
— "أنا رايح أموت العتمة دي يا فتنة.. رايح أكسر الباب اللي كانوا حابسينك فيه، عشان ميقدروش في يوم يوصلولك تاني."
هزت راسها بعنف وبدأت تعيط بصوت طفولي موجوع:
— "لا.. لا تمشي.. زكريا يموت.. فتنة تموت!"
الجملة نزلت على قلبه زي السكينة. رفع وشها بإيديه الاتنين، وبص في عينيها بنظرة كلها يقين:
— "زكريا مش هيموت طول ما فتنة بتتنفس. أنتي خليتيني أتمسك بالحياة، وأنا بوعدك.. هرجعلك. أنا عمري ما كدبت عليكي صح؟"
هزت راسها ببطء وسط دموعها.
— "يبقى تستنيني.. ومفيش حاجة هتقدر تمنعني إني أرجع أشوف العيون دي تاني."
قلع سلسلته الفضة اللي كان لابسها تحت القميص، سلسلة بسيطة جداً فيها آية الكرسي، ولبسهالها فوق الفستان، وحط السبحة في إيدها التانية.
— "دول حتة مني.. خليهم معاكي لحد ما أرجع أستلمهم بإيدي."
حضنته بقوة مرعبة كأنها بتخبيه جوه ضلوعها، وزكريا ضمها لصدره وهو بيستمد منها القوة اللي هيواجه بيها الجبل.
خمس عربيات دفع رباعي سودا متفيمة، طالعة من إسكندرية شقة طريق الصحراوي في جنون الليل، متجهة لقلب الصعيد. في العربية الأولى، كان زكريا قاعد جنب راشد الكيلاني.
طول الطريق زكريا كان ساكت، عينيه باصة للطريق ، بيسترجع ريحة المشتل، وشجر الليمون اللي زرعه بإيده، والورد اللي بقى رماد، وصوت فتنة وهي بتقوله "أنا أمانك".
بعد ساعات طويلة، خيوط الفجر الأولى كانت بتشق السما وهما على أطراف قنا.
راشد طلع خريطة للمكان:
— "دوار النجعاوية مبني على ربوة عالية في حضن الجبل. الطريق الرئيسي مليان ناضورجية وحرس.. مستحيل نقتحم من قدام من غير ما يسقط مننا رجالة كتير."
زكريا بص للخريطة، وابتسم ابتسامة قاسية مفيهاش أي رحمة:
— "ومين قال إننا هندخل من الباب يا باشا؟ الفلاح مابيدخلش أرضه من الباب لما تكون مليانة آفات.. بيلفلها من ضهرها."
زكريا كان دارس طبيعة الأراضي الزراعية والجبال. قاد القوة من طريق زراعي مهجور ورا الجبل، طريق العربيات متقدرش تمشي فيه. سابوا العربيات، وكملوا مشي في المدقات الجبلية الوعرة.
زكريا كان بيمشي بثبات كأنه مولود في الجبل، ووراه رجالة الكيلاني متسلقين الصخور بحذر.
في الدوار، دياب كان قاعد في المندرة الواسعة، حواليه أتباعه بيشربوا شاي وقهوة، وبيضحكوا بصوت عالي على خبر حرق المشتل.
— "زمان الواد الفلاح ده بيلطم زي الحريم على شقاه.. يومين بالكتير وهتلاقوه جاي راكع يبوس رجلي عشان أسيبه يعيش، وساعتها هجيب رقبته هو والبت."
دياب قالها وهو بينفث دخان الشيشة بكبرياء.
فجأة.. الكهربا قطعت عن الدوار كله!
الضحك سكت، والرجالة وقفوا بسرعة بيعمروا سلاحهم في الضلمة.
— "في إيه يا بهايم منك ليه؟ حد يشوف المولد بره!" صرخ دياب.
وقبل ما أي حد يتحرك.. صوت تكسير إزاز عنيف جه من الدور التاني للدوار. ثواني، وقنابل دخان مسيلة للدموع بدأت تنزل عليهم في المندرة من الشبابيك اللي فوق.
الرعب دب في قلوب رجالة الجبل، الدخان عماهم، وبدأوا يكحوا ويضربوا نار عشوائي في كل اتجاه.
باب المندرة الخشب الضخم اتكسر برجلة من بره، ودخل راشد الكيلاني ورجالته، لابسين أقنعة غاز، ومسلحين بأحدث الأسلحة، وفي دقايق كانوا مجردين رجالة دياب من سلاحهم ومنيمينهم على الأرض.
دياب كان واقف في الزاوية، بيكح ومش شايف حاجة، رفع سلاحه عشان يضرب عشوائي.. لكن فجأة، حس بماسورة سلاح باردة جداً بتتحط على مؤخرة راسه، وصوت هادي، عميق، وقاسي زي نصل السكينة بيهمس في ودنه:
— "نار المشتل كانت بتوجع.. بس نار قلبي النهاردة هتحرق كبرياءك يا دياب."
الدخان بدأ يخف شوية مع كشافات الرجالة اللي نورت المكان. دياب لف وشه ببطء مرعوب.. ولقى "زكريا" واقف قدامه.
الشاب اللي كان فاكره مجرد فلاح مكسور الجناح، واقف دلوقتي عينيه بتطق شرار، وسلاحه ثابت، وهيبته بتسبق خطواته.
زكريا مسك دياب من ياقة الجلابية، ورماه على الأرض تحت رجليه بقوة زلزلت كيان راجل الجبل العجوز، وبصوت هز حيطان الدوار قال:
— "أنا اللي جيتلك لحد بيتك يا نجعاوي.. مش عشان أركع.. أنا جيت عشان أطفي نار تعبي، وأحرر روح بنت بريئة أنتوا خليتوا حياتها جحيم.. والنهاردة، كشف الحساب هيتدفع بالدم!"
يتبع..