رواية فتنة زكريا الفصل الثامن 8 بقلم نور محمد
كلمة "دياب النجعاوي" نزلت على القصر زي صفارة إنذار في وقت الحرب. "راشد الكيلاني" اللي كان من ثواني راجل عجوز بيبكي على بنت أخوه، اتحول لأسد مجروح كشر عن أنيابه.
سحب أجزاء مسدسه بصوت رن في الصالون الواسع، ورفع سماعة التليفون الأرضي وضغط على زرار أحمر.
— "حالة طوارئ قصوى! اقفلوا البوابات الحديد، وجهزوا سواتر المضادة للرصاص، وأي كلب يقرب من سور القصر، اضربوه في المليان من غير إنذار!"
صوت سارينات الإنذار بدأت تضرب في القصر كله. "فتنة" حطت إيديها على ودانها وصرخت، الأصوات العالية والأنوار الغريبة رجعتلها حالة الهيستريا.زكريا نزل لمستواها بسرعة وحض وشها بين كفوفه:
— "فتنة.. بصيلي.. بصيلي أنا! متخافيش، مفيش حاجة هتمسك طول ما أنا فيا نفس."
راشد فتح باب خفي ورا مكتبة خشب ضخمة، ظهر وراه سلم ضيق نازل لتحت.
— "يا زكريا، خد فتنة وانزلوا المخبأ ده، ده متحصن ضد الرصاص، خليهم يضربوا نار للصبح، محدش هيعرف يوصلكم."
زكريا سحب فتنة من إيدها عشان ينزلوا، بس أول ما عينيها شافت السلم الضلمة اللي نازل لتحت الأرض، اتصلبت مكانها. جسمها كله بدأ ينتفض كأن تيار كهربا مسك فيها. الضلمة، وتحت الأرض.. ده معناه "القبر" اللي عاشت فيه ١٣ سنة!
بدأت ترفس وتشد إيدها من زكريا وتصرخ بدموع حارقة:
— "لا.. لا.. عتـ.. عتمة.. لا!"
زكريا قلبه اتقطع، الدموع لمعت في عينيه وهو شايفها بتنهار. مكنش قادر يجبرها تنزل الجحيم ده تاني حتى لو عشان يحميها. بص لراشد اللي كان مستعجل:
— "مش هتنزل يا راشد بيه.. لو نزلت هنا هتموت من الرعب قبل ما الرصاص يطولها. أنا هخبيها في مكان آمن فوق، وهقف حرس على الباب."
راشد بصله بقلة حيلة، بس هز راسه موافق:
— "في أوضة في آخر الممر في الدور التاني، بابها مصفح.. خبيها هناك، وخد السلاح ده معاك."
راشد مد إيده بمسدس لـ زكريا. زكريا اللي عمره ما شال سلاح غير الفاس ومقص الشجر، مسك المسدس بإيد بتترعش خفيف، بس ملامحه كانت كلها إصرار.
أخد فتنة وجريوا على السلم الداخلي للقصر. وصلوا للأوضة اللي في آخر الممر. دخلها وقفل الباب المصفح. الأوضة كانت واسعة وفيها نور هادي. قعدها على السرير، وخلع الجاكت بتاعه ولبسهولها عشان تدفى وتحس بريحته.
طلع من جيبه "سبحة" خشب قديمة بتاعته، وحطها في إيديها وقفل صوابعها عليها.
— "السبحة دي غالية عندي أوي يا فتنة.. خليها معاكي. هقف بره الباب، لو حسيتي بخوف، شمي ريحة الجاكت، وامسكي السبحة.. أنا بره، خطوة واحدة بيني وبينك."
بصتله بعيون غرقانة دموع، ومسكت في هدومه رافضة تسيبه. زكريا باس راسها بحنية الدنيا كلها، وفك إيديها بالراحة، وخرج وقفل الباب وراه.
وقف زكريا في الممر، ضهره للباب، وماسك المسدس. ثواني، والدنيا بره قامت مابين نار ورصاص.
صوت ضرب النار بدأ يزلزل المكان. دياب النجعاوي ورجالته مكنوش جايين يهوشوا، كانوا جايين يقتحموا بأي تمن. الرصاص كان بيخترق إزاز الشبابيك اللي مش مصفحة في الأدوار العُليا، وصوت تكسير كان مالي القصر. رجالة راشد كانوا بيردوا بقوة، بس النجعاوية كانوا أكتر ومسلحين
زكريا كان واقف مكانه، بيقرأ آيات الحفظ في سره، وقلبه مع اللي جوه الأوضة. فجأة، لمح خيالين طالعين من السلم الخلفي بتاع الخدم! رجالة دياب قدروا يتسللوا من ورا!
زكريا استخبى ورا عمود رخام. الرجالة كانوا طالعين بأسلحتهم، وبيدوروا في الأوض. أول ما واحد فيهم قرب من الممر، زكريا مكنش عنده وقت يفكر أو ينشن بالمسدس اللي ميعرفش يستخدمه كويس.
خرج من ورا العمود فجأة، وضرب الراجل بكتفه بكل قوته خبطه في الحيطة، المسدس وقع من إيد الراجل.
زكريا اللي متعود على شيل جذوع الشجر الثقيلة، استخدم قوته البدنية، وضربه بوكس في وشه وقعه في الأرض فاقد الوعي.
لكن الراجل التاني ظهر من وراه فجأة!
رفع المسدس بتاعه عشان يضرب زكريا في ضهره. زكريا لف وشه وشاف فوهة السلاح متوجهه لقلبه.. الموت كان على بُعد ثانية.
وفي اللحظة دي.. باب الأوضة اتفتح!
"فتنة" مقدرتش تستحمل صوت الرصاص وهي لوحدها. خرجت تدور على أمانها. أول ما طلعت، شافت الراجل الضخم موجه السلاح لظهر زكريا.
الخوف اللي كان بيخليها تتشل، اتبخر. لأول مرة في حياتها الغضب ينتصر على الرعب.
صرخت صرخة شقت قلب **زكريا** قبل ما تشق سكون الممر:
— "زكـرياااااااااا!"
ومش بس صرخت، دي مسكت فازة نحاس تقيلة جداً كانت محطوطة على ترابيزة جنب الباب، وبكل قوة وحسرة السنين، رمتها على الراجل!
الفازة خبطت في راس الراجل من ورا بقوة خليته يفقد توازنه والرصاصة تخرج من سلاحه وتضرب في السقف.
زكريا مستناش، هجم على الراجل زي النمر، ضربه برجله وقعه على السلم، ونزل فوقه ضرب لحد ما الراجل فقد النطق.
زكريا كان بينهج بجنون، وشه مليان عرق، وإيده مجروحة من الاحتكاك بتنزف. رفع راسه وبص لآخر الممر.
"فتنة" كانت واقفة، بتنهج، عينيها واسعة، والسبحة بتاعته لسه في إيدها. ملامحها مكنتش ملامح الطفلة الخايفة، كانت ملامح واحدة حاربت الموت عشان تنقذ روحها التانية.
زكريا قام وقف بصعوبة، وجري عليها، ركع على ركبه قدامها وأخدها في حضنه بكل قوته. كانت بتترعش، بس المرة دي لفت دراعاتها حوالين رقبته وبدلت معاه الحضن.
— "أنتي أنقذتيني.. أنتي اللي حاميتيني يا فتنة!"
قالها زكريا ودموعه بتنزل على الخمار بتاعها.
في نفس الوقت، صوت سرينات الشرطة بدأ يقرب بشكل مرعب من بره. راشد الكيلاني كان مكلم قيادات الأمن، وقوات العمليات الخاصة وصلت وحاصرت المكان.
دياب النجعاوي لما لقى الحكومة كبست، عرف إن المعركة خسرانة. لم رجالته اللي قدر يلمهم، وركبوا العربيات عشان يهربوا، بس قبل ما عربيته تتحرك، دياب بص للقصر من بره، وصرخ بصوت عالي جداً واصل لكل اللي جوه:
— "ورحمة الميتين ما هسيبها يا راشد! البت دي بتاعتي، واللي معاها ده دمه مهدور.. الجبل لسه مخلصش كلامه!"
انسحب النجعاوية، وسابوا وراهم قصر متدمر، ودم على الأرض
راشد الكيلاني طلع السلم وهو بينهج، لقى زكريا ساند ضهره على الحيطة في الممر، وحاضن فتنة اللي نامت من كتر الإرهاق والاستنزاف النفسي في حضنه.
راشد بصلهم، وبص للرجالة اللي زكريا وقعهم، وعيونه دمعت بفخر. قرب من زكريا، ونزل لمستواه، وحط إيده على كتفه:
— "أنا كنت فاكر إني هحميكوا بفلوسي ورجالتي.. بس أتاري ربنا باعتك إنت عشان تحمينا إحنا. بنتي مش هتبعد عنك يا زكريا.. إنت بقيت كبير عيلة الكيلاني من النهاردة."
زكريا بصلها وهي نايمة في أمان على صدره، ومسح الدم من على وشه، ورد بصوت هادي بس كله يقين:
— "أنا مش كبير عايلات يا باشا.. أنا راجل قلبه اتعلق بروح بريئة، وعهد عليا قدام ربنا، لا دياب ولا غيره هيلمس شعرة منها طول ما قلبي ده بينبض."
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
شمس يوم جديد طلعت على قصر "الكيلاني"، شمس بتكشف حجم الدمار اللي سابه هجوم "النجعاوية"، بس في نفس الوقت بتنور طريق جديد لروحين اتولدوا من تاني.
في أوضة واسعة بتطل على البحر، كان "زكريا" قاعد على طرف السرير، ودكتور العيلة العجوز بيطهرله الجرح العميق اللي في إيده ووشه.
وعلى الأرض، بين رجلين زكريا، كانت "فتنة" قاعدة مربعة، الخمار بتاعها ملفوف حوالين كتفها، وعينيها العسلي بتراقب كل حركة بيعملها الدكتور برعب وتحفز، كأنها قطة مستعدة تهاجم لو الدكتور وجع زكريا.
— "بسم الله ما شاء الله يا بني.. بنيتك قوية، بس الجرح ده كان محتاج خياطة، إنت نزفت كتير."
قالها الدكتور وهو بيلف الشاش. زكريا ابتسم بتعب وبص لفتنة اللي مكلبشة في طرف بنطلونه:
— "الحمد لله يا دكتور.. جت سليمة. المهم هي.. طمني عليها."
الدكتور اتنهد وبص لفتنة بشفقة:
— "راشد بيه حكالي حالتها. علمياً، اللي مرت بيه اسمه 'متلازمة الحرمان البيئي والنفسي'. ١٣ سنة في العتمة والضرب كافية إنها تدمر عقل أي إنسان وتخليه يفقد النطق تماماً وتتحول لحيوان مذعور. بس الأغرب من حالتها، هو 'إنت'.
زكريا عقد حواجبه بعدم فهم: "أنا؟ مالي أنا يا دكتور؟"
الدكتور كمل: "البنت دي لقت فيك طوق النجاة. في العادي، الحالات دي بتاخد سنين من العلاج النفسي عشان بس تبدأ تتواصل بالعين. لكن إنها تنطق اسمك في يومين، وتدافع عنك وتضرب راجل ضخم عشان تحميك.. ده معناه إنها ربطت وجودها بوجودك. إنت بالنسبالها مش بس أمان.. إنت 'الحياة'. زكريا.. لو إنت غبت عنها لأي سبب، البنت دي هترجع لنقطة الصفر، وممكن تموت فيها."
الكلمات دي نزلت على قلب زكريا زي الرصاص. المسؤولية مبقتش مجرد حماية بنت تايهة، دي بقت روح متعلقة في رقبته ليوم الدين.
الدكتور مشي، وزكريا نزل على ركبته قدام فتنة، رفع وشها بإيديه السليمة، وبص في عينيها اللي مليانة براءة ضايعة.
— "سمعتي الدكتور؟ بيقول إني أنا الحياة.. بس هو ميعرفش إنك إنتي اللي رجعتي لقلبي دقاته يا فتنة."
في حديقة القصر
الضهر أذن، وراشد الكيلاني كان قالب الدنيا. الحرس اتضاعفوا، وكاميرات المراقبة اتجددت، والأمن في إسكندرية كلها كان على رجل وحدة بعد الجرأة اللي عملها دياب النجعاوي
زكريا أخد فتنة ونزلوا جنينة القصر. الجنينة كانت واسعة جداً، مليانة أشجار نادرة وزهور متنسقة بطريقة مبهرة، بس رغم جمالها، قلب زكريا كان مقبوض.. افتكر "المشتل" بتاعه، الورد البلدي اللي كان بيزرعه بإيده، وريحة الطين اللي مريحة لروحه أكتر من رخام القصور.
وقف قدام شجيرة ورد أحمر، ومد إيده يلمس ورقة دبلانة فيها، وبتلقائية بدأ ينضف الورق الناشف حواليها.
فتنة كانت ماشية وراه زي ضله. شافت نظرة الحزن في عينيه، قربت منه بالراحة، ومدت إيدها الصغيره قطفت وردة حمرا مقفولة، وميلت راسها وقدمتها لزكريا، وبصوت واطي جداً، بهمس رقيق قالت:
— "زكـ..ـريا.. حـ.. حلو."
الكلمتين دول خلوا زكريا يسيب الشتلة ويقف مكانه متسمر. عينيها كانت بتبصله بصفاء غريب. أخد الوردة من إيدها، ودمعة يتيمة هربت من عينه:
— "حلو عشان من إيدك إنتي يا ست البنات."
مسك إيدها، وبدأ يمشي معاها في الجنينة، بيشاورلها على الشجر والورد ويقولها أساميهم، وهي بتحاول تردد وراه. دي مكنتش جلسة تخاطب، دي كانت جلسة شفاء لروحهم هما الاتنين.
على الجانب التاني، وتحديداً في الصعيد.. الجو كان مختلف تماماً.
في دوار عائلة النجعاوي، كان دياب قاعد على كرسي ضخم، وعينيه بتطق شرار. هجوم إسكندرية فشل، وراشد الكيلاني بقى عارف كل حاجة، والبنت اللي كانت كارت الضغط والذل بقالها ١٣ سنة، طارت من إيده، واللي طيرها مجرد "فلاح" بسيط ملوش ضهر.
— "عجيبة يا زمن.. حتة عيل بيزرع ورد، يكسر عين دياب النجعاوي ويهرب باللحم من بين سناني!"
قالها دياب وهو بيضرب عكازه في الأرض بغل.
واحد من رجالته قرب منه بخوف: "تؤمر بإيه يا كبير؟ القصر في إسكندرية متحصن دلوقتي، والحكومة سادة الطرق."
دياب ابتسم ابتسامة شيطانية:
— "مش هنروحله إسكندرية.. إحنا هنجيبه لحد تحت رجلينا هنا راكع بيبوس الجزم. الواد ده وحيد ملوش أهل، بس سألنا وعرفنا إن روحه وعمره كله في حتة الأرض اللي بيزرعها دي.. المشتل بتاعه. هاتوا جراكن الجاز.. وخلوا ليل البلد النهاردة ينور بنار تاكل تعب عمره.. ولما يوصله الخبر، صدقني.. هييجي يجري يسلم رقبته ورقبة البت بإيده."
المغرب نزل على قصر الكيلاني. راشد كان قاعد في المكتب، وزكريا قصاده بيشربوا قهوة، وفتنة نايمة على الكنبة الجلد الضخمة المتغطية ببطانية، حاطة إيدها تحت خدها ومستكينة..
فجأة، تليفون زكريا المحمول القديم رن.
الرقم كان لجار له في البلد، راجل عجوز فاتح كشك جنب المشتل.
زكريا فتح الخط: "ألو.. أيوة يا عم جابر."
صوت عم جابر كان بيترعش ومخلوق بالعياط:
— "إلحق يا زكريا يا ولدي.. يا خراب بيتك يا بني! المشتل.. المشتل ولع يا زكريا! الرجالة الملثمين نزلوا عليه بالجاز ولعوا في كل شبر فيه، الزرع، الشجر، الأوضة اللي فيها ذكريات أبوك وأمك.. كله بقى كوم رماد، والنار مسكت في كل حاجة مسبتش عود أخضر!"
زكريا قام وقف فجأة، الكوباية وقعت من إيده اتدشدشت على الأرض ووو
يتبع.. نور محمد
التاسع من هنا