📁 آخر الروايات

رواية مرايا لا تعكس الوجوه الفصل السابع 7 بقلم دفنا عمر

رواية مرايا لا تعكس الوجوه الفصل السابع 7 بقلم دفنا عمر


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
تجنبت فكرة الصعود لشقته منذ أن فُضحت أمامه، لم تصعد رغم عودتها من منزل ابنتها عبير، لكنها كما وعدته ألا تعيد الكرّة، وعدت أيضاً بمواصلة رعاية شقته، لذا التقطت المفتاح وقررت الصعود كي تفتح النوافذ ليتجدد الهواء وتطمئن أن جهاز الراديو لا يزال يعمل على إذاعة القرآن الكريم.

بعد وقت قصير كانت تقف أمام باب شقة وليد، دست المفتاح وراحت تديره كي يفتح وتدخل، لتتفاجأ بما لم تتوقعه، المفتاح لم يستجب. أخرجته وراحت تنظر له لعلها أخطأت وجلبت مفتاحًا خاطئًا، لكنه هو المفتاح الذهبي الذي تركه وليد معها، لم يطل الأمر لتدرك ما صار، الكالون تغيّر حين كانت ماكثة عند ابنتها، ألم يسامحها؟ ألم يعفُ عنها؟ لماذا إذًا؟

عادت أدراجها وهبطت درجات السلم إلى شقتها، دخلتها شاعرة بالحنق والضيق، عقلها يرفض التصديق أن هذه فعلة وليد، هي خير من تعرفه، وليد لا يغدر، لا يكسر خاطرها، لا يمكن أن يكون هو.

وبينما تسكب لنفسها كوبًا من الماء لتبلل ريقها الجاف، قفز إلى ذهنها تفسير واحد، تفسير جعل الدم يغلي في عروقها، واستشاطت غضبًا وهي تحدث نفسها:

_ «هي غزل، مفيش غيرها.. ما صدقت بنت الـ... لعبت في دماغه وخليته يقلب عليّا!».

وفي لحظة تحولت أمام نفسها من مذنبة إلى مجني عليها، حين شعرت بالإهانة لم تعد ترى خطأها أو تعدّيها على خصوصية غزل، بل رأت تصرفها مؤامرة، ودون تردد، وبيد ترتعش من الغضب، أمسكت هاتفها وضغطت على اسم وليد.. سوف تستنجد به من زوجته بعشم الأم الثانية، وهي واثقة أنه لن يرضيه هذا، وضعت الهاتف على أذنها، تنتظر الرنين، وكلها يقين أن وليد سينصفها.

_ «وليد، هتاكل كيك مع شاي بلبن زي الولاد؟»

اقترب حيث تقف في المطبخ تقطع صينية الكيك وترصها في الأطباق الصغيرة، ليقول مبتسمًا:

_ ريحتها مغرية أوي، بس خايف آكل منها دلوقت معرفش أنام من الحموضة بالليل.

_ كُل معانا يا بابا عشان خاطري.

نظر لياسمين التي اختطفت قطعة والتهمتها قائلة:

_ الله.. الكيكة حلوة أوي يا ماما غزل.

ابتسمت الأخيرة بحنان:

_ بالهنا والشفا يا روحي، يلا شوفي طارق هيتفرج معانا على الفيلم، ولا هياخد نصيبه وياكل في أوضته؟

أسرعت الصغيرة:

_ لأ هيتفرج معانا، هروح أقوله.

تبسمت عينا وليد وهو يراقب هرولة ابنته بمرحها المحبب لقلبه، ثم التفت لغزل التي تصب الحليب الساخن فوق الشاي، دنا وغافلها بقبلة في كتفها، فارتعشت وقد فاجأها، ضحكت له وقالت:

_ خضتني.

لتتوقف أمام نظرته الأعمق من قبلته، دائمًا ما يكافئها بتلك النظرة كلما فعلت طيبًا مع صغاره، يشبعها امتنانًا وحبًا، العجيب أنها تنتظر مشاعره، وتفرح بها، وتلقى صداها في قلبها، لم تؤثر بها مشاعر رجل كما يفعل بها وليد.

قاطع لحظتهما الصامتة رنين هاتفه، منحها ابتسامة اعتذار لقطع هذا التواصل البصري الدافئ بينهما قبل أن يذهب ليتبين المتصل.

_ إزيك يا خالتي، عاملة إيه يا حبيبتي؟

جاءه صوت الخالة غريبًا، كأنها غاضبة وتحاول ألا تظهر هذا:

_ الحمد لله يا وليد يا بني، إنت اللي عامل إيه؟

أجابها وهو يجلس فوق الأريكة:

_ أنا زي الفل، والولاد كويسين.

_ ومراتك؟ كويسة؟

رد غافلًا عن نبرة صوتها الساخرة:

_ غزل كويسة يا خالتي.

صمتت برهة، ما جعل وليد يتساءل:

_ مالك يا خالتي، حاسس إنك عايزة تقولي حاجة.

ردت بقولها وقد انفلت عقال غضبها قليلًا:

_ أنا بس عايزة أعرف، إنت مش سامحتني واعتذرت ليك وقلتلك مش هعمل حاجة تزعلك مني تاني؟

شعر بالريبة لحديثها وهو يجيبها:

_ في إيه يا خالتي؟

هنا أطلقت العنان الكامل لحنقها:

_ في إني طلعت أهوّي شقتك زي ما وعدتك، لقيت المفتاح مش راضي يفتح يا وليد.

انعقد حاجباه بدهشة، ثم لم يلبث أن ربط الأمور ببعضها. هو لم يغيّر القفل، ولم يطلب من أحد فعل ذلك.. إذًا لم يبقَ سوى احتمال واحد «غزل».

_ لو إنت مش هتقدر تسيطر على مراتك وتلمها وتحكمها، بتوعدني ليه يا وليد؟ ولا الست أمرت وحكمت وإنت...

_ خالتي.

بصوت صارم قاطعها، وقد بدأت أعصابه تنفلت وهو يربط الأمور ببعضها، بما إنه لم يغيّر قفل شقته أو يطلبها من أحد، فمن فعلها هي...

_ غزل مراتك دي عايزة تتربى، اللي تعصى كلمة جوزها وتصغره بالشكل ده تبقى...

_ ده كان اتفاقنا يا خالتي.

أصابتها صدمة حقيقية واتسعت عيناها بذهول وهو يقاطعها بجملته السابقة، اتفق مع زوجته عليها؟ كيف اتحد معها عليها هي من ربته، هي والدته الثانية كما يخبرها دائمًا!

أما وليد، فرغم صدمته الكبيرة بتصرف غزل من وراء ظهره وتهميشه في أمر كهذا، لكن استفزه حديث خالته، لم يتحمل فظاظتها وقولها الجارح عنه وعن غزل، اتهمته أنه محكوم من زوجته، كما استنكرت رد فعلها ونسيت أنها هي من أخجلته بانتهاك خصوصية شقته هي وابنتها.

_ إنت يا وليد تتفق مع مراتك عليّا؟ سبتها تعصيك وتكرهك في خالتك اللي ربتك وياما نيمتك في حضنها وياما...

_ مين قال إني بكرهك يا خالتي ولا ناسي؟

من جديد قاطعها بنبرة ثابتة، وأكمل بعد زفرة قوية:

_ اسمعيني يا خالتي عشان القصة دي هتنتهي هنا ومش عايز كلام فيها تاني.. لو أنا هغفر وأتغاضى عن تصرف غير لائق صدر منك ده عشان إنتِ فعلًا في مقام أمي، لكن مراتي من حقها تسامح أو لأ.. وبما إن اللي اتاخد كان هدومها، مكنتش أقدر أعترض إنها تغير كالون شقتها عشان تطمن.

قاطعته مستنكرة بغيظ:

_ شقتها يا وليد؟ بنت امبارح دي هتيجي تتحكم فينا وإنت...

_ أيوة شقتها يا خالتي، زي أي زوجة، أنا مش جايبها من الشارع.

وأكمل وصوته غارقًا بصرامته:

_ انسي مسؤولية الشقة دي خالص يا خالتي وارتاحي من عبئها، اهتمي بصحتك وبصحة بنتك اللي لسه والدة.

وأنهى حديثه معها:

_ ومن فضلك مش عايز أي كلام تاني في الموضوع ده.

بدا صوتها واهنًا كأنها توشك على البكاء:

_ يعني بتقطع علاقتك بيا يا ابني؟

_ مين قال كده؟ مكانتك عندي زي ما هي وعمر الود ما هيتقطع.

وصمت بضع لحظات قبل أن يستأنف:

_ خالتي أنا مش بطلب منك تحبي غزل، بس على الأقل احترميها، وبلاش تستفزيها لو كنتِ عايزاني أعيش حياة هادية في غربتي.. من فضلك يا خالتي.

أحنت رأسها بقلة حيلة، لم تتصور أن تنتهي المكالمة بطلب كهذا، ظنت أنها سوف تقلب الطاولة فوق رأس غزل، لتعترف لنفسها أنها من جديد أخطأت تقدير تلك المرأة.

_ خلاص يا ابني، من الساعة دي ماليش دعوة بحاجة، ربنا يصلح حالك ويهون غربتك.

لان صوته قليلًا وغمغم:

_ هو ده اللي محتاجه منك يا خالتي، دعواتك وبس.

وأكمل كي يطمئنها:

_ إن شاء الله كل أسبوع هكلمك أطمن عليكي، لأني بغيب طول اليوم برة البيت وبرجع تعبان.

تنهدت بحزن:

_ الله يعينك يا ابني.. في رعاية الله.

أغلقت معه ومكثت ساكتة بعين شاخصة تفكر، كيف تمكنت منه تلك العقربة؟ أمعقول صار يحبها كما أحب أم أولاده الراحلة؟ قاطع شرودها رنين هاتفها، لتلمح رقم عبير ابنتها، زفرت لترد عليها وتقص لها خيبتها الكبرى وكل ما صار.
____________

كانت ياسمين أول من استسلم للنوم، وبعدها بدقائق أغلق طارق باب غرفته، ولم يبق في الشقة سوى هدوء الليل وسكونه.. خرجت غزل من المطبخ بعدما انتهت من غسل آخر كوب، مسحت يديها في المنشفة، وأطفأت ضوء المطبخ ثم التفتت تبحث بعينيها عن وليد.

كان يجلس في الشرفة، مطفئًا الأنوار، لا يضيء وجهه سوى ضوء المدينة البعيد.

ابتسمت وهي تقترب:

_ قاعد في الضلمة ليه يا وليد؟

لم يجب.. ظل ساكنًا دون التفات، رفعت حاجبها بعجب، ثم جلست على الكرسي المقابل وقالت:
_ وليد انت سامعني؟

ظل صامتًا للحظات، ثم قال دون أن ينظر إليها:

_ مفيش حاجة عايزة تبلغيني بيها يا غزل؟

صوته البارد أشعرها ببعض الرهبة، لكنها ابتلعت ريقها وردّت:

_ حاجة إيه يا وليد؟ مش فاهمة؟

التفت بوجهه نحوها ورمقها بنظرة غامضة وقال:
_ أي حاجة أكون معرفهاش.

بدأت دقات قلبها تزداد خوفًا.. فرغم هدوء صوته، أحست أن نظراته تصرخ عليها وتعاتبها.. ومض بعقلها ما فعلته من خلف ظهره، تُرى هل علم به؟ شعرت أنها تنزلق نحو هوّة هي من حفرتها لنفسها، غضبها جعلها تتسرع وتطلب من شقيقها تغيير قفل الباب لتحمي ما لها، كان يجب أن تخبره، فكرت مرات أن تفعلها لكنها تخاف لو أخبرته يغضب عليها، فلتؤجل غضبه الآن، ربما لم يعرف بعد.

_ م.. مفيش حاجة يا وليد.

بصوت متلعثم قالتها، لتظل نظراته الثاقبة تخترقها بقوة ضاعفت رعبها قبل أن يقول:

_ وبالنسبة لكالون الشقة اللي غيرتيه؟

سرى الثلج في عروقها حتى تجمدت.. كأن السؤال لم يكن سؤالًا، بل كشفًا مؤكدًا لكذبتها عليه، حاولت أن تبدو طبيعية.

_ كالون إيه.. أنا مش فاهمة قصدك.

ابتسم ساخرًا:

_ بجد مش فاهمة؟ الكالون اللي غيرتيه.

ازداد جفاف حلقها وكادت تسعل، ليواصل بهدوء:

_ إيه؟! متوقعتيش إني أعرف؟

أدركت هنا أنها وقعت في الفخ الذي نصبته لنفسها، خفضت بصرها خشية مواجهته وقالت بخفوت:

_ وليد.. أنا كنت غضبانة لأني حسيت إنك ظلمتني.

_ ظلمتك؟!

استنكر، فرفعت وجهها نحوه تقر له:

_ أيوة ظلمتني يا وليد، رد فعلك مع خالتك مبردش ناري، خالتك مش بس انتهكت خصوصيتي وطمعت في عباية ولا فستان.. لأ.

ثم نظرت له وعيناها بدأتا تسكبان الدموع:
_ خالتك بتكرهني من يوم جوازنا، ولو عليها تاخد مني كل حاجة حتى إنت نفسك.

صاحت بجملتها الأخيرة وهي تنهار، مواصلة فيضها:

_ دايمًا نظراتها ليا هي وعبير كانت بتقولي إني مستحقش أكون مراتك وأم لولادك، مفيش فرصة إلا ويجرحوني بكلامهم ويقللوا مني.. ورغم كل ده كنت بسكت وأتحمل عشانك ومش بحاول أحتك بيهم.. وخلاص بعدت وسافرت معاك آخر الدنيا.. وبردو مسلمتش من أذاهم.

_ يعني قصدك إني مش عارف أحميكي؟

سارعت توضح له:
_ لأ يا وليد أنا مش قصدي كده.. بس انت طيب وخالتك بتستغل ده.

_ وأنا عبيط في نظرك مش فاهم، صح؟
_ يا وليد أنا...

قاطعها بصرامة:
_ خلاص يا غزل، كل اللي جواكي وصل.

ثم رمقها بنظرة أكثر قسوة:
_ واضح إني مش مالي عينك.

شهقت من افتراضه القاسي، كيف يتصور هذا؟! شعرت أنها أفسدت كل شيء بفعلتها، فأمسكت كفه تترجاه أن يتفهمها:

_ أبوس إيدك يا وليد، متظلمنيش باتهامك الفظيع ده، أقسم بالله إنك مش بس مالي عيني.. إنتَ مالي قلبي وحياتي، ومن غيرك دنيتي مالهاش طعم.

رغم صدق كلماتها قال بغضب متوارٍ خلف هدوء نبراته:

_ انتى كنتي مستنية مني أقاطع خالتي عشان ترتاحي.. صح كده؟

حاولت أن تقول شيئًا، لكنه واصل بذات الهدوء:

_ لو هتصرف بمنطقك ده، كان تصرفي معاكي بعد تغييرك للكالون اختلف كليًا عن دلوقت.. كان ممكن أستجيب لتحريض خالتي وأقلب عليكي في ساعتها وأحاسبك وأنا في قمة غضبي.

واستطرد بعد أن التقط أنفاسه:

_ بس رغم معرفتي سكت يوم واتنين وتلاتة، أولًا عشان غضبي يهدأ، وثانيًا عشان أديكي فرصة تيجي من نفسك تقولي اللي عملتيه من ورايا.

وأكمل ونظرته الغاضبة عكست صوته الخافت العاتب:
_ لكن إنتي فضلتي ساكتة.

ثم سألها بما جعلها تدرك أكثر حجم خطئها:

_ ومين غير الكالون؟ سالم مش كده؟ منين جاب الحق والجرأة إنه...

هنا قاطعته برعب:

_ أقسم بالله سالم ما له ذنب، هو سألني لو كنت على علم، قولتله إنك فوضتني أغيره وإنك تعرف.. سالم مالوش علاقة ولا غلط.. أرجوك متزعلش منه.

ثم بكت وهي تحني رأسها هامسة:
_ أنا اللي غلطت يا وليد.

_ والغلط له عقاب يا غزل.

رفعت وجهها الغارق بالدموع تنظر له باستعطاف، ليكمل قوله الصارم:

_ لحد ما أصفى من ناحيتك.. مفيش بينا كلام، ولا ليكي عليا حقوق، حتى لقمة مش هاكلها من إيدك.

ظل ينظر إليها للحظات بعينين أثقلهما الخذلان منها، ثم استدار دون أن يزيد كلمة، واتجه إلى غرفة نومهما، تاركًا إياها واقفة في مكانها، تشعر أن المسافة بينهما أصبحت أبعد من زي قبل.

مسحت دموعها على عجل، ثم لحقت به بقلب يرتجف، دفعت باب الغرفة برفق لتجده قد تمدد فوق الفراش، وأدار لها ظهره على غير عادته، فلم يلتفت إليها، ولم يفرد لها ذراعه الذي اعتادت أن تنام داخله كل ليلة.

توقفت مكانها للحظات، تحدق في ظهره بصمت، وكأنها ترى لأول مرة حاجزًا لا تعرف كيف تتجاوزه..صعدت إلى الفراش واستلقت على طرفه الآخر، تاركة بينهما فراغًا لم يكن موجودًا يومًا، ثم أعطته ظهرها هي الأخرى، بينما راحت دموعها تنساب في صمت فوق خدها، تحبس شهقاتها بقهر.

لم يلتفت لها، ظل ثابتًا في مكانه، وعيناه مفتوحتان في الظلام، يصل إليه بكاؤها المكتوم، فيقبض كفه بصمت، ويغمض عينيه بقوة، بينما بقي كلٌ منهما مستيقظًا..هو غاضب منها..وهي غاضبة من نفسها.
____________

كانت ضحى متجهة إلى غرفتها حين لفت انتباهها صوت موسيقى يتسلل من غرفة كارما، توقفت تلقائيًا، الباب لم يكن مغلقًا بالكامل، ومن الفتحة الصغيرة رأت ابنتها أمام الهاتف المثبت على حامل قصير، تتحرك بخفة على إيقاع مقطع ما، مكثت للحظات تراقبها.

كانت كارما تعيد الحركة مرة، ثم تتوقف لتراجع التسجيل، ثم تعيده من جديد وهي تتمتم بضيق كلما لم يعجبها الأداء، ابتسامة صغيرة مرت على شفتي ضحى وهي تتأملها، متى كبرت هذه الصغيرة؟

دفعت الباب أخيرًا وقالت:
_ مساء الخير يا نجمة.

التفتت لها كارما هاتفة:
_ ماما؟ تعالي شوفي كده الفيديو اللي صورته.

شاهدته ضحى بصمت، لم يكن فيه شيء سيئ، مجرد مقطع قصير وترند عادي.

_ هتنزليه؟
هزت كارما رأسها بحماس:
_ أيوة طبعًا، ده أنا آخر واحدة عملته في أصحابي.
قالت ضحى بنبرة جادة:
_ قبل ما ينزل بابا يشوفه الأول.
ظهر الضيق على وجه كارما:

_ يا ماما ما حضرتك شوفتيه، لازم بابا كمان؟
_ أيوة، مش ده شرط بابا عليكي لما طلبتي تنشري على التيك توك؟
_ يا ماما أنا مش صغيرة ولا بعمل حاجة غلط، كل أصحابي بينزلوا اللي هم عايزينه براحتهم من غير ما حد يشوف حاجة.

_ كارما وبعدين؟ عمومًا ماليش دعوة، هو أبوكي لو شافك نزلتي حاجة بدون علمه هيتصرف معاكي، متجيش بقى ساعتها تعيطي.

في تلك اللحظة سُمع صوت خطوات في الممر، ثم ظهر ريان عند الباب، توقفت عيناه بينهما وقال:
_ هو في اجتماع سري بينكم ولا إيه؟

ابتسمت ضحى وردت:
_ لأ.. بس بنتك صورت فيديو جديد وكانت هتنزله قبل ما انت تشوفه.

نظر ريان إلى كارما وقال:
_ ابعتيه أشوفه، لو تمام نزليه وقت ما تحبي.

ثم حذرها برفق:
_ الاتفاق اتفاق يا كرموشي، مش ده اسم حسابك على التيك توك؟
_ أيوة يا سي بابا، ولا الاسم مش عاجبك؟
_ أنا اتكلمت ولا اعترضت يا كرموشي؟

ضحكت ضحى لحديث ريان الساخر، بينما نظرت كارما إليهما باستسلام وهي تتمتم:
_ واضح إن مفيش فايدة من فرض الرقابة دي عليا.

ثم أرسلت له الفيديو لينظر فيه، ليخبرها بعد وقت قصير ببعض الجدية:
_ الفيديو ده مش هيتنشر يا كارما.

نظرت إليه بإحباط غمغمت:
_ ليه يا بابا، ده طلع حلو جدًا حتى اسأل ماما.

رد عليها ولا تزال ملامحه جادة:
_ بس بلوزتك ضيقة جدًا من فوق يا كارما، ألبسي حاجة أوسع واعملي الفيديو تاني، وبرضه أشوفه الأول.

زفرت بضجر واعترضت:
_ حرام عليك يا بابا أنا سجلته كذا مرة لحد ما ظبطت معايا، وبلوزتي مش ضيقة بالعكس مظبوطة عليَّ خالص.

قال وصوته اكتسب بعض الصرامة:
_ أنا قلت تعيديه، مش عايز كلام زيادة.

قالت بغضب مكبوت:
_ خلاص يا بابا مش عايزة أنشر حاجة، أنا هنام.
ثم توجهت لفراشها واندست أسفل غطائها.
رمقته ضحى بعتاب، لكنه قال لابنته بعناد:

_ براحتك يا كارما.

_ ليه قسيت عليها وزعلتها يا ريان؟ البنت نامت زعلانة منك.
رد ببعض الحدة:
_ لما أحافظ على بنتي أبقى أب وحش يا ضحى؟
_ مقولتش كده، بس كلمتها بحدة.
_ محصلش، هي بنتك اللي حساسة زيادة.
ربتت على كفه تهدئه:
_ طيب ممكن أعرف معترض على إيه؟ أنا شوفت الفيديو وكان كويس.

زفر بضيق ثم قال:
_ بلوزتها مفسرة جسمها من فوق.
_ يا ريان دي طفلة.. كارما لسه صغيرة.
اعترض على قولها:
_ ضحى بنتك بتكبر وجسمها ابتدى يتحدد، الناس بقى ضميرها وحش ونظراتها خبيثة، وأنا لازم أحميها ولو غصب عنها، لو مش عاجبها بلاها تيك توك من أساسه، أنا أصلًا مش بحبه بس مرضتش أزعلها لما طلبت تعمل حساب عليه.

لم تجد ما تقوله فصمتت ليكمل وقد هدأ قليلًا:
_ كارما واخدة طيبتك وبراءتك يا ضحى، من حقي أخاف عليكم وأحميكم.

واستطرد:
_ عارفة راكان؟ عارف إنه هيطلع ولد مخربش ويسلك مع الدنيا، ناصح وذكي، لكن كارما هبلة زيك.

ضربته بخفة:
_ احترم نفسك يا ريان.
ابتسم رغمًا عنه:
_ مش قصدي أنا بس بوصفكم.

رفعت حاجبيها باعتراض ثم أشاحت وجهها لتنام على جانبها الآخر بعيدًا عنه.

ضحك وهو يجبرها لتلتفت إليه حتى صارت داخل صدره وقال بحنان:
_ خلاص متزعليش، مش هقول هبلة تاني، ينفع أقول عبيطة؟

لم تجبه وهي تحاول الابتعاد لتزداد ضحكاته كلما قاومته، بعد قليل هدأ وهو يحتضن ظهرها مطلقًا تنهيدة عميقة قال بعدها:

_ حقك عليا.

قالت وهي تعطيه ظهرها:
_ أنا مش هبلة ولا عبيطة يا ريان، ولو قصدك مشكلتنا القديمة فأنا...

وضع إصبعه على شفتيها قبل أن تكمل، ليندهش من رقرقة دموعها، يبدو أنه ضايقها دون أن يقصد.. جعلها تستدير له ثم نظر لها معتذرًا:

_ والله ما قصدي اللي جه في بالك خالص يا ضحى، وبعدين إحنا قفلنا الصفحة دي من زمان.
_ ما انت حسستني إني مش عارفة أحمي بنتي ولا أهتم بيها.

ثم قالت وعيناها تعاتبانه أكثر:
_ منا هبلة وعبيطة.

ضحك بخفوت ثم مال والتقط شفتيها بقبلة خاطفة معبرًا عن اعتذاره ثم قال:
_ أحلى وأجمل عبيطة في الدنيا.

هنا أطلقت العنان لكفيها تضرب صدره ليقهقه كأنه تدغدغه.

ساد بينهما الصمت، لم تعد غاضبة منه، هي تفهم مدى خوفه عليهم وحبه لهم.
_ هتسيبها تنام زعلانة منك؟

قالتها ضحى دون أن تخرج من صدره، ليجيبها بعناد:
_ أيوة، عشان تبطل تتقمص بدون سبب.

رفعت وجهها نحوه تنظر له بشك قائلة:
_ يعني عادي هتسيبها تنام زعلانة يا ريان؟

ابتعد عنها وقال بحنق:
_ أيوة يا ضحى، هيحصل إيه لو نامت زعلانة يعني؟

هزت كتفيها وتظاهرت بالنوم وهي تتثاءب:
_ براحتك، خليني أنام بقى عشان الولاد بتوع الحضانة بيجوا بدري.

مضت عدة دقائق وهو يتقلب فوق فراشه بتململ وصوت زفيره يصل لأذنيها، قبل أن تشعر به ينهض مغادرًا الغرفة، اعتدلت ضحى بعد خروجه وابتسمت هامسة بتهكم:

_ عيب ده أنا عارفاك.. مش هيغمض ليك عين وهي زعلانة.
ثم همست وهي تعود للنوم:
_ ما هي ضرتي الصغيرة.
___________

ظل ريان واقفًا أمام باب غرفة كارما للحظات، يحدق في المقبض وكأنه يفاوض عناده للمرة الأخيرة، ثم زفر باستسلام وفتح الباب بهدوء.

كانت الغرفة غارقة في ضوء المصباح الخافت، أما كارما فكانت مستلقية أسفل الغطاء، توليه ظهرها، ولم تتحرك رغم أنها سمعت دخوله. اقترب منها، ثم جلس على طرف السرير وناداها بلطف:

_ كرموشي.

لم ترد، ابتسم في نفسه، ومد يده يربت على كتفها برفق.
_ انتي صاحية، مش كده؟

ردت من تحت الغطاء بصوت مكتوم:
_ لأ، أنا نايمة.

ابتسم لردها، ثم قال ليراضيها:

_ أنا جاي أقولك قومي البسي طقم واسع كده، وتعالي نعمل الفيديو سوا.

خرج رأسها ببطء من أسفل الغطاء، ونظرت إليه بعينين متسعتين، وكأنها لم تستوعب ما سمعت.

_ بجد يا بابا؟
هز رأسه مبتسمًا:
_ أيوة، بجد.

اعتدلت جالسة سريعًا، حتى كاد الغطاء يسقط عنها، وقالت:
_ يعني هتعمل معايا الترند؟
_ طبعًا، هو أنا هخاف؟ ترند ترند.

اتسعت ابتسامتها شيئًا فشيئًا، قبل أن تقفز من فوق الفراش فجأة، وتلقي نفسها في حضنه.

_ يا حبيبي يا بابا.. بحبك قد العالم كله!

ضحك وهو يضمها إليه:
_ وأنا بموت فيكي.. يلا بسرعة قبل ما أنام.

ابتعدت عنه وهي تكاد تطير من الفرحة، واندفعت نحو خزانتها تقلب الملابس بعجلة.

_ هلبس الطقم الأوفر سايز الجديد!

راقبها مبتسمًا، ولم تستغرق سوى دقائق، ثم خرجت ترتدي قميصًا واسعًا بلون فاتح مع بنطال جينز، تدور حول نفسها في حماس.

_ ها؟ كده ينفع يا سي بابا؟

تأملها ريان، ثم أومأ برضا.

_ ينفع يا روحي، وآخر كياتة كمان.

صفقت بكفيها بحماس، ثم ثبتت الهاتف على الحامل، ثم التفتت وقالت:
_ حافظ الأغنية؟
_ حافظها أكتر منك، قوليلي بس الحركات وأنا هقلدك.

بدأ المقطع الموسيقي، وما إن انطلقت النغمات حتى اندمج ريان معها بصورة أدهشت كارما، كان يؤدي الحركات البسيطة بطرافة متعمدة، يبالغ في تعبيرات وجهه حتى انفجرت ضاحكة أثناء التصوير.

وانتهى تسجيل الفيديو، فظهرت ضحى، التي كانت تراقبهما من بعيد، بابتسامة تمازحهما:

_ عايشة مع نجوم يا أخواتي!

قهقه ريان، وقال بغرور لطيف:
_ جوزك نجم بالفطرة، بس محتاج فرصة.

لتعانق كارما أباها قائلة:
_ على فكرة يا ماما، بابا بيسرق مني الأضواء.

ثم ابتعدت، وأعادت تشغيل الفيديو ليراه ثلاثتهم.

_ موافقين يا لجنة التحكيم؟

بنبرة سائلة، سألت كارما والديها، فابتسم وهو يربت على رأسها:

_ انشريه يا حبيبتي.

لم تنتظر ثانية واحدة، ضغطت زر النشر، ثم ظلت تراقب الشاشة حتى ظهر إشعار نجاح رفع الفيديو، واستدارت إليه بعينين تلمعان بالسعادة.

_ اتنشر!

وعادت لترتمي في حضنه مرة أخرى.
_ أحسن بابا في الدنيا.
ضمها وهو يقبل أعلى رأسها، وقال:
_ وأحسن كرموشي في حياتي.. المهم متنسيش اتفاقنا.
_ حاضر.. أي فيديو تشوفه الأول.
_ شطورة.

ابتسمت وهي تتأمل التعليقات الأولى التي بدأت تظهر على الشاشة، ثم أغلقت الهاتف أخيرًا، وارتمت فوق سريرها بقلب ممتلئ بالرضا، وقد تبخر كل الزعل الذي نامت به قبل دقائق، بينما غادر ريان وضحى الغرفة وهما يبتسمان، صغيرتهما لن تنام الليلة إلا وهي سعيدة.
___________

انتهى الفحص بعد دقائق، ثم جلست فيروز إلى جوار غنى تنتظر عودة الطبيبة، بينما راحت تعبث بطرف حقيبتها في توتر واضح، لم يطل الانتظار، دخلت الطبيبة مبتسمة ابتسامة مطمئنة وهي تجلس خلف مكتبها.

_ اطمني يا مدام فيروز.. نتيجة الكشف كويسة، والسونار ممتاز، ومفيش أي حاجة تقلق.

تنفست فيروز الصعداء، بينما بادرتها غنى بابتسامة ارتياح.
_ الحمد لله.

أغلقت الطبيبة الملف الطبي الذي يخصها، ثم سألت بهدوء:
_ بقالك قد إيه سايبة وسيلة منع الحمل؟
_ تلات شهور.

رفعت الطبيبة حاجبيها في دهشة:
_ بس كده؟ شكلك مستعجلة. ثم ابتسمت وقالت:
_ كل ده طبيعي، انتي ممكن تحملي في أي وقت، لأن معندكيش موانع، وعموماً أنا هكتبلك أدوية تساعدك وتحفز المبيض، لكن المطلوب تهدي خالص ومتضغطيش تفكيرك كله في الأمر ده.

أومأت فيروز برأسها، وغنى تتابع الحديث بصمت، لتكمل الطبيبة وهي تسحب ورقة الروشتة، ثم أمسكت قلمها تدون اسم الدواء. قالت وهي تكتب:
_ هتاخديه في الأيام اللي هكتبهالك بالظبط، وبالجرعة المحددة.. وبعدها سيبي الباقي على ربنا.

ناولتها الروشتة وهي تبتسم.
_ وإن شاء الله خير.. أتوقع بإذن الله تسمعيني خبرًا حلوًا قريبًا.

تلألأت عينا فيروز بفرحة لم تستطع إخفاءها، فأخذت الروشتة بكلتا يديها، أما غنى فابتسمت وهي تنهض بجوارها، وخرجتا من العيادة، بينما كانت فيروز تسير، وقلبها معلق بدعوة واحدة ترجو تحقيقها.

ما إن غادرتا العيادة، حتى لفحتهما نسمات هواء باردة خففت قليلًا من حرارة الظهيرة، وأمامهما كانت تنتظرهما السيارة بالسائق المخصص لها، التفتت فيروز إلى غنى بابتسامة مشرقة لم تفارق وجهها منذ سمعت كلمات الطبيبة.

_ إيه رأيك نقعد نشرب قهوة في أي كافيه وبعدها أوصلك لحد بيتك؟ نفسي أقعد معاكي شوية نتكلم.

نظرت إليها غنى للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة. _ ماشي.. يلا بينا.

بعد دقائق، كانتا تجلسان في ركن هادئ بإحدى الكافيهات العامة، يثرثران بأحاديث لطيفة حتى انقضى الوقت، وأوصلت فيروز غنى إلى منزلها كما وعدت، وعادت هي إلى فيلا زوجها مفعمة بالأمل، شاعرة أنها قريبًا سوف تبشر زوجها بحمل جديد يزيد ترابطهما وحبه لها.
__________

في الصباح الباكر على الكورنيش بدت الشمس الصيفية تتلألأ فوق صفحة النيل الزرقاء، حيث جلس عمرو وتميم بملابسهما القطنية الخفيفة، يرتدي كلاهما نظارته الشمسية، ويراقبان مياه النهر التي تبدو في الصيف أكثر عمقًا واتساعًا، وقد انقشعت غشاوة الفجر سريعًا لتظهر الضفة الأخرى بوضوح حاد، بينما كانت المراكب الشراعية الراسية تهتز ببطء كأنها تستقبل معهما الصباح.

_ يلا يا ابني نفطر، وبلاش توتر بقى، إن شاء الله هتيجيلك رسالة القبول زيي وهتطمن.

تنهد عمرو بقلق وقال:
_ معرفش يا تميم ليه خايف؟ ثم التفت له:
_ اشمعنى انت جت ليك الرسالة امبارح وأنا لأ؟ إحنا قدمنا في نفس اليوم. برر له ببساطة:
_ يا ابني ده روتين وعدد المتقدمين كبير جدًا، ومنظومة ضخمة ليها ترتيباتها، وأنا متأكد إن رسالة القبول هتوصل فجأة وإحنا قاعدين. ثم أشار للشطائر:
_ بس يلا بقى نفطر، مبحبش الطعمية باردة
ابتسم عمرو والتقط شطيرة وراح يلتهمها بهدوء، بينما بدت شهية تميم أكثر قوة وهو ينتقل لشطيرته الثانية.
_ مالك مفجوع كده ليه يا لا؟
_ يا عم انت هتبصلي في الأكل عشان عازمني عليه؟ ثم أزاح شطائره بعيدًا، ليضحك عمرو وهو يلاطفه:
_ يا باشا بهزر معاك، ارجع افطر بالهنا والشفا.

مضت دقائق وهما يتناقشان في مستقبلهما القادم، ليقطع حديثهما صوت الرنين المألوف لإشعار الرسائل النصية، بلهفة التقط عمرو هاتفه، لتسري برودة مفاجئة في جسده وهو يحدق في شاشة هاتفه ويقرأ نص الرسالة.

"نأسف لعدم اجتيازكم إجراءات القبول."

ظل عمرو يحدق في شاشة هاتفه لثوانٍ، يقرأها مرة بعد أخرى، كأن الكلمات ستتبدل إذا أطال النظر إليها، أو سيظهر سطر جديد يخبره أن الأمر مجرد خطأ تقني، كأنه تعشم أن تحدث معجزة وتُحذف تلك الجملة المحبطة لآماله، لكن الرسالة بقيت كما هي، كأنها صخرة اقتُلعت من جبل وأُلقيت فوق أحلامه دفعة واحدة فجعلتها حطامًا، أمعقول؟! تم رفضه؟ لن يحلم بعد اليوم أن يرتدي الزي الرسمي ويكون سيف المستضعفين؟

في الجوار كان تميم يراقب ملامحه في صمت، لم يحتج إلى السؤال، فقد عرف الإجابة من انطفاء عيني صديقه، مال ليقرأ الرسالة ليتأكد من ظنه، عاد ينظر في هاتفه هو، فما زالت رسالة القبول مفتوحة أمامه، لكنه لم يشعر بأي رغبة في الفرحة التي اجتاحته أمس، كان يأمل أن يحتفل مع عمرو باجتيازهما معًا، لم يتوقع أبدًا أن تفترق طرقهما عند تلك النقطة.

مد يده وربت على كتف عمرو برفق:
_ متزعلش يا عمرو، يمكن عشان سبب للرفض.
_ إيه هو السبب؟ تساءل عمرو بصوت مكسور ملتفتًا لصديقه:
_ إيه السبب اللي رفضوني وضيعوا حلمي عشانه يا تميم؟ رد الأخير برفق:
_ سهل نعرف السبب، أنا هساعدك في ده.
_ إزاي؟
_ ما انت عارف إن خالي لواء في قطاع شؤون الضباط.. وله معارف في ملفات القبول والتحريات، يمكن مش هيقدر يغيّر القرار، لكن ممكن يعرف سبب الرفض.

اتسعت عينا عمرو ببارقة أمل امتزجت بالخوف مما لا يعرفه:
_ يعني ممكن يساعدني؟ أخرج تميم هاتفه من جيبه وهو يقول بثقة:
_ أكيد هيقدر، وهجرب أكلمه دلوقت لأنه بيصحى بدري. سريعًا ما انتهت المكالمة ليقول تميم:
_ قالي هيعمل اتصالاته وهيرد عليا النهارده.

ثم ربت على ظهره بحنان:
_ المهم روق ومتزعلش نفسك، لعله خير يا صاحبي.

أطرق عمرو برأسه دون تعليق، وساد الصمت بينهما، ذلك الصمت الذي لا يحتاج إلى كلمات، منذ الطفولة وهما يسيران جنبًا إلى جنب، المدرسة نفسها، الدروس نفسها، أحلامهما حتى كانت نسخة واحدة، كانا يظنان أن بوابة الكلية التي اختاروها لأنفسهم سوف تستقبلهما معًا، فإذا بها تُغلق في وجه أحدهما، وتقذف الآخر إلى مستقبل مختلف.

كان مكتب اللواء يغرق في هدوء لا يقطعه سوى صوت عقارب الساعة المعلقة على الجدار، جلس عمرو في طرف المقعد، وأصابعه متشابكة بقوة حتى شحب لونها، بينما وقف تميم إلى جواره، يتنقل ببصره بين خاله وصديقه، مترقبًا ما سيقال، رفع اللواء الملف من أمامه، ثم أغلقه ببطء كمن يؤجل نطق حديث يعلم أنه سيغير حياة إنسان بالكامل.

قال بصوت هادئ:
_ راجعت ملفك بنفسي يا عمرو ومفيش حاجة تتاخد عليك، تعليم، لياقة، كشف هيئة.. كله تمام. تنفس عمرو الصعداء للحظة، قبل أن يسأل سريعًا:
_ أمال اترفضت ليه يا فندم؟ تبادل اللواء نظرة خاطفة مع تميم، ثم عاد بعينيه إلى عمرو:
_ أنت تعرف حاجة عن والدك؟ انعقد حاجبا عمرو في قلق، من جديد يوجه له أحدهم نفس السؤال، ليرد بتشتت:
_ معرفش عنه غير إنه مات وأنا صغير بعد ما طلق أمي بوقت بسيط. ساد صمت قصير. صمت جعل تميم يشعر بانقباض في صدره، بينما أطرق اللواء رأسه لحظة، ثم قال:
_ ومتعرفش مات إزاي وفين يا عمرو؟
_ لا يا فندم، هو كان دايمًا فيه مشاكل بينه وبين أمي وكان قاسي علينا جدًا، وبعد طلاقهم مشفتوش تاني لحد ما عرفت بخبر موته، لكن أمي مجابتش سيرة مات إزاي.

من جديد أطرق اللواء رأسه بصمت قصير، قبل أن يحسم أمره ويخبره بما لم يعلمه. قال بهدوء:

_ للأسف اللي هقوله دلوقتي واضح إنك متعرفوش، وده سبب رفضك من الشرطة.

ابتلع عمرو ريقه بخوف وقال:
_ اللي هو إيه يا فندم؟

رمقه اللواء بهدوء محسوب، ثم قال:
_ والدك كان مسجون يا عمرو، اتحكم عليه في قضية قتل.

تجمدت ملامح عمرو من الصدمة بعد آخر جملة خرجت من الرجل، كان صمته أشبه بانهيار لروحه، والده كان سجينًا في قضية قتل؟! قتل من؟! وكيف؟

كانت عينا تميم تتنقلان بين خاله وصديقه بصدمة وشفقة وحزن، قبل أن يخرج صوت عمرو مبحوحًا:
_ والدي قتل مين يا فندم؟

ساد صمت قصير، كأن اللواء يختار كلماته قبل أن يفتح بابًا لا رجعة فيه لحقيقة قاسية سوف تدمر أحلام هذا الشاب أمامه.

ثم قال:
_ قتل والده.

اتسعت عيناه حد الذهول، كأنه يسمع جملة لا تنتمي لأي منطق يعرفه.
_ جدي؟ بابا قتل جدي؟

همس بها بصعوبة، فأومأ اللواء بهدوء.
_ أيوه.. جدك.

تراجع عمرو في مقعده كأن الأرض مالت به.

_ لا.. لا ده مستحيل.. أكيد في حاجة غلط!

رفع اللواء يده قليلًا، كأنه يطلب منه الثبات:

_ أنا فاهم إن الكلام صعب عليك، لكن دي الحقيقة، وبعد سجنه بأيام بسيطة لقوا والدك ميتًا في سريره.

بدا عمرو على حافة الانهيار وهو يستمع للواء الذي أكمل:
_ وده السبب اللي دخل ملف التحريات بتاعك، واللي خلّى اللجنة تتحفظ على قبولك.

لم تصل الجملة إلى أذن عمرو، فهو لم يعد يسمع صوت اللواء، ولا حتى أنفاس تميم القريبة منه، كل شيء صار بعيدًا، باهتًا، كأنه ينظر للعالم من خلف زجاج سميك، كما لم يكن يبحث داخله عن ذنبه ولا حتى عن حقه الضائع في القبول، بل كان كل ما يشغله الآن شيء واحد فقط، كيف لأبٍ كان يتخيله ظلًا باهتًا في طفولته أن يكون بهذا السوء والقسوة ليقتل أباه؟

شعر أن ملامح الصورة القديمة لأبيه تبدأ في التشقق داخله، صورة مجرد رجل قاسٍ على أمه.. أناني معها ومعهم.. كانت صورة بريئة أكثر مما يجب، لأن الجرم الحقيقي كان أكبر من كل تصوراته.. لقد ترك له والده إرثًا عظيمًا من الخزي والعار سوف يُثقل ظهره طيلة العمر، وندبة لن يزول أثرها من روحه مهما عاش.

تحرك فجأة من مكانه لكنه لم ينهض، بل كأنه انزلق من جلسته وسقط في بئر من الحزن وكسرة النفس، ربت تميم على كتفه وحاول مساعدته لينهض، تحرك جسده فقط، لكن روحه لا تزال تسقط في الظلام.

بدا الشارع أمامه واسعًا أكثر من اللازم، لأصوات لا معنى لها، السيارات تمر، الناس تتحرك، الحياة تسير لكنها توقفت داخله عند نقطة واحدة.. حقيقة والده.

أمسك تميم ذراعه برفق وحزن:

_ عمرو.. بصلي.

لكنه لم ينظر إليه، كانت عيناه ثابتتين على فراغ أمامه، فراغ لا شكل له. ليهمس بغتة بصوت مكسور: _ كنت فاكر إنه راجل قاسي وبس.

ثم ابتلع الغصة التي لم تعد تُبلع وقال:
_ طلع أسوأ من كده بكتير. وغرق في الصمت من جديد وتميم يراقبه، كان انهيار رفيقه صامتًا، قلبه ينكسر دون أن يصدر صوت، وهو لا يملك إلا أن يبقى ثابتًا بجواره يدعمه ولو بصمته وهو يفضي بما في داخله.. ظل يسير خلفه بلا هدى، خطوة ثم أخرى، ولا يعرف أين سوف تنتهي هذه الخطوات، لكنه لن يتركه وحده، حتى يعود له بعض رشده وثباته.
______________

انبعثت حرارة الصيف الحارقة من نافذة المطبخ، بينما كانت غنى تقف أمام الرخامة تحاول جاهدة السيطرة على بطيخة ضخمة، هبطت بالسكين في قلبها لتنقسم نصفين، في تلك اللحظة دخل أصيل مادًّا يده ليلتقط شريحة بطيخ قضمها بانتشاش، قبل أن يستند بمرفقه على الرخامة وينظر إليها بعينين تلمعان بفكرة وقال:
_بقولك إيه يا غنى.. ما بلاش وقفة طبيخ في الحر ده، وتعالي نتغدى النهاردة بطيخ وجبنة بيضا؟ الأكلة دي مع حر الصيف بتنزل في القلب علطول.
توقفت غنى عن التقطيع، ومسحت جبينها بظهر يدها، ثم نظرت إليه بابتسامة متعبة من حرارة الجو:
_يا ريت يا أصيل، دي اكلتي المفضلة في الصيف، بس أنت عارف الولاد، الأكلة دي مش هتعجبهم وممكن يقلبوا وشهم علينا.

ابتسم أصيل بثقة، والتفت بجسده ينظر إلى الزاوية البعيدة من الرخامة، حيث جهاز كهربائي جديد ولامع، وغمز لها مشيرًا بسبّابته: _أومال أنا نزلت واشتريتلك العجّان ده ليه واستغليت العروض؟ ما هو عشان وقت الطوارئ اللي زي ده بالظبط!
التفتت غنى نحو العجّان، ثم نظرت إلى زوجها وانفجرت ضاحكة بعد أن فهمت تلميحه.
_آآه.. يعني قصدك نعمل بيتزا؟
_ عليكي نور! وجبة ولادنا المفضلة، مش هيرفضوها أبدًا.. والصلصة جاهزة والجبنة الموتزاريلا موجودة في الفريزر، شغلّي أنتي العجّان، وأنا هساعدك في تقطيع الفلفل والزيتون.
_ طيب وعمرو؟
_ لا سيبك من عمرو، هو مع صاحبه وممكن ياكل برة.
_ طيب اتصل عليه و…
قاطعها:
_ حبيبتي عمرو كبر وهيحب يقضي اوقات كتير مع اصحابه، هو لو ناوي يتغدا معانا هايجي من نفسه، خليه يتنفس ده خارج من ضغط ثانوية عامة وكان مطحون.
ابتسمت اقتناعا بحديثه:
_ خلاص يا حبيبي اللي انت شايفه.

عادت الحيوية إلى المطبخ مجددًا، وتحول عبء الطهي في حر الصيف إلى بهجة مشتركة، بينما دار العجّان ليصنع عجينة البيتزا للصغار.

بينما كان أصيل ينهمك بحماس في تقطيع الخضار ويضعه فوق وجه العجين الذي فردته غنى، و الملون بالصلصة، ثم الى الفرن كي ينضج، وقفت غنى تراقبه بصمت، تدريجيًا بدأت تفاصيل المطبخ الحاضر تتلاشى من عينيها، وحلّت مكانها ظلال الماضي، عاد شريط الذكريات إلى سنوات مضت، قبل أن يجمعهما سقف بيت واحد كزوجين، تذكرت تلك الفترة القاسية عقب طلاقه، عندما كان العالم يضيق في عينيه، والوجع ينهش روحه خوفًا على مستقبله ومستقبل الصغيرتين، يومها، التمّ شملهم في محاولة بائسة لتهوين الأمر على الصغيرات.. وعليه.. صنعوا معًا بيتزا في أجواء مشحونة بدموع مكتومة، تذكرت غنى كيف كانت تنظر إليه وقتها وقلبها يعتصره الألم، رأت انكسار عينه وخوف الأب فيه، وكم تمنت في تلك اللحظة بالذات لو تخطت كل الحواجز والقيود، وضمت رأسه إلى صدرها لتبدد عنه وحشة الأيام وسواد الخوف.

بلا وعي منها مدفوعة بفيضان المشاعر الذي جرفها، تحركت خطواتها واقتربت من ظهره، وأحاطت خصره بذراعيها، دافنة وجهها بين كتفيه، تصلب جسد أصيل بمفاجأة، وتوقفت يده الممسكة بقطع الزيتون في الهواء، التفت بنصف جسده ببطء شديد، وعيناه تتسعان بدهشة بالغة امتزجت بالحنان، لينظر إلى وجهها القريب قائلا بنبرة هادئة مغموسة بدهشته:
_غنى؟ حبيبتي مالك؟
رفعت عينيها اللامعتين بالدموع، وابتسمت وهى تتشبث به أكثر وقالت بصوت متحشرج من العاطفة التي سيطرت عليها:
_ده اللي كان نفسي أعمله زمان يا أصيل من سنين، فاكر يوم ما كنا بنعمل بيتزا للولاد في شقتي القديمة؟ لما كانت الدنيا سودة في عينيك؟ يومها كان قلبي بيتقطع عليك، وكان نفسي أخدك في حضني أطمنك.. أقولك إنك مش لوحدك، وإني هشيل معاك الحمل وكل اللي جاي.. بس مكنش ينفع.

تغيرت ملامح أصيل وانمحت الدهشة ليحل محلها تأثر عميق هز كيانه، وضع السكين من يده، واستدار بكامل جسده إليها، ثم جذبها بنعومة وقوة إلى صدره، محتضنًا إياها كأنما يخبئها داخل ضلوعه، وطبع قبلة طويلة حانية فوق رأسها، مستنشقًا عبير شعرها الذي يحبه
وقال بصوت يفيض بالامتنان والدفء:
_أنا مش ناسي يا غنى.. مش ناسي أي لحظة عشناها سوا، ولا عمري هنسى، أنتي كنتي طوق النجاة ليا، لو كنت وقفت على رجلي تاني وتخطيت ازمتي، ولو بقيت شايف الدنيا بعيون تانية فيها أمل وفرحة.. فده كله عشانك أنتي وعشان حبك اللي أحيا الروح فيا من جديد.
امتزجت أنفاسهما في عناق طويل، بينما كانت رائحة البيتزا الصاعدة من الفرن تعلن عن نضج حاضر جميل، ازدهر على أنقاض ماضٍ ولى واندثر.
_________

بعد صلاة العشاء بإحدى المساجد، قرر عمرو العودة لمنزله وقد أنهكه التسكع في الطرقات دون هدف، كما أشفق على رفيقه الذي لم يشأ تركه إلا عند باب منزله.

_ تعبتك معايا يا تميم.

ابتسم الأخير رابتًا على كتفه:
_ عيب عليك ده انت أخويا، ادخل بيتك خد حمام وارتاح، وبكرة الصبح هتصل عليك نتقابل.

أومأ له وودعه بنظرة صامتة، وملامحه عجزت أن تمنحه ولو ابتسامة كاذبة، بواسطة المفتاح فتح عمرو باب شقته وعبر للداخل.

وفي غرفة المعيشة وجد الجميع منشغلًا بمتابعة فيلم "ملكة الثلج"، يعلم مسبقًا أنه ذوق الصغيرين زين وزينة وفيلمهما المفضل، فلا يقدر أحد على اختيار شيء لا يريدانه، أما العم أصيل فكان منشغلًا بكتابة شيء ما بهاتفه، كأنه يحدث أحدًا، أما شهد شقيقته وفاطمة وعائشة فكن يتقاسمن كيسًا كبيرًا من اللب، تتعالى بين الحين والآخر فرقعة القشور بين أصابعهن، لتميل شفتا عمرو بابتسامة ضعيفة وهو يرى زين وزينة يتسابقان بالتهام حفنة بعد أخرى من الفشار، فتتساقط حبات الفشار من بين أصابعهما الصغيرة أكثر مما يصل إلى فمهما.

_ بطلوا توقعوا الفشار في الأرض يا قرد منك ليها، أنا لسه مشغلة المكنسة.

قالتها والدته بتوبيخ، لتتسع ابتسامته أكثر، شمل عمرو الجميع بنظراته وجلستهم الدافئة تلك، جلسة هو لن يكون جزءًا منها، ليته يعود مرتاح البال وينسى صدمته في أبيه وحلمه الذي تحطم وصار مستحيل تحقيقه، ليته في الأساس ما خالف حلم والدته وصار في الطريق الذي رسمته له دون أن يعترض، حينها لم يكن ليعلم شيئًا، ماذا استفاد من كشف ماضي أبيه؟ ليته ما علم به.

_ السلام عليكم.

رفع الجميع رؤوسهم نحوه في الوقت نفسه وردوا تحيته، قبل أن يندفع زين وزينة نحوه يرحبان به ويمسكان يديه.

_ تعالى اتفرج معانا يا عموري.

منحهم ابتسامة حانية وداعب رأسيهما وقال:
_ بعدين يا حبايبي، أنا عايز أنام شوية.

ابتسمت غنى بحنان، وقالت تلقائيًا:
_ حمد لله على السلامة يا حبيبي.. أحطلك الأكل؟

نظر إليها نظرة قصيرة، لكنها كانت أطول من أي حديث، ثم قال بهدوء لا يشبه العواصف داخله:

_ لا يا أمي.. متشكر.. هدخل أوضتي أنام.

_ يعني مش هتشوف الماتش معايا يا عمور؟ ده أنا قلت هنسهر عليه أنا وانت.

أطرق رأسه قليلًا، قائلًا بأدبٍ لم يخلُ من إرهاق:

_ حقك عليا يا عمو مش هقدر، صاحي من بدري ومحتاج أنام بدري.

_ ماشي يا حبيبي ولا يهمك، نبقى نشوف الإعادة سوا بكرة.

أومأ له ثم تابع طريقه نحو غرفته، وكانت خطواته هادئة إلى درجة أثارت في قلب غنى شعورًا لم تستطع تفسيره.

لم يمضِ سوى دقائق، حتى طرقت غنى الباب عليه، ثم دخلت بعدما سمعت صوته الخافت يأذن لها، كان يجلس على حافة السرير، يحدق في الأرض بشرود، اقتربت منه بابتسامتها المعتادة.

_ كنت فين من الصبح يا عمرو؟

رفع رأسه إليها وقال:
_ كنت مع تميم.

_ طب... أكلت ولا لأ؟

_ فطرت معاه الصبح.

ثم أردف، وكأنه يغلق باب أي سؤال آخر:
_ ومش جعان.

ابتسمت غنى ابتسامة هادئة، لم تلحظ بعد ما يختبئ خلف ملامحه، وجلست إلى جواره وهي تقول:

_ كنت هكلمك في نص النهار، بس أصيل قالي سيبيه براحته، عمرو كبر وأكيد نفسه يقضي وقت مع صحابه.

ضحكت ثم أضافت:
_ شكلي لازم أتأقلم إن ابني الصغير خلاص كبر، ومش هفضل لازقة فيه طول العمر.

لم يبتسم أو يضحك، كان ينظر إليها بعينين امتلأتا بغصة، وللمرة الأولى لم يكن يسمع كلماتها، بل كان يصرخ في رأسه سؤالًا واحدًا.. ما دمت كبرت، أما كان من حقي معرفة ما يجب أن أعلم به عن ماضي أبي؟

نظرات عمرو الصامتة جعلتها تنتبه للحزن الذي يسكن عينيه، فمدت يدها تربت على كتفه برفق:

_ مالك يا ابني؟

سكتت لحظة، ثم أضافت بحنان:
_ حزين كأن في حاجة ضايعة منك؟

ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة لا حياة فيها، وقال بصوت هادئ:
_ فعلًا يا ماما في حاجة ضاعت مني.

انقبض قلبها وهي تتساءل:
_ حاجة إيه يا عمرو؟

لم يحول عينيه عنها، كأنه يريد أن يشاركها وجعه دون أن يواريه، ثم قال:
_ حلمي يا أمي.

ثم أكمل، بنفس الهدوء الذي بدأ يخيفها:
_ حلمي ضاع مني.. وللأبد.

شعرت غنى بوخزة في صدرها، فاقتربت منه أكثر وقالت:
_ حلم إيه اللي ضاع يا حبيبي؟

قال وهو يبتسم ابتسامة مريرة بالكاد تُرى:
_ حلم كان جوايا من زمان.. ولما حاولت أحققه.. الراجل اللي جابني على الدنيا.. ضيعه مني وحرمني منه.

توقفت أنفاس غنى واتسعت عيناها في ذهول هامسة:
_ أبوك؟!

خرجت الكلمة منها بلا وعي ثم أردفت:
_ إيه دخل هاشم في حلمك يا ابني؟!

لم يجبها، ترك الصمت يتمدد بينهما ثم أسند ظهره خلفه وأرخى رأسه قليلًا، وأطلق ابتسامة أشد مرارة من الأولى وقال:

_ جريمته يا أمي...

ثم رفع عينيه إليها بنظرة مليئة بالخذلان:
_ ماضي أبويا اللي خبتيه عني.. ماضيه دمر مستقبلي يا أمي.

ارتبكت ملامح غنى كلما تحدث.. كانت تنظر إليه ثم تهز رأسها بالنفي لما يلوح لعقلها:

_ أنا مش فاهمة يا عمرو، ماضي إيه اللي بتتكلم عنه؟ وإيه فكرك بهاشم دلوقت؟ ثم تساءلت بلوعة:
_ انت جاي منين يا ابني؟ إيه حصلك؟

ظل يحدق بها، هدوؤه كان مرعبًا، هدوء شخص انتهى ما بداخله من آمال، فلم يعد يملك إلا الحقيقة المخزية.

قال متجاهلًا سؤالها عن مكان وجوده:
_ عرفت إن بابا كان مسجون قبل موته.

شحب وجه غنى وتجمدت عيناها.

أما عمرو فقال جملته الأخيرة بنفس النبرة الهادئة التي كانت تمزق قلبها قطعةً بعد أخرى:
_ وعرفت كمان سبب سجنه.
_________


الثامن من هنا 
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات