رواية فتنة زكريا الفصل السادس 6 بقلم نور محمد
طول الطريق في كابينة التريلا، صوت محرك العربية كان هو الونيس الوحيد في الليل البارد ده.
"زكريا" كان قاعد ساند ظهره، وعينيه متعلقة بـ "فتنة" اللي نايمة على كتفه بعمق. وشها كان مرتاح، ملامحها الطفولية ظهرت بعد ما الخوف سابها شوية.
كان بيبص لإيدها اللي مكلبشة في هدومه، وبيسأل نفسه: "إيه اللي عملته في دنيتي عشان ربنا يختبرني الاختبار الصعب ده؟ تلات أيام بس قلبوا حياتي من شاب آخره يراعي شتلة ورد، لطريد شايل روحه على كفه وشايل معاها روح تانية أمانة في رقبته."
بعد ساعات طويلة، خيوط الفجر بدأت تشق السما. الهوا اللي داخل من شباك العربية اتغير، ريحته
التريلا وقفت على أطراف إسكندرية، السواق التفت لـ زكريا:
— "حمدالله على السلامة يا بلدينا.. دي إسكندرية، معرفش وجهتكم فين بالظبط، بس أنا هنزلكم هنا عشان طريقي للمينا."
زكريا شكره بامتنان ونزل، ولف الناحية التانية نزل "فتنة" اللي كانت لسه بتفرك في عينيها من النوم. أول ما نزلت، الهوا البارد خبط في وشها، بس المرة دي مكنش هوا بيخوف.. ده كان هوا بينعش الروح.
لفت وشها ناحية الشمال، وهناك شافت المنظر اللي خلاها تتسمر في مكانها.
البحر!
مساحة زرقا مالهاش آخر، أمواج بتخبط في الصخر وتعمل رغوة بيضا، وصوت هدير المية مالي المكان.
فتنة مشيت بخطوات بطيئة جداً ناحية السور الحجر، عينيها وسعت بدهشة طفولية، مسكت في السور وبصت للمية كأنها سحر.
— "ما.. مايه؟"
قالتها بصوت مبحوح وهي بتبص لزكريا وبتشاور على البحر بذهول.
زكريا ابتسم ووقف جنبها:
— "أيوة يا فتنة.. ده البحر. أكبر مايه ممكن تشوفيها في حياتك، أوسع من الخوف، وأكبر من أي وجع شُفتيه."
فضلت باصة للبحر دقايق، كأن الموج بيغسل حاجة جوه روحها المكسورة. بس زكريا كان عارف إن الوقت مش في صالحهم. منظرهم وهما متغرقين طين وهدومهم متبهدلة كده هيجلب ليهم الشبهات.
— "يلا يا فتنة.. لازم نغير هدومنا دي، مننفعش نمشي في البلد كده."
خدها ومشيوا في شوارع إسكندرية اللي كانت لسه بتصحى. زكريا سأل على أقرب جامع فيه حمامات، ودخلها هناك تغسل وشها وإيديها من الطين، وهو غسل وشه ونفض هدومه على قد ما يقدر.
بعدها، راحوا لسوق شعبي كان بيبدأ يفرش بضاعته. زكريا اشترى لفتنة فستان بسيط جداً، قماشه ناعم وفضفاض، لونه أزرق غامق، واشترى خمار طويل من نفس اللون، وجزمة خفيفة عشان رجليها اللي اتجرحت من المشي.
وقفها ورا باب محل مقفول، واداها الهدوم:
— "فتنة.. اقلعي العباية التقيلة دي والهدوم المتبهدلة، والبس دول.. أنا واقف أهو حارسك، محدش هيقربلك."
أخدت الهدوم بلهفة، هي حبت إحساس النضافة من وقت ما حماها. بعد دقايق، طلعتله.
زكريا أول ما لف وبصلها، حس إن قلبه فوت دقة، ونفسه اتخطف.
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
الفستان الأزرق كان كأنه مرسوم عليها، ملامحها البيضا الصافية نورت مع لون الخمار، وبقت تبان كأنها حورية من حوريات الجنه. الخمار كان مداري شعرها، بس ملامحها لوحدها كانت كفيلة تخلي أي حد يبصلها ميشيلش عينه من عليها.
زكريا بلع ريقه، وغض بصره بسرعة وهو بيستغفر في سره:
— "بسم الله تبارك الله.. زي القمر يا فتنة. كده محدش هيشك فينا، كأنك بنت عادية ماشية مع أخوها."
كلمة "عادية" فرحتها، ابتسمت ابتسامة خفيفة، ومسكت في طرف الجاكت بتاعه كالعادة.
بدأ زكريا رحلة البحث. راح لكشك جرايد كبير، وسأل الراجل العجوز اللي واقف فيه:
— "صباح الخير يا حاج.. متعرفش فين سكة عيلة الكيلاني؟ عم 'راشد الكيلاني'؟"
الراجل العجوز بصله من فوق لتحت باستغراب، وبص للبنت اللي مستخبية وراه:
— "راشد بيه الكيلاني؟ بتاع شركة الملاحة والشحن؟ يا بني ده أشهر من نار على علم، ده نص إسكندرية شغالة تحت إيده! هتاخد ميكروباص لمحطة الرمل، ومن هناك تسأل على قصر الكيلاني باشا.. ألف من هيدلك."
زكريا حس بتقل في قلبه. "راشد بيه" و"قصر"؟ الموضوع أكبر مما كان متخيل. عيلة النجعاوي في الصعيد، وعائلة الكيلاني الباشوات في إسكندرية! إيه اللي دخل البنت المسكينة دي بين الحيتان دي كلها؟
ركبوا وراحوا المكان المطلوب. الشوارع اتغيرت، العمارات بقت قصور وفيلات، والعربيات الفخمة مالية المكان. لحد ما وصلوا قدام بوابة حديد ضخمة، عليها حرس لابسين بدل سودا، وكاميرات متشعلقة في كل حتة.
— "هو ده يا فتنة.. بيت عمك."
زكريا قالها وهو بيحاول يطمن نفسه قبل ما يطمنها. قرب من البوابة، الحرس أول ما شافوه هو وفتنة، ملامحهم اتغيرت. زكريا رغم نضافة وشه، بس باين عليه الإرهاق والسهر، وهدومه بسيطة جداً متلقش بالمكان.
— "رايح فين يا كابتن إنت وهي؟ ممنوع الوقوف هنا."
واحد من الحرس قالها بصوت خشن وهو بيزق زكريا من كتفه.
زكريا مسك نفسه، ورد بأدب:
— "لو سمحت، أنا عايز أقابل راشد بيه الكيلاني، معايا أمانة شخصية ليه مبتبعتش مع حد غيره."
الحارس ضحك باستهزاء:
— "أمانة إيه يا أبو أمانة؟ الباشا مش بيقابل شحاتين ولا ناس من الشارع، يلا اتكل على الله من هنا أحسن ما أعمل معاك الغلط."
زكريا اتعصب، كرامته كشاب صعيدي وجعته:
— "احترم نفسك ونزل إيدك.. أنا مش شحات، أنا بقولك معايا أمانة تخص عيلة الكيلاني، وتخص لحمهم ودمهم، لو ممشتنيش لراشد بيه، هتبقى إنت اللي هتتجازى!"
صوتهم علي، والحرس التانيين اتجمعوا. فتنة بدأت ترتعب، خافت من أصوات الرجالة العالية، استخبت ورا ظهر زكريا وبدأت ترتعش، المشهد بيفكرها بالنجعاوية.
واحد من الحرس فقد أعصابه، ورفع إيده وضرب زكريا بوكس مفاجئ وقوي جداً في وشه!
زكريا رجع لورا خطوتين من قوة الضربة، والدم نزل من شفته، ووقع على ركبته في الأرض.
في اللحظة دي، حصلت حاجة محدش توقعها.
"فتنة" اللي طول عمرها بتهرب وتستخبى، اللي بتخاف من خيالها.. أول ما شافت الد*م بينزل من زكريا، الراجل الوحيد اللي حماها وطبطب عليها.. اتحولت!
صرخت صرخة قويه، صرخة مفيهاش أي ضعف.. وهجمت على الحارس الضخم!
مسكت في هدومه بكل قوتها، وبدأت تضربه بإيديها وتخربش فيه وهي بتطلع أصوات غاضبة، كأنها بتدافع عن ابنها مش عن حد غريب!
الحارس اتفاجئ من هجوم البنت، وحاول يزقها بقوة، فدفعها لورا ووقعت على الأرض، الخمار بتاعها اتزحلق لورا، وشعرها الأسود الطويل نزل على كتافها، وملامحها الغاضبة الباكية ظهرت بوضوح في نور الشمس.
وفي نفس اللحظة دي بالظبط.. بوابات القصر الحديد اتفتحت، وعربية مرسيدس سودا فخمة جداً كانت خارجة، بس وقفت فجأة بسبب الدوشة دي.
باب العربية الخلفي اتفتح، ونزل منه راجل في أواخر الخمسينات، شعره نصه أبيض، لابس بدلة غالية جداً، ملامحه فيها هيبة ووقار، بس عينيه كانت بتلمع بغضب.
— "في إيه هنا؟ إيه المهزلة دي اللي تحصل على باب بيتي؟"
صوت الراجل كان قوي ورخيم. الحرس سابوا زكريا ووقفوا انتباه برعب:
— "يا باشا، دول شحاتين ملمومين على الباب وعايزين يدخلوا بالعافية."
الراجل العجوز قرب خطوتين وهو متعصب، بس عينيه وقعت على البنت اللي واقعة على الأرض، واللي كانت ساندة زكريا وبتمسح الدم من على وشه بلهفة بضهر إيدها.
أول ما عينه جت في عين "فتنة".. الراجل اتصلب مكانه كأن صاعقة ضربته.
عصايته وقعت من إيده على الأرض بصوت مكتوم. ملامح القسوة اللي على وشه دابت في ثانية، واتحولت لصدمة، وذهول، وبعدين رعب..
شفايفه كانت بتترعش، وهو بيبصلها كأنه شايف شبح طالع من القبر.
زكريا وهو ساند على الأرض، رفع راسه وبص للراجل العجوز، وقال بصوت متقطع بس مليان تحدي:
— "أنا جايبلك أمانة يا راشد بيه.. أنا جايبلك حتة من روح أخوك.. أنا جايبلك فتنة الكيلاني!"
"زكريا" كان قاعد ساند ظهره، وعينيه متعلقة بـ "فتنة" اللي نايمة على كتفه بعمق. وشها كان مرتاح، ملامحها الطفولية ظهرت بعد ما الخوف سابها شوية.
كان بيبص لإيدها اللي مكلبشة في هدومه، وبيسأل نفسه: "إيه اللي عملته في دنيتي عشان ربنا يختبرني الاختبار الصعب ده؟ تلات أيام بس قلبوا حياتي من شاب آخره يراعي شتلة ورد، لطريد شايل روحه على كفه وشايل معاها روح تانية أمانة في رقبته."
بعد ساعات طويلة، خيوط الفجر بدأت تشق السما. الهوا اللي داخل من شباك العربية اتغير، ريحته
التريلا وقفت على أطراف إسكندرية، السواق التفت لـ زكريا:
— "حمدالله على السلامة يا بلدينا.. دي إسكندرية، معرفش وجهتكم فين بالظبط، بس أنا هنزلكم هنا عشان طريقي للمينا."
زكريا شكره بامتنان ونزل، ولف الناحية التانية نزل "فتنة" اللي كانت لسه بتفرك في عينيها من النوم. أول ما نزلت، الهوا البارد خبط في وشها، بس المرة دي مكنش هوا بيخوف.. ده كان هوا بينعش الروح.
لفت وشها ناحية الشمال، وهناك شافت المنظر اللي خلاها تتسمر في مكانها.
البحر!
مساحة زرقا مالهاش آخر، أمواج بتخبط في الصخر وتعمل رغوة بيضا، وصوت هدير المية مالي المكان.
فتنة مشيت بخطوات بطيئة جداً ناحية السور الحجر، عينيها وسعت بدهشة طفولية، مسكت في السور وبصت للمية كأنها سحر.
— "ما.. مايه؟"
قالتها بصوت مبحوح وهي بتبص لزكريا وبتشاور على البحر بذهول.
زكريا ابتسم ووقف جنبها:
— "أيوة يا فتنة.. ده البحر. أكبر مايه ممكن تشوفيها في حياتك، أوسع من الخوف، وأكبر من أي وجع شُفتيه."
فضلت باصة للبحر دقايق، كأن الموج بيغسل حاجة جوه روحها المكسورة. بس زكريا كان عارف إن الوقت مش في صالحهم. منظرهم وهما متغرقين طين وهدومهم متبهدلة كده هيجلب ليهم الشبهات.
— "يلا يا فتنة.. لازم نغير هدومنا دي، مننفعش نمشي في البلد كده."
خدها ومشيوا في شوارع إسكندرية اللي كانت لسه بتصحى. زكريا سأل على أقرب جامع فيه حمامات، ودخلها هناك تغسل وشها وإيديها من الطين، وهو غسل وشه ونفض هدومه على قد ما يقدر.
بعدها، راحوا لسوق شعبي كان بيبدأ يفرش بضاعته. زكريا اشترى لفتنة فستان بسيط جداً، قماشه ناعم وفضفاض، لونه أزرق غامق، واشترى خمار طويل من نفس اللون، وجزمة خفيفة عشان رجليها اللي اتجرحت من المشي.
وقفها ورا باب محل مقفول، واداها الهدوم:
— "فتنة.. اقلعي العباية التقيلة دي والهدوم المتبهدلة، والبس دول.. أنا واقف أهو حارسك، محدش هيقربلك."
أخدت الهدوم بلهفة، هي حبت إحساس النضافة من وقت ما حماها. بعد دقايق، طلعتله.
زكريا أول ما لف وبصلها، حس إن قلبه فوت دقة، ونفسه اتخطف.
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
الفستان الأزرق كان كأنه مرسوم عليها، ملامحها البيضا الصافية نورت مع لون الخمار، وبقت تبان كأنها حورية من حوريات الجنه. الخمار كان مداري شعرها، بس ملامحها لوحدها كانت كفيلة تخلي أي حد يبصلها ميشيلش عينه من عليها.
زكريا بلع ريقه، وغض بصره بسرعة وهو بيستغفر في سره:
— "بسم الله تبارك الله.. زي القمر يا فتنة. كده محدش هيشك فينا، كأنك بنت عادية ماشية مع أخوها."
كلمة "عادية" فرحتها، ابتسمت ابتسامة خفيفة، ومسكت في طرف الجاكت بتاعه كالعادة.
بدأ زكريا رحلة البحث. راح لكشك جرايد كبير، وسأل الراجل العجوز اللي واقف فيه:
— "صباح الخير يا حاج.. متعرفش فين سكة عيلة الكيلاني؟ عم 'راشد الكيلاني'؟"
الراجل العجوز بصله من فوق لتحت باستغراب، وبص للبنت اللي مستخبية وراه:
— "راشد بيه الكيلاني؟ بتاع شركة الملاحة والشحن؟ يا بني ده أشهر من نار على علم، ده نص إسكندرية شغالة تحت إيده! هتاخد ميكروباص لمحطة الرمل، ومن هناك تسأل على قصر الكيلاني باشا.. ألف من هيدلك."
زكريا حس بتقل في قلبه. "راشد بيه" و"قصر"؟ الموضوع أكبر مما كان متخيل. عيلة النجعاوي في الصعيد، وعائلة الكيلاني الباشوات في إسكندرية! إيه اللي دخل البنت المسكينة دي بين الحيتان دي كلها؟
ركبوا وراحوا المكان المطلوب. الشوارع اتغيرت، العمارات بقت قصور وفيلات، والعربيات الفخمة مالية المكان. لحد ما وصلوا قدام بوابة حديد ضخمة، عليها حرس لابسين بدل سودا، وكاميرات متشعلقة في كل حتة.
— "هو ده يا فتنة.. بيت عمك."
زكريا قالها وهو بيحاول يطمن نفسه قبل ما يطمنها. قرب من البوابة، الحرس أول ما شافوه هو وفتنة، ملامحهم اتغيرت. زكريا رغم نضافة وشه، بس باين عليه الإرهاق والسهر، وهدومه بسيطة جداً متلقش بالمكان.
— "رايح فين يا كابتن إنت وهي؟ ممنوع الوقوف هنا."
واحد من الحرس قالها بصوت خشن وهو بيزق زكريا من كتفه.
زكريا مسك نفسه، ورد بأدب:
— "لو سمحت، أنا عايز أقابل راشد بيه الكيلاني، معايا أمانة شخصية ليه مبتبعتش مع حد غيره."
الحارس ضحك باستهزاء:
— "أمانة إيه يا أبو أمانة؟ الباشا مش بيقابل شحاتين ولا ناس من الشارع، يلا اتكل على الله من هنا أحسن ما أعمل معاك الغلط."
زكريا اتعصب، كرامته كشاب صعيدي وجعته:
— "احترم نفسك ونزل إيدك.. أنا مش شحات، أنا بقولك معايا أمانة تخص عيلة الكيلاني، وتخص لحمهم ودمهم، لو ممشتنيش لراشد بيه، هتبقى إنت اللي هتتجازى!"
صوتهم علي، والحرس التانيين اتجمعوا. فتنة بدأت ترتعب، خافت من أصوات الرجالة العالية، استخبت ورا ظهر زكريا وبدأت ترتعش، المشهد بيفكرها بالنجعاوية.
واحد من الحرس فقد أعصابه، ورفع إيده وضرب زكريا بوكس مفاجئ وقوي جداً في وشه!
زكريا رجع لورا خطوتين من قوة الضربة، والدم نزل من شفته، ووقع على ركبته في الأرض.
في اللحظة دي، حصلت حاجة محدش توقعها.
"فتنة" اللي طول عمرها بتهرب وتستخبى، اللي بتخاف من خيالها.. أول ما شافت الد*م بينزل من زكريا، الراجل الوحيد اللي حماها وطبطب عليها.. اتحولت!
صرخت صرخة قويه، صرخة مفيهاش أي ضعف.. وهجمت على الحارس الضخم!
مسكت في هدومه بكل قوتها، وبدأت تضربه بإيديها وتخربش فيه وهي بتطلع أصوات غاضبة، كأنها بتدافع عن ابنها مش عن حد غريب!
الحارس اتفاجئ من هجوم البنت، وحاول يزقها بقوة، فدفعها لورا ووقعت على الأرض، الخمار بتاعها اتزحلق لورا، وشعرها الأسود الطويل نزل على كتافها، وملامحها الغاضبة الباكية ظهرت بوضوح في نور الشمس.
وفي نفس اللحظة دي بالظبط.. بوابات القصر الحديد اتفتحت، وعربية مرسيدس سودا فخمة جداً كانت خارجة، بس وقفت فجأة بسبب الدوشة دي.
باب العربية الخلفي اتفتح، ونزل منه راجل في أواخر الخمسينات، شعره نصه أبيض، لابس بدلة غالية جداً، ملامحه فيها هيبة ووقار، بس عينيه كانت بتلمع بغضب.
— "في إيه هنا؟ إيه المهزلة دي اللي تحصل على باب بيتي؟"
صوت الراجل كان قوي ورخيم. الحرس سابوا زكريا ووقفوا انتباه برعب:
— "يا باشا، دول شحاتين ملمومين على الباب وعايزين يدخلوا بالعافية."
الراجل العجوز قرب خطوتين وهو متعصب، بس عينيه وقعت على البنت اللي واقعة على الأرض، واللي كانت ساندة زكريا وبتمسح الدم من على وشه بلهفة بضهر إيدها.
أول ما عينه جت في عين "فتنة".. الراجل اتصلب مكانه كأن صاعقة ضربته.
عصايته وقعت من إيده على الأرض بصوت مكتوم. ملامح القسوة اللي على وشه دابت في ثانية، واتحولت لصدمة، وذهول، وبعدين رعب..
شفايفه كانت بتترعش، وهو بيبصلها كأنه شايف شبح طالع من القبر.
زكريا وهو ساند على الأرض، رفع راسه وبص للراجل العجوز، وقال بصوت متقطع بس مليان تحدي:
— "أنا جايبلك أمانة يا راشد بيه.. أنا جايبلك حتة من روح أخوك.. أنا جايبلك فتنة الكيلاني!"