📁 آخر الروايات

رواية قضبان من وهم الفصل الرابع 4 والاخير بقلم هاجر سلامة

رواية قضبان من وهم الفصل الرابع 4 والاخير بقلم هاجر سلامة 




الرابع
الصمت مكنش استسلام، الصمت كان الاستعداد للضربة القاضية. لما تقرر تسيب مكان هانك، متخرجش منه مكسور.. اخرج وأنت سايب وراك نار بتاكل في الأخضر واليابس، وخليهم يدوقوا من نفس الكاس اللي شربوك منه."
مر شهر كامل على تلك الأحداث، وبيت العيلة يغلي على صفيح ساخن، بينما كانت ندى تعيش في معزل تام داخل شقتها، ترسم ملامح نهايتهم ببرود يحسدها عليه الجميع. لم تعد تصرخ، ولم تعد تبكي، بل تحولت إلى شبح صامت يراقب الغابة التي تعيش فيها. وخلال هذا الشهر، كانت ندى قد اشترت جهاز تسجيل صغيراً ذكياً، لا يفارق جيب سترتها أبداً، مسخرة إياه لتوثيق كل شاردة وواردة في هذا البيت.
كانت السيدة إجلال تضيق ذرعاً بصمت ندى وبقائها في شقتها، فلم تكن تحتمل أن ترى ضحيتها تفلت من بين يديها.
في أحد الأيام، صعدت السيدة إجلال برفقة عبير إلى شقة ندى، ودفعتا الباب بقوة ودخلتا دون استئذان.
وقفت السيدة إجلال في منتصف الصالة وتطاير الشرار من عينيها، وصاحت بأعلى صوتها مفرغة كل شحنات الغل والحقد:"جرى إيه يا خطافة الرجالة يا أرض بور يا معفنة؟ فاكرة نفسك بقيتي هانم ومش هتنزلي تخدمي؟ ورب العزة لو ما نزلتش وبقيتي زي الجزمة تحت رجلي ورجل بنت أختي، لأخلي كريم يرميكِ في الشارع زي الكلبة الجربانة! أنتِ هنا مجرد خدامة، وملكيش أي لزمة في البيت ده، ويلا غوري انزلي جهزي الطفح للناس تحت!"
شاركت عبير في الوصلة بابتسامة شماتة وقالت بنبرة مستفزة:"أيوة يا حبيبتي، ريحي نفسك وبلاش شغل التناكة ده، كريم خلاص بقى بتاعي أنا، وأنتِ بقيتي كرت محروق ملوش أي تمن.. اطلعي بكرامتك بدل ما نطلعك إحنا بفضيحة."
كانت ندى تقف مستمعة إليهما وهدوء غريب يلف ملامحها، ولم تتحرك منها شعرة واحدة، بل كانت يدها داخل جيبها تضغط بتمهل على زر التسجيل، لتلتقط كل كلمة شتيمة، وإهانة، وتهديد بال طرد، وكل لفظ نابٍ خرج من فم حماتها وضرتها.
نظرت إليهما ببرود مريع وقالت :"خلصتوا كلامكم؟ طيب اتفضلوا انزلوا تحت عشان مش فاضيالكم."
استمرت ندى على هذا المنوال طوال الشهر، تجمع الأدلة، وتسجل التهديدات اليومية التي كانت تتلقاها من الحماة، وبعض العبارات المهينة من كريم عندما كان يثور عليها في لحظات غضبه لعدم استجابتها له. كانت تسجل بدقة متناهية، ولم يكن أحد في البيت يشعر بتلك الشباك الخفية التي تنسجها حول رقابهم.
وبعد اكتمال الشهر وتوافر الأدلة القاطعة التي تثبت تعرضها للضرر النفسي والجسدي والسب والقذف، حزمت ندى حقيبتها الصغيرة في خفية تامة أثناء وجود كريم في عمله ونزول الحماة وعبير لشراء بعض المستلزمات. لم تأخذ معها سوى ملابسها الضرورية وذكرياتها القليلة، وتوجهت مباشرة إلى مكتب محامٍ شهير كانت قد تواصلت معه مسبقاً.جلست أمام المحامي وقدمت له شريحة التسجيلات
وقالت بنبرة حازمة قوية:"دي الأدلة كاملة يا متر.. شتائم، وإهانات، وتهديد بالطرد، وضرر نفسي يخليني أطلق وأنا مرتاحة.. أنا عايزة أرفع قضية طلاق للضرر، بس بطريقة غيابية.. مش عايزة حد فيهم يعرف مكان خطوتي، وعايزة الورقة توصله لحد البيت وهو مش داري بحاجة."
استمع المحامي للتسجيلات وابتسم بذهول من ذكائها وقال:"التسجيلات دي كفيلة مش بس تطلقك، دي توديهم في داهية بتهمة السب والقذف والتهديد.. اطمني يا مدام ندى، القضية هتتم في أسرع وقت وبسرية تامة."
غادرت ندى مكتب المحامي، وتوجهت إلى مكان بعيد تماماً؛ حيث استأجرت شقة صغيرة وبسيطة في محافظة أخرى، وأخذت جدتها المريضة لتعيش معها بعد أن وفرت لها الرعاية الطبية اللازمة من بعض المدخرات التي كانت تمتلكها. غيرت رقم هاتفها، وأغلقت كل حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، واختفت تماماً عن الأنظار كأن الأرض انشقت وابتلعتها، تاركة خلفها حياة الجحيم دون أن تترك خلفها أي أثر يرشد إليها.
مرت أسابيع قليلة على اختفاء ندى، وكان كريم يعيش في حالة من الجنون والضياع؛ كان يبحث عنها في كل مكان، يسأل الجيران، يذهب لأقاربها البعيدين، لكن دون جدوى.
تحول بيت العيلة بغيابها إلى ساحة معركة حقيقية بين عبير والسيدة إجلال؛ فالشتائم التي كانت توجَّه لندى أصبحت متبادلة بين الحماة والكنة الجديدة، وكريم يقف عاجزاً، ينهشه الندم والشوق لندى وقوتها التي سحرته في أيامها الأخيرة.وفي أحد الأيام، بينما كان كريم يجلس في شقته مطأطأ الرأس وسط صراخ عبير المستمر في المطبخ وعويل أمه في الأسفل، طرق باب الشقة بعنف.
نهض كريم بلهفة ظاناً أن ندى قد عادت، وفتح الباب ليجد أمامه محضر المحكمة ممسكاً بملف رسمي.
نظر إليه المحضر بجدية وقال:"أستاذ كريم عبد الرحمن؟"قال كريم بنبرة متوجسة:"أيوة أنا.. في حاجة؟"
مد المحضر يده بالورقة وقال بجفاء:"امضِ هنا بالاستلام.. دي ورقة طلاق غيابي بحكم محكمة بناءً على القضية المرفوعة من المدام ندى... للضرر الشديد والسب والقذف.. اتفضل."
وقع كريم على الاستلام بيد مرتعشة، وأغلق الباب بخطوات ثقيلة كالميت.
فتح الورقة وقرأ الكلمات التي نزلت على قلبه كخنجر مسموم؛ لقد أصبحت ندى محرمة عليه للأبد، وطلقت منه غيابياً وبقوة القانون والأدلة التي تدين بيته بأكمله. سقط كريم على ركبتيه في ردهة الشقة، والدموع تنهمر من عينيه بحسرة، ممسكاً بورقة الطلاق التي كانت بمثابة شهادة وفاة لرجولته وكرامته التي ضاعت تحت أقدام عائلته.



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات