رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل الرابع 4 بقلم فاطمة شلبي
بارت ( 4 )..
بعد يومين من "الملاوعة" والمماطلة..رد عمار بالموافقة الرسمية على الشيخ منصور..واتحدد ميعاد كتب الكتاب بسرعة زي ما الجد طلب.. عاصم مكانش سايعه الفرح.. وعزم كل صحابه بما فيهم حسام..فريدة.. سيف.. وحتى ليل..كنوع من الترحيب بيهم في بلده.
في أوضة البنات..كانت فريدة بتلبس فستان رقيق ومتحمسة جداً..
_ ليل.. يلا يا بنتي قومي البسي.. الفريق كله جهز والكل مستني برا.. عاصم أكد علينا نروح كلنا..وشكل الموضوع هيبقى مبهج أوي.. فرح سيناوي بقى ..
ليل ..وهي ممدة على السرير وبتقلب في كتاب ببرود..
= لا روحوا إنتوا يا فريدة.. أنا ماليش مزاج للمناظر دي خالص.
فريدة ..باستغراب..
_ مناظر إيه؟ ده كتب كتاب يا ليل! وصاحب المعسكر اللي إحنا فيه هو اللي عازمنا عيب نكسفه.. وبعدين قومي غيري جو القاعدة هنا هتخنقك.
ليل قعدت ورمت الكتاب من إيدها.. وعينيها كانت مليانة احتقار مكتوم..
= أغير جو في مكان بيحتفلوا فيه بمهزلة؟ بقولك إيه يا فيري.. روحي إنتي وانبسطي ..بقلم فاطمةشلبي أنا مش هروح أبارك لواحد بيبيع ويشتري في مشاعر الناس.. ولا لواحد تاني وافق يشتري.
فريدة ..بصدمة..
_ إنتي بتقولي إيه؟ مين اللي بيبيع ومين اللي بيشتري؟ ليل إنتي أكيد فاهمة حاجة غلط!
ليل ..بحدة ورفض تام..
= مش فاهمة غلط ولا حاجة.. أنا سمعت بودني وشوفت بعيني ومش حابة ألوث يومي بأشخاص زي دول.. قولي ليهم ليل تعبانة ليل نايمة.. قولي أي حاجة المهم أنا مش هتحرك من هنا.
فريدة اتنهدت بيأس لأنها عارفة إن ليل لما بتركب دماغها مفيش قوة في الأرض بتغير رأيها.. سابتها وخرجت وهي بتبرطم..
_ براحتك يا ليل.. بس والله هتندمي..اللمة هناك شكلها يجنن.
فضلت ليل لوحدها في الأوضة.. حاسة بضيق مش عارفة سببه.. هل هو فعلاً كره لعمار؟ ولا فضول قاتل إنها تروح وتشوف "الضحية" اللي عمار جوزها لصاحبه؟!
نزلت فريدة وهي متأنقة جداً..بس يا دوب وصلت لأول السلم وكعب "الهيلز" بتاعها اتكسر.. نفخت بضيق.. "مش وقتك خالص!" واضطرت ترجع الأوضة تاني تغيره.
أول ما قربت من الباب..سمعت صوت ليل العالي وهي بتزعق في التليفون بانفعال..
_ يا ماما قولتلك أنا مش عيلة صغيرة! أنا في رحلة مع النادي.. مش تايهة في الغابة..!
صوت نهال كان جاي من السماعة حاد وواضح..
= سيناء يا ليل؟ تروحي سيناء لوحدك ومن غير ما أعرف؟ إنتي ازاي تتصرفي من دماغك كده؟ بقلم فاطمةشلبي أنا مش هسمح بالمهزلة دي.. يا أما تركبي أول وسيلة مواصلات وتيجي.. يا إما أنا هركب عربيتي وأجيلك حالا آخدك من هناك..!
ليل ..بصراخ مكتوم..
_ تيجي فين؟ إنتي أصلاً تعرفي أنا فين بالظبط؟ وفين كنتي لما كنت بقعد بالشهور لوحدي في البيت؟ فجأة بقيت غالية؟ سلام يا ماما.. سلام!
قفلت ليل السكة ورمت التليفون على السرير وهي بتنهج من العصبية..ودموعها كانت محبوسة في عينيها.. في اللحظة دي دخلت فريدة، وبصت لليل بحزن.
فريدة ..بهدوء وهي بتقلع الكعب المكسور..
_"ليل.. أنا مش هروح"
ليل ..بصت لها باستغراب وهي بتمسح وشها..
= بتقولي إيه؟ والناس اللي مستنياكي برا؟
فريدة..بابتسامة..
_ الكعب تقريبا اتكسر عشان يقولي إن مكاني هنا جنبك.. مش هسيبك لوحدك وإنتي في الحالة دي.. والرحلة دي أصلاً كانت عشان نغير جو سوا.. مش عشان أسيبك تعيطي وأروح أنا أفرح وأغير جو .
ليل..بصوت مخنوق..
= يا فريدة روحي.. هيسألوا عليكي وحسام مش هيعديها بالساهل لو الفريق كله ماراحش وكسفناه قدام صحابه..!
فريدة ..بإصرار..
_ أنا مش هتحرك من هنا...قومي بقى اغسلي وشك..وهنطلب أكل ونشغل فيلم ونقعد سوا.. الفرح مش هيطير.. بس صاحبتي أهم.
________________//________________//_______________
في كتب الكتاب..
عاصم كان قاعد وحاسس إن ضربات قلبه مسموعة لكل اللي حواليه..عينه ملمعتش بالفرحة دي من سنين..أول ما المأذون قال جملته الشهيرة "بارك الله لكما وبارك عليكما"..عاصم غمض عينه وخد نفس طويل.. بقلم فاطمةشلبي وكأنه كان غرقان وأخيراً طلع لبر الأمان.. فيروز بقت مراته رسمي.. والحلم اللي كان عمار واقف سد منيع قدامه بقى حقيقة بكلمة من الشيخ منصور.
على الناحية التانية..عمار كان قاعد وهيبته طاغية على المكان.. لابس عبايته السيناوي ..وإيده على كتف عاصم.. رغم إنه هو اللي جوزهم إلا إن "غيرة الأخ" كانت بتنهش فيه.. كان بيبص لعاصم بنظرات مختلطة..فرحان لصاحب عمره..وفي نفس الوقت حاسس بـ "غصة" إن بنته الصغيرة "زي ما بيسميها" خلاص كبرت وهتخرج من بيته لبيت راجل تاني.
الشيخ منصور ..بضحكة صافية وهو بيطبطب على كتف عمار..
_ مبروك يا أبو عمار.. أهو كبرت وبقيت "حما "يا بطل! وسع صدرك بقى عاصم ابني وهيشيلها في عينه.
عمار ..بابتسامة بالعافية وهو بيبص لعاصم بحدة..
= الله يبارك فيك يا حاج.. بس عاصم عارف..لو فيروز دمعت دمعه واحدة.. صاحبي ده أنا مش هعرفه..وهيكون حسابه معايا عسير.
عاصم ..بضحكة مليانة سعادة وثقة..
_ يا عم اطمن دي في عيني والله.. إنت بس فك التكشيرة دي النهاردة الله يباركلك.
_________________//______________//_______________
تاني يوم الصبح..
ليل كانت لسه بتفوق في أوضتها..وفجأة سمعت خبط قوي على الباب استغربت وقامت فتحت الباب وهي بتمسح عينيها..وفجأة اتسمرت مكانها والصدمة شلت حركتها.. نهال كانت واقفة في وشها..!
دخلت نهال الأوضة بهدوء وثبات عكس كل توقعات ليل.. قفلت الباب وراها وبصت لبنتها بنظرة حادة بس مسيطرة على انفعالها وقالت..
_ ليل.. أنا مش جاية هنا عشان أعمل مشاكل..ولا جاية أتحاسب معاكي على طريقة كلامك في التليفون.. بس السفرية دي مينفعش تكمليها..ولازم ترجعي معايا القاهرة حالاً.
ليل استجمعت برودها وقفت ومربعة إيدها.. وبصت لمامتها
= والله؟ وأنا جيت هنا مع صحابي وهرجع معاهم لما الرحلة تخلص.. تقدري تتفضلي إنتي ترجعي مفيش مانع.. أصلاً أنا معرفش إيه اللي جابك وتعبتي نفسك ليه..!
هنا نهال فقدت هدوئه..وملامحها اتقلبت لخوف حقيقي وعصبية..
_ يا بنتي افهمي وبطلي عنادك اللي هيوديكي في داهية ده! افتكري أنا كام مرة حذرتك بقلم فاطمة شلبي تـهوبي ناحية هنا بالذات؟ إنتي إيه.. عاوزانا ندخل في مشاكل إحنا في غنى عنها ولا إيه يا ليل؟!
ليل رسمت ابتسامة باردة..
= مشاكل إيه؟ معتقدش إن في أي خطر حصل معايا لحد دلوقتي..المكان هنا أمان جداً والناس محترمة.. وبعدين تعبتي نفسك وسوقتي كل المسافة دي عشان تيجي تقوليلي الكلمتين دول؟
قربت نهال منها..ومسكت دراعها بقوة وقالت بنبرة حاسمة مفيهاش جدال ..
_ لا يا ليل.. تاعبة نفسي عشان جاية آخدك من هنا..وهتيجي معايا.. وحالاً! ..شنطتك تتلم وتنزلي معايا للعربية مش هسيبك هنا دقيقة واحدة تانية.
قامت فريدة من على السرير بسرعة على صوتهم العالي ..وراحت وقفت جنب ليل وحطت إيدها على كتفها.. وبصت لـ نهال بابتسامة ومحاولة لامتصاص الغضب..
= خلاص يا طنط.. روقي بس واهدي... السواقة وطريق سيناء أكيد تعبوكي.. أنا هقعد مع ليل وأتكلم معاها براحة ونتفق.. تقدري بس تستريحي دلوقتي في الاستراحة برا..ونتكلم بعدين وكل حاجة هتحل.
ليل أول ما سمعت كلام فريدة.. اتعصبت أكتر وحست إن مامتها بتفرض سيطرتها عليها..فزعقت بانفعال وعناد أعمى..
_ لا يا فريدة..! مفيش كلام بينا أصلاً وأنا مش راجعة معاها في أي مكان.. أنا هفضل هنا ولحد آخر يوم في الرحلة.
بصت ليل لنهال عين في عين..وقالت بنبرة تحدي قوية زلزلت الأوضة..
_ وأقولك الكبيرة بقى يا ست نهال؟ أنا مش همشي من سيناء أصلاً بعد ما الرحلة تخلص! أنا حبيت المكان هنا.. ومش همشي من هنا ووريني بقى هتعملي إيه..!
نهال ملامحها اتخطفت تماماً والاتنين وقفوا يبصوا لبعض بنظرات كلها شرار.. وفريدة واقفة في النص مش عارفة تلحقها منين ولا منين...خرجت نهال من الأوضة ورزعت الباب وراها وهي في قمة غضبها..بس ملامحها بقلم فاطمةشلبي كانت بتقول إنها مش هتستسلم..ومصممة على قرارها إنها لازم ترجع هي وليل للقاهرة في أسرع وقت ومستعدة تعمل أي حاجة عشان ده يحصل.
في الأوضة..ساد هدوء تقيل ومخيف.. فريدة لفت ليل وقعدتها على السرير..وبصت لها بنظرة كلها حيرة وقلق وقالت..
_ في إيه يا ليل؟ فهميني أرجوكي.. ليه مامتك مش حابة وجودك هنا للدرجة دي؟ أنا حاسة إن في موضوع كبير أوي ورا الخوف والعصبية دي كلها.. وإنك مخبية عني حاجة.. ليل إحنا صحاب وعمرك ما خبيتي عليا قوليلي في إيه؟!
ليل أول ما سمعت سؤال فريدة.. سرحت لثواني.. كأنها شريط ذكريات قديم ووجع سنين اتفتح قدام عينيها فجأة..
وفجأة الحصون اللي بنيتها ليل حوالين نفسها اتهدت..البرود والقسوة اتمسحوا..والدموع اتجمعت في عينيها ونزلت زي المطر.. ليل انهارت حرفيا..ودفنت وشها بين إيديها وبقت تبكي بشهقات مكتومة توجع القلب.
فريدة اتخضت من منظرها..دي مش ليل القوية اللي عارفاها..! أخدتها في حضنها بسرعة وبقت تطبطب عليها بحنان ودموعها هي كمان نزلت على صاحبتها..
_ اهدي يا حبيبتي.. اهدي يا ليل..أنا جنبك ومش هسيبك.. بس قوليلي مالك؟ في إيه واجعك أوي كده؟
ليل مكنتش قادرة تنطق.. كانت بتعيط وبس كأنها بتغسل بدموعها وجع قديم.
________________//________________//_______________
في بيت عمار..
كان الصبح غريب ومكتوم.. عمار صاحي ومزاجه مش أحسن فكرة إن أخته الصغيره والوحيدة خلاص بقيت على ذمة راجل تاني وهتفضل معاه شهر وتلم حاجتها وتمشي..كانت خانقاه ومخلياه مش طايق نفسه حتى ..!
وسط الخنقة دي..تليفونه رن ولقى اسم "عاصم" على الشاشة.. عمار نفخ بعصبية وفتح الخط فوراً
_ عاوز إيه يا قدري؟ اخلص وقول اللي عندك..
عاصم ..ضحك على طريقته..
= هعوز إيه يعني يا صاحبي؟ صباح الخير الأول.. إنت عارف إن يا دوب بقلم فاطمةشلبي قدامنا شهر ونعمل الفرح.. فبستأذنك هعدي النهاردة آخدك إنت وفيروز عشان نختار أوضة النوم الجديدة.. إيه رأيك؟!
عمار ..بنفاد صبر وضيق شديد..
_ عاصم! بالله عليك أنا مش فايق للشغل ده خالص النهاردة.. خف عن دماغي شوية.. وفيروز مش هتيجي معانا في حتة.. انسى الموضوع ده دلوقتي!
عاصم ..سكت ثواني بقلة حيلة..
= خلاص.. زي ما تحب يا عمار.. هتيجي المعسكر النهاردة ولا إيه؟
عمار..ببرود..
_ أيوه.. نص ساعة وهبقى عندك.
قفل عمار المكالمة.. ولف وبص لـ فيروز بصرامة ..
_ مفيش خروج من البيت مع عاصم في أي مكان.. أنا بقول أهو عشان لو حصل..هنزعل من بعض جامد يا فيروز..مفهوم؟
فيروز ..بصت له بخوف من نبرته..
= حاضر يا عمار.. مش هتفطر طيب قبل ما تنزل؟
عمار ..وهو بيعدل لبسه..
_لا ماليش نفس.. هاتيلي قهوة بس.
شرب قهوته ..ونزل وراح على المعسكر.. مفاتش ربع ساعة بالظبط.. وتليفون فيروز رن..لقت عاصم هو اللي بيتصل.. فتحت الخط بابتسامة مكسوفة..
_ أيوه يا عاصم..
عاصم..بلهفة وحب..
= صباح الخير والورد على ست البنات كلهم.
فيروز..بخجل..
_ صباح النور..
عاصم .. بسرعة بدون مقدمات..
= مش حابة تخرجي تغيري جو النهاردة معايا؟
افتكرت فيروز كلام عمار والتهديد اللي لسه قايله..فاترعبت وردت بسرعة..
_ لا لا مش حابة.. يعني البيت كويس وعندي شغل كتير فيه ومش هينفع أخرج.
عاصم فهم فوراً إن عمار "لقنها" الكلمتين دول قبل ما ينزل . فضحك بذكاء وقال..
= بصي يا فيروز.. إحنا دلوقتي متجوزين رسمي وكتابنا مكتوب صح؟ سيبك من أخوكي ده خالص أنا هعرف أتعامل معاه وأظبطه.. أصلاً أنا بقلم فاطمةشلبي واقف تحت البيت حالاً.. البسي بس واطلعي هاخدك مكان كان نفسك دايماً تروحيه.. يلا مستنيكي ومش عاوزك تقلقي من عمار خالص.. ماشي؟
فيروز قلبها كان بيدق بين الرعب من عمار وبين فرحتها بكلمات عاصم والمكان اللي هتروحه.. ترددت لثواني.. بس حبها لعاصم وفرحتها بجوازهم غلبوا خوفها.. وقالت بصوت واطي..
_"حاضر.. خمس دقائق وهكون عندك."
_________________//_______________//______________
وصل عمار المعسكر وهو مزاجه مش أحسن قابل حسام على السريع ومن غير كلام كتير.. راح سحب حصانه "غسق" وانطلق بيه بأقصى سرعة في الساحة.. كان بيجري عشان يفرغ الكبت والخنقة اللي جواه من فكرة إن أخته خلاص كبرت وهتسيب بيته.
وفجأة.. وهو بيجري.. لمح عربية عاصم داخلة المعسكر..ومكانش لوحده.. فيروز كانت قاعدة جنبه! عمار شد لجام غسق بعنف وعينه بتطق شرار.. والدم غلي في عروقه.
جوه العربية..فيروز لفت وشها وشافت أخوها جاي عليهم بفرسه قلبها وقع في رجليها بقلم فاطمةشلبي وجسمها كله اترعش من الخوف.. لمح عاصم رعبها فمسك إيدها يطمنها وقال بثبات..
_ اهدي يا فيروز مفيش حاجة.. لو قال حاجة أنا اللي هرد عليه متخافيش.
فيروز ..بصوت باكي من الخوف..
= بس إنت جبتنا هنا ليه؟ أنا أيوه كان نفسي أجي أشوف المكان بس مش بالطريقة دي ومن وراه يا عاصم!
وصل عمار ناحية العربية ونزل من على حصانه بسرعة عاصم نزل له على طول عشان يواجهه.. وفيروز نزلت وهي بتقدم رجل وتأخر رجل وعينها في الأرض.. عمار كان بيبص لفيروز بنظرة حادة وغير مفهومة.. فتدخل عاصم بسرعة عشان يبرر..
_ فيروز كانت مخنوقة وحابة تغير جو.. وأنا حبيت أجيبها هنا تشوف المكان الجميل ده ..مفيهاش حاجة يا صاحبي.
دار عمار نظره لعاصم بغضب..
= إنت بتلوي دراعي ولا إيه؟ مش فاهم! جايبها من ورايا وهنا يا عاصم؟ فاكر بالطريقة دي مش هعرف أعملك حاجة؟ وبعدين ازاي أصلاً تركب معاك العربية لوحدكم؟ أنا ماليش لازمة عندكم خالص للدرجة دي؟
عاصم ..حاول يهدي اللعب ويتكلم بمنطق..
= على فكرة يا عمار.. فيروز دلوقتي مراتي على سنة الله ورسوله ومش من حقك الحصار اللي عاوز تعمله علينا ده.. إحنا مش صغيرين..!
عمار.. بعصبية أكبر..
— حتى لو مرأتك! أنا مابحبش شغل السرقة ده.. كنتم كلمتوني وعرفتوني! ولا خلاص مابقاش ليا كلمة عليها؟
بص لفيروز بنظرة استنكار وخذلان وجعت قلبها.. وبعدين سابهم ومشي بخطوات سريعة ناحية شط البحر عشان يهدى..
فيروز ..بقلق ورعب..
_ شايف يا عاصم؟ زعل مني ازاي؟
عاصم ..بهدوء..
= معلش شوية وهيهدى..متقلقيش.
فيروز..وهي ماشية..
_ طيب معلش.. هروح أتكلم معاه وأراضيه عن إذنك.
عاصم..
= ماشي روحي شوفيه مفيش مشكلة.. أنا هروح أجيب الحصان من الإسطبل وجاي ليكم.
في الوقت ده..
ليل كانت نازلة من السكن وعينها لمحتهم.. شافت البنت الرقيقة اللي مع عاصم بقلم فاطمةشلبي وعرفت فوراً إن دي البنت اللي سمعتهم بيتكلموا عليها...شافتها وهي سايبة عاصم وماشية ناحية البحر ورايحة لعمار.. الفضول حرك ليل فمشت وراها وهي بتراقب المشهد..
وقفت ليل مكانها بصدمة واستنكار لما شافت فيروز وصلت عند عمار.. وبدأت تتكلم معاه بدلع طفولي وتراضيه..وعمار ملامحه لانت تماماً وضحك وطبطب عليها.. وفيروز تلقائياً رمت نفسها في حضنه..!
عمار حضنها وقالها بابتسامة..
_ أنا مش مصدق يا لمضة إنك بتاكلي عقلي في ثانية كده وتخليني أصفى.. بس ياريت الحركة دي ميتكررش تاني يا فيروز عشان بجد مش هعديها المرة الجاية.
فيروز ..بعدت عنه وهي بتضحك بفرحة..
= خلاص حاضر.. فك التكشيرة دي بقى..هروح أشوف عاصم عشان هيجيب الحصان وعاوزة أتعلم ركوب الخيل.. وسابته ومشيت وهي طايرة.
ليل هنا مقدرتش تتحمل أكتر من كده.. دمها غلي من
"المهزلة الأخلاقية" اللي متخيلاها في دماغها..!
راحت عنده بخطوات سريعة ووقفت قدامه ووشها باين عليه الاحتقار.
عمار استغرب هيئتها ونظرتها وقال ببرود..
_ خير يا ليل؟ في حاجة؟
ليل ..بابتسامة استهزاء وقرف..
= بجد أنا مش فاهمة إنت ازاي قادر تمثل بالبراعة دي؟
عمار ..عقد حواجبه باستغراب..
_ بمثل ازاي مش فاهم؟ تقصدي إيه؟
ليل ..بحدة وهجوم..
= مكنتش أعرف إنكم هنا بتساوموا بعض على البنات! لا ومش مكفيك اللي عملته.. رايح تخون صاحبك كمان مع مراته؟ أنتم إزاي كده بجد؟! إيه القرف ده؟
عمار حرفياً مكانش فاهم جملة واحدة من اللي بتقولها..
_ بخون صاحبي؟ وبساوم على بنات؟ إنتي بتخرفي وتقولي إيه؟ إنتي واعية لكلامك؟!
ليل ..ضحكت باستهزاء..
= لا بجد.. وعامل نفسك عبيط ومش فاهم كمان!
عمار ..اتعصب وصوته عالي..
_ بقولك إيه! أنا ساكت على طريقتك وأسلوبك من بدري..وأظن إني مش ملزم أسمع كلامك اللي ملوش لازمة ده.. اتفضلي من هنا عشان عندي شغل.
ليل ..بعصبية وتلقيح كلام..
= شغل مع حبيبة القلب طبعاً..!
عمار ..بنفاذ صبر وضيق..
_ اللهم طولك يا روح..
ليل ..باستنكار وقوة..
= إنت ازاي يا أستاذ تسمح لنفسك تحضن مرات صاحبك كده قدام الناس عادي ومش فارق معاك؟!.. لا وكمان بتجوزها له وإنت بتحبها؟ بقلم فاطمةشلبي وهو أصلاً قبل حاجة زي دي على نفسه إزاي؟ بجد مش فاهمة تفكيركم المريض ده.. بتلعبوا بقلوب بعض عادي كده؟!
هنا عمار فك شفرة كلامها كله.. الصدمة شلته لثواني..وبعدين ملامحه اتقلبت لذهول تام من كمية الغباء وسوء الفهم اللي ليل وقعت فيه.. بص لها وقال بنبرة متهكمة..
_ إنتي بجد اتجننتي! راسمة سيناريوهات في دماغك وعايشة الدور.. ما شاء الله عليكي! إنتي كان عندك ماضي أسود مخليكي تشوفي الناس كلها شبهك ولا إيه بالظبط ..؟
ليل ..بعصبية مكتومة ووش أحمر..
= أنا مسمحلكش تستهزأ بيا.. روح علم نفسك الأخلاق الأول!
عمار هنا مقدرش يمسك نفسه، وانفجر بالضحك بصوته كله.. ضحكة رنت في المكان كله وبصلها بمنتهى البرود وعينه فيها نظرة نصر وشماتة..
_ بصي.. إنتي عشان ضيفة وغريبة عن هنا مش هعملك حاجة تندمي عليها.. بس أنا مسمحلكيش تغلطي في أخلاقنا وثوابتنا.. يعني مثلاً.. ليه مجاش في بالك الذكي ده إني بجوز أختي؟!!
مش ممكن برضه؟ تقريبا بتحصل في الدنيا عادي يعني.. صح ولا أنا غلطان؟!
ليل اتصدمت.. الكلمة نزلت عليها زي الصاعقة.. عينيها وسعت ولسانها اتعقد والدم هرب من وشها..
= أختك؟ يعني.. البنت دي تبقى..!
عمار ..بضحكة مستفزة وشماتة..
_ أه والله تخيلي؟ سبحان الله.. فيروز أختي الصغيرة... وعاصم صاحب عمري اللي كتب كتابه عليها امبارح.. قوليلي بقى السيناريو بتاعك هينزل في السينما إمتى عشان الحق دور في العرض الأول؟؟
ليل كانت واقفة مش عارفة تنطق ولا تودي وشها فين من الكسوف .. حست إن الأرض بتلف بيها بعد ما عرفت إنها ظلمته وظلمت أخلاقه وفهمت كل حاجة بالعكس.
عمار قرب منها خطوة.. وبصلها بنظرة حادة ووعيد يخوف.. وقال بفحيح مرعب..
_ الإهانة والتجريح اللي اتقالوا في حقنا وفي حق أختي وصاحبي دي.. مش هعديهالك على فكرة.. وحسابك معايا تقيل وبعدين يا بنت المدن.
سابها واقفة مكانها زي الصنم مش قادرة تتحرك.. ومشى وهو على آخره.. وترك ليل غرقانة في شبر ميه من الإحراج والصدمة!
يتبع ...
بعد يومين من "الملاوعة" والمماطلة..رد عمار بالموافقة الرسمية على الشيخ منصور..واتحدد ميعاد كتب الكتاب بسرعة زي ما الجد طلب.. عاصم مكانش سايعه الفرح.. وعزم كل صحابه بما فيهم حسام..فريدة.. سيف.. وحتى ليل..كنوع من الترحيب بيهم في بلده.
في أوضة البنات..كانت فريدة بتلبس فستان رقيق ومتحمسة جداً..
_ ليل.. يلا يا بنتي قومي البسي.. الفريق كله جهز والكل مستني برا.. عاصم أكد علينا نروح كلنا..وشكل الموضوع هيبقى مبهج أوي.. فرح سيناوي بقى ..
ليل ..وهي ممدة على السرير وبتقلب في كتاب ببرود..
= لا روحوا إنتوا يا فريدة.. أنا ماليش مزاج للمناظر دي خالص.
فريدة ..باستغراب..
_ مناظر إيه؟ ده كتب كتاب يا ليل! وصاحب المعسكر اللي إحنا فيه هو اللي عازمنا عيب نكسفه.. وبعدين قومي غيري جو القاعدة هنا هتخنقك.
ليل قعدت ورمت الكتاب من إيدها.. وعينيها كانت مليانة احتقار مكتوم..
= أغير جو في مكان بيحتفلوا فيه بمهزلة؟ بقولك إيه يا فيري.. روحي إنتي وانبسطي ..بقلم فاطمةشلبي أنا مش هروح أبارك لواحد بيبيع ويشتري في مشاعر الناس.. ولا لواحد تاني وافق يشتري.
فريدة ..بصدمة..
_ إنتي بتقولي إيه؟ مين اللي بيبيع ومين اللي بيشتري؟ ليل إنتي أكيد فاهمة حاجة غلط!
ليل ..بحدة ورفض تام..
= مش فاهمة غلط ولا حاجة.. أنا سمعت بودني وشوفت بعيني ومش حابة ألوث يومي بأشخاص زي دول.. قولي ليهم ليل تعبانة ليل نايمة.. قولي أي حاجة المهم أنا مش هتحرك من هنا.
فريدة اتنهدت بيأس لأنها عارفة إن ليل لما بتركب دماغها مفيش قوة في الأرض بتغير رأيها.. سابتها وخرجت وهي بتبرطم..
_ براحتك يا ليل.. بس والله هتندمي..اللمة هناك شكلها يجنن.
فضلت ليل لوحدها في الأوضة.. حاسة بضيق مش عارفة سببه.. هل هو فعلاً كره لعمار؟ ولا فضول قاتل إنها تروح وتشوف "الضحية" اللي عمار جوزها لصاحبه؟!
نزلت فريدة وهي متأنقة جداً..بس يا دوب وصلت لأول السلم وكعب "الهيلز" بتاعها اتكسر.. نفخت بضيق.. "مش وقتك خالص!" واضطرت ترجع الأوضة تاني تغيره.
أول ما قربت من الباب..سمعت صوت ليل العالي وهي بتزعق في التليفون بانفعال..
_ يا ماما قولتلك أنا مش عيلة صغيرة! أنا في رحلة مع النادي.. مش تايهة في الغابة..!
صوت نهال كان جاي من السماعة حاد وواضح..
= سيناء يا ليل؟ تروحي سيناء لوحدك ومن غير ما أعرف؟ إنتي ازاي تتصرفي من دماغك كده؟ بقلم فاطمةشلبي أنا مش هسمح بالمهزلة دي.. يا أما تركبي أول وسيلة مواصلات وتيجي.. يا إما أنا هركب عربيتي وأجيلك حالا آخدك من هناك..!
ليل ..بصراخ مكتوم..
_ تيجي فين؟ إنتي أصلاً تعرفي أنا فين بالظبط؟ وفين كنتي لما كنت بقعد بالشهور لوحدي في البيت؟ فجأة بقيت غالية؟ سلام يا ماما.. سلام!
قفلت ليل السكة ورمت التليفون على السرير وهي بتنهج من العصبية..ودموعها كانت محبوسة في عينيها.. في اللحظة دي دخلت فريدة، وبصت لليل بحزن.
فريدة ..بهدوء وهي بتقلع الكعب المكسور..
_"ليل.. أنا مش هروح"
ليل ..بصت لها باستغراب وهي بتمسح وشها..
= بتقولي إيه؟ والناس اللي مستنياكي برا؟
فريدة..بابتسامة..
_ الكعب تقريبا اتكسر عشان يقولي إن مكاني هنا جنبك.. مش هسيبك لوحدك وإنتي في الحالة دي.. والرحلة دي أصلاً كانت عشان نغير جو سوا.. مش عشان أسيبك تعيطي وأروح أنا أفرح وأغير جو .
ليل..بصوت مخنوق..
= يا فريدة روحي.. هيسألوا عليكي وحسام مش هيعديها بالساهل لو الفريق كله ماراحش وكسفناه قدام صحابه..!
فريدة ..بإصرار..
_ أنا مش هتحرك من هنا...قومي بقى اغسلي وشك..وهنطلب أكل ونشغل فيلم ونقعد سوا.. الفرح مش هيطير.. بس صاحبتي أهم.
________________//________________//_______________
في كتب الكتاب..
عاصم كان قاعد وحاسس إن ضربات قلبه مسموعة لكل اللي حواليه..عينه ملمعتش بالفرحة دي من سنين..أول ما المأذون قال جملته الشهيرة "بارك الله لكما وبارك عليكما"..عاصم غمض عينه وخد نفس طويل.. بقلم فاطمةشلبي وكأنه كان غرقان وأخيراً طلع لبر الأمان.. فيروز بقت مراته رسمي.. والحلم اللي كان عمار واقف سد منيع قدامه بقى حقيقة بكلمة من الشيخ منصور.
على الناحية التانية..عمار كان قاعد وهيبته طاغية على المكان.. لابس عبايته السيناوي ..وإيده على كتف عاصم.. رغم إنه هو اللي جوزهم إلا إن "غيرة الأخ" كانت بتنهش فيه.. كان بيبص لعاصم بنظرات مختلطة..فرحان لصاحب عمره..وفي نفس الوقت حاسس بـ "غصة" إن بنته الصغيرة "زي ما بيسميها" خلاص كبرت وهتخرج من بيته لبيت راجل تاني.
الشيخ منصور ..بضحكة صافية وهو بيطبطب على كتف عمار..
_ مبروك يا أبو عمار.. أهو كبرت وبقيت "حما "يا بطل! وسع صدرك بقى عاصم ابني وهيشيلها في عينه.
عمار ..بابتسامة بالعافية وهو بيبص لعاصم بحدة..
= الله يبارك فيك يا حاج.. بس عاصم عارف..لو فيروز دمعت دمعه واحدة.. صاحبي ده أنا مش هعرفه..وهيكون حسابه معايا عسير.
عاصم ..بضحكة مليانة سعادة وثقة..
_ يا عم اطمن دي في عيني والله.. إنت بس فك التكشيرة دي النهاردة الله يباركلك.
_________________//______________//_______________
تاني يوم الصبح..
ليل كانت لسه بتفوق في أوضتها..وفجأة سمعت خبط قوي على الباب استغربت وقامت فتحت الباب وهي بتمسح عينيها..وفجأة اتسمرت مكانها والصدمة شلت حركتها.. نهال كانت واقفة في وشها..!
دخلت نهال الأوضة بهدوء وثبات عكس كل توقعات ليل.. قفلت الباب وراها وبصت لبنتها بنظرة حادة بس مسيطرة على انفعالها وقالت..
_ ليل.. أنا مش جاية هنا عشان أعمل مشاكل..ولا جاية أتحاسب معاكي على طريقة كلامك في التليفون.. بس السفرية دي مينفعش تكمليها..ولازم ترجعي معايا القاهرة حالاً.
ليل استجمعت برودها وقفت ومربعة إيدها.. وبصت لمامتها
= والله؟ وأنا جيت هنا مع صحابي وهرجع معاهم لما الرحلة تخلص.. تقدري تتفضلي إنتي ترجعي مفيش مانع.. أصلاً أنا معرفش إيه اللي جابك وتعبتي نفسك ليه..!
هنا نهال فقدت هدوئه..وملامحها اتقلبت لخوف حقيقي وعصبية..
_ يا بنتي افهمي وبطلي عنادك اللي هيوديكي في داهية ده! افتكري أنا كام مرة حذرتك بقلم فاطمة شلبي تـهوبي ناحية هنا بالذات؟ إنتي إيه.. عاوزانا ندخل في مشاكل إحنا في غنى عنها ولا إيه يا ليل؟!
ليل رسمت ابتسامة باردة..
= مشاكل إيه؟ معتقدش إن في أي خطر حصل معايا لحد دلوقتي..المكان هنا أمان جداً والناس محترمة.. وبعدين تعبتي نفسك وسوقتي كل المسافة دي عشان تيجي تقوليلي الكلمتين دول؟
قربت نهال منها..ومسكت دراعها بقوة وقالت بنبرة حاسمة مفيهاش جدال ..
_ لا يا ليل.. تاعبة نفسي عشان جاية آخدك من هنا..وهتيجي معايا.. وحالاً! ..شنطتك تتلم وتنزلي معايا للعربية مش هسيبك هنا دقيقة واحدة تانية.
قامت فريدة من على السرير بسرعة على صوتهم العالي ..وراحت وقفت جنب ليل وحطت إيدها على كتفها.. وبصت لـ نهال بابتسامة ومحاولة لامتصاص الغضب..
= خلاص يا طنط.. روقي بس واهدي... السواقة وطريق سيناء أكيد تعبوكي.. أنا هقعد مع ليل وأتكلم معاها براحة ونتفق.. تقدري بس تستريحي دلوقتي في الاستراحة برا..ونتكلم بعدين وكل حاجة هتحل.
ليل أول ما سمعت كلام فريدة.. اتعصبت أكتر وحست إن مامتها بتفرض سيطرتها عليها..فزعقت بانفعال وعناد أعمى..
_ لا يا فريدة..! مفيش كلام بينا أصلاً وأنا مش راجعة معاها في أي مكان.. أنا هفضل هنا ولحد آخر يوم في الرحلة.
بصت ليل لنهال عين في عين..وقالت بنبرة تحدي قوية زلزلت الأوضة..
_ وأقولك الكبيرة بقى يا ست نهال؟ أنا مش همشي من سيناء أصلاً بعد ما الرحلة تخلص! أنا حبيت المكان هنا.. ومش همشي من هنا ووريني بقى هتعملي إيه..!
نهال ملامحها اتخطفت تماماً والاتنين وقفوا يبصوا لبعض بنظرات كلها شرار.. وفريدة واقفة في النص مش عارفة تلحقها منين ولا منين...خرجت نهال من الأوضة ورزعت الباب وراها وهي في قمة غضبها..بس ملامحها بقلم فاطمةشلبي كانت بتقول إنها مش هتستسلم..ومصممة على قرارها إنها لازم ترجع هي وليل للقاهرة في أسرع وقت ومستعدة تعمل أي حاجة عشان ده يحصل.
في الأوضة..ساد هدوء تقيل ومخيف.. فريدة لفت ليل وقعدتها على السرير..وبصت لها بنظرة كلها حيرة وقلق وقالت..
_ في إيه يا ليل؟ فهميني أرجوكي.. ليه مامتك مش حابة وجودك هنا للدرجة دي؟ أنا حاسة إن في موضوع كبير أوي ورا الخوف والعصبية دي كلها.. وإنك مخبية عني حاجة.. ليل إحنا صحاب وعمرك ما خبيتي عليا قوليلي في إيه؟!
ليل أول ما سمعت سؤال فريدة.. سرحت لثواني.. كأنها شريط ذكريات قديم ووجع سنين اتفتح قدام عينيها فجأة..
وفجأة الحصون اللي بنيتها ليل حوالين نفسها اتهدت..البرود والقسوة اتمسحوا..والدموع اتجمعت في عينيها ونزلت زي المطر.. ليل انهارت حرفيا..ودفنت وشها بين إيديها وبقت تبكي بشهقات مكتومة توجع القلب.
فريدة اتخضت من منظرها..دي مش ليل القوية اللي عارفاها..! أخدتها في حضنها بسرعة وبقت تطبطب عليها بحنان ودموعها هي كمان نزلت على صاحبتها..
_ اهدي يا حبيبتي.. اهدي يا ليل..أنا جنبك ومش هسيبك.. بس قوليلي مالك؟ في إيه واجعك أوي كده؟
ليل مكنتش قادرة تنطق.. كانت بتعيط وبس كأنها بتغسل بدموعها وجع قديم.
________________//________________//_______________
في بيت عمار..
كان الصبح غريب ومكتوم.. عمار صاحي ومزاجه مش أحسن فكرة إن أخته الصغيره والوحيدة خلاص بقيت على ذمة راجل تاني وهتفضل معاه شهر وتلم حاجتها وتمشي..كانت خانقاه ومخلياه مش طايق نفسه حتى ..!
وسط الخنقة دي..تليفونه رن ولقى اسم "عاصم" على الشاشة.. عمار نفخ بعصبية وفتح الخط فوراً
_ عاوز إيه يا قدري؟ اخلص وقول اللي عندك..
عاصم ..ضحك على طريقته..
= هعوز إيه يعني يا صاحبي؟ صباح الخير الأول.. إنت عارف إن يا دوب بقلم فاطمةشلبي قدامنا شهر ونعمل الفرح.. فبستأذنك هعدي النهاردة آخدك إنت وفيروز عشان نختار أوضة النوم الجديدة.. إيه رأيك؟!
عمار ..بنفاد صبر وضيق شديد..
_ عاصم! بالله عليك أنا مش فايق للشغل ده خالص النهاردة.. خف عن دماغي شوية.. وفيروز مش هتيجي معانا في حتة.. انسى الموضوع ده دلوقتي!
عاصم ..سكت ثواني بقلة حيلة..
= خلاص.. زي ما تحب يا عمار.. هتيجي المعسكر النهاردة ولا إيه؟
عمار..ببرود..
_ أيوه.. نص ساعة وهبقى عندك.
قفل عمار المكالمة.. ولف وبص لـ فيروز بصرامة ..
_ مفيش خروج من البيت مع عاصم في أي مكان.. أنا بقول أهو عشان لو حصل..هنزعل من بعض جامد يا فيروز..مفهوم؟
فيروز ..بصت له بخوف من نبرته..
= حاضر يا عمار.. مش هتفطر طيب قبل ما تنزل؟
عمار ..وهو بيعدل لبسه..
_لا ماليش نفس.. هاتيلي قهوة بس.
شرب قهوته ..ونزل وراح على المعسكر.. مفاتش ربع ساعة بالظبط.. وتليفون فيروز رن..لقت عاصم هو اللي بيتصل.. فتحت الخط بابتسامة مكسوفة..
_ أيوه يا عاصم..
عاصم..بلهفة وحب..
= صباح الخير والورد على ست البنات كلهم.
فيروز..بخجل..
_ صباح النور..
عاصم .. بسرعة بدون مقدمات..
= مش حابة تخرجي تغيري جو النهاردة معايا؟
افتكرت فيروز كلام عمار والتهديد اللي لسه قايله..فاترعبت وردت بسرعة..
_ لا لا مش حابة.. يعني البيت كويس وعندي شغل كتير فيه ومش هينفع أخرج.
عاصم فهم فوراً إن عمار "لقنها" الكلمتين دول قبل ما ينزل . فضحك بذكاء وقال..
= بصي يا فيروز.. إحنا دلوقتي متجوزين رسمي وكتابنا مكتوب صح؟ سيبك من أخوكي ده خالص أنا هعرف أتعامل معاه وأظبطه.. أصلاً أنا بقلم فاطمةشلبي واقف تحت البيت حالاً.. البسي بس واطلعي هاخدك مكان كان نفسك دايماً تروحيه.. يلا مستنيكي ومش عاوزك تقلقي من عمار خالص.. ماشي؟
فيروز قلبها كان بيدق بين الرعب من عمار وبين فرحتها بكلمات عاصم والمكان اللي هتروحه.. ترددت لثواني.. بس حبها لعاصم وفرحتها بجوازهم غلبوا خوفها.. وقالت بصوت واطي..
_"حاضر.. خمس دقائق وهكون عندك."
_________________//_______________//______________
وصل عمار المعسكر وهو مزاجه مش أحسن قابل حسام على السريع ومن غير كلام كتير.. راح سحب حصانه "غسق" وانطلق بيه بأقصى سرعة في الساحة.. كان بيجري عشان يفرغ الكبت والخنقة اللي جواه من فكرة إن أخته خلاص كبرت وهتسيب بيته.
وفجأة.. وهو بيجري.. لمح عربية عاصم داخلة المعسكر..ومكانش لوحده.. فيروز كانت قاعدة جنبه! عمار شد لجام غسق بعنف وعينه بتطق شرار.. والدم غلي في عروقه.
جوه العربية..فيروز لفت وشها وشافت أخوها جاي عليهم بفرسه قلبها وقع في رجليها بقلم فاطمةشلبي وجسمها كله اترعش من الخوف.. لمح عاصم رعبها فمسك إيدها يطمنها وقال بثبات..
_ اهدي يا فيروز مفيش حاجة.. لو قال حاجة أنا اللي هرد عليه متخافيش.
فيروز ..بصوت باكي من الخوف..
= بس إنت جبتنا هنا ليه؟ أنا أيوه كان نفسي أجي أشوف المكان بس مش بالطريقة دي ومن وراه يا عاصم!
وصل عمار ناحية العربية ونزل من على حصانه بسرعة عاصم نزل له على طول عشان يواجهه.. وفيروز نزلت وهي بتقدم رجل وتأخر رجل وعينها في الأرض.. عمار كان بيبص لفيروز بنظرة حادة وغير مفهومة.. فتدخل عاصم بسرعة عشان يبرر..
_ فيروز كانت مخنوقة وحابة تغير جو.. وأنا حبيت أجيبها هنا تشوف المكان الجميل ده ..مفيهاش حاجة يا صاحبي.
دار عمار نظره لعاصم بغضب..
= إنت بتلوي دراعي ولا إيه؟ مش فاهم! جايبها من ورايا وهنا يا عاصم؟ فاكر بالطريقة دي مش هعرف أعملك حاجة؟ وبعدين ازاي أصلاً تركب معاك العربية لوحدكم؟ أنا ماليش لازمة عندكم خالص للدرجة دي؟
عاصم ..حاول يهدي اللعب ويتكلم بمنطق..
= على فكرة يا عمار.. فيروز دلوقتي مراتي على سنة الله ورسوله ومش من حقك الحصار اللي عاوز تعمله علينا ده.. إحنا مش صغيرين..!
عمار.. بعصبية أكبر..
— حتى لو مرأتك! أنا مابحبش شغل السرقة ده.. كنتم كلمتوني وعرفتوني! ولا خلاص مابقاش ليا كلمة عليها؟
بص لفيروز بنظرة استنكار وخذلان وجعت قلبها.. وبعدين سابهم ومشي بخطوات سريعة ناحية شط البحر عشان يهدى..
فيروز ..بقلق ورعب..
_ شايف يا عاصم؟ زعل مني ازاي؟
عاصم ..بهدوء..
= معلش شوية وهيهدى..متقلقيش.
فيروز..وهي ماشية..
_ طيب معلش.. هروح أتكلم معاه وأراضيه عن إذنك.
عاصم..
= ماشي روحي شوفيه مفيش مشكلة.. أنا هروح أجيب الحصان من الإسطبل وجاي ليكم.
في الوقت ده..
ليل كانت نازلة من السكن وعينها لمحتهم.. شافت البنت الرقيقة اللي مع عاصم بقلم فاطمةشلبي وعرفت فوراً إن دي البنت اللي سمعتهم بيتكلموا عليها...شافتها وهي سايبة عاصم وماشية ناحية البحر ورايحة لعمار.. الفضول حرك ليل فمشت وراها وهي بتراقب المشهد..
وقفت ليل مكانها بصدمة واستنكار لما شافت فيروز وصلت عند عمار.. وبدأت تتكلم معاه بدلع طفولي وتراضيه..وعمار ملامحه لانت تماماً وضحك وطبطب عليها.. وفيروز تلقائياً رمت نفسها في حضنه..!
عمار حضنها وقالها بابتسامة..
_ أنا مش مصدق يا لمضة إنك بتاكلي عقلي في ثانية كده وتخليني أصفى.. بس ياريت الحركة دي ميتكررش تاني يا فيروز عشان بجد مش هعديها المرة الجاية.
فيروز ..بعدت عنه وهي بتضحك بفرحة..
= خلاص حاضر.. فك التكشيرة دي بقى..هروح أشوف عاصم عشان هيجيب الحصان وعاوزة أتعلم ركوب الخيل.. وسابته ومشيت وهي طايرة.
ليل هنا مقدرتش تتحمل أكتر من كده.. دمها غلي من
"المهزلة الأخلاقية" اللي متخيلاها في دماغها..!
راحت عنده بخطوات سريعة ووقفت قدامه ووشها باين عليه الاحتقار.
عمار استغرب هيئتها ونظرتها وقال ببرود..
_ خير يا ليل؟ في حاجة؟
ليل ..بابتسامة استهزاء وقرف..
= بجد أنا مش فاهمة إنت ازاي قادر تمثل بالبراعة دي؟
عمار ..عقد حواجبه باستغراب..
_ بمثل ازاي مش فاهم؟ تقصدي إيه؟
ليل ..بحدة وهجوم..
= مكنتش أعرف إنكم هنا بتساوموا بعض على البنات! لا ومش مكفيك اللي عملته.. رايح تخون صاحبك كمان مع مراته؟ أنتم إزاي كده بجد؟! إيه القرف ده؟
عمار حرفياً مكانش فاهم جملة واحدة من اللي بتقولها..
_ بخون صاحبي؟ وبساوم على بنات؟ إنتي بتخرفي وتقولي إيه؟ إنتي واعية لكلامك؟!
ليل ..ضحكت باستهزاء..
= لا بجد.. وعامل نفسك عبيط ومش فاهم كمان!
عمار ..اتعصب وصوته عالي..
_ بقولك إيه! أنا ساكت على طريقتك وأسلوبك من بدري..وأظن إني مش ملزم أسمع كلامك اللي ملوش لازمة ده.. اتفضلي من هنا عشان عندي شغل.
ليل ..بعصبية وتلقيح كلام..
= شغل مع حبيبة القلب طبعاً..!
عمار ..بنفاذ صبر وضيق..
_ اللهم طولك يا روح..
ليل ..باستنكار وقوة..
= إنت ازاي يا أستاذ تسمح لنفسك تحضن مرات صاحبك كده قدام الناس عادي ومش فارق معاك؟!.. لا وكمان بتجوزها له وإنت بتحبها؟ بقلم فاطمةشلبي وهو أصلاً قبل حاجة زي دي على نفسه إزاي؟ بجد مش فاهمة تفكيركم المريض ده.. بتلعبوا بقلوب بعض عادي كده؟!
هنا عمار فك شفرة كلامها كله.. الصدمة شلته لثواني..وبعدين ملامحه اتقلبت لذهول تام من كمية الغباء وسوء الفهم اللي ليل وقعت فيه.. بص لها وقال بنبرة متهكمة..
_ إنتي بجد اتجننتي! راسمة سيناريوهات في دماغك وعايشة الدور.. ما شاء الله عليكي! إنتي كان عندك ماضي أسود مخليكي تشوفي الناس كلها شبهك ولا إيه بالظبط ..؟
ليل ..بعصبية مكتومة ووش أحمر..
= أنا مسمحلكش تستهزأ بيا.. روح علم نفسك الأخلاق الأول!
عمار هنا مقدرش يمسك نفسه، وانفجر بالضحك بصوته كله.. ضحكة رنت في المكان كله وبصلها بمنتهى البرود وعينه فيها نظرة نصر وشماتة..
_ بصي.. إنتي عشان ضيفة وغريبة عن هنا مش هعملك حاجة تندمي عليها.. بس أنا مسمحلكيش تغلطي في أخلاقنا وثوابتنا.. يعني مثلاً.. ليه مجاش في بالك الذكي ده إني بجوز أختي؟!!
مش ممكن برضه؟ تقريبا بتحصل في الدنيا عادي يعني.. صح ولا أنا غلطان؟!
ليل اتصدمت.. الكلمة نزلت عليها زي الصاعقة.. عينيها وسعت ولسانها اتعقد والدم هرب من وشها..
= أختك؟ يعني.. البنت دي تبقى..!
عمار ..بضحكة مستفزة وشماتة..
_ أه والله تخيلي؟ سبحان الله.. فيروز أختي الصغيرة... وعاصم صاحب عمري اللي كتب كتابه عليها امبارح.. قوليلي بقى السيناريو بتاعك هينزل في السينما إمتى عشان الحق دور في العرض الأول؟؟
ليل كانت واقفة مش عارفة تنطق ولا تودي وشها فين من الكسوف .. حست إن الأرض بتلف بيها بعد ما عرفت إنها ظلمته وظلمت أخلاقه وفهمت كل حاجة بالعكس.
عمار قرب منها خطوة.. وبصلها بنظرة حادة ووعيد يخوف.. وقال بفحيح مرعب..
_ الإهانة والتجريح اللي اتقالوا في حقنا وفي حق أختي وصاحبي دي.. مش هعديهالك على فكرة.. وحسابك معايا تقيل وبعدين يا بنت المدن.
سابها واقفة مكانها زي الصنم مش قادرة تتحرك.. ومشى وهو على آخره.. وترك ليل غرقانة في شبر ميه من الإحراج والصدمة!
يتبع ...