رواية فستبقي المحبوب الفصل الرابع 4 بقلم هاجر سلامة
الرابع
أغلق فارس الهاتف بعنف، وعيناه تشتعلان غضباً كأنه بركان أوشك على الانفـجار.
انتفض من مكتبه وبدأ يتحرك في الغرفة كالنمر الحبيس، بينما كانت دلال تتابعه بعينين متسعتين من الخوف، لا تفهم شيئاً مما يحدث.
فارس بصوت هادر جعل جدران المكتب تهتز: "الملف السري اتسرب! المناقصة اللي تعبنا فيها شهور راحت لشركة الحداد بنفس الأرقام بالمليم! ده معناه إن في خاين وسطنا.. جاسوس بيمشي في مكاتبنا ويسرق تعبنا!"
دلال بصوت مرتعش: "فـ.. فارس.. اهدا طيب، إن شاء الله هتعرفوا مين اللي عمل كده."
نظر إليها فارس، وبشكل مفاجئ هدأت ملامحه قليلاً عندما وقعت عيناه على براءتها.
توجه نحو الباب وفتحه، ثم صرخ في السكرتارية والمساعدين ليجتمعوا فوراً.
خلال دقائق، كان جميع المساعدين في المكتب يقفون برعشة وخوف أمام الفارس الغاضب.
فارس بنبرة حاسمة كقطع السيف: "من غير تحقيقات ومن غير وجع دماغ.. طالما الأمانة اتقطعت بيني وبينكم، يبقى ملمحش وش حد فيكم هنا تاني! كلكم مطرودين من الشركة فوراً، والشوؤن القانو.نية هتصفي حساباتكم!"
تعالت الاعتراضات والصدمات، لكن بنظرة واحدة من فارس خرست الألسن، وخرج الجميع يجرون ذيول الخيبة.
التفت فارس إلى دلال التي كانت تقف مذهولة، واقترب منها ببطء حتى أصبح أمامها مباشرة.
فارس وهو ينظر في عينيها العسلية بعمق: "من النهاردة.. أنتي المساعدة الوحيدة ليا في المكتب ده يا دلال. أنتي جديدة، ومستحيل تكوني ليكي علاقة باللي حصل، والأهم من ده.. إنك الشخص الوحيد اللي هأمن له في المكان ده."
دلال قلبت شفتيها بلطف وقالت بذهول كوميدي: "أنا؟! يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. أنا يدوب بعرف أفك الخط في ورقكم ده، هبقى مساعدة فارس النمرود؟ ده أنا ممكن أوديك في داهية!"
فارس ضحك بصوت رجولي دافئ خطف قلبها: "وراضي يا ستي بالداهية اللي هتيجي منك.. يلا اتفضلي اقعدي على مكتب السكرتارية برة، وعايزك تركزي في كل اللي يدخل ويخرج."
في تلك الأثناء، وفي ممرات الشركة الفخمة، كانت "شاهيناز" تسير بخطوات سريعة ومتوترة، ممسكة بحقيبتها بقوة.
شاهيناز كانت غارقة في ديون كثيرة بسبب مصاريفها الباذخة وشراء الملابس والمجوهرات بالتقسيط، ولم تجد حلاً سوى سرقة الملف السري ولقائه مع مندوب شركة "الحداد" الذي دفع لها مبلغاً ضخماً بالدولار لإنقاذها.
بينما كانت تسير، رأت دلال تخرج من مكتب فارس وتتوجه نحو حمامات السيدات الفاخرة للاسترخاء قليلاً من توتر الصباح.
في نفس اللحظة، ظهرت "جيهان" بوجهها العبوس الغاضب بعد قصف الجبهة الذي تلقته من فارس.
التقت أعين شاهيناز وجيهان، وبدون مقدمات، جذبتا بعضهما ودخلتا خلف دلال إلى منطقة المغاسل والحمامات، ودلال كانت بالداخل في أحد المراحيض المغلقة، ولم تلحظا وجودها!
جيهان وهي تخبط على وجهها بغيظ وغل: "أنا هـموت يا شاهيناز! هـموت من الغل! شفتي الفارس عامل إزاي؟ وسيم وطول بعرض ويهز الأرض! وأنا الغبية اللي افتكرته راجل مكركب وعنده تمانين سنة وسبته للجربوعة دي! ده مبيشوفش غيرها، وكسفني عشان خاطرها!"
شاهيناز لوت بوزها بتكبر وحقد: "اهدي بس يا جيهان.. فارس ده بتاعي أنا ومن زمان، وأنا مش هسيبه للبت الشحاتة دي تاخده على الجاهز! البت دي لازم تطلع من البيت والشركة بفضيحة!"
جيهان بلهفة وهي تقترب منها: "فضيحة إيه؟ قولي لي، أنا معاكي في أي مصيبة تخلصنا منها وترجع الفارس ليا.. أقصد ليكي!"
شاهيناز بخبث ومكر وهي تعدل مكياجها في المرآة: "فارس طرد كل المساعدين وشاكك في طوب الأرض بسبب الملف اللي اتسرب.. والغباء بتاعه خلاه يشغل دلال مكانهم! احنا نستغل الموضوع ده.. نلفق لها تهمة جديدة، أو نسرق ورق تاني ونبين إنها هي اللي سرقته بحكم إنها الوحيدة اللي معاه في المكتب وساعتها فارس بنفسه هيرميها في الشارع ويسجنها كمان!"
جيهان ضحكت بشر وشماتة: "يا بنت اللعيبة يا شاهيناز! والله فكرة عبقرية! وساعتها جدو مكرم وجدو عاصم مش هيقدروا يفتحوا بوقهم، وفارس يرجع لحضنك يا قمر.. وأنا أخلص من قرفها!"
في تلك الأثناء، كانت دلال تقف خلف الباب المغلق، واضعة يدها على فمها بكتمان، وعيناها العسليتان تتسعان بصدمة ورعب!
لقد سمعت كل شيء! علمت أن شاهيناز وجيهان تتآمران عليها، والأخطر.. أنها عرفت بطرف خيط أن هناك مؤامرة أكبر تدور حول الملفات!
دلال في سرها وهي ترتجف: "يا نهار مش فايت! هما عايزين يلبسوني تهمة؟ ماشي يا شاهيناز أنتي والصفرا التانية.. بقا أنا دلال بنت دار الأيتام اللي ياما خدت علقة وسكتت، هسكت لكم؟ وحياة كرامتي اللي اتهانت لأوريكم مين هي دلال!"
خرجت جيهان وشاهيناز وهما تضحكان بشر، وبعدها خرجت دلال وعيناها تلمعان بتحدٍ وإصرار لأول مرة.
عادت إلى مكتبها بجانب مكتب فارس، وجلست تفكر كيف ستحمي نفسها وتحمي فارس من الأفاعي التي تحيط به.
الخامس من هنا