📁 آخر الروايات

رواية قلبي يسطا الفصل الرابع 4 بقلم هاجر عبدالحليم

رواية قلبي يسطا الفصل الرابع 4 بقلم هاجر عبدالحليم



الفصل الرابع
رابع يوم. الساعة 10 الصبح. الورشة هادية على غير العادة.
كان يوسف جالسًا على كرسي خشبي، لافف شاش على كتفه وظهره، في وضع يوحي بثقل الألم أكثر من الراحة.
حركة ذراعه كانت محدودة، وكأن الجسد ما زال يتذكر ضربة اليوم السابق.
دُرة وصلت في موعدها تمامًا، في الثامنة إلا دقيقة.
خطواتها كانت أهدأ من المعتاد، لكن حضورها لم يفقد ثباته.
ذراعها الأيسر كان في جبيرة خفيفة، لكنها رغم ذلك ارتدت الأفرول كما هو، وكأنها ترفض الخروج من هذا المكان.
في يدها السليمة كيس صغير.
"جبتلك شاي بلبن من إيد أمي. والدكتور قال لازم تشرب حاجة تدفي عضمك."
وضعت الكوب أمامه بحذر شديد، كأنها تضع شيئًا أثمن من مجرد مشروب.
نظر يوسف إلى الكوب، ثم إليها.
"مش قولتلك ماتجيش وإنتِ متجبسة يابنتي الشغل مش هيطير؟"
جلست أمامه على إطار كاوتش قديم، وبدأت تربط شعرها بهدوء، وكأن السؤال لم يربكها.
"بلغتك اني هاجي وانا مش برجع عن كلمتي لانها سيف"
قبل أن يرد، شقّ الصمت صوت كلاكس حاد من الخارج.
كلاكس خشن، يتبعه آخر أكثر قوة.
توقفت حركة الورشة فجأة.
تقدمت سيارة سوداء فخمة، توقفت بعنف أمام المدخل، وقطعت الشارع بالكامل.
تبادل الصنايعية نظرات سريعة، ثم ساد توتر واضح.
"يا ساتر... ده المستشار هاشم يالي قاعدين يكفيكو شر الجايين."
اعتدل يوسف في جلسته.
وفي اللحظة نفسها، تغير وجه دُرة بالكامل.
الألوان انسحبت من ملامحها.
وصل.
فتح باب السيارة.
نزل رجل ببدلة كحلية، ونظارة شمس، وملامح جامدة لا تعرف الليونة.
كانت خطواته محسوبة، باردة، وكأن المكان يجب أن يصمت احترامًا لوجوده.
دخل الورشة.
توقف في المنتصف.
بدأت عينه تلتقط التفاصيل: الزيت، الكاوتش، الصبيان، ثم يوسف الجالس بفانلة حمالات وشاش، ودُرة بجانبه بذراع مجبسة وملامح مرهقة.
تصلبت ملامحه لحظة… ثم تحولت إلى قرف واضح.
"دُرة."
جاء الاسم كأنه اتهام.
"إيه اللي مقعدك هنا؟ وإيه المنظر دة المرة الجاية هترجعي جثة انا مش قولتلك مفيش شغل ف الورشة تاني جيتي بردو من ورايا؟"
نهضت دُرة بسرعة.
جسدها ثابت، لكن يدها السليمة كانت تمسك طرف الأفرول كأنها تبحث عن توازن داخلي.
تحركت عينه إلى ذراعها المجبس.
أمك لو شافتك هتموت من حسرتها عليكي"
كان يوسف صامتًا، لكن عضلات فكه كانت مشدودة بشدة.
ثم قام ببطء.
جسده كان متعبًا، لكنه وقف بثبات أمام الرجل.
"اتفضل يا سيادة المستشار"
نظر إليه المستشار من أعلى لأسفل، ببطء مقصود: الفانلة، الشاش، آثار الزيت، ثم الأرض.
"إنت بقا يوسف؟"
"أيوه أنا."
مسح يوسف عرقه بضهر يده، ثم قال بثبات: "اللي بنتك كانت هتموت في ورشته امبارح، وهو اللي شال عربية طن ونص عشان يلحقها."
صمت المكان.
تحركت عينا المستشار نحو دُرة.
هزت رأسها بهدوء: "أنا كويسة يا بابا."
ضحكة قصيرة خرجت منه، بلا روح.
"كان فين عقله لما ساب واحدة زيك تنزل تحت عربية؟ دي مسؤوليته! لو كان جرالك حاجة كنت قفلتله الورشة دي وشمعتها بالشمع الأحمر!"
ساد توتر كثيف داخل الورشة.
الصنايعية توقفوا تمامًا.
وجه يوسف تغير.
لم يعد غضبًا فقط… بل شيء أثقل.
اقترب خطوة.
"الورشة دي فاتحة 4 بيوت. وفيها عيل زي عبده ده، أبوه مات ومايعرفش غيري. تقفلها عشان بنتك واحدة متدلعة واتشاقت شوية"
"يوسف!"
أمسكت دُرة ذراعه السليم.
"بابا مايقصدش."
"لا قاصد!"
"وإنت فاكر نفسك مين؟ عشان بنتي تتجبس وتتمرمط عندك؟ انا ممكن اشتريك انت والورشة بتاعتك دي؟"
في لحظة واحدة، تحرك يوسف.
لم يلمس المستشار.
بل أمسك يد دُرة، وأبعدها بلطف، ثم وضعها خلف ظهره.
حركة واحدة فقط… لكنها كانت واضحة تمامًا.
كان يحميها.
حتى من أبيها.
"لا يا سيادة المستشار. فلوسك عمرها م تشتري رجالة."
ثبت نظره عليه.
"فلوسك تشتري حديد، تشتري مسامير، تشتري عربية زي اللي بره. بس الرجولة. مظنش فلتت منك شوية"
تقدم خطوة.
أصبحت المسافة بينهما ضيقة جدًا.
"وبنتك... بنتك أشرف من الشهادة اللي متعلقة في مكتبك. عشان وقفت في الشحم، واتعورت، وما جريتش. عليك تقولك الحقني وهاتلي"
توقف لحظة.
ثم أكمل بصوت أهدأ لكنه أثقل: "عايز تقفل الورشة؟ اقفلها. بس قبل ما تقفلها، خد بنتك. عشان ورشتي... مابيدخلهاش حد مكسور العين"
سقط الصمت.
لم يكن صمتًا عاديًا… بل صدمة.
المستشار لم يرد.
ظل ينظر إليه فقط.
ثم حوّل نظره إلى دُرة.
لكنها لم تكن تنظر إليه.
كانت تنظر إلى يوسف.
وعيناها ممتلئتان بشيء جديد.
شيء لا يشبه الخوف.
"دُرة. يلا."
"حسابك في البيت."
لكنها لم تتحرك.
"مش ماشية يا بابا"
"تدريبي لسه ماخلصش. وأنا... أنا مش مكسورة العين. أنا مرفوعة الراس إني في الورشة دي."
تغير وجه المستشار ببطء.
"هتعصي كلامي؟ عشان ده؟"
"عشان نفسي يا بابا. عشان أنا لقيت نفسي هنا. ومبسوطة وانا هنا"
سكت لحظة.
ثم قال:
"انتي حرة"
استدار وغادر.
صفع باب السيارة بقوة، وانطلقت السيارة بسرعة.
بعد رحيله
سكن المكان لثوانٍ طويلة.
قبل أن يكسره عبده بصوت مذهول: "يا دين النبي... يسطا. إنت هزقت المستشار بالطريقة"
انفجر المكان.
ضحكات، تصفير، إعجاب.
"أجدع أسطا في مصر!"
"الباشمهندسة طلعت بمية راجل!"
لكن يوسف لم يسمع أي شيء.
كان ينظر إلى دُرة فقط.
وهي تنظر إليه.
ذراعها في الجبس، ووجهها متعب، لكن نظرتها مختلفة تمامًا.
"إنتِ اتجننتي؟"
"أبوكِ ممكن يدمرك روحيله"
"مش فارقة"
اقتربت منه.
عدلت الشاش على كتفه ببطء.
هو لم يتحمل.
أمسك يدها السليمة، وضغط عليها.




الخامس من هنا 
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات