رواية زينة اسد الصعيد الفصل الثالث 3 بقلم فادية النجار
زينه اسد الصعيد
البارت الثالث
اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى اصحاب سيدنا محمد وعلى اتباع سيدنا محمد وسلم تسليماً كثيراً
بينما كان أسد غارقاً في أفكاره، لمح مروان خيالاً غريباً يتحرك خلف الشجرة الكبيرة في الظلام.
صاح مروان منتبهاً:
— أسد.. وقف! شكل في حد ورا الشجرة دي يا أسد، صدقني أنا شوفت كأنه شبح أو خيال بني آدم!
ضحك أسد بسخرية محاولاً طرد الشك:
— أنت أهبل يا بني ولا دماغك قفلت من مشوار البندر؟ عيونك من النوم بقت تتهيألها حاجات.
أصر مروان وقال بجدية:
— طيب وقف بس يهديك ربنا.. والله العظيم في حد ورا الشجرة دي، صدقني!
---
ضغط أسد على المكابح بقوة حتى أصدرت الإطارات صوتاً عالياً ووقفت السيارة. نزل أسد ومعه مروان، وتقدم مروان بحذر وصاح بنبرة آمرة:
— مين هنا؟! اظهر بدل ما نطخك!
سمعت زينة هذا الصوت القوي، فانكمشت أكثر خلف جذع الشجرة، ودفنت رأسها في حضن ابنتها وهي تظن أنهم قطاع طرق أو أشرار سيؤذونها، ولفت ابنتها أكثر وأكثر في حضنها لحمايتها.
اقترب أسد ومروان، وقام مروان بفتح كشاف هاتفه وسلط الضوء نحو الأرض، ليتفاجآ بشخص متكوم على نفسه يرتجف رعباً.. ولكن عندما رأت زينة نور الكشاف رفعت رأسها ببطء، وكان منظرها يقطع قلب أسد إرباً.
تراجع أسد خطوة إلى الوراء بذهول، واتسعت عيناه وهو ينطق باسمها بصدمة:
— أنتي.. زينة؟! صح؟
رفعت رأسها والدموع تملأ عينيها، والطرحة مغطية نصف وجهها، وبكت بنحيب مرير وشعرها مقلوع ومتناثر من أثر ضرب محسن الوحشي لها:
— أه.. أني زينة يا بيه.
التفت مروان لأسد باستغراب:
— مين زينة دي؟ وأنت تعرفها من فين يا أسد؟!
وفي تلك اللحظة، صرخت الطفلة الصغيرة بالبكاء كأنها شعرت بالخوف والبرد الذي يتملك والدتها، فاحتضنتها زينة وجعلت تهدهدها برعب وبكاء مرير.
تخطى أسد مروان ووقف أمام زينة، وعيونه تشتعل بنيران الغضب الصاعق وهو يرى ملامح الضرب والبهدلة على وجهها وشعرها المنزوع، وقال بحدة وحرقة هزت أرجاء المكان:
— استنى أنت دلوقتي يا مروان.. (ثم وجه كلامه لزينة) أنتي بتعملي إيه في الوقت ده في الشارع والبرد؟! ومين اللي عمل فيكي كديه؟! قومي معانا.. مش هتفضلي في الشارع لروحك، أنا استحالة أسيبك هنا واصل!
توسلت إليه زينة بنبرة منكسرة:
— لا الله لا يسيئك يا بيه.. سبني وأمشي، أنا مش ناقصة بهدلة.. روح الله يخليك، محسن لو جه ومش لقاني هيطين عيشتي أكتر.. أنا ماليش حد هنا، وشوية ومحسن هيرجع وهيفتحلي الباب والله.اصلي خبطت علي الباب بس محدش رد
تأجج الغضب في صدر أسد، وصاح بقسم زلزل القلوب:
— والله في سماه.. لو ما قومتي الساعادي لكون طاخه في نص راسه وجايب أجله الليلة! إيه رأيك بقى يا زينة؟! قومي!ارتجفت زينه من الخوف وحضنت ابنتها خوفا من اسد
تدخل مروان بعد أن بدأت الصورة تتضح له:
— أنا مش فاهم حاجة واصل.. أنتي تبقي مرت محسن العواطلي؟ كيف ده يحصل؟! كيف يرميكي في الشارع كديه؟!
قال أسد بصرامة وعيونه تشتعل غيرة وغضباً وهو يراقب الشارع:
— مش وقته الحكايات يا مروان.. مش وقته!قومي يلا
قالت زينة باستسلام وخوف من تهديد أسد الصارم:
— طيب.. لو عايزين تساعدوني، ممكن بس توصلوني لحد آخر الشارع عند بيت الخالة هيام؟ أصلي كنت رايحة عندها بس الكلاب فضلت تنبح وخفت أمشي في الضلمة، فقعدت ورا الشجرة دي.
نظر إليها أسد بإصرار ونبرة حامية كالجمر:
— تمام.. قومي وامشي ورانا متخفيش
قامت زينة وهي تحمل ابنتها بوهن شديد، وسارت خلفهما وعيناها لا تفارق الأرض حتى وصلوا إلى بيت الخالة هيام.
تقدم أسد ودق الباب بقوة وهيبة.
صاح صوت هيام المتوجس من الداخل:
— أيوة.. مين اللي بيخبط في وقت متأخر كديه الساعادي؟!
أجاب بصوت جهوري:
— افتحي يا خالة.. أنا أسد الهواري!
فتحت هيام الباب بسرعة والدهشة تعلو وجهها:
— أسد بيه؟! خير يا رب.. في إيه؟
ولكن ما إن فتحت الباب بالكامل حتى لمحت زينة تقف بجواره مكسورة الجناح. صرخت هيام بلوعة:
— زينة؟! إيه اللي عمل فيكي كديه يا بنتي والدموع مغرقة وشك؟!
حاولت زينة مداراة الأمر خشية أن يعرف أسد ومروان كل ما يفعله بها محسن، فقالت بصوت مبحوح:
— مش في حاجة يا خالتي.. أنا كويسة.
ردت هيام بغضب وحزن جارف:
— مش في حاجة كيف؟! أكيد النطع محسن اللي يتقطع إيده.. هو اللي ضربك وطردك صح؟!
صمتت زينة ونكست رأسها بأسى، بينما دار في عقل أسد بركان وهو يفكر: "يعني دي مش أول مرة يا زينة؟! بس والله في سماه لهرجعلك حقك، وإلا ما يكونش اسمي أسد الهواري!".
التفتت الخالة هيام نحو أسد، ونظرت إليه بتعجب ممزوج بالاحترام:
— اتفضل يا بيه.. بس صحيح، إيه لم الشامي على المغربي؟ وإيه اللي جابك مع زينة الساعادي؟
نظر أسد لزينة نظرة أخيرة تحمل الكثير من الغموض والوعد القاطع بالانتقام، ثم قال للخالة هيام بحسم أخرس الألسن:
— بصي يا خالة.. الست زينة أمانة عندك برقبتك، وأنا إن شاء الله بكرة الصبح هعرف أتصرف كويس قوي مع الزفت ده، وهرجع لها حقها.
جذب مروان أسد من ذراعه وقال بهمس:
— يلا بينا يا أسد.. وقفتنا دي في نص الليل ملهاش لازمة، والناس في النجع مبتصدق تلوك في سيرة الحريم، والحديث هيكتر.
أومأ أسد برأسه وقال وعيناه تتوهجان بنار غامضة:
— ماشي يا مروان.. يلا بينا.
تركا المكان، بينما بقيت زينة في أحضان الخالة هيام، تبكي وتتساءل عما يخبئه لها القدر في الصباح.. وعن هذا "الأسد" الذي ظهر في طريقها فجأة ليغير مجرى حياتها بالكامل.
---
عتمة الليل كانت قد أسدلت ستارها الثقيل على النجع، لكن النيران التي اشتعلت في صدر أسد الهواري لم تكن لتهدأ. انطلقت سيارته تشق الطريق الزراعي المظلم بسرعة جنونية، وعيناه مثبتتان على الأفق، لكنه لم يكن يرى الطريق؛ كان يرى وجهها.. وجه زينة الشاحب، قطرات الدموع التي كانت تنزل من عينيها كالؤلؤ، وخصلات شعرها المنزوعة بدم بارد.وخدها الذي كان يعلم عليه يده هذا المسخ السكير..
كان مروان يجلس بجواره صامتاً، يراقب قبضتي أسد التي تحولت عروقها إلى حبال بارزة من شدة ضغطه على مقود السيارة. الصمت داخل السيارة كان خانقاً، يقطعه فقط صوت أنفاس أسد المتلاحقة وكأنه في معركة حاسمة.
تنحنح مروان وهتف بنبرة هادئة محاولاً امتصاص ذلك الغضب الساطع:
— جرى إيه يا صاحبي؟ هدي السرعة شوية، عاد إحنا مش في سباق.. انت عايز تموتنا اليوم ولا ايه.
لم يرد أسد، بل زاد من ضغط قدمه على دواسة الوقود، وكأنه يحاول الهروب من الأفكار التي تطارده. لكن كيف يهرب رجل من فكرة نبتت في أعماق قلبه؟
عاد مروان للحديث، بنبرة حملت الكثير من التساؤل والتعجب:
— بس والله يا أسد.. قطع قلبي منظر البت الغلبانة دي. كيف لراجل عنده ذرة دم يرمي لحمه وعرضه في الشارع في نص ليل كده؟ والله محسن ده.. طول عمره نطع وفاسد، بس مكنتش متوقع توصله الجرأة إنه يمد إيده ويتبغدد على حرمته ويرميها في نصاص الليل وهي مهياش من هنا؟!
عند ذكر اسم "محسن"، انحرفت السيارة بقوة قبل أن يعيد أسد السيطرة عليها وهو يضغط على مكابحه بعنف، لتقف السيارة فجأة على جانب الطريق المظلم.ليشهق مروان ويقول ايه يا خوي كنت هتودينا فطيس الله الوكيل
التفت أسد إلى مروان، وعيناه تشعان بنار غامضة، وصاح بصوت جهوري مكتوم:
— اقفل السيرة دي يا مروان! اقفلها نهائي ومش عايز أسمع حسك فيها الليلة تمام!
نظر إليه مروان بذهول، وحاول قراءة ما خلف نظرات الطبيب الشامخ:
— ومالك ثرت كديه يا أسد؟ أنا بتحدث عن ظلم بين شفناه بعنينا! عاد أنت من متى بتفوت ظلم واصل في البلد؟ ولا..انت اكتفيت بانك وديتها للخاله هيام ولا في حاجة تانية؟
تسمر أسد في مكانه، وشعر بغصة في حلقه.من كلمه "حاجة تانية؟!".. ترددت الكلمة في عقله كأسراب من الدبابير. التي تنهش تفكيره وعقله معا هل يمكن أن يكون ما يشعر به يتخطى النخوة والشهامة الصعيدية؟ لا.. هو أسد الهواري، لا ينظر لامرأة في ذمة رجل، ولا يضع عينه على الحرام. لكن، لماذ يشعر بقلبه يعتصر؟ لماذا شعر برغبة عارمة في أن يمزق محسن إرباً بسبب تلك الخصلات المنزوعة من شعر زينة؟
ماذا سوف يحدث بعد ذلك دعونا نري
الرابع من هنا