📁 آخر الروايات

رواية زهرة في جوف العتمة الفصل الثالث 3 بقلم نور محمد

رواية زهرة في جوف العتمة الفصل الثالث 3 بقلم نور محمد


"كلب..كلب.. سـ.. سنان! سنان بتنهش لحم.. عتمة لا.. أيوب.. خبي فتنة!"
الكلمات طلعت من بين شفايفها المرتجفة زي طلقات الرصاص، متقطعة، مليانة رعب.
عينيها الخضرا وسعت لدرجة جدا، وجسمها كله اتنفض كأن تيار كهربا مسك فيها.
مكنتش بتبص لأيوب، كانت بتبص للباب بتاع الكوخ، ودانها اللي اتدربت على السمع في الضلمة لقطت صوت نباح الكلاب قبل ما أيوب نفسه يركز معاه.
كانت بتكش في نفسها، بترجع لورا لحد ما لزقت في الحيطة، وبدأت تخربش في الجدار بضوافرها المقصوصة كأنها بتحاول تحفر لنفسها مخبئ تستخبى فيه من الكلاب اللي جاية.
أيوب وقف مكانه للحظة، الدم هرب من عروقه.
الكلمات اللي قالتها مكنتش مجرد هلوسة، دي كانت ذكريات. يعني الناس اللي حابسينها كانوا بيسلطوا عليها الكلاب عشان يخوفوها ويقهروها!
الرعب اللي في عينيها كان كفيل يخلي جبل يتهد، فما بالك بقلب الشاب البسيط اللي معندوش أي سلاح يحميها بيه غير يقينه في ربنا.
نباح الكلاب بدأ يعلى أكتر، وصوت مواتير العربيات الجيب بقت قريبة جداً، الطين كان بيطرطش تحت عجل العربيات كأنهم داخلين حرب، مش بيدوروا على بنت ضعيفة.
أيوب اتحرك بسرعة البرق. راح ناحية سريره، وشال المرتبة القطن ورماها على الأرض، وبعدين شال الحصيرة الخوص القديمة اللي تحتها.
كان في باب خشب مربع في الأرض، متداري في طينة الأوضة، دي كانت "صومعة" صغيرة، حفرة كان أيوب بيخزن فيها شكاير الغلة والبطاطس عشان متسوسش من الرطوبة، مكان ضيق جداً، وضلمة كحل.
فتحه بسرعة ولف لفتنة اللي كانت بتترعش وبتشد في شعرها. راح ناحيتها، نزل على ركبه ومسك كتافها بقوة عشان يفوقها من نوبة الرعب.
"فتنة! بصيلي! بصي في عيني!" قالها بصوت حازم بس واطي، كأنه بيهمس في روحها.
البنت بصتله، عينيها كانت مليانة دموع محبوسة.
"الكلاب مش هتدخل هنا. أنا مش هسمحلهم يلمسوكي. بس لازم تستخبي تحت.. في الحفرة دي." شاورلها على الصومعة.
أول ما شافت الحفرة الضلمة، صرخت صرخة مكتومة، وهزت راسها بعنف يمين وشمال. "لا.. لا.. عتمة لا.. قبر.. لا!"
الكلمات كانت بتطلع منها بالعافية، بس معناها كان واضح. العتمة بالنسبة لها موت، رجوع للسجن اللي عاشت فيه.
صوت فرامل العربيات ضرب بره الكوخ، وأصوات رجالة غليظة بدأت تزعق وتدي أوامر.
"يا فتنة مفيش وقت!" أيوب قلبه كان بيتقطع.
مكنش قدامه حل تاني. مسكها من إيديها وشدها ناحية الحفرة، البنت قاومت بشراسة، بس جسمها الضعيف مكنش ند لقوته. نزلها جوه الحفرة اللي يادوب تكفيها وهي قاعدة متكورة.
وهي بتبكي وبتترجاه بعينيها إنه ميسيبهاش في الضلمة، أيوب طلع المسبحة بتاعته من جيبه، مسبحة خشب ريحتها مسك كان دايماً بيسبح عليها، وحطها في إيديها اللي بتترعش، وقفل عليها كفها.
"ريحة المسك دي ريحتي.. طول ما السبحة دي في إيدك، أنا معاكي. أنا فوقك بالظبط. اقرأي في سرك (الله نور السماوات والأرض)، الضلمة دي حماية مش سجن. متطلعيش صوت.. أبوس إيدك متطلعيش صوت."
قفل الباب الخشب عليها بسرعة قبل ما يشوف نظرة الانكسار في عينيها اللي كانت هتدمره.
فرد الحصيرة، ورجع المرتبة مكانها، وقعد على السرير، وسحب بطانية حطها على رجله كأنه كان نايم.
في اللحظة دي، باب الكوخ انضرب برجلة قوية، طار على إثرها القفل الضعيف، واتفتح الباب على مصراعيه عشان يدخل منه تيار هوا بارد، معاه تلات رجالة ضخام، لابسين بالطوهات سودة، وماسكين كشافات قوية، وواحد فيهم ماسك كلب ضخم بسلسلة حديد. الكلب كان بيهوهو بشراسة وبيلف في المكان.
"مين هنا؟!" صرخ أضخم واحد فيهم، صوته كان مخيف.
أيوب عمل نفسه بيتنفض من النوم، قام من على السرير وهو بيمسح عينيه كأنه مخضوض. "يا ساتر يا رب! مين؟ إيه يا بهوات في إيه؟ إنتوا مين ودخلتوا هنا إزاي؟"
الراجل الضخم قرب منه، كشافه ضرب في وش أيوب وعماه. "إنت اللي عايش في الخرابة دي لوحدك؟"
"أ.. أيوه يا باشا. أنا غفير المزرعة دي، شغال هنا بقالي تلات سنين. في حاجة ضاعت منكم؟" أيوب كان بيحاول يخلي صوته يرتجف، مش من الخوف منهم، بس من الخوف على الروح اللي مدفونة تحت رجليهم.
الراجل بصله من فوق لتحت باشمئزاز. "في بنت هربانة.. أو بالأصح، كلبة هربانة. شفتها؟ أو لمحت حد غريب بيلف حوالين قصر الخواجة؟"
"قصر الخواجة؟" أيوب عمل نفسه مرعوب وبلع ريقه بصعوبة. "يا بيه المكان ده مسكون، أنا مبمشيش من الناحية دي أبداً بعد المغرب. بنت إيه اللي هتروح هناك؟"
الراجل مردش، شاور للي ماسك الكلب. "إفلت الكلب يشمشم المكان."
الرعب نهش قلب أيوب حرفياً. الكلب بدأ يشم في أركان الكوخ. راح ناحية الطشت اللي كانت فتنة بتستحمى فيه، شمه وزمجر. أيوب حس إن روحه بتنسحب.
"الكلب شامم حاجة هنا." قال الراجل اللي ماسك السلسلة.
أيوب اتدخل بسرعة وهو بيحاول يبتسم بعبط: "ده طشت الماية يا بيه، كنت بدبح فرخة وبنضفها الصبح، تلاقي الكلب شامم ريحة الدم والزفارة."
الكلب ساب الطشت، وبدأ يقرب من السرير.. المكان اللي تحته فتنة بالظبط. الكلب بدأ يشم في الأرض، وزمجر بصوت واطي، وبدأ يخربش في الحصيرة.
الزمن وقف. كل دقة قلب في صدر أيوب كانت بتضرب زي طبلة الحرب. البنت تحت لو صرخت، لو طلعت صوت واحد، كل حاجة هتنتهي.
"شكله لقى حاجة تحت السرير ده." الراجل الضخم طلع مسدسه من جيبه وشال الأمان، ووجهه ناحية أيوب.
"إرفع المرتبة دي.. ببطء."
أيوب غمض عينيه ثانية واحدة، "يا رب استرها.. يا رب اجعل من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا"، دعا في سره بيقين الميت اللي بيطلب الروح.
مد إيده عشان يرفع المرتبة.. وفي اللحظة دي، أيوب لمح براد الشاي اللي كان بيغلي على البوتاجاز الصغير وراه. بدون تفكير، وبحركة مقصودة تبان إنها عفوية من الخضة، رجع خطوة لورا وهو بيرفع المرتبة، خبط البوتاجاز برجله، البراد اتقلب، والماية المغلية نزلت كلها على الأرض.. وجزء منها طرطش على رجل الكلب.
الكلب صرخ صرخة وجع، ونط لورا وهو بيعوي، وبدأ يلف حوالين نفسه بجنون.
"يا غبي! إنت أعمى؟" صرخ الراجل الضخم، ورفع إيده ونزل بظهر المسدس على جبهة أيوب بكل قوته.
الضربة كانت قاضية. أيوب وقع على الأرض، والدم انفجر من جبينه وغطى نصه وشه، بس وهو بيقع، رمى جسمه فوق الحصيرة، فوق المكان اللي تحته فتنة بالظبط، كأنه بيغطيها بدمه ولحمه.
الراجل اللي ماسك الكلب كان بيحاول يسيطر عليه. "يا ريس الكلب اتلسع ومش نافع يشم حاجة تاني، ريحة الشاي والماية المغلية غطت على أي ريحة في الأوضة، والكلب اتجنن."
الراجل الضخم بص لأيوب اللي واقع على الأرض بينزف وبيئن، تف على الأرض بقرف.
"عيل فلاح غبي. يلا بينا، مفيش حاجة هنا. البت دي أكيد ماتت في المطر أو الديابة كلتها. الباشا لازم يعرف إننا قلبنا الدنيا."
خرجوا من الكوخ، ورزعوا الباب المكسور وراهم.
صوت العربيات بدأ يبعد، بس أيوب فضل مكانه على الأرض، دمه بينزف وبيختلط بتراب الكوخ. مكنش حاسس بوجع الضربة، كان حاسس براحة غريبة.. إنهم مشيوا.
فضل نايم على الأرض دقايق يتأكد إن الصوت اختفى تماماً. بصعوبة، سند على إيديه وقام. راسه كانت بتلف، والدم كان مغطي عينه اليمين. زحف ناحية السرير، شال المرتبة، ورفع الباب الخشب.
"فتنة.." همس بصوت ضعيف ومبحوح.
بص جوه الحفرة. كانت متكورة على نفسها زي الجنين، حاطة إيديها على ودانها، وضامة المسبحة الخشب على صدرها بقوة لدرجة إن خرزاتها طبعت على جلدها. مكنتش بتتحرك، كأنها قاطعة النفس.
"فتنة.. اطلعي.. مشيوا خلاص.. أمان."
لما سمعت صوته، رفعت راسها ببطء. أول ما شافت النور، عينيها رفت بسرعة، بس لما شافت وش أيوب المتغطي بالدم، شهقت شهقة قطعت قلبه.
أيوب مد إيده عشان يطلعها، بس هي اللي نطت من الحفرة بسرعة غريبة. مقعدتش تعيط وتترعش زي عادتها.
وقفت قدامه، وبصت للدم اللي بينزف من جبهته. عينيها الخضرا كان فيها نظرة جديدة.. مش نظرة رعب، نظرة حزن عميق.. نظرة إدراك.
هي شافت من شق صغير في الخشب كل اللي حصل. شافت إزاي الراجل ضربه، شافت إزاي أيوب رمى نفسه فوقها عشان يحميها، شافت الدم اللي نزل بسببها. لأول مرة في حياتها المليانة عذاب، تشوف حد بيتأذي عشانها مش بيأذيها.
رفعت إيدها المرتجفة ببطء شديد، وقربتها من وشه. أيوب مكنش قادر يتحرك من الدوخة، سابها تعمل اللي هي عاوزاه. صوابعها الناعمة لمست جبهته، مسحت الدم اللي نازل على عينه برقة متناهية، كأنها بتلمس جرح طير.
لما لقت الدم جه على صوابعها، بصتله بذهول، وبعدين بصت في عين أيوب، ونطقت كلمة واحدة.. كلمة طلعت من أعمق نقطة في روحها، واضحة وقوية ورنت في البيت كله:
"أيوب... وجع؟"
أيوب ابتسم رغم الألم، دموع سخنة نزلت من عينيه السليمة واختلطت بالدم. "لا يا فتنة.. مش وجع.. فداكي روحي."
فجأة، البنت اترمت في حضنه، لفت دراعاتها الرفيعة حوالين رقبته، وخبّت وشها في صدره، وبدأت تبكي.. مش صراخ الرعب.. بكاء طبيعي. بكاء واحدة لقت الأمان اللي اتحرمت منه عمرها كله. كانت بتبكي على سنين العتمة، وعلى الدم اللي نزل عشانها، وعلى الحضن اللي أخيراً لقت فيه الحياة.
أيوب حط إيده على ضهرها بيطبطب عليها، وهو ساند راسه على الحيطة. عرف في اللحظة دي إن حياته القديمة الهادية انتهت للأبد. هو دلوقتي مش بس غفير مزرعة، هو حارس على روح رجعت من الموت.
"إحنا مش هينفع نفضل هنا يا فتنة." قالها أيوب بصوت واطي وهو بيبص من الشباك على نور الصبح اللي بدأ يفرش الأرض. "لو رجعوا تاني بالنهار مش هننجا. أنا لازم أخدك ونمشي من هنا.. لأي مكان ميعرفوش طريقنا فيه."
فتنة مكنتش فاهمة كلامه بالظبط، بس كانت فاهمة نبرة صوته. شدت على حضنه أكتر، وقالت بصوت متقطع: "أيوب.. فتنة.. سوا."
"سوا يا فتنة.. لآخر نفس."
قام أيوب، غسل جرحه وربط عليه حتة قماش نضيفة. لم هدومه القليلة، ومصحفه، والفلوس اللي كان محوشها من شغله، وحطهم في كيس قماش.
جاب عباية سودة واسعة من بتوع والدته الله يرحمها كان محتفظ بيها للذكرى، ولبّسها لفتنة عشان يداري هدومها وشعرها وجمالها اللي ممكن يجبلهم مصايب في السكة، ولف طرحة كبيرة على وشها مبينتش غير عينيها.
مسك إيديها الاتنين، وبص في عينيها. "من اللحظة دي، مفيش عتمة تاني. بس لازم تبقي شاطرة، وتمسكي في إيدي جامد، ومتبعديش عني مهما حصل. فاهمة؟"
هزت راسها بالموافقة، ومسكت في إيده كأنها بتمسك في حبل النجاة.
فتحوا باب البيت، وخرجوا تحت نور شمس. طريق طويل مجهول مستنيهم، ومعركة بقاء بين شاب أعزل قلبه مليان إيمان،ووحوش مش هيرتاحوا غير لما يرجعوا فتنة لضلمة تاني.. أو يقتلوهم هما الاتنين.



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات